Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
الحرز الثمين الحصن الحصين
قال المصنف: ((أي: لا يقول: اغفر لي إن شئت، [أو أعطني](١) إن شئت؛
فإن الله تعالى لا مستكره له))، وفي رواية: «فإن الله تعالى صانع ما شاء، مانع
ما شاء، لا مكره له)))(٢). (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي هريرة(٣).
(وأن يدعو برغبة) [أي: بغلبة ميل](٤). (حب، عو) أي رواه: ابن
حبان وأبو عوانة عنه أيضًا (٥).
(وأن يخرجه) أي: الدعاء (من قلبه بجد) أي: ببذل وسع وطاقة،
[فتفسيره](٦) قوله: (واجتهاد، وأن يُحضر) من الإحضار (قلبه، ويُحسن)
من الإحسان، وقيل: ((من التحسين)) (رجاءه)، وهو بالمد ضد الخوف.
(مس) أي: رواه الحاكم عنه أيضًا، ولفظ الحديث: ((ادعوا اللّه وأنتم
موقنون بالإجابة؛ فإن اللّه لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه(٧).
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و((مفتاح الحصن الحصين)): ((وأعطني)).
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٤/ ب).
(٣) أخرجه البخاري (٦٣٣٩)، (٧٤٧٧)، ومسلم (٢٦٧٩)، وأبو داود
(١٤٨٣)، والترمذي (٣٤٩٧)، وابن ماجه (٣٨٥٤).
(٤) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((أي: بميل قلب))، وكتب في
الحاشية: ((أي: بغلبة ميل، نسخة أصل)).
(٥) أخرجه ابن حبان (٨٩٦) وأبو عوانة كما في ((إتحاف المهرة)) (١٩٣٦٣)
(٦) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): ((بثقة)).
(٧) أخرجه الترمذي (٣٤٧٩) وقال: حديث غريب، والحاكم (٤٩٣/١) وإسناده
حسن. وعبدالله بن معاوية الجمحي قال الحافظ عنه: ثقة، التقريب (٣٦٥٥).
وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٤٥) وفي السلسلة الصحيحة ٥٦٤).

٢٦٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
(وأن يكرر الدعاء) أي: في مجلس أو [في](١) مجالس. (خ، م) أي رواه:
البخاري، ومسلم عن جرير بن عبدالله البجلي(٢)، (و[أقله](٣) التثليث) أي:
تثليث الدعاء بأن يكرره ثلاثًا، وفي نسخة للجلال، وهو المطابق لأكثر
النسخ [المحاضرة](٤): ((وأقله التثليث)) أي: وأقل تكرار الدعاء جعله
ثلاثًا. (د، ي) أي رواه: أبو داود، وابن السني، عن أبي أمية المخزومي.
(وأن يُلِحّ فيه) من الإلحاح، وهو المبالغة، أي: وأن يبالغ في الدعاء
بالمداومة والمواظبة في الحالات، ولا يكتفي بمرة ولا بمرات، فيغاير
[التكرير](٥) والإلحاح في وقت من الأوقات. (س، مس، عو) أي رواه:
النسائي، والحاكم، وأبو عوانة؛ عن عبدالله بن جعفر الطيار.
(وأن لا يدعو بإثم) أي: بسبب حصول معصية، أو بما يوقعه في سيئة
(ولا قطيعة رحم) تخصيص بعد تعميم لزيادة الاهتمام ببيانها لعظمة شأنها،
ففي ((النهاية)): ((القطيعة الهجران، ويريد به ترك البر والإحسان إلى الأقارب
وهي ضد صلة الرحم)). (م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي، عن أبي
هريرة بلفظ: ((لا يزال يستجابُ للعبد ما لم يدعُ بإثم، أو قطيعة رحم))(٦).
(١) من (أ) فقط.
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٠) ومسلم (١٧٩٤).
(٣) من (ج) فقط.
(٤) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(هـ): ((الحاضرة)).
(٥) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): ((التكرار)).
(٦) أخرجه مسلم (٢٧٣٥)، ولفظ البخاري (٦٣٤٠)، وأبو داود (١٤٨٤)
=

٢٦٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
(وأن لا يدعو بأمرٍ قد فرغ منه) بصيغة المجهول کطول قدَّ، وبياض
خدٍّ، ونحوهما من أمور مفروغ عنها، وكذا ما قدر للعبد من عمله وأجله
ورزقه وشقاوته، وأن بعض الخلق في الجنة، وبعضهم في النار، كما ورد:
((فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير))(١).
وقال الحنفي: ((الفراغ على ضربين: أحدهما: الفراغ من الشغل،
والآخر: القصد للشيء، ومنه: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١]، والمعنى هنا
على الأول))، انتهى. وهو غير صحيح في حق اللّه سبحانه؛ لأن معنى
قوله: ((فرغ ربكم من العباد)) قدَّر [ربكم](٢) أمرهم، وجعلهم فريقين،
وحكم عليهم بالطريقين، كما قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ
الضَّلَلَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وهذا باعتبار الحكم الكلي المعين فلا ينافي
=
والترمذي (٣٣٨٧)، وابن ماجه (٣٨٥٣) ولم أقف عليه عند النسائي في
السنن وقد أخرجه في عمل اليوم والليلة (٥٨٢) (٥٨٣).
وليس هو في البخاري بهذا اللفظ، إنما خرَّج هو والجماعة: ((يستجاب
لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي)).
(١) أخرجه الترمذي (٢١٤١). والنسائي في الكبرى (١١٤٧٣). إسناده ضعيف.
في الإسناد أبا قبيل المعافري - وهو حيي بن هانئ مختلف فيه وثقه أحمد وابن
معين في رواية، وأبو زرعة والفسوي والعجلي وأحمد بن صالح المصري
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال: كان يخطئ، وقال أبو حاتم: صالح
الحديث وذكره الساجي في ((الضعفاء)) له انظر ترجمة أبي قبيل المعافري
تهذيب الكمال (٧/ ت ١٥٨٦ و ١٩٤/٣٤).
(٢) من (هـ) فقط.

٢٦٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
سؤال الإيمان للفرد الجزئي المبهم.
(س) أي: رواه النسائي عن ابن مسعود، قال: ((قالت أم حبيبة زوج
النبي ﴾: اللهم، متعني بزوجي رسول اللّه ﴾، وبأبي أبي سفيان، وبأخي
معاوية، قال: فقال النبي ®: لقد سألت الله لآجال مضروبة، وأرزاق
مقسومة، وأيام معدودة، لن يجعل اللّه شيئًا قبل حلَّه، أو يؤخر شيئًا عن
حلِّه، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو [من](١)
عذاب في القبر، كان خيرًا، أو أفضل))(٢).
(وأن لا يعتدي في الدعاء) أي: لا يتجاوز فيه عن حده (بأن يدعو
بمستحيل) أي: شرعًا أو عادةً، مثل: طلب النبوة بعد خاتم النبيين، أو عدم
وجود الآدميين، (أو ما في معناه) من نزول سماءٍ، وطلوع أرضٍ، وغيرهما
مما قدمناه، فإن من المحال تغيير كل أمر قدره الله سبحانه وقضاه.
(خ) أي: رواه البخاري تعليقًا عن ابن عباس موقوفًا، فكان من حقه
أن يذكر ((مَوْ)) قبل رمزه، قال المصنف: «لما رواه البخاري تعليقًا عن
ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿إِنَّه لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]،
قال: في الدعاء وغيره(٣)، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يدعو الإنسان
بأن يطلع إلى السماء، أو يحول الجبل الفلاني ذهبًا، أو يحيا له الموتى، أو
(١) من (هـ) فقط.
(٢) أخرجه مسلم (٦٨٦٤ و ٦٨٦٥ و ٦٨٦٦ و٦٨٦٧) والنسائي في ((عمل اليوم
والليلة)) (٢٦٤).
(٣) أخرجه البخاري معلقا عن ابن عباس (٥٨/٦) وانظر تغليق التعليق (٢١٣/٤).

٢٦٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
بأمرٍ لا يعلم حقيقته، وعن عبدالله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول: ((اللهم
إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني، سل
اللّه الجنة، وتعوذ به من النار؛ فإني سمعت رسول اللّه * يقول: إنه
سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور، والدعاء))، رواه أبو داود،
وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان في ((صحيحهما))(١)، والاعتداء في
الطهور (٢): المبالغة والتجاوز عن الحد المشروع، كالذي يزيد في
الوضوء على التثليث، وفي الغسل الإسراف، ونحو ذلك، وفي الدعاء أن
يدعو بمستحیل، وبما لا يجوز أن يدعو به))(٣)، انتهى.
وقد فسّر الاعتداء في الدعاءِ بتكلّف السجع، كذا في (الأذكار))(٤)،
وقال بعضهم: ((الاعتداء هو طلب ما لا يليق به، كرتبة الأنبياء، والصعود
إلى السماء))، وقيل: ((هو الصياح في الدعاء))، وهو المناسب لما قبله من
قوله: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
(١) أخرجه أبو داود (٩٦)، وابن ماجه (٣٨٦٤) والحاكم (١/ ١٦٢ و٥٤٠)،
وابن حبان (٦٧٦٤) وقد صححه النووي في المجموع (٢٢٠/٢) وقال:
رواه أبو داود بإسناد صحيح. والحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٣٨٧/١).
(٢) قال في المرقاة: والاعتداء في الدعاء يكون من وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز
عن موقف الافتقار إلى بساط الانبساط، ويميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط في
خاصة نفسه، وفي غيره إذا دعا له أو عليه، والاعتداء في الطهور استعماله فوق
الحاجة والمبالغة في تحري طهوريته حتى يفضي إلى الوساوس (المرقاة ٢/ ٤١٧).
(٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٤ / ب، ٥/ أ).
(٤) ((الأذكار)) للنووى (ص ٣٤٢).

٢٦٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
قيل: ((ومنه الإطناب في الدعاء))، فقد نقل الإمام أحمد في ((مسنده)):
((أن أحدًا من الصحابة سَمِعَ أحدًا يقول: اللهم إني أسألك الجنة،
ونعيمها، وَإِسْتَبْرَقَهَا، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها،
وأغلالها، فقال له: إني سمعت رسول اللّه * يقول: إنه سيكون أقوام
يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية، وقال: بحسبك أن تقول: اللهم، إني
أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما
قرب إليها من قول أو عمل))، ورواه أبو داود أيضًا(١).
(وأن لا يتحجّر) بتشديد الجيم تفعُّل من الحَجْر بفتح فسكون، بمعنی
المنع بأن يقول: ((اللهم، اغفر لي، ولا تغفر لغيري)) أو ((اللهم، لا تغفر
[لفلان](٢))، يقال: تحجر على فلان ما وسعه اللّان، أي: ضيق.
(خ، د، س، ق) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه،
عن أبي هريرة: ((أن أعرابيًّا دخل المسجد فصلى فيه، ثم دعا فقال: اللهم،
ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي ﴿: لقد [تحجرت](٣)
واسعًا))(٤)، قال صاحب ((النهاية)): ((أي: ضيقت ما وسعه اللّه تعالى،
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١/ ١٧٢) وأبو داود (١٤٧٥)؛ كلاهما عن ابن
لسعد، أنه قال: سمعني أبي ... إلى آخره.
(٢) كذا في (ب) و(هـ)، وفي (أ) و(ج) و(د): ((فلانًا)).
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ) و((سنن أبي داود)) و((النسائي))، وفي (ب)
و((صحيح البخاري)): ((حجرت)).
(٤) أخرجه البخاري (٦٠٠٧) ومسلم (٥٨٩) وأبو داود (٨٨٠)، والترمذي

٢٦٧
الحرز الثمين للحصن الحصين
فخصصت به نفسك دون غيرك))(١)، يعني: ورحمة اللّه وسعت كل شيء.
(وأن يسأل حاجاته كلها) أي: من الله وحده حتى ملح عجينه، ومن
دعاء الإمام أحمد: ((اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك، فصن
وجهي عن مسألة غيرك))(٢). (ت، حب) أي رواه: الترمذي، وابن حبان،
عن أنس، ولفظ الترمذي: ((قال: قال رسول اللّهَ ﴾: [ليسأل](٣) أحدكم
ربه حاجاته كلها حتى [يسأله](٤) شسع(٥) نعله إذا انقطع)) (٦).
(وتأمين الداعي والمستمع) أي: قولهما: آمين، بعد فراغ الدعاء. (خ،
م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي
هريرة بلفظ: ((إذا قال الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، يجبكم
=
(٣٤٩٥) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٥٤٦٦)، وابن ماجه (٣٨٣٨).
كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(١) ((النهاية)) لابن الأثير (٣٤٢/١) مادة (ح ج ر).
(٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٣/٩) من طريق عبدالله بن أحمد عن أبيه.
(٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ) و((جامع الترمذي))، وفي (أ) و(ب) و((صحيح ابن
حبان)): ((يسأل)).
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ) و((جامع الترمذي)): ((يسأل)).
(٥) كتب بجوارها في حاشية (ب): ((الشسع بوزن حمل، ويجمع على شسوع
کحمول، کما في «المصباح)) اهـ)).
(٦) أخرجه الترمذي (٣٦٠٤)، وابن حبان (٨٦٦)؛ كلاهما عن أنس به مرفوعًا،
وقال الترمذي: ((هذا حديث غريب))، وأعله بالإرسال، وقال الألباني في
((السلسلة الضعيفة)) (١٣٦٢): ((ضعيف)).

٢٦٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
ـّ دعا وقال في آخر دعائه: «آمين))، وروي:
اللّه)»(١)، وفي رواية: أن النبي
((آمين خاتم رب العالمين))(٢).
(ومسح وجهه بيديه) أي: لا بيد واحدة كما يفعله المتكبرة، (بعد
فراغه) أي: من الدعاء، أو بعد فراغ الدعاء. (د، ت، حب، ق، مس) أي
رواه: أبو داود، والترمذي، وابن حبان، وابن ماجه، والحاكم، عن ابن
عباس(٣) قال: قال النبي : ((إذا سألتم اللّه فاسألوه ببطون أكفكم، ولا
تسألوه بظهورها؛ فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم)) (٤)،
(١) أخرجه البخاري (٧٨٢) و(٤٤٧٥)، ومسلم (٤١٥)، وأبو داود (٩٣٥)،
والنسائي في ((الصغرى)) (٩٢٩)، وفي ((الكبرى)) (١٠٠٣)؛ كلهم من حديث أبي
هريرة به مرفوعًا، ولفظه: ((فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له
ما تقدم من ذنبه))، وأما اللفظ الذي ذكره الشارح رحمه الله فهو من حديث أبي
موسى الأشعري الذي أخرجه مسلم (٤٠٤)، وأبو داود (٩٦٤)، وغيرهما.
(٢) أخرجه الطبراني في ((الدعاء)) (٢٢٠)، وابن عدي في ((الكامل)) (٦/ ٤٤٠)،
والديلمي في ((الفردوس)) (١٦٧٠)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
وقال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (١٤٨٧): ((ضعيف).
(٣) كتب بجوارها في حاشية (ب): ((قوله: ((عن ابن عباس)) قال المناوي: وهو
حدیث حسن)).
(٤) صنيع المؤلف يوحي أن هذا الحديث عند المصنفين المذكورين عن ابن
عباس، وليس الأمر كذلك؛ فالحديث قد أخرجه أبو داود (١٤٨٠)، وابن
ماجه (٣٨٦٦)، والحاكم (٥٣٦/١)، وابن حبان في ((المجروحين))
(٣٦٨/١)؛ كلهم عن ابن عباس به مرفوعًا من قول النبي ﴾، ورواه الترمذي

٢٦٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
ولعل وجهه أنه إيماء إلى قبول الدعاء، وتفاؤل بدفع البلاء، وحصول
العطاء، فإن اللّه سبحانه يستحيي أن يرد يد عبده صفرًا خاليًا من الخير في
الخلاء والملاء.
قال المصنف في ((شرح المصابيح)): ((عن ابن عمر: كان رسول اللّه ◌ِ﴾
إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه))، رواه
الترمذي، وقال: ((صحيح غريب))، والحاكم في ((مستدركه))، ورواه أبو
كان إذا دعا فرفع يديه
داود عن السائب بن يزيد، عن أبيه: ((أن النبي
مسح وجهه بيديه))(١)، والعمل على هذا عند أهل العلم خلفًا عن سلفٍ،
ومن [أنكر](٢) ذلك لا شك أنه لم يقف على ما صح من هذه الأحاديث.
(وأن لا يستعجل بأن يستبطئ الإجابة) أي: يعد إجابة دعائه بطيئة،
(أو يقول) عطف على ((يستعجل))، أي: وأن لا يقول: (دعوت فلم
يستجب لي)، والفرق بينهما أن الثاني في مقام اليأس، والأول في مقام
الرجاء، لكنه من عجلته في حال الاستبطاء، فـ((أَوْ)) للتنويع، وقال
=
(٣٣٨٦)، والحاكم (٥٣٦/١) عن عمر به مرفوعًا من فعله ﴿﴾. وقال أبو
داود: ((روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب، كلها واهية،
وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف))، وقال الترمذي: ((حديث غريب))، وقال
أبو حاتم كما في ((العلل)) لابنه (٢٥٧٢): ((حديث منكر))، وقال الألباني في
((ضعيف الجامع)) (٦٢٢٦): ((ضعيف)).
(١) ((سنن أبي داود)) (١٤٨٧).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (ب): ((كره)).

٢٧٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
الحنفي: ((كلمة ((أو)) للتخيير، وكلاهما تفسير للاستعجال))، فاختار عطفه
على ((يستبطئ))، لكن التأسيس أولى، والفرق في مقام الجمع أدعى.
(خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي،
وابن ماجه، عن أبي هريرة: ((أن رسول اللّهَ ﴾، قال: يستجاب لأحدكم
ما لم يعجل، يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي، [فيستحسر](١) عند
ذلك، ويدع الدعاء))(٢)، وقد تقدم أن الدعاء لا يتخلف عن الإجابة؛
لقوله تعالى: ﴿آَدْعُونِيّ أُسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، لكن الاستجابة على
أنواع سبق بيانها، وتحقق شأنها وبرهانها.
(١) كذا في ((صحيح مسلم))، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): ((فيخسر))، وفي (هـ):
(فیتحسر)).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥) - واللفظ له -، وأبو داود
(١٤٧٩)، والترمذي (٣٣٨٧)، وابن ماجه (٣٨٥٣)؛ كلهم من حديث أبي
هريرة، وأما ذِكْرُ صاحب ((الحصن)) رمزَ النسائي وتركه رمز الترمذي فلعله
سبق قلم، تبعه عليه المصنف، والله أعلم.

٢٧١
الحرز الثمين للحصن الحصين
( آدابُ الذَّكْرِ)
اعلم أن كل ما يذكر في ((آداب الذكر)) فهو معتبر في ((آداب الدعاء))
دون العكس كما لا يخفى، خلافًا لما توهم الحنفي، حيث قال: ((لا
خفاء في أنه كما أن الأمور المذكورة في الدعاء جارية في الذكر، كذلك ما
ذكروه أيضًا جاء في الدعاء)).
(قال العلماء: ينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر) أي: الذاكر، وفي
نسخة بصيغة المجهول، (اللّه فيه نظيفًا) أي: طاهرًا من الأدناس فضلًا
عن الأنجاس (خاليًا) أي: عن الأشياء التي يوجب وجودها الوسواس،
وفيه تنبيه على أن القلب الذي هو بيت الربّ ينبغي أن يكون طاهرًا من
نجاسة حبّ الدنيا، وخاليًا عن سكون الأغيار التي تسمى السوى، كما
يفيده قوله سبحانه: ﴿إِلَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩].
(وأن يكون الذاكر على أكمل الصفات المتقدمة) قال الحنفي:
((الأولى أن يقول: على أکثر))، انتهى. وفيه رجوع له إلى ما قدمناه عنه، لكن
قد يقال: مراده من الصفات المتقدمة في الدعاء الأمور المعتبرة في الذكر
والثناء، لا جميعها، فإنه أمر ظاهر، على خلاف وهم المتبادر، ولعله أشار
إلى هذا بقوله: ((أكمل))، فإنه مما يحتاج إليه في الحالين، فتأمل.
فمعناه: أن يكون في الصفات المتقدمة المطلوبة هنا على وجه الأكمل،
فإن مرتبة الذكر أفضل، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].

٢٧٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
(وأن يكون فمُه نظيفًا) أي: طاهرًا من النجاسة الحقيقية، وكذا من
الحكمية كالكذب والغيبة، وسائر الأقوال الدنية، (وإن كان فيه تغيرٌ)
أي: حسي بسكوت كثيرٍ، أو بأكل، [أو نوم](١) (أزاله بالسواك)، وإن كان
فيه تغيرٌ معنوي أزاله بالتوبة، وإن كان فيه نجاسةٌ حقيقية، أزالها بغسلها،
قال في ((الأذكار)): ((ولو لم يغسلها فهو مكروه، ولا يحرم)(٢).
(وإن كان جالسًا في موضع) [وتقييد](٣) الجلوس؛ لأنه أفضل أحواله،
إما على ركبتيه، أو بصفة التربيع، بحسب اختلاف اختيار المشايخ، وأما
قوله: «في موضع)»، فلمجرد التأکید.
(استقبل القبلة) أقول: وكذا إذا كان قائمًا، أو مضطجعًا، أو مستلقيًا؛
لما ورد: ((خير المجالس ما استقبل به القبلة)) (٤)، ولا شبهة أن المراد
بالمجالس الأمكنة، (متخشعًا) أي: حال كونه ذا خشوع في الباطن
(متذللاً) أي: ذا خضوع في الظاهر، ولو بالتكلف فيهما، كما يدل عليه
صيغتهما، (بسكينة) أي: مع سكون (ووقار) أي: طمأنينة، قال تعالى:
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((بصل أو ثوم)).
(٢) ((الأذكار)) للنووي (صـ٩).
(٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((وتقييده))، وفي (ب): ((وتقيد)).
(٤) أخرجه الطبراني (٣٢٠/١٠)، رقم ١٠٧٨١). قال الهيثمي (٥٩/٨): فيه
هشام بن زياد أبو المقدام، وهو متروك. وأخرجه أيضاً: الحاكم (٢٦٩/٤ -
٢٧٠). قال المناوي (٥٢٣/١): سنده ضعيف. وضعَّفه الألباني في ضعيف
الجامع (٨٧٦).

٢٧٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
﴿أَلَا بِذِكْر اللَّهِ تَطْمَبِنْ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، (وحضور قلب) فإن
المدار عليه في نظر الرب (يتدبر ما يذكر) بصيغة الفاعل، أي: يتأمل
ألفاظ ذكره، ومبناه، (ويتعقل معناه).
(فإنْ) وفي نسخة: ((وإن))، (جَهِل شيئًا) أي: مما يتعلق بلغته أو إعرابه
(تبيّن معناه) أي: طلب بيان ما يعينه على استفادة معناه، وفي نسخة: ((ييين))
مضارع من التبيّن، أي: يبين باجتهاده مؤداه من مبناه ومعناه، فإن من لم يعرف
معنى ما ذكره أو دعاه يقل فائدته وجدواه، وفيه إشعار بأن الذكر القليل مع
الحضور خیر من الکثیر مع الجهل والفتور؛ ولذا قال: (ولا يحرص على
تحصيل الكثرة بالعجلة) أي: [بالسرعة](١)، فإنه يؤدي إلى أداء الذكر مع
الغفلة، وهو خلاف المطلوب؛ لأن المرغوب هو الحضور مع المحبوب.
ثم اعلم أنه ضبط قوله: ((ولا يحرص)) بكسر الراء مرفوعًا على أنه نفي
معناه نهي، وهو أبلغ، وفي نسخة وقع مجزومًا، وفي أخرى منصوبًا على
تقدير: وأن لا يحرص، ويجوز فتح رائه كما في نسخة أيضًا؛ ففي
(القاموس)) أنه من باب ((ضَرَبَ وسَمِعَ))(٢).
(فلذلك) أي: لما ذكر من التدبر والتعقل وعدم الحرص، وهو
الأنسب من جعل الإشارة إلى الأخير، وإن كان أقرب (استحبّوا) أي:
المشايخ والعلماء (أن يمد) أي: الذاكر (صوته) وفي نسخة بصيغة
(١) من (ج) فقط.
(٢) ((القاموس)) (٢٩٥/٢).

٢٧٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
المجهول، وضمير ((صوته)) إلى الذكر أو الذاكر، والمراد: أن يمد في
موضع يجوز مده كألفِ ((لا))، لكن لا يزيد على قدر خمس ألفات، فإنه
أكثر ما ثبت عنه عند [القراء] (١) مع تجويز القصر في الأداء، وأما مد
((إله))، فلحنٌ لا يجوز زيادة على قدر ألف يسمى مدًّا طبيعيًّا وذاتيًّا.
وكذلك في لفظ الجلالة وَصْلًا، [وجوز](٢) مدّه أيضًا للتعظيم، وأما
وقفًا فيجوز طوله وتوسطه وقصره، والأول أولى، لكنه قدر ثلاث ألفات
على المختار، ولا يجوز الوقف على ((إله))؛ لأنه يوهم الكفر.
وقد قال بعض [العارفين](٣): ((بعض الكلمة الطيبة كفر، وبعضها
إيمان))، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ
فَقَدِ أُسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنفِصَامَ لَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، أي: لا
انقطاع، والطاغوت هو الأصنام، أو كل ما عبد من دون الله، أو جميع ما
سواه، وبحثه طويل، وتحقيقه جليل، ذكرناه في ((شرح حزب الفتح))
للشيخ أبي حسن البكري، قدس سره السري، عند قوله: ((أستغفر اللّه
مما سوى اللّ)) (٤).
ثم لا يلزم من مدّ الذكر الرفع، فإنه ممنوع مطلقًا كما قال بعضهم،
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د) و(هـ): ((القراءة)).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((وجوزوا)).
(٣) من (هـ) فقط.
(٤) ((السيرة الحلبية)) لعلي بن برهان الحلبي (١٠/٢).

٢٧٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
ويؤيده قوله ﴿﴿ لأصحابه حين بالغوا في رفع أصواتهم حال أذكارهم:
((ارْبَعُوا(١) على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون
سميعًا قريبًا، وهو معكم))، وهو حديث اتفق الشيخان على تخريجه في
((صحيحهما)) (٢)، أو منهي في بعض المواضع؛ [إذ الذكر في بعض
المواضع](٣) مما يشوش على [السامع](٤) كما في المدارس والجوامع،
فقد صرح بعض علمائنا بأن رفع الصوت حرام في المسجد، ولو بالذكر،
ثم هو عام في الذكر اللساني والذكر الجناني.
(بقوله) وفي نسخة: ((بقول)): (لا إله إلا الله) أي: ملاحظًا في النفي ما
سواه، وفي الاستثناء شهود الإله، والتقدير: لا إله موجود أو معبود أو
مطلوب أو مشهود إلا اللّه بحسب مقامات أهل الذكر، وحالات ذوي
الفكر.
(وكل ذكر مشروع) أي: مأمور به في الشرع (واجبًا) أي: فرضًا
اعتقاديًّا أو عمليًّا (كان أو مستحبًّا) أي: سنة مؤكدة، أو غيرها (لا يعتد)
(١) قال القاضي عياض في ((مشارق الأنوار)) (٢٧٩/١): ((بفتح الباء أي: الزم
أمرك وشأنك وانتظر ما تريد ولا تعجل، وقيل: كُفَّ وارفُق)).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٩٢) و(٤٢٠٥) و(٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٦٦١٠) و(٧٣٨٦)،
ومسلم (٢٧٠٤)؛ كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري به مرفوعًا.
(٣) من (ج) فقط.
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): ((المسامع)).

٢٧٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
بصيغة المجهول، أي: لا يعتبر (بشيء منه حتى يتلفظ به) أي:
[الذاكر](١) (ويسمع نفسه)، وهذا الإسماع أقل الإخفاء عند الجمهور،
وفي مذهبنا هو القول المشهور، وقيل: ((أقله تصحيح الحروف))(٢)، وهو
مجرد التلفظ من غير أن يكون هناك صوت يسمع، وهذا كله فيما أمر
الشارع بأن يذكر باللسان، كما في قراءة الصلاة، وتشهدها، وتسبيحاتها،
وتكبيراتها، وسائر أذكارها، وأدعیتها.
وليس معناه أن من يذكر الله بقلبه من غير أن يتلفظ بلسانه لا يكون في
الشرع معتدًّا به؛ لأن مداومة الذكر لا يتصور بدون اعتباره، بل هو أفضل
أنواعه، فقد أخرج أبو يعلى الموصلي في ((مسنده)) عن عائشة رضي الله عنها،
قالت: ((قال رسول اللّهِ ﴿: لفضل الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحَفَظة
سبعون ضعفًا، إذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق لحسابهم، وجاءت
الحَفَظة بما حفظوا، وكتبوا، قال لهم: انظروا هل بقي له من شيء؟
فيقولون: ما تركنا شيئًا مما علمناه وحفظناه إلا وقد أحصيناه وكتبناه،
فيقول الله: إن لك عندي [خبيئًا](٣) لا تعلمه، وأنا أجزيك به، وهو الذكر
(١) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): ((الذكر)).
(٢) (بدائع الصنائع)) للكاساني (١٦٢/١)، و((البحر الرائق)) لابن نجيم
(٣٦٥/١)؛ نقلاً عن الكرخي.
(٣) كذا في ((مسند أبي يعلى)) و((مجمع الزوائد)) و((البدور السافرة))، وفي (أ)، (ب)،
(ج)، (د)، (هـ): ((حسنًا)).

=
٢٧٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
الخفي)) (١)، ذكره السيوطي في ((البدور السافرة في أحوال الآخرة))(٢)، وفي
((الجامع)): ((خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي)) (٣)، كما رواه أحمد،
وابن حبان، والبيهقي، عن سعد بن أبي وقاص ﴾(٤).
(وأفضل الذكر القرآن إلا فيما شرع بغيره) وفي نسخة: ((لغيره))، أي:
إلا في موضع شرع الذكر لغير القرآن، أو مخصوصًا بغيره، كالركوع
والسجود، ونحو ذلك مما شرع لغيره من التسبيح، والتحميد،
والتسميع، والتشهد، وأمثالها، فإنه حينئذٍ مكروه.
(وليس فضل الذكر منحصرًا في التهليل والتسبيح والتكبير) أي:
ونحوها كما [يتوهمه](٥) العامة، (بل كل مطيع للّه تعالى في عمل) أي:
مشي، وجلوس، وقيام، ونيام، وبيع، وشراء، وجماع، وأكل، وشرب،
وأمثال ذلك، (فهو ذاکر) أي: حکمًا، فإنه حیث راعی حکمه تعالى في
(١) أخرجه أبو يعلى (٤٧١٩) من حديث عائشة به مرفوعًا. وقال الهيثمي في
(«مجمع الزوائد» (١٠ / ٨١): ((رواه أبو يعلى، وفيه معاوية بن يحيى الصدفي،
وهو ضعيف)».
(٢) ((البدور السافرة في أحوال الآخرة)) للسيوطي (٩٣٥).
(٣) ((ضعيف الجامع)) (٢٨٨٧).
(٤) أخرجه أحمد (١٧٢/١) و(١٨٠/١) و(١٨٧/١)، وابن حبان (٣٨٠٩)،
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٤٨)؛ كلهم من حديث سعد بن أبي وقاص
به مرفوعًا.
(٥) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((يتوهم)).

٢٧٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
فعله، فقد ذكره، ولم يغفل أمره، ((قال عطاء رحمه اللّه: ((مجالس الذكر هي
مجالس الحلال والحرام)»(١)، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح
وتطلق وتحج وأشباه هذا))، ذكره في ((الأذكار))(٢).
والحاصل: أن المطيع المذكور له فضيلة الذكر، وثوابه، لا أنه ذاكرٌ
لغةً أو اصطلاحًا، فاندفع قول الحنفي: ((الظاهر أن يقول: وليس الذكر
منحصرًا في التهليل ... )) إلى آخره، وأما قوله: ((وهذا الكلام وما بعده لا
يناسب ذكرهما هنا، [أعني](٣) في آداب الذكر، بل المناسب أن يذكر في
بيان فضل الذكر فيما سبق [ذكره](٤))، فغير مناسب جدًّا؛ إذ فضل الذكر
منحصر في الأحاديث الواردة في فضل الذكر، ويكفي في المناسبة هنا أنه
حيث ذكر آداب الذكر، فقد يتوهم أن فضل الذكر منحصر في الذكر
المصطلح دفعه استطرادًا بقوله: ((وليس فضل الذكر)).
ثم لا شك أن من جملة آداب الذكر أنه إذا كان له ورد إن فات منه أن
يتداركه، قال المصنف: ((أي: إذا كان مخلصًا لله تعالى، ذاكرًا له بقلبه؛
ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: ((كان رسول اللّه ﴾ يذكر الله على
(١) أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٢٢٩٩) - ومن طريقه أبو نعيم في
((الحلية)) (١٩٥/٥) - عن عطاء.
(٢) ((الأذكار)) للنووي (ص ٧).
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): ((يعني)).
(٤) من (ج) فقط.

٢٧٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
كل أحيانه))(١)، ولم تستثنٍ حالة من حالاته، وهذا يدل على أنه كان لا
يغفل عن ذكر الله تعالى؛ لأنه كان ﴿﴿ مشغولاً بالله، ذاكرًا له في كل
أوقاته، وأما في حالة التخلي فلم يكن أحد يشاهده، لكن شرع لأمته قبل
التخلي وبعده ما يدل على [الاعتناء](٢) بالذكر، [وكذلك](٣) عين من
الذكر عند الجماع، كما سيأتي كل ذلك، فالذكر عند نفس قضاء الحاجة،
ونفس الجماع لا يكره بالقلب بالإجماع، وأما الذكر باللسان حالتئذٍ
فليس مما شرع لنا، ولا ندبنا إليه ﴿﴾، ولا نقل عن أحدٍ من الصحابة، بل
يكفي في هذه الحالة الحياء، والمراقبة، وذكر نعمة الله تعالى في إخراجه
هذا [المؤذي](٤) الذي لو لم يخرج لقتل صاحبه، وهذا من أعظم الذكر،
ولو لم يقل باللسان))(٥).
(قالوا) أي: العلماء: (وإذا واظب العبد) أي: السالك (على الأذكار
المأثورة) أي: المروية (عنه ) وفي نسخة: ((على أذكار المأثورة))
بإضافة الموصوف إلى الصفة (صباحًا ومساءً) أي: أول النهار وآخره
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٢٩ باب: هل يتبع المؤذن فاه ها هنا وها هنا، وهل
يلتفت في الأذان؟) تعليقًا، ومسلم (٣٩٣)، كلاهما عن عائشة به.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(هـ) و ((مفتاح الحصن الحصين))، وفي (ج): ((اعتنائه)).
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج): ((ولذلك)).
(٤) في ((مفتاح الحصن الحصين)): ((العدو المؤذي)).
(٥) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٥/ أ).

٢٨٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
(وفي الأحوال، والأوقات المختلفة ليلًا ونهارًا، كان من الذاكرين اللّه
كثيرًا والذاكرات) أي: على ما سبق من المقالات.
(وينبغي لمن كان له ورد في وقت من ليل أو نهار، أو عَقِيبَ صلاة)
وفي نسخة: ((عقب صلاة))، بدون ياء، وهو مجرور في النسخ المعتمدة،
وفي نسخة بالنصب على الظرفية (أو غير ذلك) أي: غير ما ذكر من جمعة،
أو شهر، أو سنة، وهو مجرور، أو منصوب بناء على خلاف ما قبله،
(ففاته) أي: ورده بعذر أو غيره (أن يتدار كه) أي: صاحب الورد، وهو
متعلق بقوله: ((ينبغي))، وكذا قوله: (ويأتي به) عطف تفسير لما قبله، أي:
وينبغي تداركه وإتيانه بما فاته (إذا أمكنه) أي: قدر عليه، ولم يكن مانع
لديه، (ولا يهملَه) بالنصب، أي: وينبغي أن لا يتركه بالكليّة، فإن الإهمال
سبيل البطال، (ليعتاد) متعلق بـ(يتداركه))، أي: ليتعود (الملازمة عليه)
أي: المداومة والمحافظة على الورد، (ولا يتساهل) أي: ولئلا يتسامح
(في قضائه) أي: فيؤدي أيضًا إلى ترك أدائه، ولا يبعد أن يكون التقدير:
((وأن لا يتساهل في قضائه))، فيصير تأكيدًا لما سبق.
وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) عن عمر بن الخطاب : ((من نام عن
حزبه أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له
كأنما قرأ من الليل)) (١)، ذكره في ((الأذكار)) (٢)، وفي ((الشمائل)) للترمذي:
(١) ((صحيح مسلم)) (٧٤٧).
(٢) ((الأذكار)) للنووي (صـ٩).