Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الحرز الثمين الحصن الحصين
ولا يعرج عليه))، يعني لقوله: ((وتهذيبه بعد ترتيبه))، والتهذيب لا يتصور
ذهنًا كما لا يخفى على الأديب، اللهم إلا أن يتكلف ويقال: التقدير:
وأردت تهذيبه، فيكون التركيب من قبيل: (([علفته](١) تبنًا وماءً باردا))(٢)،
أي: [وسقيته](٣).
قال: ((ثم ظهر لي أنه يحتمل أن المراد بالترتيب السابق ما يكون في
المسبوق، وبالثاني المبین، وکان هذا هو الوجه))، انتهى.
ولعل مَعْنَى كلامه هذا أن: المراد بالترتيب ما يكون سابقًا في التبويب،
وبالثاني وهو المعني [بالانتهاء] (٤) المبين بالتهذيب، أو المبين برموز
مخرجي أحاديثه، ولعل هذا هو المعين، والله الموفق والمعين في كل
وقت وحین.
(يفتح) أي: فصلًا من الكلام، ونوعًا من تحقيق المرام، يفتح ذلك
الفصل مجازًا؛ ولذا سماه ((المفتاح))، أي: ((مفتاح الحصن))، وفي نسخة
بالنون، أي: نفتح نحن به، نحل به.
(ما أقفل) بصيغة المجهول، وفي نسخة صحيحة منسوبة إلى مولانا
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ) و((الخصائص)): ((علفتها)).
(٢) من شواهد ((الخصائص)) لابن جني (٢/ ٤٣١) ولم ينسبه.
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((وسقيتها)).
(٤) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج): ((بانتهاء))، وفي (د): ((بانتهائه)).

١٢٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
جلال [القاني](١) من تلاميذ السيد السند أصيل الدين بصيغة المعلوم،
وهو [أقعد](٢) وأمثل في مراعاة السجع؛ لقوله الآتي: ((أشكل))،
والإقفال: الإغلاق فعلى النسخة الأولى وتقديره: ما أقفل فيه وأشكل في
مبانيه أو معانيه، أو: ما ينافيه. وعلى النسخة الثانية ضميره راجع إلى ((ما))
الموصولة مجازًا.
(من لفظ ما فيه قد أشكل) بيان لـ((ما)) فيما تقدم، وأشكل عليه الأمر:
التبس، كذا في كتاب ((العُباب))، فالمقصود من الفتح حل مشكلات الكتاب،
وفي نسخة: ((من لفظه))، فالجار متعلق بـ((أقفل))، وفي نسخة صحيحة: ((من
لفظ ما فيه مشكل))، وهو يناسب النسخة المشهورة في ((أقفل)).
(وهذه) أي: [هذا](٣) المختصر، وأَنّثَ لتأنيث الخبر، وهو قوله:
(مقدمة)، وهي بكسر الدال أصح من فتحها، مع أن الفتح أظهر معنى،
ووجه الكسر أنه مشتق من قدم بمعنى تقدم، كما قيل في قوله تعالى:
﴿لَا (٤) تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] أي: لا تتقدموا،
وقيل: ((المفعول مقدر، أي: لا تقدموا أمرًا من عندكم عند وجود أمرهما،
(١) كذا في (ب) و(هـ)، وفي (أ): ((القاضي))، وفي (ج) و(د): ((القائني)).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((أوفق)).
(٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): ((هذه)).
(٤) قبلها في (أ) و(ج) و(د) و(هـ) زيادة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾

١٢٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
وتحقّق حكمهما)).
ويمكن أن يتكلف هنا بأن يقال: هذه مقدِّمة [نفسَها](١) على غيرها،
وهي كمقدمة العَسْكَر مأخوذة من مقدمة الرحل.
والحاصل: أن هذه الرسالة مقدمة (تشتمل على أحاديث في فضل
الدعاء والذّكْر) أي: في فضيلتهما وبيان مثوبتهما، مع أن كل دعاء ذِكْر،
وكل ذِكْر متضمن للدعاء لما فيه من عرض الثناء وتعريض العطاء، وقد
روي في الحديث القدسي: ((من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل
ما أعطي السائلين))(٢).
بل هذا هو المقام الأكمل لأرباب الكمال في بعض الأحوال، على ما
ورد من: ((أن إبراهيم (٣) القليل لما ألقي في النار جاءه جبريل التلبيئة فقال:
أَلَكَ حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك المتعالي. قال: حسبي
من سؤالي علمه بحالي)) (٤).
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((لنفسها)).
(٢) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١١٥/٢)، والبزار (١٣٧)، والطبراني
في ((الدعاء)) (١٨٥٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان)) (٥٦٧)؛ كلهم عن عمر
به مرفوعًا. قال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (٤٩٨٩): ((ضعيف))، وفي
الباب عن أبي سعيد، وجابر، ومالك بن الحارث.
(٣) بعدها في (هـ) زيادة: ((الخليل)).
(٤) قال ابن تيمية: كلام باطل ((مجموع الفتاوى)) (٥٣٩/٨) قال الألباني في
((السلسلة الضعيفة)) (٢١): ((لا أصل له)).

١٢٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
ومنه ما ورد من أنه حين ألقي الخليل قال: ((حسبي الله ونعم
الوكيل (١)، فقال تعالى: ﴿يَنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَمًا عَلَىَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]))،
وقد وقع نظيره في هذه الأمة من أكابر الأئمة، كما أخبر الله سبحانه عنهم
بقوله مدحًا لهم: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ
ج فَانقَلَبُواْ
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ
عَظِيمٍ (٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤].
(ثم آداب الدعاء والذّكْر) بالرفع في ((آداب)) عطفًا على ((مقدمة))، وفي
نسخة بالجر عطفًا على ((فضل الدعاء))، قال ميرك: ((أي: هذه الرسالة
مقدمة تشتمل ... إلى آخره. وقوله: ((ثم آداب الدعاء(٢)) بالرفع، أي: هذه
الأمور المذكورة في الرسالة مقدمة، ثم آداب الدعاء، وعلى التقديرين
يكون بعض أجزاء الرسالة مسمَّى بالمقدمة، وبعضها بآداب الدعاء إلى
آخره، ولا يخفى تعسفه.
وأما على تقدير جرّ ((آداب الدعاء)) كما وقع في بعض النسخ، فتكون
((المقدمة)) اسمًا لما يشتمل على الجميع، ولا خفاء في بُعده أيضًا،
والعبارة الصالحة في هذا المقام أن يقال: وهذا الكتاب يشتمل على
(١) أخرجه البخاري (٤٥٦٣، ٤٥٦٤).
(٢) بعدها في (أ) زيادة: ((والذكر))، وجعل ((ثم آداب الدعاء والذكر)) من المتن.

١٢٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
مقدمة ومقاصده.
أما المقدمة فهي مشتملة على أحاديث في فضل الدعاء والذكر، وأما
المقاصد فمحتوية على آداب الدعاء والذكر إلى آخر الكلام، والله أعلم.
قلت: هذا تغيير للتصنيف، والمعتبر تصحيح التأليف مع أن هذا الذي
ذکره مفصلا هو المستفاد من كلامه على تقدیر الرفع مجملًا؛ حیث یفید أن
بعض أجزاء الرسالة مقدمة، وبعضها آداب الدعاء وغيره من المقاصد
[المتممة](١)، فالحكم بعدم خفاء تعسفه لا يكون خاليًا عن تكلفه.
وأما الوجه الثاني وهو الجر المنجر لأن تكون المقدمة اسمًا لما
يشتمل على الجميع فيستبعد بعده؛ لأن فيه إشارة إلى أن هذه الرسالة
لاختصارها مع جميع ما فيها بالنسبة إلى الكتب المبسوطة كمقدمة
العسكر بالإضافة إلى الجيش [الكبير] (٢)، إيماء إلى أن من قدر أن يخرج
من عهدة هذا القليل اليسير صلح أن يتوجه إلى تحصيل الكثير العسير،
ويؤيد ما ذكرناه أن المصنف جعل رسالة في علم القراءة مشتملة على
معرفة مخارج الحروف والصفات وغيرها، وسماها بكمالها ((مقدمة))،
حیث قال في مقدمتها:
وبعدُ إِنَّ هذه مقدِّمهْ فيما على قارئه أن يعلمَهْ(٣) والله أعلم.
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((المهمة)).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((الكثير)).
(٣) ((متن الجزرية)) لابن الجزري (صـ ٥).

١٢٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
(وأوقات الإجابة وأحوالها وأماكنها) برفع الثلاثة وجرها، (ثم اسم
اللّه تعالى) بالرفع والجر أيضًا، و((ثم)) لمجرد التعاقب كما قدمت، أو
للتراخي في الذكر لا للرتبة؛ لعدم صحتها في ((ثم)) السابقة واللاحقة كما
لا یخفی.
وقوله: (الأعظم) بالوجهين على أنه صفة للاسم تابع له في إعرابه
(وأسماؤه الحسنى) كُتِبَت بالواو إشارةً إلى رفعه المختار، وفي نسخة:
((وأسمائِهِ)) بالياء، إيماءً إلى جرِّه، ((والحسنى)) تأنيث الأحسن، نعت
الأسماء.
(ثم ما يقال) أي: يقرأ أو يذكر أو يدعى (في الصباح) أي: في أول
النهار (إلى المساء) أي: إلى آخره، أو أول الليل، [والمراد](١) بهما
الملوان جميعهما.
(وفي طول الحياة إلى الممات) أي: منتهية إليه، والمعنى: من أول
عمره إلى آخره (من جميع ما يحتاج إليه) بصيغة المفعول، أي: ما يقع إليه
حاجة السالك من الأدعية هنالك (وصح النص) أي: والحال أنه ثبت
النقل الصريح (عنه) أي: عن النبي (#)، كذا في أكثر الأصول
المصححة، أي: وقع نصه على ما يقال في تلك الأحوال.
(ثم الذكر) أي: جنس الذكر من نوعه الخاص (الذي ورد فضله، ولم
يختص) بفتح أوله ويضم، والجملة حال، أي: حال كون ذلك الذكر غيرَ
(١) كذا في (ب) و(هـ)، وفي (أ) و(ج) و(د): ((أو المراد)).

١٢٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
مختص (بوقت من الأوقات) أي: بخلاف ما قبله، فإنه كان مختصًّا
بالأزمنة والحالات.
(ثم الاستغفار الذي يمحو) وفي نسخة: ((يمحق))، أي: يزيل
(الخطيئات) [بالهمز](١)، وجوز إبدالها وإدغامها، أي: السيئات،
والموصول صفة كاشفة، وهو أيضًا غير مختص بوقت.
(ثم فضل القرآن العظيم وسور منه وآيات)، وهو وإن كان بعضها
مطلقًا وبعضها مقيدًا، لكنه غالبًا غير مقيد، بل من حيث هو مطلق.
◌َّ كذلك)، أي: غير مختص بوقت من
(ثم الدعاء الذي صحَّ عنه
الأوقات. قال ميرك شاه رحمه الله: ((الظاهر أن المراد الدعاء الذي صح
عنه ◌َّ، ولم يختص بوقت من الأوقات، يرشد إلى ذلك التوجيهِ ما
سيقول بعد ذلك حين شروعه في بيان المقاصد: ((الأدعية التي وردت
غير مخصوصة بوقت))، لكن يخدش فيه أن الأنسب في ذكره بعد الذكر
الذي ورد فضله بلا واسطة حتى تحسن الإشارة إليه)).
أقول -والله أعلم -: أراد المصنف بقوله: ((كذلك)) إشارة إلى أنه قيد
لما قبله من الحكمين، فيفيد أن كلَّا من الاستغفار والقراءة والدعاء
المذكورات ليس له وقت مخصوص من الأوقات، بل ينبغي أن يواظب
عليها السالك في جميع الحالات، وسائر المقامات؛ فإن الذكر المطلق
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): ((بالهمزة)).

١٢٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
ودوامه المتحقق مستفاد من قوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ
ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، وعدم تقييد القراءة مقتبس من قوله تعالى: ﴿آَتْلُ
مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وعدم تقييد الاستغفار
مأخوذ من قوله التَّ: ((طوبى لمن وَجَدَ في صحيفته استغفارًا كثيرًا))(١).
وأما الدعاء فبعضه مطلق لأرباب الكمال، وبعضه مقيد بحسب
اختلاف أصحاب الأحوال، ولعل عدم تقييد الأذكار والتلاوة
والاستغفار؛ لأن ذكره سبحانه لا ينبغي أن ينقطع من عبده ما دامت
الرُّوح في جسده.
وأما الاستغفار فلأن كل واحد من العبيد سواء يكون من أفراد المراد
أو المريد لا يخلو عن نوع من التقصير المحتاج إلى الاستغفار الكثير،
فلا يحسن أن يقيد بوقت من الأوقات، أو حال من الحالات.
(١) روي من حديث حديث عبد الله بن بسر: أخرجه ابن ماجه (٣٨١٨)
والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٧)، والضياء (٩٥/٩، رقم ٧٩). وأخرجه
أيضًا: النسائي في الكبرى (١٠٢٨٩)، والبزار (٣٥٠٨).
قال البوصيري (١٣٥/٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
حديث عائشة: أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٩٥/١٠)، والبيهقي في شعب
الإيمان (٦٤٦) موقوفًا وقال: هذا هو الصحيح موقوفًا وروى عن النعمان بن
عبد السلام عن سفيان مرفوعًا. والخطيب (٩/ ١١٠) وصححه الألباني في
صحيح الجامع (٣٩٣٠).
قال المنذري: رواه ابن ماجه بإسناد صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٩/٢).

١٢٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
هذا، ولو فعل المصنف كما ذكره ميرك لخالف العنوان ترتيب
المقاصد.
(ثم ختمته) ليكون ختامه مسكًا (بفضل الصلاة على سيِّد الخلق)،
أي: أفضل المخلوق الشامل للرسل والملائكة على مذهب أهل السنة
والجماعة (ورسول الحق)، أي: اللّه، فإن الحق من أسمائه، فالإضافة
لاميّة، أو يراد به ضد الباطل، فالإضافة بيانيَّة، أي: الرسول الحق
الصادق في نبوَّته، الثابت في رسالته، أو الإضافة لأدنى الملابسة، قال اللّان
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠].
(الذي هدى اللّه تعالى) أي: المؤمنين، وهو أولى من تقدير الحنفي
بقوله: «أي الخلق))، کما لا يخفى، (به) أي: بسببه، وبواسطة دلالته (من
الضلالة) أي: من ضلالة الكفر وجهالة المعصية، وفيه إشعار بأنه سبب
الهداية، وأما خالقها وموفقها ومقدرها فهو اللّه سبحانه، كما أشار إليه
سبحانه بقوله: ﴿إِنَّك لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾
ج
[القصص: ٥٦]، وقد قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:
٥٢]، فيكون نظيرَ قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧].
(وبصّر) بتشديد الصاد، أي: فتح بصيرة مَن أراده مِن أفراد خلقه (به)
على ما في نسخة، أي: بسببه (من العمى) بفتح العين مقصورًا، أي: من
أجل عمى عين قلبه، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى
اٌلْقُلُوبُ الَّتِى فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (فأوضح) أي: فأظهر اللّه أو رسوله

١٣٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
(المحجة) بفتحتين وتشديد الجيم، أي: الطريقة [الموصلة](١) إلى
المقصد ظاهرًا بالشريعة، وباطنًا بالحقيقة، وفي ((النهاية)): ((المحجة:
جادة الطريق، مفعلة من الحج، وهو القصد، والميم زائدة، وجمعه:
المحاجّ بتشديد الجيم))(٢).
(ولم يدع) بفتح الدال، أي: لم يترك اللّه (لأحد) أي: من الناس (حجة)
أي: حجة داحضة أو مجادلة خافضة، حيث أرسل رسلا مبشرين
ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقد قال تعالى:
صلى
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْشَآءَ لَهَدَ نَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، أو: لم يترك
النبي ﴾ لأحد من أمته حجة مانعة من امتثال أمر، أو اجتناب نهي، حيث
بينهما غاية البيان بحيث لا يحتاج السالك إلى غير ما ثبت عنه في كل شأن.
وهذا الوجه اختاره ميرك، حيث قال: ((أي: لم يترك لأحد دليلًا على
مقصد من المقاصد الشرعية، بمعنى أن كل دليل من الأدلة إما أن ذكره
بالتصريح، أو ذكر ما يستنبط منه، ويمكن أن يراد بالحجة حجة النبوة،
يعني سدّ باب النبوة، حيث قال: ((لا نبي بعدي))(٢)، انتهى. ولا يخفى
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(هـ): ((الواصلة)).
(٢) النهاية (٣٠١/٤).
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٠٦١)، والطبراني في ((المعجم الكبير))
(١١٥/٨) رقم (٧٥٣٥-٧٦١٧-٧٦٢٢)، وفي ((مسند الشاميين)) (٨٣٤)،
وابن عساكر (٢٤/ ٥١) قال الهيثمي في المجمع (٢٦٣/٨): رواه الطبراني،

١٣١
الحرز الثمين الحصن الحصين
بُعد الأخير.
(صلى الله عليه وسلم) وفي (نسخة الأصيل)): ((وآله وسلم)) تسليمًا
(كلما ذَكَرَهُ) أي: اللّن أو الرسول أو كل واحد منهما، وهو أبلغ في حصول
المبلغ (الذاكرون) أي: أنواع الذكر، (وغفل) وفي نسخة: ((وكلما غفل))
(عن ذكره الغافلون) والمراد: حصول الصلاة والسلام على وجه الدوام،
فإنه لا يخلو عن الحالين المذكورين أحد من الأنام.
وفي ((شرح الحاوي)) للمولى بهاء الدين: ((أفضل الصلاة: اللهم صلِّ
على محمد وعلى آل محمد كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عنه
الغافلون، وفي بعض رواية الحديث: ((كلما غفل عنه الغافلون».
قال الإمام النووي: «هذا ما ذکره إبراهیم المروزي وحده))، انتهى.
وقد نقل الإمام الرافعي والإسنوي هذه العبارة عن المروزي، قال
النووي: ((وقد يستأنس لذلك بأن الشافعي كان يستعمل هذه العبارة،
ولعله أول من استعملها))(١). قال شارح البخاري: ((وهي في خطبة
((الرسالة))، لكن بلفظ ((غفل)) بدل (سها))).
ثم اعلم أن في بعض النسخ هنا (فضل الدعاء) وهو في الأصل بالضاد
المعجمة، أي: أحاديث في فضيلة الدعاء، وفي نسخة: بالصاد المهملة،
=
ورجال أحد الطريقين ثقات وفي بعضهم ضعف. وصححه الألباني في
الصحيحة (٧٠٨/٧).
(١) روضة الطالبين (٦٦/١١).

١٣٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
أي: هذا فصل في فضل الدعاء، قال ميرك: ((اعلم أن الدعاء طلب الأدنى
من الأعلى شيئًا ما على جهة الخضوع والاستكانة، وفيه فضل كثير،
وثواب جزيل، وقد حثّ اللّه عليه في مواضعَ من کتابه العزیز، وورد
أحاديث كثيرة في فضله)).
وقال النووي: ((دلت الأحاديث الصحيحة على استحباب الدعاء
والاستعاذة، وعليه أجمع العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار في كل
الأعصار، وذهب طائفة من الزهّاد وأهل المعارف من العباد إلى أن ترك
الدعاء أفضل استسلامًا للقضاء، وقال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين
فحسن، وإن خصّ نفسه فلا. ومنهم من قال: إن وجد في نفسه باعثًا
للدعاء استحب، وإلا فلا)). ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة في الأمر
بالدعاء والإخبار عن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين (١).
(١) شرح مسلم (١٧/ ٣٠).

١٣٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
فضل الدعاء
(قال) أي: رسول الله كما في نسخة (صلى اللّه عليه وسلم) جملة
خبرية أو دعائية، والأظهر أنه خبر لفظًا، وإنشاء معنَى (الدعاء) أي: دعاء
الحق (هو العبادة) أي: عبادة الخلق، وأتى بضمير الفصل والخبر
المعرف باللام؛ ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة،
ومعناه: أن الدعاء معظم العبادة، كما قال : ((الحج عرفة))، أي: معظم
أركان الحج الوقوف بعرفة، كذا ذكره ميرك.
والأظهر أن الحصر حقيقي لا ادعائي؛ فإن إظهار العبد العجز
والاحتياج عن نفسه والاعتراف بأن الله قادر على إجابته سواء استجاب
له أو لم یستجب کریم غني لا بخل له ولا احتیاج له إلى شيء حتی یدخر
لنفسه ويمنعه عن عباده هو عين العبادة ومخها، كما روي عن أنس أن
النبي ﴾ قال: ((الدعاء مخ العبادة))(١). رواه الترمذي، وقال: ((حديث
غريب من هذا الوجه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة، كذا في
((الترغيب)) للحافظ المنذري. وأشار بقوله: ((روي)) إلى تضعيف هذا
الحديث، كما ذكر في خطبة كتابه(٢).
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٧١) وإسناده ضعيف. فيه ابن لهيعة. قال الحافظ:
صدوق خلط بعد احتراق کتبه.التقریب(ت٣٥٨٧).لکن معناه صحیح بدلیل
حديث النعمان بن بشير: ((الدعاء هو العبادة)).
(٢) يعني بذلك المنذري في كتابه ((الترغيب والترهيب)).

١٣٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
ومخ الشيء خالصه وما يقوم به، کمخ الدماغ الذي هو نقيّه، ومخ العين
شحمها، والمعنى: أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء، كما أن الإنسان لا يقوم
إلا بالمخ. وقال القاضي: ((أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى
عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله تعالى والإعراض عما سواه))(١).
(ثم تلا) أي: ثم قرأ النبي ﴿ استشهادًا واعتضادًا (﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ
ادْعُونِيّ﴾ [غافر: ٦٠] الآيةَ) بالنصب، وهو الأرجح، أي: قرأها تمامها،
وبالجر أي: إلى آخرها، وبالرفع أي: معروفة مشهورة، ولفظ الآية من
تصرفات أهل الرواية اقتصارًا واكتفاء بالدراية، وإلا فلا شكَّ أنه ﴿ قرأ
الآية بكمالها، ثم فيها إيماء إلى أن تتمة الآية لها دخل في الاستشهاد.
وفي نسخة: (((أَسْتَجِب لَكُمْ﴾ الآية))، ثم تمامها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِی سَيَدْخُلُونَ جَهَنْمَ دَاخِرِينَ﴾، أي: أذلاء صاغرين،
فالمراد بعبادتي: دعائي ليطابق قوله: ﴿آدْعُونٍ﴾ أو المعني بقوله: ﴿آدْعُونى):
اعبدوني؛ ليوافق قوله: ﴿عِبَادَتِى﴾، فوضع الدعاء موضع العبادة، ووضع
العبادة موضع الدعاء؛ ليفيد أن الدعاء هو العبادة، وأن العبادة هي الدعاء،
وهذا ما ظهر لي في هذا المقام من حل الكلام على وفق المرام.
وقال المؤلف: ((إنما تلا الآية استشهادًا لذلك؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾ أي: عن دعائي))(٢). وقال في ((شرح
(١) يعني بالقاضي: البيضاوي انظر كلامه هذافي تحفةالأبرارتحت حديث(٤٤٢).
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢/ ب).

١٣٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
المصابيح)): ((أتى بصيغة الحصر مبالغة؛ لأن حقيقة العبادة الافتقار إليه
تعالى، وذلك في الدعاء والالتجاء فمن لازم الدعاء لازم العبادة؛ ولذلك
قرأ ﴿ الآية؛ لأنه تعالى أراد: اعبدوني بالدعاء لي؛ لأن ذلك يحقق تعبدكم
إلى ما ترون من إجابتي لكم؛ ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي)).
وقال القاضي: ((استشهد بالآية لدلالتها على أن المقصود يترتب عليه
ترتب الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب، ويكون أهم العبادات،
ويقرب من هذا قوله: ((مخ العبادة)) أي: خالصها)) (١). وقال الراغب:
((العبودية إظهار التذلل، ولا عبادة أفضل منها؛ لأن غاية التذلل لا
يستحقها إلا من له غاية التفضل))(٢).
(مص، عه، حب، مس، أ) أي: رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، وقدمه
لأن اللفظ له، والأربعة وابن حبان، والحاكم في ((مستدركه))، والإمام
أحمد في ((مسنده))؛ كلهم من حديث النعمان بن بشير. وقال الترمذي:
((حديث حسن صحيح))، وفي بعض نسخه: ((حسن)) فقط. وقال الحاكم:
((صحيح الإسناد)). وأخرجه الطبراني في كتاب ((الدعاء)) له أيضًا، ولم
يرقم له الشيخ رحمه الله، وكذا رواه البخاري في ((تاريخه)) عن النعمان(٣)،
(١) قوت المغتذي على جامع الترمذي (٨٢٨/٢).
(٢) ((مفردات ألفاظ القرآن)) (ص: ٥٤٢).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٧٧٧)، وأحمد (٢٦٧/٤ و٢٧١ و٢٧٦ و٢٧٧)،
=

١٣٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
وأبو يعلى في ((مسنده)) عن البراء.(١)
(من فتح) بصيغة المفعول، وقوله: (له) نائب الفاعل، وضميره راجع
إلى ((مَنْ)) الموصولة، أو الشرطية، ويمكن أن يقال: التقدير: مَنْ فُتِحَ لَه
باب (في الدعاء منكم، فتحت له أبواب الإجابة)، وفي نسخة بالتشديد،
لكثرة الفعل أو الفاعل، وقد يتلازمان كما هنا، وقد قرئ بالوجهين
متواترًا في قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (﴾﴾ [النبأ: ١٩]
والمعنى: من وفق على مواظبة الدعاء وملازمة الثناء، فتحت له أبواب
القبول؛ لأن من علامة إجابته توفيقه لدعوته، ولا يخفى حسن العدول
من الباب إلى الأبواب. وقيل معناه: ((من استجيب له دعاء واحد، فتحت
له أبواب الاستجابة)). (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة [في ((مصنفه))](٢)
=
والبخاري في (الأدب المفرد)) (٧١٤)، وأبوداود (١٤٧٩) وابن ماجة
(٣٨٢٨)، والترمذي (٢٩٦٩ و٣٢٤٧) و(٣٣٧٢)، والنسائي في ((الكبرى))
(١١٤٠٠)، والبزار (٣٢٤٢-٣٢٤٣)، وابن حبان (٨٩٠)، والحاكم
(١/ ٤٩٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٧٠)، والطبراني في ((الأوسط))
(٣٩٠١) وفي ((الصغير)) (١٠٤١) وفي ((الدعاء)) (١) و(٤)، وابن المبارك في
(الزهد)) (١٢٩٩) والبغوي في ((شرح السنة)) (١٣٨٤)، وأبو نعيم في ((حلية
الأولياء)) (١٢٠/٨)، ومن طريقه المزي في ((التهذيب)) (٣٠٧/٣٢)
والقضاعي في مسند الشهاب (٢٩ و٣٠) كلهم من طرق.
(١) أخرجه أبو يعلى في المعجم (٣٢٨).
(٢) من (د) فقط.

=
١٣٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
عن علي وابن عمر(١) أيضًا.
(فتحت له أبواب الجنة) بدل مما سبق من الجزاء بدلالة عدم
العطف، وفيه إيماء لطيف إلى أن الدعاء لا يخلو من الفائدة، فإنه إما أن
يكون سببًا لفتح أبواب الإجابة، فيعجل مسألته له، أو أبواب الجنة،
فيدخر طَلِبَته له، ولا شك أن الثاني أولى؛ فإن الآخرة خير وأبقى؛ ولذا
ورد أن أهل تأخير بعض إجابة دعائهم لما رأوا ما ادخر لهم من عطائهم
قالوا: [يا](٢) ليتنا لم تقبل دعوة منا في الدنيا؛ ليكون ذخيرة كاملة لنا في
العقبى. (مس) أي: رواه الحاكم في ((مستدركه)) عن ابن عمر، وقال:
((صحيح الإسناد)).
(فتحت له أبواب الرحمة) وهي شاملة لفتح أبواب الإجابة وأبواب
الجنة، والجملة بدل أيضًا مما قبله مع زيادة قوله: (وما سئل اللّه شيئًا
أحبَّ إليه) وفي نسخة: ((له)) (من أن يسأل العافية) بصيغة المفعول في
الفعلين، فقيل: ((شيئًا)) مفعول مطلق، أي: شيئًا من السؤال، و((أحب))
صفته، ((وأنْ)) في قوله: ((أنْ يسأل العافية)) مصدرية، فالمعنى: ما سئل اللّه
سؤالًا أحبَّ إليه من سؤال العافية. وجوز أن يكون ((شيئًا)) مفعولًا به،
أي: ما سئل اللّه مسئولًا أحبَّ إليه من العافية، فزيد ((أن يسأل)) اهتمامًا
بشأن المسئول، أو أريد من قوله: ((من أن يسأل من العافية المسئولة)).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٧٧٨).
(٢) من (ج) فقط.

١٣٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
ثم العافية في اللغة: دفع العفاء، وهو الهلاك، والمراد بها هنا أن يكون
للرجل كفاف من القوت وصحة البدن، بحيث لا يمنعه عن الاشتغال
بأمر الدين وترك ما لا ضرورة فيه، ولا خير في وجوده؛ ولذا كان الشبلي
-قدس سره- إذا رأى أحدًا من أرباب الدنيا الفانية، قال: ((اللهم إني
أسألك العافية)).
(ت) أي: رواه الترمذي من حديث ابن عمر بلفظ: ((من فتح له منكم
باب الدعاء ... )) إلى آخره، وسيأتي حديث: ((يا عم، أَكْثِرِ الدُّعاءَ بالعافية)).
(لا يرد القضاء) أي المعلق (إلا الدعاء) أي: المقبول المحقق، أو لا
يدفع صعوبة القضاء المبرم إلا الدعاء المحتم، قال التوربشتي وغيره:
((إن القضاء في الأصل إنما هو الأمر المقدر، وأريد به هنا ما يخافه العبد
من نزول المكروه، فإذا وفق للدعاء رفعه الله، فتسميته قضاءً مجازٌ، أو
أراد بِرَدِّ القضاء تهوينه وتيسيره، حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل.
(ولا يزيد في العمر) بضمتين وقد يسكن، فالأول أفصح، والثاني
أشهر، وزيادته باعتبار بقاء الاسم والأثر، وقيل: ((بالنظر إلى الأجل
المؤقت المعلق، لا المبرم المقدر)) (إلا البر) بالكسر: الإحسان على ما
في ((النهاية))، والأظهر أن يراد به الطاعة الشاملة لكل عبادة، كما قال
تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ آلْأَخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية، ثم
قيل: ((في تأويل الحديث وجهان:
أحدهما: أن معناه إذا برَّ فلا يضيع عمره، فكأنه زاد.

١٣٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
وثانيهما: أنه يزاد في العمر حقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن
مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَبٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقال: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ
مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩](١).
وذكر في ((الكشاف)) أنه لا يطول عمر إنسان ولا ينقص إلا في كتاب،
وصورته: أن يكتب في اللوح إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة،
وإن حج وغزا فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد [عُمِّر](٢)،
وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين، فقد نقص من عمره الذي هو
الغاية، وهو الستون))، انتهى(٣).
ولا يخفى أن الصورة المذكورة تفيد التعليق في كل من الأمرين،
يعني: الحج، والغزو، فالأظهر في تصويره أن يقال: إن حجَّ فعمره
ستون، وإلا فأربعون.
واعلم أن بعض الآيات والأحاديث يدل على أن العمر قابل للزيادة
والنقصان، منها الآيتان المذكورتان، وكذا هذا الحديث، وأن بعضًا
منهما يدل على أنه لا يزيد ولا ينقص، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا
صِلى
يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، وكقوله سبحانه:
(١) بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار (ص ١٧٧).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ) و((الكشاف))، وفي (أ): ((زاد عمره)).
(٣) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٦٠٤/٣).

١٤٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وکقوله ﴾: ((یکتب
للولد في بطن أمه: رزقه، وعمله، وأجله))(١). فقال البغوي عند قوله
تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١] الآية: ((إن هذا يعني عدم التأخر
إذا حضر الأجل، فأما ما قبل ذلك، فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ ﴿إِن
ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠])).
وقال النووي: ((إذا علم اللّه تعالى أَنَّ زَيْدًا مثلًا يموت سنة خمس مئة،
استحال أن يموت قبلها أو بعدها، فاستحال أن يكون الآجال التي عليها
علم الله أن يزيد وينقص؛ فيتعين تأويل الزيادة بأنها بالنسبة إلى مَلَك
الموت أو غيره ممن وكل بقبض الأرواح، وأُمِرَ بالقبض بعد آجال
محدودة، فإنه تعالى بعد أن يأمره بذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ
ينقص أو يزيد على ما سبق به علمه في كل شيء، وهو معنى قوله تعالى:
﴿ يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وعلى ما
ذكر يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢]،
فالإشارة بالأجل الأول إلى اللوح المحفوظ وما عند ملك الموت
وأعوانه، وبالأجل الثاني إلى قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾، وقوله تعالى:
﴿ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾))، انتهى. وهو
تحقيق في نهاية تدقيق.
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣) من حديث ابن مسعود.