Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
الحرز الثمين الحصن الحصين
وسيجيء في هذا الكتاب في أذكار الحج، ذكره میرك.
واعلم أن زمزم بئر مباركة معروفة بمكة، [وقصّتها](١) مشهورة، وفي
كتب السير [مسطورة](٢)، سميت بها لِزَمِّ هاجر أم إسماعيل - أي: ضمها
- لمائها حين انفجرت، وقيل: ((لِزَمِّ جبريل وكلامه عند فجره إياها))(٣)،
فيكون من الزمزمة، وقيل: ((لأنها مشتقة من [الهزمة](4)، وهي: الغمز
بالعقب في الأرض)»(٥)؛ لأن ماء زمزم خرج بغمز رِجْل إسماعيل القلّة،
ونقل عن البلقيني(٦) أن ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر؛ لأن به غسل
صدر النبي ﴾، ولم يكن يغسل إلا بأفضل المياه.
=
ثنا عبد اللّه عن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما رفعه
قال: «ماء زمزم لما شرب له)).
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د) و(هـ): ((وقضيتها)).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (ب): ((مبسوطة)).
(٣) حكى القولين السابقين السيوطي في ((شرح سنن ابن ماجه)) (١١٥٨/٢ رقم:
٣٠٧٤).
(٤) كذا في ((أخبار مكة)) و(فتح الباري))، وهو الصواب، وفي جميع النسخ: ((الزمة)).
(٥) أخرجه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (٢ / رقم: ١٠٥٦) عن مجاهد قوله. قال
الحافظ في ((فتح الباري)) (٤٩٣/٣): ((أخرجه الفاكهي بإسناد صحيح عنه)).
وقال ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (٥٠٢/٢): ((وليست زمزم على طريق
اللغة من الهزمة في شيء)).
(٦) ((مغني المحتاج)) للشربيني (٤٨/١).

٣٢٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
أقول: ويمكن أن يقال: يكفي في مزيته أنه أفضل مياه الأرض خصوصًا،
وقد حصل على سبيل خرق العادة ببركة قدم جده #، ويدل على قولنا ما
رواه ابن حبان بإسناد جيد عن ابن عباس، عن النبي ﴿﴿ أنه قال: «خير ماء
على وجه الأرض ماء زمزم؛ فيه طعام طعم، وشفاء سقم)) (١)، وهو: بضم
الطاء وسكون العين، أي: يشبع شاربها كما يشبعه الطعام.
هذا، وأخرج مسلم عن أبي ذر مرفوعًا: ((إنها مباركة؛ إنها طعام
طعم))(٢)، زاد البزار، والطيالسي: ((وشفاء سقم))(٢)، وروي عن ابن
عباس أنه قال: ((كان النبي ﴿ إذا أراد أن يُتْحِفَ الرجل بتحفة، سقاه من
ماء زمزم)) (٤)، أخرجه الدمياطي، وقال: ((إسناده صحيح))، ذكره ميرك.
(١) قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (١٨٣٨): ((رواه الطبراني في ((الكبير))
ورواته ثقات، وابن حبان في ((صحيحه)))، وتبعه المصنف في عزو الحديث
لابن حبان، ولم أقف عليه فيه، إنما رواه الطبراني في ((الكبير)) (١١ / رقم:
١١١٦٧) من حديث ابن عباس به. قال الألباني في ((صحيح الترغيب))
(٣٣٢٢): ((صحیح)).
(٢) أخرجه مسلم (٢٤٧٣) من حديث أبي ذر به مرفوعًا.
(٣) أخرجه البزار (٣٩٢٩، ٣٩٤٦)، وأبو داود الطيالسي (٤٥٩) من حديث أبي
ذر به مرفوعًا. قال الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١١٦٢):
((صحیح)).
(٤) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣/ ٢٨١)، وأبو الشيخ في ((طبقات المحدثين))
(٤٨/٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٠٤/٣)؛ كلهم من حديث ابن عباس به.
=

٣٢٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
هذا، والماء الذي نبع من بين أصابعه الكلية كان أفضل المياه بلا شبهة.
(والحضور) بالرفع، أي: من جملة أحوال الإجابة حالة الحضور، وفي
نسخة بالجر، أي: عند حضور الداعي وحال وصوله (عند الميت)
بالتشديد ويخفف، والمراد به: المحتضر، ويحتمل: الميت الحقيقي،
والحديث الآتي في تغميض الميت يدل على أنه أظهر.
(م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن أم سلمة، قالت: قال رسول
اللّه : ((إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا؛ فإن الملائكة
يُؤَمِّنون على ما تقولون)) (١)، قال ميرك: ((رواه الجماعة إلا البخاري)).
(وصياح الديكة) بكسر الدال وفتح التحتية، جمع الديك كالفِيَلَةِ
والفيل، والقِرَدة والقرد، والصياح مرفوع، وفي نسخة مجرور، أي: وعند
صيحة الديك وصوته، فإن المراد بها جنس الديك كما يفهم من التعليل
في الدليل، ولعل إتيانه بصيغة الجمع ليفيد الأنواع.
(خ، م، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي،
عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﴾ قال: ((إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا
قال أبو نعيم: ((هذا حديث غريب من حديث ليث عن مجاهد))، وقال الألباني
في ((السلسلة الضعيفة)) (٤١٦٥): ((ضعيف)).
(١) أخرجه مسلم (٩١٩)، وأبو داود (٣١٠٦)، والترمذي (٩٧٧)، والنسائي في
((الصغرى)) (١٨٢٥) وفي ((الكبرى)) (١٩٦٤)، وابن ماجه (١٤٤٧)؛ كلهم
من حديث أم سلمة به مرفوعًا، واللفظ لمسلم والترمذي وابن ماجه.

٣٢٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
اللّه من فضله؛ فإنها رأت مَلَكًا))(١)، رواه الجماعة إلا ابن ماجه، ذكره
ميرك.
وفي ((الجامع)): ((إذا سمعتم أصوات الديكة فسلوا الله من فضله؛ فإنها
رأت مَلَكا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنها
رأت شيطانًا))، رواه أحمد، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي(٢))(٣)، فاتفق
الجماعة على تخريج الحديث، مع زيادة الإمام أحمد، فرموز المصنف لا
تخلو عن قصور(٤)، وفي نسخة بالدال بدل التاء، لكنها ضعيفة.
قال القاضي عياض: ((في صياح الديكة رجاء تأمين الملائكة))(٥).
قلت: الأظهر أن يقال: لأن عند ذكر الصالحين وحضورهم ونزولهم
(١) أخرجه البخاري (٣٣٠٣)، ومسلم (٢٧٢٩)، والترمذي (٣٤٥٩)، والنسائي
في ((الكبرى)) (١٠٧١٤)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٢) أخرجه أحمد (٣٠٧/٢) و(٣٢١/٢)، وأبو داود (٥٠٦١)، والترمذي
(٣٤٥٩)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٣) ((صحيح الجامع)) (٦١١)، وقال الألباني: (صحيح)).
(٤) قلت: رموز المصنف فيها قصور من ناحية تركه رمز أبي داود، فالحديث
عنده من حديث أبي هريرة، ولكن قول الشارح: ((فاتفق الجماعة على
تخريجه)» - متابعًا فيه الإمام السيوطي في عزوه الحديث لابن ماجه - هو خطأ،
لأن ابن ماجه لم يخرج الحديث؛ ولهذا لم يرمز له الحافظ المزي في ((تحفة
الأشراف)) (١٠ / رقم: ١٣٦٢٩)، والله أعلم.
(٥) ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢٢٤/٨ رقم: ٢٧٢٩).

٣٢٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
تنزل الرحمة، بخلاف الظالمين والفَسَقة والفَجَرة، ويؤيده ما ورد في
الحديث المذكور من مقابلته بقوله: ((وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا
باللّه من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانًا)).
(واجتماع المسلمين) بالوجهين، ثم كل ما يكون الاجتماع فيه أكثر،
كالجمعة، والعيدين، وعرفة يتوقع فيه رجاء الإجابة أظهر. (ع) أي: رواه
الجماعة عن أم عطية الأنصارية(١).
(وفي مجالس الذكر) وفي معناها مجالس العلم والتلاوة. (خ، م، ت)
أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، من حديث أبي هريرة المتقدم في
فضل الذكر (٢).
(وعند قول الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾. م، د، س، ق) أي رواه: مسلم،
وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي موسى الأشعري، أن النبي
حاله
قال: ((إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا:
(١) أخرجه البخاري (٣٢٤) و(٩٧٢، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢)، ومسلم
(٨٩٠)، وأبو داود (١١٢٩)، والترمذي (٥٣٩، ٥٤٠)، والنسائي في
((الصغرى)) (٣٩٠) و(١٥٥٨، ١٥٥٩) وفي ((الكبرى)) (١٧٦٩، ١٧٧٠،
١٧٧١)، وابن ماجه (١٣٠٨)؛ كلهم من حديث أم عطية الأنصارية، وفيه:
((ولتشهد الخير ودعوة المسلمین)).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩)، والترمذي (٣٦٠٠)؛ كلهم من
حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

٣٢٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
آمين؛ يجبكم الله))(١).
(وعند تغمیض المیت) أي: إغماض عینیه بعد خروج رُوحه. (م، د،
س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أم سلمة،
قالت: ((دخل رسول اللّه ﴾ على أبي سلمة بعدما مات وقد شق بصره،
فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا خرج تبعه البصر، فضج ناس من أهله،
فقال: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يُؤَمِّنون على ما
تقولون))، ثم قال: ((اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في العليين،
واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في
قبره، ونور له فیه))(٢).
(وعند إقامة الصلاة. ط، مر) أي رواه: الطبراني، وابن مردويه، ولم
يعرف صحابيّهما، وفي نسخة صحيحة: ((عن سهل بن سعد
(١) أخرجه البخاري (٧٨٢) و(٤٤٧٥)، ومسلم (٤١٥)، وأبو داود (٩٣٥)،
والنسائي في ((الصغرى)) (٩٢٩)، وفي ((الكبرى)) (١٠٠٣)؛ كلهم من حديث
أبي هريرة به مرفوعًا، ولفظه: ((فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة
غفر له ما تقدم من ذنبه))، وأما اللفظ الذي ذكره الشارح رحمه اللّه فهو من
حديث أبي موسى الأشعري الذي أخرجه مسلم (٤٠٤)، وأبو داود (٩٦٤)،
وغيرهما.
(٢) أخرجه مسلم (٩٢٠)، وأبو داود (٣١٠٩)، والترمذي (٩٧٧)، والنسائي في
((الصغرى)) (١٨٢٥) وفي ((الكبرى)) (١٩٦٤)، وابن ماجه (١٤٤٧)؛ كلهم
من حديث أم سلمة به مرفوعًا، واللفظ لمسلم وأبي داود.

٣٢٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
[الساعدي](١))، وهو الظاهر مما سيأتي(٢).
(وعند نزول الغيث) أي: المطر. (د، ط، مر) أي رواه: أبو داود،
والطبراني، وابن مردويه، من حديث سهل بن سعد الساعدي(٣).
(رواه) أي: روى قبول الدعاء عند نزول الغيث، والظاهر أن يقال:
ورواه (الشافعي في ((الأم))) وهو اسم كتاب له، كأنه أصل مذهبه
(مرسلًا)، وهو يحتمل أن يكون مطلقًا غير منسوب إلى أحد، أو مقيدًا
عن سهل بن سعد السابق رمزه، أو أرسله الشافعي بنفسه إلى النبي
فإنه نوع من الإرسال أيضًا (٤).
(١) من (ج) فقط.
(٢) قلت: حديث سعد الآتي لفظه: ((عند النداء))، قال ابن الأثير في ((النهاية))
(٣٧/٥) مادة (ن دي): ((أي: عند الأذان بالصلاة))، وقد استدل به المصنف
من ذي قبل على هذا، وليست فيه دلالة على استجابة الدعاء عند الإقامة؛ إنما
أراد المصنف برمز الطبراني الحديث الذي رواه في ((الكبير)) (٧٧١٣/٨،
٧٧١٩)، والبيهقي أيضًا في ((السنن الكبرى)) (٣/ ٣٦٠) عن أبي أمامة، عن
النبي : ((تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء
الصفوف في سبيل الله، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية
الكعبة)). قال الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٤٦٥): ((ضعيف جدًّا)».
(٣) أخرجه أبو داود (٢٥٣٢)، والطبراني في ((الدعاء)) (٤٨٩)؛ كلاهما من حديث
سهل بن سعد الساعدي به مرفوعًا. قال الحاکم: «هذا حديث صحيح الإسناد
ولم يخرجاه))، وقال الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٠٧٩): ((صحيح)).
(٤) أخرجه الشافعي ((الأم)) (٥٩١) قال: أخبرني من لا أتهم، قال: حدثني

٣٢٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
(وقال) أي: الشافعي(١) زيادة على الإرسال، (قد) وفي نسخة: ((وقد))
(حفظت من) وفي نسخة صحيحة: ((عن)) (غير واحد) أي: عن كثير من
السلف (طلب الإجابة عنده) أي: عند نزول الغيث.
(قلت: وعند رؤية الكعبة. ط) أي: رواه الطبراني عن أبي هريرة، بلفظ:
(يستجاب دعاء المسلم عند رؤية الكعبة))(٢). قال ميرك: ((وإسناده ضعيف).
قلت: يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال اتفاقًا، ويؤيده أنه ﴿ كان
إذا نظر إلى البيت قال: ((اللهم زد بيتك هذا تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا
ومهابة))، رواه الطبراني عن حذيفة بن أسيد(٣).
هذا، وفي قوله: (قلت)) إشعار بأن أحدًا من العلماء قبله لم يعدها من
أحوال الإجابة، وإن كان مأخذها موجودًا في السنة.
عبدالعزيز بن عمر، عن مكحول، عن النبي ﴾، قال: ((اطلبوا إجابة الدعاء
عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث)). وقد حسنه الألباني
بشواهده كما في ((السلسلة الصحيحة)) (١٤٦٩).
(١) ((الأم)) للشافعي (٢/ رقم: ٥٩٢).
(٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٨/) رقم (٧٧١٣، ٧٧١٩) من حديث أبي
أمامة مرفوعًا، ولفظه: ((تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة
مواطن ... )) وذكر الحديث. قال الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٤٦٥):
(ضعيف جدًّا)).
(٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣) رقم (٧٧١٣، ٧٧١٩) من حديث حذيفة بن
أسيد به مرفوعًا. قال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (٤٢١٥): ((موضوع)).

٣٢٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
(وبين الجلالتين) أي: في قوله تعالى: ﴿رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أُعْلَمُ﴾ [الأنعام:
١٢٤] (في الأنعام) أي: في سورته.
(حفظنا ذلك مجربًا) حال من المفعول، (عن) وفي نسخة: ((من)) (غیر
واحد من أهل العلم).
(ونص عليه الحافظ عبدالرزاق) أي: ابن رزق الله، محدث الجزيرة،
توفي سنة إحدى وستين وست مئة (١)، كذا في ((التصحيح))، (الرَّسْعَنِيّ)
بفتح الراء وسكون السين وفتح العين ونون مكسورة وياء مشددة، نسبة
إلى بلدة من بلاد ديار بكر، يقال لها: رأس العين، وماء دجلة يخرج منها،
كذا في ((الأنساب))(٢).
(في ((تفسيره)(٣) عن الشيخ العماد) بكسر العين (المقدسي) بفتح
(١) هو: عبدالرزاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف، أبو محمد، الجزري
الرَّسْعَني الحنبلي، عز الدين، الإمام المحدث الرحال الحافظ المفسر عالم
الجزيرة، كان إمامًا متقنًا ذا فنون وأدب، وعُنِيَ بعلم التفسير، وجمع وصنف
تفسيرًا حسنًا سماه ((رموز الكنوز))، وكتاب ((فضل الحسين))، ولد سنة:
٥٨٩، وتُوُفَِّ سنة: ٦٦١، راجع ترجمته في: ((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن
رجب (٤ / رقم: ٤١٩) ((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٧٢/٤٩)، و((طبقات
المفسرين)) للسيوطي (٥٦).
(٢) ((الأنساب)) للسمعاني (١١٩/٦).
(٣) طُبع هذا التفسير، ولكن أشار محققه أنه ناقص من أواخر سورة النساء وحتى
الآية ١٢٧ من سورة الأنعام؛ ولذا لم أقف على قوله هذا في المطبوع منه.

٣٣٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
الميم وكسر الدال(١)، قال ميرك: ((وكذا نص عليه الشيخ الخطيب شرف
الدين التبريزي(٢) في ((تفسيره)))).
(١) هو: إبراهيم بن عبدالواحد بن علي بن سرور، أبو إسحاق، العماد المقدسي
الحنبلي، الزاهد القدوة، أخو الحافظ عبد الغني، رحل في طلب العلم، وكان
عالمًا بالقراءات والنحو والفرائض، وكان من كثرة اشتغاله بالتعليم لا يتفرغ
للتصنيف، ولد سنة: ٥٤٣، وتُؤُفِيَ سنة: ٦١٤، راجع ترجمته في: ((ذيل طبقات
الحنابلة)) لابن رجب (٣/ رقم: ٢٨٣)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٧/٢٢)
و((تاريخ الإسلام)» للذهبي (١٨٢/٤٤).
(٢) هو: يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام، أبو زكريا، الشيباني
التبريزي الخطيب اللغوي، أحد الأعلام في اللسان، قرأ اللغة والأدب على
أبي العلاء بن سليمان بالمعرة، تخرج عليه خلق، وله مصنفات كثيرة، منها:
((شرح الحماسة))، و((شرح ديوان المتنبي))، و((شرح سقط الزند))، ولد سنة:
٤٢١، وتوفي سنة: ٥٠٢، راجع ترجمته في: ((معجم الأدباء)) لياقوت الحموي
(٦/ رقم: ١٢٣٣)، و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٩/١٩) و((تاريخ الإسلام))
للذهبي (٣٥/ ٧٣).

٣٣١
الحرز الثمين الحصن الحصين
أماكن الإجابة
(أماكن الإجابة فكالمواضع (١) الشريفة) أي: الثابتة الواردة أن الدعاء
يستجاب فيها، وكان الأظهر أن يقول المصنف: هي المواضع الشريفة.
(قال الحسن البصري(٢)) بفتح الباء [وتكسر](٣) (رحمه الله) وهو من
أجلّاء التابعين، بل قيل: ((إنه أفضلهم))، لكن الصحيح أن خير التابعين
أويس القرني على ما ورد به الخبر(٤)، والمراد به أنه أكثر ثوابًا، وإلا فلا
شك أن الحسن أكثر فضيلة منه، وكذا سعيد بن المسيب وأمثاله من
التابعين، (في رسالته) أي: في كتابته المرسلة (إلى أهل مكة) أي: إلى
بعضهم حين يريد أن يتحول منها إلى غيرها من البلدان، وهي مشتملة
على أحاديث وردت في فضل المجاورة بمكة، وقال فيها أيضًا: (إن
الدعاء يستجاب هناك) أي: في ذلك البلد، يعني: مكة وما حولها.
(١) بتقدير ((أما))، وكأن التقدير: وأما الأماكن ... إلخ، والله أعلم.
(٢) انظر: فضائل مكة والسكن فيها (ص: ٢٤ - ٢٥) وفي نسبة هذه الرسالة
للحسن البصري مقال، لأن الإسناد إليه منقطع، وفيه ضعفاء ومجاهيل.
وانظر أخبار مكة للفاكهي (٢/ ٢٧١).
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): ((وكسرها)).
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٤٢) عن أسير بن جابر عن عمر مرفوعًا: ((إن خير التابعين
رجل يقال له: أويس ... )) الحديث.

٣٣٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
(في خمسة عشر موضعًا) وهو لا يفيد الحصر ليرد عليه أنه ثمة مواضع
أخر يستجاب الدعاء فيها، كالمستجار، والركن اليماني، وما بين
الركنين، ودار الأرقم المشهور الآن بـ ((دار الخيزران)) (١) التي كان ﴾
وأصحابه فيها مستخفين من الكفار حتى أسلم عمر عثه فيه، وأعز اللّان
الإسلام به، وكذا مولده ﴿1، وبيت خديجة رضي الله عنها، وغار ثور
وحراء(٢) وأمثال ذلك.
(١) انظر: العقد الثمين للفاسي (٩٨/١) والزهور المقتطفة في تاريخ مكة المشرفة
للفاسي (ص: ١٥٨).
(٢) قال العلامة السفاريني في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب (٥١٤/٢)، قال
معلقا على قول الناظم في ذكر أماكن إجابة الدعاء: وَأَمَّا أَمَاكِنُ الْإِجَابَةِ فَهِيَ
الْمَوَاضِعُ الْمُبَارَكَةُ، وَلَا أَعْلَمُ بِوُرُودِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ الْمَعْصُومِ ﴿ إِلَّا مَا
رَوَاهُ الطََّرَانِّ بِسَنَدٍ حَسَنِ ((أَنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ)). قُلْت: إلَّا
أَنْ يُقَالَ وَفِي مَسْجِدِ الْأَحْزَابِ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ لَمَّ اسْتَجَابَ لَهُ ﴿ يَوْمَ
الْأَرْبِعَاءِ.
فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ سَعْدٍ عَنْ جَابِرِ أَنَّهُ ﴿ ((أَتَى مَسْجِدَ الْأَحْزَابِ يَوْمَ
الإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ
وَقَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَيْهِمْ - أَيْ الْأَحْزَابِ - قَالَ جَابِرٌ فَعَرَفْنَا الْبِشْرَ فِي
وَجْهِهِ ﴾﴾)).
وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مَوَاضِعَ أُسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ فِيهَا عَنْ تَجْرِيَةٍ. كَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ،
وَبَيْنَ الْجَلَالَتَيْنِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَفِي الطَّوَافِ. وَعِنْدَ الْمُلْتَزَمِ وَفِيهِ حَدِيثٌ
مَرْفُوعٌ وَرُوِيَ مُسَلْسَلًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَقُومُ عَبْدٌ ثُمَّ يَعْنِي فِي الَّمُلْتَزَمِ فَيَدْعُو

٣٣٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
(في الطواف) بدل تفصيل بإعادة العامل، أي: في موضعه المعبر عنه
بالمطاف، وإلا فنفس الطواف ومباشرته من جملة أحوال الإجابة، والظاهر:
أن المراد به المحل المعهود في زمنه ﴿، وإلا فالمسجد الشریف کله يجوز
فيه الطواف، لكن كل ما يكون أقرب إلى البيت فهو أفضل، بشرط أن يجتنب
عن المرور على الشّاذَرْوَانِ(١)، ثم الظاهر: أن الدعاء مستجاب [في](٢) حال
مباشرة الطواف، ودعواته المأثورة مشهورة، ولا يبعد أن يكون مطلقًا.
اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِشَيْءٍ إِلَّ اسْتَجَابَ لَهُ، وَفِي دَاخِلِ الْبَيْتِ، وَعِنْدَ زَمْزَمَ، وَعَلَى
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَفِي الْمَسْعَى، وَخَلْفَ الْمَقَامَ، وَفِي عَرَفَاتٍ، وَالْمُزْدَلِفَةِ،
وَمِنَّى وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ. وَفِي أَمَاكِنَ أُخْرَىَ جَرَّبَهَا النَّاسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لا أعرف دليلا صحيحا على أن هذه المواضع كلها من مواضع الإجابة.
انظر للتفصيل: ((الإيجاز في المناسك)» للنووي (ص ٧٦)، وللشيخ محمد
سعيد بن عثمان بن محمد شطا المكي رحمه اللّه، إمام المقام الشافعي
والخطيب بالمسجد الحرم، أحد علماء القرن الرابع عشر الهجري، رسالة في
((مواطن إجابة الدعاء بمكة المكرمة)) تسمى: ((مجموع الذخائر المكية في
أشرف البقاع الحرمية المدخرة في الكعبة المشرفة لإجابة الأدعية المسنونة
المختصة فيها كما وردت الأحاديث في فضلها)» حققها الدکتور عبد الله نذير
أحمد، ونشرتها دار البشائر الإسلامية ببيروت سنة ١٤١٩ هـ.
(١) الشَّاذَرْوَانِ: هو أساس البيت الخارج عن جداره مرتفعاً عن سطح الأرض
قرابة ثلاثين سنتيمتراً، تركته قريش لضيق النفقة، وهو جزء من البيت. انظر:
أخبار مكة للأزرقي (١ /٢٠٧)، المجموع شرح المهذب (٢٤/٨).
(٢) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د) و(هـ): ((فيه).

٣٣٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
(وعند الملتزم) وهو ما بين الركن والباب، فهو تخصيص بعد تعميم،
ومحله بعد الطواف قبل ركعتي الطواف، وقيل: بعدهما، وهو أن يتشبث
بأستار الكعبة، ويضع خده ووجهه علیه، ويلصق سائر بدنه إلیه، ويدعو
نحو: ((اللهم إني وقفت ببابك، والتزمت بأعتابك، أرجو رحمتك،
وأخشى من عذابك. اللهم حرم شعري وجسدي على النار))، ومن دعائه:
((يا [واحد](١) يا ماجد، لا تزل عني نعمة أنعمت بها عليَ))(٢).
(وتحت الميزاب) الظاهر أنه من داخل الحجر، ويحتمل أن يراد به
محاذيه من المطاف. (وفي البيت) أي: وفي داخله، ويقول حينئذٍ: ((اللهم
يا رب البيت العتيق، أعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار، اللهم
كما أدخلتني بيتك فأدخلني جنتك، اللهم يا خفي الألطاف، آمنا مما
نخاف))، وكذا الحطيم حكمه حكم البيت على ما ورد به الحديث، وقال
ابن العربي خلصنا اللّه به: من صنيع سَدَنَة الكعبة.
(وعند زمزم) أي: عند الوقوف على قرب بئرها، أو مع شرب مائها،
فإن ماء زمزم لما شرب له، ويقول: ((اللهم إني أسألك عِلْمًا نافعًا، ورزقًا
واسعًا، وشفاءً من كل داءٍ))(٣).
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ) و((تاريخ دمشق))، وفي (ج): ((واجد)).
(٢) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٦٤/٥١) من حديث علي به مرفوعًا.
قال الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٥٠٧٩): ((ضعيف)).
(٣) أخرجه الحاكم (١ / ٤٧٣) من حديث ابن عباس وسبق الكلام عليه.

٣٣٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
(وعلى الصفا والمروة) أي: بدعواتهما المأثورة وغيرها كما سيأتي في
محالها، وهل يختص بحال مباشرة سعي أحد النسكين، أو المراد مطلق
الوقوف عليهما؟ فالأول مجزوم، والثاني محل توقف، وفضل الله واسع.
وكذا الكلام في قوله: (وفي المسعى) وهو ما بين الصفا والمروة.
(وخلف المقام) أي: مقام إبراهيم بعد أداء ركعتي الطواف، ويدعو
بدعاء آدم العليا، على ما ورد به الحديث الشريف: ((اللهم إنك تعلم سري
وعلانيتي، فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي، فأعطني سؤلي، وتعلم ما في
نفسي، فاغفر لي [ذنوبي](١). اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ويقينًا
صادقًا حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضاء بما قسمت لي))(٢).
(وفي عرفات) أي: في يوم عرفة حال تلبسه بإحرام الحج بعد الزوال
إلى الصبح. (وفي المزدلفة) أي: في ليلة العيد إلى قبيل طلوع الشمس.
(وفي منَّى) بالقصر، وفي نسخة بالتنوين فيكتب بالألف، وظاهره أن
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د) و((أخبار مكة)) و((الدعوات الكبير))، وفي (ب) و(هـ)
و((المعجم الأوسط)): ((ذنبي)).
(٢) أخرجه الأزرقي في ((أخبار مكة)) (٢٧، ٥٢٩) من حديث عبد الله بن أبي
سليمان المخزومي به موقوفًا، والطبراني في ((الأوسط)) (٥٩٧٤)، وابن
عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٣١/٧)؛ كلاهما من حديث عائشة به موقوفًا،
ورواه الأزرقي أيضًا (٥٣٠)، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) (٢٣١)، وابن
عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٢٨/٧)؛ كلهم من حديث سليمان بن بريدة عن
أبيه به مرفوعًا. قال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (٦٤١١): ((منكر)).

٣٣٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
جملة منَّى محلّ إجابة الدعوة؛ لأن منازل منَّى حينئذٍ أماكن الحجاج،
ودعوتهم مستجابة، لا سيما في أثناء العبادة، خصوصًا في مسجد الخيف.
(وعند الجمرات الثلاث) في ((الْمُغْرِب)): ((الجمرات هي الصغار من
الأحجار، وبها سميت المواضع التي تُرْمَى جمارًا لما بينهما من
و
الملابسة))(١)، انتهى. والظاهر تقييدها بأوقاتها المعروفة.
(قلت: وإن لم يُجَبْ) بصيغة المجهول، أي: إن لم يستجب (الدعاء
عند النبي (4) أي: عند قبره (ففي، أي: موضع) أي: يستجاب، وفيه أن
الحسن البصري ما التزم في رسالته حصر المواضع الشريفة، وإنما ذكر
بعض المواضع من مكة المنيفة ترغيبًا للمجاورين، وحثّا للمقيمين على
اغتنام الدعوات فيها رجاء الإجابة بها.
قال المؤلف: ((وبيانه: أنه إذا كان الدعاء مجابًا في هذه الأماكن
المتبركة، فلا أبرك من موضع ضم سيد المرسلين [وخاتم النبيين](٢)،
وقد أجمع من نعرفه من العلماء المعتبرين على أن البقعة التي دفن فيها
أفضل بقاع الأرض، ولا شك عندنا أنه # يسمع دعاء من يدعو، كما
يسمع سلام من يسلم عليه ويصلي عليه، اللهم صل وسلم عليه))(٣).
(١) انظر: ((المغرب)) للمطرزي (١٥٦/١) مادة (ج م ر).
(٢) من (هـ) فقط.
(٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٥/ ب). قال القاضي عياض: أجمعوا على أن
موضع قبره * أفضل بقاع الأرض وإن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض
واختلفوا في أفضلهما ما عدا موقع قبره ﴿. شرح مسلم (٩/ ١٦٣).

٣٣٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
قلت: بل قيل: ((موضع ضم أَعْظُمَهُ أَعْظَمُ من العرش)»، واللّه سبحانه
أعلم(١).
(١) وقال القاضي عياض اليحصبي في كتابه الشفا ((ولا خلاف أن موضع قبره ؟
أفضل بقاع الأرض)) فعلَّق عليه الشيخ الخفَّاجي: ((بل أفضل من السموات
والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمه الله)) أ.هـ من نسيم الرياض
(٥٣١/٣) ونقل عن ابن عبد السلام مثل ذلك.
قلت: إدعاء إجماع باطل من القاضي عياض ومن تبعه، وليس عندهم دليل من
الكتاب ولا من السنة على ما قالوا. وفي مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية:
وَسُئِلَ عن التربة التي دفن فيها النبي ﴾: هل هي أفضل من المسجد الحرام؟
فأجاب: وأما [التربة] التي دفن فيها النبي ◌ّ فلا أعلم أحدًا من الناس قال:
إنها أفضل من المسجد الحرام، أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى، إلا
القاضي عياض، فذكر ذلك إجماعًا، وهو قول لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه.
ولا حجة عليه، بل بدن النبي 13 أفضل من المساجد. وأما ما فيه خلق أو ما
فيه دفن، فلا يلزم إذا كان هو أفضل أن يكون ما منه خلق أفضل؛ فإن أحدًا لا
يقول: إن بدن عبد الله أبيه أفضل من أبدان الأنبياء، فإن الله يخرج الحي من
الميت، والميت من الحي. ونوح نبي كريم، وابنه المغرق كافر، وإبراهيم
خليل الرحمن، وأبوه آزر كافر.
والنصوص الدالة على تفضيل المساجد مطلقة، لم يستثن منها قبور الأنبياء،
ولا قبور الصالحين. ولو كان ما ذكره حقا لكان مدفن كل نبي، بل وكل
صالح، أفضل من المساجد التي هي بيوت اللّه، فيكون بيوت المخلوقين
أفضل من بيوت الخالق التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وهذا قول
مبتدع في الدين، مخالف لأصول الإسلام.
=

٣٣٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
علق عليه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في كتابه الشرح الممتع على زاد
المستقنع ((كتاب المناسك باب صيد الحرم)):
(قال صاحب الروض: ((قال في الفنون)) الفنون كتاب لابن عقيل - رحمه الله،
وسمي فنوناً لأنه جمع فيه الفنون كلها، وهو كتاب رأينا شيئاً منه، ولا بأس به
لكن ليس بذاك الكتاب الذي فيه التحقيق الكامل في مناقشة المسائل، إنما
ينفع طالب العلم بأن يفتح له الأبواب في المناقشة.
يقول: ((الكعبة أفضل من مجرد الحجرة))، أي: حجرة قبر النبي ﴾، وهذا لا
شك فيه، والحجرة ليس فيها فضل إطلاقاً؛ لأنها بناء، ثم هذا البناء الآن بناء
محدث على قبر النبي ®، لكن مراده بقوله: الحجرة أي حجرة عائشة، وهو
البيت الأول الذي دفن فيه الرسول #، فالكعبة أفضل من البيت الذي کان
الرسول # ساکنه، و دفن فيه.
قال في الفنون: ((فأما والنبي ﴾ فيها - أي في الحجرة - فلا والله، ولا العرش
وحملته ولا الجنة)).
أي: أن الحجرة التي فيها قبر النبي ﴾ أفضل من الكعبة، وأفضل من العرش،
وأفضل من حملة العرش، وأفضل من الجنة.
قال: ((لأن بالحجرة جسداً لو وزن به لرجح))، وهذا التعليل عليل، فلو قال:
إن الجسد أفضل لکان فيه نوع من الحق.
أما أن يقول الحجرة أفضل؛ لأن فيها هذا الجسد، فهذا خطأ منه - رحمه الله -.
والصواب أن هذا القول مردود عليه، وأنه لا يوافق عليه، وأن الحجرة هي
الحجرة، ولكنها شرُفت بمقام النبي ﴾ فیها في حیاته وبعد موته.
وأما أن تكون إلى هذا الحد، ويقسم - رحمه الله - أنه لا تعادلها الكعبة، ولا
العرش، ولا حملة العرش ولا الجنة فهذا وهم وخطأ، لا شك فيه.

٣٣٩
الحرز الثمين للحصن الحصين
وكذا يستجاب في سائر مواضع مسجده الشريف، كالمنبر المكرم،
والأسطوانات المعظمة، وباقي مشاهد المدينة، والآبار المنسوبة إليه، ومقابر
أصحابه من البقيع وأُحُد، وكذا مسجد قباء، وسائر المساجد المأثورة(١).
(على أنّا) متعلق بالسابق، أي: مع أَنَّا (قد روينا) بصيغة المجهول
مخففًا، وقد يشدد، وفي نسخة على بناء الفاعل، قال الحنفي: ((هو على
تأويل قرأنا وسمعنا في كتاب فلان، والصحيح المختار الذي عليه أهل
الحديث هو الأول، على معنى: ألقي إلينا سماعًا أو إجازة أو رواية أو
نحوها، أي: نقل إلینا»، انتهى.
ولا يخفى أنه غير ملائم لقوله: ((حديثًا))، فالأنسب أن يقال: إنه من
باب الحذف والإيصال، والتقدير: أن مشايخنا رووا لنا.
(في استجابة الدعاء في الملتزم حديثًا مسلسلًا من طريق أهل مكة(٢))،
(١) غالب هذه الأماكن المذكورة المحددة لإجابة الدعاء لم أجد عليها أدلة وإنما
هي من أقوال الفقهاء. وقد سبق الكلام عنها قريباً.
(٢) قصد الماتن رحمه الله الحديث الذي أخرجه القاضي عياض في ((الشفا))
(٦٨٧/٢)، والديلمي في ((الفردوس)) (٦٢٩٢)؛ كلاهما من حديث ابن
عباس، قال: سمعت رسول اللّهُ ﴾ يقول: «ما دعا أحد بشيء في هذا الملتزم
إلا استجيب له))، قال ابن عباس: ((وأنا فما دعوت اللّه بشيء في هذا الملتزم
منذ سمعت هذا من رسول اللّه 8# إلا استجيب لي))، ثم تسلسل الحديث
بقول كل واحد من الرواة مثل ما قال ابن عباس. قال الألباني في ((السلسلة
الضعيفة)) (٤٤٤١): ((موضوع)).

٣٤٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
والمسلسل: نوع من أنواع الأسانيد، ومحله كتب أصول الحديث،
ومجمله ما ذكره الطيبي: «أنه ما تتابع فيه رجال الإسناد عند روايته على
حالة واحدة))(١).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) للطيبي (٢/ ٣٨١) وتدريب الراوي (٤٠٦/٣).