Indexed OCR Text

Pages 541-560

وَمِمَّا أَنْشَدُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ [من الكامل]:
أَحْفَظْ لِسَانَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ
كَمْ فِي الْمَقَابِرِ مِنْ قَتِيلِ لِسَانِهِ
وَقَالَ الرِّيَاشِيُّ رَحِمَهُ اللهُ [من الوافر] :
لاَ يَلْدَغَنَّكَ إِنَّهُ ثُعْبَانُ
قَدْ كَانَ هَابَ لِقَاءَهُ الشُّجْعَانُ
لِنَفْسِي عَنْ ذُنُوبٍ بَّنِي أُمَيَّهُ
لَعَمْرُكَ إِنَّ فِي ذَنْبِي لَشُغْلاً
تَنَاهَى عِلْمُ ذَلِكَ لاَ إِلَيَّهْ
عَلَىُ رَبِّي حِسَابُهُمُ إِلَيْهِ
إِذَا مَا اللهُ أَصْلَحَ مَا لَدَيَّهْ
وَلَيْسَ بِضَائِرِي مَا قَدْ أَتَوْهُ
١ - بَابُ تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ وَالثَّمِيمَةِ
اِعْلَمْ : أَنَّ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ وَأَكْثَرِهَا أَنْتِشَاراً فِي النَّاسِ ،
حَتَّى مَا يَسْلَمُ مِنْهُمَا إِلَّ الْقَلِيلُ مِنَ النَّاسِ، فَلِعُمُوم الْحَاجَةِ إِلَى النَّحْذِيرِ مِنْهُمَا
بَدَأْتُ بِهِمَا .
فَأَمَّا الْغِيبَةُ: فَهِيَ ذِكْرُكَ اُلْإِنْسَانَ بِمَا فِيهِ مِمَّا يَكْرَهُ(١) ، سَوَاءٌ كَانَ فِي بَدَنِهِ أَوْ
دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ ، أَوْ نَفْسِهِ أَوْ خَلْقِهِ أَوْ خُلُقِهِ ، أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ ، أَوْ زَوْجِهِ أَوْ
خَادِمِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ ، أَوْ عِمَامَتِهِ وَثَوْبِهِ ، أَوْ مِشْيَتِهِ وَحَرَكَتِهِ ، وَبَشَاشَتِهِ وَخَلَعَتِهِ ،
وَعُبُوسَتِهِ وَطَلَاَقَتِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ، سَوَاءٌ ذَكَرْتَهُ بِلَفْظِكَ أَوْ كِتَابِكَ ،
أَوْ رَمَزْتَ أَوْ أَشَرْتَ إِلَيْهِ بِعَيْنِكَ أَوْ يَدِكَ أَوْ رَأْسِكَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ .
(١) قال الإِمام ابن حجر رحمه الله تعالى في ((الزواجر)) (٣٢/٢): ( من المهم ضابط الغيبة ، هل هي
ذكر المساوىء في الغيبة كما يقتضيه اسمها ، أو لا فرق بين الغيبة والحضور ؟ وقد دار السؤال بين
جماعة، ثم رأيت ابن فورك ذكر في ((مشكل القرآن)) في تفسير ((سورة الحجرات)) ضابطاً حسناً ،
فقال : الغيبة ذكر الغير بظهر الغيب ، وكذا قال سليم الرازي في تفسيره الغيبة : أن يذكر الإِنسان من
خلفه بسوء وإِن كان فيه ) . ويفرض اختصاص مفهوم الغيبة بذكر العيب في الغيبة .. فذكره في
الحضور حرام ، بل شديد الحرمة ؛ لما فيه من الإيذاء مع مزيد النكاية إِذا واجهه بما ذكره ، والله
أعلم. ((الفتوحات)) (٣٨٥/٦).
٥٤١

أَمَّا الْبَدَنُ: فَكَقَوْلِكَ: أَعْمَىْ، أَعْرَجُ، أَعْمَشُ ، أَقْرَعُ، قَصِيرٌ، طَوِيلٌ ،
أَسْوَدُ ، أَصْفَرُ .
وَأَمَّا الدِّينُ: فَكَقَوْلِكَ: فَاسِقٌ، سَارِقٌ(١)، خَائِنٌ، ظَالِمٌ، مُتَهَاوِنٌ
بِالصَّلاَةِ، مُتَسَاهِلٌ فِي النَّجَاسَاتِ، لَيْسَ بَارّاً بِوَالِدِهِ ، لاَ يَضَعُ الزَّكَاةَ مَوَاضِعَهَا ،
لاَ يَجْتَنِبُ الْغِيبَةَ .
وَأَمَّا الدُّنْيَا : فَقَلِيلُ الْأَدَبِ ، يَتَهَاوَنُ بِأَلنَّاسِ، لاَ يَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقّاً ، كَثِيرُ
اُلْكَلاَمِ ، كَثِيرُ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ ، يَنَامُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ ، يَجْلِسُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ .
وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِوَالِدِهِ : فَكَقَوْلِهِ : أَبُوهُ فَاسِقٌ أَوْ هِنْدِيٌّ أَوْ نَبَطِيٌّ أَوْ زِنْجِيٌّ ،
إِسْكَافٌ، بَزَّازٌ ، نَخَّاسٌ، نَجَّارٌ، حَدَّادٌ ، حَائِكٌ.
وَأَمَّا الْخُلُقُ : فَكَقَوْلِهِ: سَيِّءُ الْخُلُقِ، مُتَكَبِّرٌ، مُرَاءٍ، عَجُولٌ، جَبَّارٌ،
عَاجِزٌ، ضَعِيفُ الْقَلْبِ ، مُتَهَوِّرٌ، عَبُوسٌ، خَلِيعٌ ، وَنَحْوُهُ .
وَأَمَّا الثَّوْبُ : فَوَاسِعُ الْكُمِّ ، طَوِيلُ الذَّيْلِ، وَسِخُ الثَّوْبِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ،
وَيُقَاسُ أَلْبَاقِي بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَضَابِطُهُ : ذِكْرُهُ بِمَا يَكْرَهُ .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدِ الْغَزَالِيُّ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ : ذِكْرُكَ
غَيْرَكَ بِمَا يَكْرَهُ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمُصَرِّحُ بِذَلِكَ .
وَأَمَّا النَّمِيمَةُ : فَهِيَ نَقْلُ كَلاَمِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ ،
هَذَا بَيَانُهُمَا (٢).
وَأَمَّا حُكْمُهُمَا : فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَظَاهَرَ عَلَى
تَحْرِيمِهِمَا الدَّلَائِلُ الصَّرِيحَةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأَمَّةِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :
(١) لفظة: (سارق) زيادة من (أ) و(ج) و( د).
(٢) أي : بيان الغيبة والنميمة.
٥٤٢

﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَةٍ ثُمَزَةٍ﴾، وَقَالَ
تَعَالَى: ﴿هَمَّزٍ مَّشَّكِ بِنَّمِيمٍ﴾.
١٠٠٦ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ)) [خ٦٠٥٦-
م ١٠٥] .
١٠٠٧ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي
كَبِيرٍ - قَالَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ - أَمَّا أَحَدُهُمَا .. فَكَانَ يَمْشِي
بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ .. فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ)) [خ١٣٧٨، ٦٠٥٥-م٢٩٢].
قُلْتُ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ) أَيْ : كَبِيرٌ فِي زَعْمِهِمَا ،
أَوْ كَبِيرٌ تَرْكُهُ عَلَيْهِمَا .
١٠٠٨ - وَرَوَيْنَا فِي (( صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) وَ(( سُنَّنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((التِّرْمِذِيِّ))
وَ(( النَّسَائِيِّ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا أَلْغِيبَةُ؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا
يَكْرَهُ)»، قِيلَ: أَفَرَّأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ : «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ ..
فَقَدِ أَغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ .. فَقَدْ بَهَنَّهُ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ
حَسَنٌ صَحِيحٌ [م٢٥٨٩ - ٤٨٧٤٥ - ت١٩٣٤ - سك١١٤٥٤].
١٠٠٩ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ )) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنَّىَّ
فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ
هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟)) [خ ٦٧ -١٦٧٩٢].
٥٤٣

١٠١٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا
قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا - قَالَ بَعْضُ
الرُّوَاةِ: تَعْنِي: قَصِيرَةَ - فَقَالَ: ((لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ ..
لَمَزَجَتْهُ)) ، قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَاناً(١) فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَاناً وَأَنَّ
لِي كَذَا وَكَذَا » ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [٤٨٧٥٥ - ت٢٥٠٢].
قُلْتُ: (مَزَجَتْهُ) أَيْ: خَالَطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نَتَنِهَا
وَقُبْحِهَا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَعْظَمِ الزَّوَاجِرِ عَنِ الْغِيبَةِ أَوْ أَعْظَمُهَا، وَمَا أَعْلَمُ
شَيْئاً مِنَ الْأَحَادِيثِ يَبْلُغُ فِي الذَّمِّ لَهَا هَذَا الْمَبْلَغَ، ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَ * إِنْ هُوَ إِلَّا
وَحْىٌ يُؤْحَى﴾، نَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ لُطْفَهُ وَالْعَافِيَّةَ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ .
١٠١١ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَمَّا عُرِجَ بِي .. مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ
نُحَاسِ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا حِبْرِيلُ؟ قَالَ :
هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ)) [٤٨٧٨٥].
١٠١٢ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
نوَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا .. الاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ أَلْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٌّ))(٢) [«٤٨٧٦].
١٠١٣ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ
وَلاَ يَخْذُلُهُ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ ، اُلتَّقْوَى
(١) أي: ذكرته بما يكرهه ذلك الإِنسان، أو حكيت ما يكره من أفعاله أو أحواله. ((الفتوحات))
(٣٩٠/٦).
(٢) قال في ((النهاية)) (١٤٥/٣): ( الاستطالة في عرض الناس: استحقارهم، والترفع عليهم ، والوقيعة
فيهم). وخرج بقوله: ((بغير حق)) ما إِذا كانت بحق ، كأن عزره بالكلام لفعله ما يقتضيه ، أو اغتابه
بسبب مبيح للغيبة؛ من استفتاء ونحوه. ((الفتوحات)) (٣٩١/٦).
٥٤٤

هَهُنَا، بِحَسْبٍ أَمْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ)»، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ
حَسَنٌ(١) [ت ١٩٢٧].
قُلْتُ: مَا أَعْظَمَ نَفْعَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَكْثَرَ فَوَائِدَهُ ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ .
٢ - بَابُ بَيَانِ مُهِمَّاتٍ تَتَعَلَّقُ بِحَدِّ الْغِيبَةِ
قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَلْبَابِ السَّابِقِ أَنَّ الْغِيبَةَ: ذِكْرُكَ الْإِنْسَانَ بِمَا يَكْرَهُ، سَوَاءٌ ذَكَرْتَهُ
بِلَفْظِكَ أَوْ فِي كِتَابِكَ، أَوْ رَمَزْتَ أَوْ أَشَرْتَ إِلَيْهِ بِعَيْنِكَ أَوْ يَدِكَ أَوْ رَأْسِكَ ،
وَضَابِطُهُ : كُلُّ مَا أَفْهَمْتَ بِهِ غَيْرَكَ نُقْصَانَ مُسْلِمٍ .. فَهُوَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ .
وَمِنْ ذَلِكَ : أَلْمُحَاكَاةُ بِأَنْ تَمْشِيَ مُتَعَارِجاً أَوْ مُطَأْطِئاً أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ
اُلْهَيْئَاتِ مُرِيداً حِكَايَةَ هَيْئَةٍ مَنْ تَتَنَقَّصُهُ(٢) بِذَلِكَ، فَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ بِلاَ خِلاَفٍ .
وَمِنْ ذَلِكَ: إِذَا ذَكَرَ مُصَنِّفُ كِتَابٍ شَخْصاً بِعَيْنِهِ فِي كِتَابِهِ قَائِلاً : ( قَالَ فُلاَنٌ
كَذَا ) مُرِيداً تَنَقُّصَهُ وَالشَّنَاعَةَ عَلَيْهِ . . فَهُوَ حَرَامٌ ، فَإِنْ أَرَادَ بَيَانَ غَلَطِهِ لِثَلاَ يُقَلَّدَ ، أَوْ
بَيَانَ ضُّعْفِهِ فِي الْعِلْمِ لِثَلاَّ يُغْتَرَّبِهِ وَيُقْبَلَ قَوْلُهُ . . فَهَذَا لَيْسَ غِيبَةً، بَلْ نَصِيحَةٌ وَاحِبَةٌ
يُثَابُ عَلَيْهَا إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ، وَكَذَا إِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوْ غَيْرُهُ : ( قَالَ قَوْمٌ أَوْ جَمَاعَةٌ
كَذَا وَكَذَا، وَهَذَا غَلَطْ ) أَوْ (خَطَأُ ) أَوْ ( جَهَالَةٌ وَغَفْلَةٌ ) وَنَحْوُ ذَلِكَ .. فَلَيْسَ
غِيبَةً، إِنَّمَا الْغِيبَةُ: ذِكْرُ إِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيِّنِينَ .
وَمِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ قَوْلُكَ: ( فَعَلَ كَذَا بَعْضُ النَّاسِ) ، أَوْ ( بَعْضُ
اُلْفُقَهَاءِ )، أَوْ ( بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ )، أَوْ ( بَعْضُ الْمُفْتِينَ) ، أَوْ ( بَعْضُ مَنْ
يُنْسَبُ إِلَى الصَّلاَحِ)، أَوْ ( يَدَّعِ الزُّهْدَ )، أَوْ ( بَعْضُ مَنْ مَرَّ بِنَا أَلْيَوْمَ ) ، أَوْ
( بَعْضُ مَنْ رَأَيْنَاهُ ) ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ يَفْهَمُهُ بِعَيْنِهِ ؛ لِحُصُولِ
التَّفْهِیمِ .
(١) وأصل الحديث عند مسلم (٢٥٦٤).
(٢) كذا في الأصل، وضبَطَها أيضاً بـ( تَنْتَقِصُهُ)، وكلاهما سواء .
٥٤٥

وَمِنْ ذَلِكَ: غِيبَةُ الْمُتَفَقِّهِينَ وَالْمُتَعَبِّدِينَ؛ فَإِنَّهُمْ يُعَرِّضُونَ بِأَلْغِيبَةِ تَعْرِيضاً يُفْهَمُ
بِهِ كَمَا يُفْهَمُ بِالصَّرِيحِ، فَيُقَالُ لِأَحَدِهِمْ: ( كَيْفَ حَالُ فُلاَنٍ ؟ ) فَيَقُولُ: ( اللهُ
يُصْلِحُنَا)، (اللهُ يَغْفِرُ لَنَا)، ( اللهُ يُصْلِحُهُ)، ( نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ)،
( نَحْمَدُ اللهَ الَّذِي لَمْ يَبْتَلِنَا بِالدُّخُولِ عَلَى الظَّلَمَةِ )، (نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّرَهِ ) ،
( اللهُ يُعَافِينَا مِنْ قِلَّةِ الْحَيَاءِ)، (اللهُ يَتُوبُ عَلَيْنَا)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُفْهَمُ مِنْهُ
تَنَقُّصُهُ ، فَكُلُّ ذَلِكَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ .
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ : ( فُلاَنٌ يُبْتَلَى بِمَا أَبْتُلِيْنَا بِهِ كُلُّنَا) ، أَوْ ( مَا لَهُ حِيلَةٌ فِي
هَذَا ، كُلُّنَا نَفْعَلُهُ )، وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ، وَإِلاَّ .. فَضَابِطُ الْغِيبَةِ: تَفْهِيمُكَ الْمُخَاطَبَ
نَقْصَ إِنْسَانٍ كَمَا سَبَقَ ، وَكُلُّ هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي
الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا عَنْ ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)) وَغَيْرِهِ فِي حَدِّ الْغِيبَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
فَضَّكُ [في حرمة استماع الغيبة وما يجب على من سمع إنساناً يغتاب] :
أَعْلَمْ : أَنَّ الْغِيبَةَ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُغْتَابِ ذِكْرُهَا .. يَحْرُمُ عَلَى السَّامِعِ
اُسْتِمَاعُهَا وَإِقْرَارُهَا، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ إِنْسَاناً يَبْتَدِىءُ بِغِيبَةٍ مُحَرَّمَةٍ أَنْ يَنْهَاهُ إِنَّ
لَمْ يَخَفْ ضَرَراً ظَاهِراً، فَإِنْ خَافَهُ .. وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ بِقَلْبِهِ وَمُفَارَقَةُ ذَلِكَ
الْمَجْلِسِ إِنْ تَمَكَّنَ مِنْ مُفَارَقَتِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْإِنْكَارِ بِلِسَانِهِ أَوْ عَلَى قَطْعِ اُلْغِيبَةِ
بِكَلَامٍ آخَرَ .. لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ .. عَصَىُ، فَإِنْ قَالَ بِلِسَانِهِ: (أُسْكُتْ )
وَهُوَ يَشْتَهِي بِقَلْبِهِ أَسْتِمْرَارَهُ .. فَقَالَ أَبُو حَامِدِ الْغَزَالِيُّ: ( ذَلِكَ نِفَاقٌ لاَ يُخْرِجُهُ عَنِ
آلْإِثْمِ ، وَلاَ بُدَّ مِنْ كَرَاهَتِهِ بِقَلْبِهِ)(١)، وَمَتَّى أَضْطُرَّ إِلَى الْمُقَامِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ
(١) («الإحياء)) (١٤٦/٣). وقال الإِمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في ((الزواجر)) (٣٦/٢)
بعد تكلمه على بواعث الغيبة : ( وبقي أسباب خاصة هي أشر وأخبث ؛ كأنْ يتعجب ذو دين من منكر
فيقول: (( ما أعجب ما رأيت من فلان! )) فهو وإِن صدق في تعجبه من المنكر .. لكن كان حقه ألا
يعيِّن فلاناً بذكر اسمه ؛ لأنه صار به مغتاباً آئماً من حيث لا يدري . وكَأَنْ يغتم مما ابتلي به ، فيقول :
((مسكين فلان ، ساءني بلواه بكذا))، فهو وإِن صدق في اغتمامه له .. للكن كان من حقه ألا يذكر =
٥٤٦

الَّذِي فِيهِ الْغِيبَةُ وَعَجَزَ عَنِ الْإِنْكَارِ أَوْ أَنْكَرَ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمُفَارَقَةُ
بِطَرِيقٍ .. حَرُمَ عَلَيْهِ الاِسْتِمَاعُ وَالْإِصْغَاءُ لِلْغِيبَةِ، بَلْ طَرِيقُهُ أَنْ يَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى
بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ ، أَوْ بِقَلْبِهِ ، أَوْ يُفَكِّرَ فِي أَمْرٍ آخَرَ لِيَشْتَغِلَ عَنِ اسْتِمَاعِهَا ، وَلاَ يَضُرُهُ
بَعْدَ ذَلِكَ السَّمَاعُ مِنْ غَيْرِ أُسْتِمَاعِ وَإِصْغَاءٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ ، فَإِنْ تَمَكَّنَ
بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْمُفَارَقَةِ وَهُمْ مُسْتَمِرُونَ فِي الْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا .. وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُفَارَقَةُ ،
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَئِنَا فَأَعْرِضِ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ،
وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُّ فَلَا نَفْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾.
وَرَوَيْنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَحَضَرَ ،
فَذَكَرُوا رَجُلاً لَمْ يَأْتِهِمْ ، فَقَالُوا: إِنَّهُ ثَقِيلٌ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : أَنَا فَعَلْتُ هَذَا بِنَفْسِي
حَيْثُ حَضَرْتُ مَوْضِعاً يُغْتَابُ فِيهِ النَّاسُ، فَخَرَجَ وَلَمْ يَأْكُلْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ)(١) .
وَمِمَّا أَنْشَدُوهُ فِي هَذَا(٢) [من المتقارب]:
حَصَوْنِ اللِّسَانِ عَنِ النُّطْقِ بِهْ
وَسَمْعَكَ صُنْ عَنْ سَمَاعِ الْقَبِيحِ
شَرِيكٌ لِقَائِلِهِ فَأَنْتُبِهْ
فَإِنَّكَ عِنْدَ سَمَاعِ الْقَبِيحِ
اسمه ، فغمه ورحمته خير ، وللكنه ساقه إلى شر من حيث لا يدري . وكأنْ يغضب الله من أجل مقارفة
=
غيره لمنكر ، فيظهر غضبه ويذكر اسمه ، وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه بالأمر بالمعروف
ولا يظهره على غيره ، أو يستر اسمه ولا يذكره بالسوء . فهذه الثلاثة مما يغمض دركها عن العلماء
فضلاً عن العوام ؛ لظنهم أن التعجب والرحمة والغضب إِذا كان لله .. كان عذراً في ذكر الاسم ، وهو
خطأ ، بل المرخص في الغيبة الأعذار السابقة فقط ، والفرض أنه لا شيء منها هنا ) .
(١) ((الرسالة القشيرية)) (ص ١٢٥).
الأبيات لمحمود الوراق كما في (( بهجة المجالس)) (١/ ٤٠١) ، وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى
(٢)
في ((التمهيد)) (٢٣/٢٣) بعد ذكره الأبيات: وهذا مأخوذ من قول كعب بن زهير والله أعلم [من
السريع] :
فالسامع الذم شريك له ومطعم المأكول كالآكل
٥٤٧

٣- بَابُ بَيَانِ مَا يَدْفَعُ بِهِ أُلْغِيبَةَ عَنْ نَفْسِهِ
إِعْلَمْ: أَنَّ هَذَا أَلْبَابَ لَهُ أَدِلَّةٌ كَثِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَكِنِّي أَقْتَصِرُ مِنْهُ
عَلَى الْإِشَارَةِ إِلَى أَحْرُفٍ ، فَمَنْ كَانَ مُوَفَّقاً .. أَنْزَجَرَ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ..
فَلاَ يَنْزَجِرُ بِمُجَلَّدَاتٍ .
وَعُمْدَةُ الْبَابِ : أَنْ يَعْرِضَ عَلَى نَفْسِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ النُّصُوصِ فِي تَخْرِيمِ
الْغِيبَةِ، ثُمَّ يُفَكِّرَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عِدٌ﴾ ، وَقَوْلِهِ
تَعَالَى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيْئًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ :
((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً . . يَهْوِي بِهَا فِي
جَهَنَّمَ )) (١)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فِي ( بَابٍ حِفْظِ اللَّسَانِ) وَ( بَابِ اٌلْغِيْبَةِ ) ،
وَيُضَمُّ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ( اللهُ مَعِي، اللهُ شَاهِدِي ، اللهُ نَاظِرٌ إِلَيَّ ).
وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: ( أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ : إِنَّكَ تَغْتَابُِّي ، فَقَالَ :
مَا قَدْرُكَ عِنْدِي أَنْ أُحَكِّمَكَ فِي حَسَنَاتِي) (٢) .
وَرَوَيْنَا عَنِ أَبْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: (لَوْ كُنْتُ مُغْتَاباً أَحَداً .. لاَغْتَبْتُ
وَالِدَيَّ؛ لِأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِحَسَنَاتِي) (٣) .
٤ - بَابُ بَيَانِ مَا يُبَاحُ مِنَ الْغِيبَةِ
أَعْلَمْ : أَنَّ الْغِيبَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً فَإِنَّهَا تُبَاحُ فِي أَحْوَالٍ لِلْمَصْلَحَةِ ، وَأَلْمُجَوِّزُ
لَهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٍّ لاَ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِهَا، وَهُوَ أَحَدُ(٤) سِنَّةِ
أَسْبَابِ :
(١)
تقدم برقم ( ٩٩٤ ) .
(٢) فيه تنبيه على أن الغيبة لا تصدر من كاملي العقول ؛ لما فيها من تحكيم الخصم في حسنات الإنسان .
((الفتوحات)) (٦/ ٤٠١).
(٣) ((الرسالة القشيرية)) (ص ١٢٥).
(٤) لفظة ( أحد) زيادة من (أ) و(ج) و( د).
٥٤٨

اُلْأَوَّلُ : الَّظَلُّمُ ، فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَغَيْرِ هِمَا
مِمَّنْ لَهُ وِلِآَيَةٌ أَوْلَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ ، فَيَذْكُرُ : (إِنَّ فُلاَنَاً ظَلَمَنِي ) ،
وَ( فَعَلَ بِي كَذَا )، وَ( أَخَذَ لِ كَذَا) ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
الثَّانِي : الاِسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَابِ ، فَيَقُولُ لِمَنْ
يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ : ( فُلاَنٌ يَعْمَلُ كَذَا فَأَزْجُرْهُ عَنْهُ ) ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ،
وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ التَّوَصُلَ إِلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ .. كَانَ حَرَاماً .
الثَّالِثُ: الاسْتِفْتَاءُ؛ بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: ( ظَلَمَنِي أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ فُلاَنٌ
بِكَذَا ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لاَ؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الْخَلاَصِ مِنْهُ، وَتَخْصِيلٍ حَقِّي ، وَدَفْعٍ
الظُّلْمِ عَنِّي؟ ) ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : (زَوْجَتِي تَفْعَلُ مَعِي كَذَا ) ، أَوْ (زَوْجِي يَفْعَلُ كَذَا ) ، وَنَحْوَ
ذَلِكَ، فَهَذَا جَائِرٌ لِلْحَاجَةِ، وَلَكِنَّ الْأَحْوَطَ أَنْ يَقُولَ: ( مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ كَانَ
مِنْ أَمْرِهِ كَذَا) ، أَوْ (فِي زَوْجِ أَوْ زَوْجَةٍ تَفْعَلُ كَذَا ) ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ
اُلْغَرَضُ مِنْ غَيْرِ تَعْبِينٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالثَّعْبِينُ جَائِزٌ؛ لِحَدِيثِ هِنْدَ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إِنْ
شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَقَوْلِهَا: ( يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ... )
اُلْحَدِيثَ (١) ، وَلَمْ يَنْهَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الرَّابِعُ: تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ وَنَصِيحَتُهُمْ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ :
مِنْهَا: جَرْعُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ لِلْحَدِيثِ وَالشُّهُودِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ
الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ وَاجِبٌ لِلْحَاجَةِ .
وَمِنْهَا: إِذَا أُسْتَشَارَكَ إِنْسَانٌ فِي مُصَاهَرَتِهِ، أَوْ مُشَارَكَتِهِ، أَوْ إِيِدَاعِهِ ، أَوِ
الْإِنْدَاعِ عِنْدَهُ، أَوْ مُعَامَلَتِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ . . وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَذْكُرَ لَهُ مَا تَعْلَمُهُ مِنْهُ عَلَى
(١) سيأتي برقم (١٠١٨) .
٥٤٩

جِهَةِ النَّصِيحَةِ ، فَإِنْ حَصَلَ الْغَرَضُ بِمُجَرَّدٍ قَوْلِكَ : (لَا يَصْلُحُ لَكَ مُعَامَتَّهُ) ، أَوْ
( مُصَاهَرَتُهُ) ، أَوْ (لاَ تَفْعَلْ هَذَا)، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ .. لَمْ تَجُزِ الزِّيَادَةُ بِذِكْرِ
الْمَسَاوِىءِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الْغَرَضُ إِلَّ بِالتَّصْرِيحِ بِعَيْنِهِ . . فَأَذْكُرْهُ بِصَرِيحِهِ .
وَمِنْهَا: إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يَشْتَرِي عَبْداً مَعْرُوفاً بِالسَّرِقَةِ أَوِ أُلزِّنَا أَوِ الشُّرْبِ أَوْ
غَيْرِهَا . . فَعَلَيْكَ أَنْ تُبِّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِماً بِهِ ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ ،
بَلْ كُلُّ مَنْ عَلِمَ بِالسِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ عَيْباً .. وَجَبَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْهُ .
وَمِنْهَا: إِذَا رَأَيْتَ مُتَفَقِّهاً يَتَرَدَّدُ إِلَى مُبْتَدِعِ أَوْ فَاسِقٍ يَأْخُذُ عَنْهُ الْعِلْمَ ، وَخِفْتَ
أَنْ يَتَضَرَّرَ الْمُتَفَقِّهُ بِذَلِكَ .. فَعَلَيْكَ نَصِيحَتُّهُ بِبَيَانِ حَالِهِ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَقْصِدَ
النَّصِيحَةَ، وَهَذَا مِمَّا يُغْلَطُ فِيهِ ، وَقَدْ يَحْمِلُ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ الْحَسَدُ، وَيُلَبِّسُ
الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَيُخَيِّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ نَصِيحَةٌ وَشَفَقَةٌ، فَلْيُتَفَطَّنْ لِذَلِكَ .
وَمِنْهَا : أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلاَيَّةٌ لاَ يَقُومُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا، إِمَّا بِأَلَّ يَكُونَ صَالِحاً
لَهَا، وَإِمَّا بِأَنْ يَكُونَ فَاسِقاً أَوْ مُغَفَّلاً وَنَحْوَ ذَلِكَ . . فَيَجِبُ ذِكْرُ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ
وِلاَيَّةٌ عَامَّةٌ لِيُرِيلَهُ وَيُوَلِّيَ مَنْ يَصْلُحُ ، أَوْ يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُ لِيُعَامِلَهُ بِمُقْتَضَىْ حَالِهِ وَلاَ
يَغْتَزَّ بِهِ ، وَأَنْ يَسْعَى فِي أَنْ يَكُثَّهُ عَلَى اُلاِسْتِقَامَةِ أَوْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ .
أَلْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِراً بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ ، كَأَلْمُجَاهِرِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ،
وَمُصَادَرَةِ النَّاسِ، وَأَخْذِ الْمَكْسِ ، وَجِبَايَةِ الْأَمْوَالِ ظُلْماً، وَتَوَلِّي الْأُمُورِ
الْبَاطِلَةِ .. فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعُيُوبِ إِلَّ أَنْ يَكُونَ
لِجَوَازِهِ سَبَبٌ آخَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ .
الشَّادِسُ: التَّعْرِيفُ، فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مَعْرُوفَاً بِلَقَبٍ كَالْأَعْمَشِ وَالْأَعْرَجِ
وَالْأَصَمِّ وَاَلْأَعْمَى وَالْأَحْوَلِ وَالْأَفْطَسِ وَغَيْرِهِمْ .. جَازَ تَعْرِيفُهُ بِذَلِكَ بِنِيَّةِ
التَّعْرِيفِ ، وَيَحْرُ إِطْلَاقُهُ عَلَى جِهَةِ التَّقُّصِ ، وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ .. كَانَ
أَوْلَى .
٥٥٠

فَهَذِهِ سِنَّهُ أَسْبَابٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ مِمَّا تُبَاحُ بِهَا الْغِيبَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمِمَّنْ
نَصَّ عَلَيْهَا هَكَذَا: آلْإِمَامُ أَبُو حَامِدِ الْغَزَالِيُّ فِي ((أَلْإِحْيَاءِ)) [٣/ ١٥٢]، وَآخَرُونَ
مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَدَلاَئِلُهَا ظَاهِرَةٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَأَكْثَرُ هَذِهِ
اُلْأَسْبَابِ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِ الْغِيبَةِ بِهِ (١) .
١٠١٤ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهَا: أَنَّ رَجُلاً أَسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((أَتْذَنُوا لَهُ ، بِئْسَ
أَخُو الْعَشِيرَةِ)) [خ ٦٠٥٤-٢٥٩١٢].
احْتَجَّ بِهِ أَلْبُخَارِيُّ عَلَى جَوَازِ غِيبَةٍ أَهْلِ الْفَسَادِ وَأَهْلِ الرِّيَبِ(٢).
١٠١٥ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((الْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ )) عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ
اُلْأَنْصَارِ: وَاللهِ؛ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا وَجْهَ اللهِ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: (( رَحِمَ اللهُ مُوسَى؛ لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ
هَذَا .. فَصَبَرَ ))، وَفِي بَعْضٍ رِوَايَاتِهِ: قَالَ أَبْنُ مَسْعُودٍ : ( فَقُلْتُ: لاَ أَرْفَعُ إِلَيْهِ
بَعْدَ هَذَا حَدِيثاً )(٣) [خ ٦٠٥٩ - م١٠٦٢].
قُلْتُ : أَحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي إِخْبَارِ الرَّجُلِ أَخَاهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ .
١٠١٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ
(١) وقد نظم بعضهم ذلك فقال :
القدحُ ليس بغيبةٍ في ستَّةٍ
ولمظهرِ فسقاً، ومستفتٍ ، ومَنْ
متظلم ، ومعرِّفٍ، ومحذِّرِ
طلبَ الإعانةَ في إزالةٍ منكرٍ
(٢) قوله: ( احتج به البخاري ... ) إلخ زيادة من (أ) و(ج) و(د)، وهامش (ب ).
تقدم برقم ( ٩٣٣)، وفي (أ) و(ج) و(د): (لا أرفع إِليه بعدها حديثاً)، وهو موافق لما في
(٣)
((مسلم))، قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٩/٧): (قوله: (( لا أرفع إليه بعدها))
أي : بعد هذه المرة حديثاً في مثل هذا المعنى ؛ أي : لأنه رأى كمال تغيره صلى الله عليه وسلم عند
سماع ذلك ثم عفوه ، فلم ير لقوله ثمرة إلا إيصال سبب التغير إِليه صلى الله عليه وسلم ) .
٥٥٣

رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا أَظُ فُلاَناً وَفُلاَناً يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئاً))،
قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ - أَحَدُ الرُّوَاةِ - : (كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ) [خ٦٠٦٧].
١٠١٧ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ أَصَابَ
النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ: لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى
يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ .. لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ،
فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ
أُبَيِّ ... ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَىْ تَصْدِيقَهُ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ
[خ ٤٩٠٣- م ٢٧٧٢] .
١٠١٨- وَفِي الصَّحِيح: حَدِيثُ هِنْدَ امْرَأَةٍ أَبِي سُفْيَانَ ، وَقَوْلُهَا لِلنَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ... ) إِلَى آخِرِهِ [خ ٢٢١١- م١٧١٤].
١٠١٩ - وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا :
((أَمَّا مُعَاوِيَةُ .. فَصُعْلُوكٌ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ .. فَلاَ يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِهِ))(١)
[م١٤٨٠ - حب ٤٠٤٩ - ط٢ /٥٨٠ _ د٢٢٨٤].
٥- بَابُ أَمْرٍ مَنْ سَمِعَ غِيبَةَ شَيْخِهِ أَوْ صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا بِرَدِّهَا وَإِبْطَالِهَا
إِعْلَمْ : أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ غِيبَةَ مُسْلِمٍ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَزْجُرَ قَائِلَهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ
بِأَلْكَلاَم .. زَجَرَهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِأَلْيَدِ وَلَ بِاللِّسَانِ .. فَارَقَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ ،
فَإِنْ سَمِعَ غِيبَةَ شَيْخِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ ، أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اُلْفَضْلِ
وَالصَّلاَحِ .. كَانَ أَلِاعْتِنَاءُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَكْثَرَ .
(١) قوله: ((فصعلوك)) الصعلوك: الفقير كما جاء في رواية لمسلم: ((صعلوك لا مال له))، وقوله :
(( فلا يضع العصا عن عاتقه)) قيل: المراد به : كثير الأسفار ، وقيل : كثير الضرب للنساء ، وقد جاء
هذا المعنى في رواية لمسلم. ((الفتوحات)) (١٣/٧).
٥٥٢

١٠٢٠ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ .. رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ)) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [١٩٣١٥].
١٠٢١ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) فِي حَدِيثٍ غُتْبَانَ -
بِكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَحُكِيَ ضَمُّهَا - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ
الْمَشْهُورِ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ، فَقَالُوا : أَيْنَ مَالِكُ بْنُ
الدُّخْشُمِ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : ذَلِكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَقُلْ ذَلِكَ؛ أَلاَ تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لاَّ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ
وَجْهَ اللهِ؟!))(١) [خ٤٢٥- م٣٣].
١٠٢٢ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: ( أَنَّ
عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ(٢) فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ: ((إِنَّ شَرَّ الرَّعَاءِ الْخُطَمَةُ))(٣) ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ : أَجْلِسْ ؛
فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(٤) ، فَقَالَ: وَهَلْ كَانَتْ
(١) قال الإمام أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في ((الإستيعاب)) (٣٥٢/٣) في ترجمة مالك بن
الدخشم رضي الله عنه : ( لم يختلفوا أنه شهد بدراً وما بعدها من المشاهد ، وهو الذي أسر يوم بدر
سهيل بن عمرو ، قال : ولا يصح عنه النفاق وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه ، والله
أعلم). وحديث الباب نص على إيمانه باطناً وبراءته من النفاق، والله أعلم. ((الفتوحات))
(١٦/٧) .
(٢) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٧/ ١٧): ( عبيد الله بن زياد ، هو ابن أبيه ، وهو
الذي استلحقه معاوية بأبيه أبي سفيان ) ، ووقع في الأصل و( ب ): ( عبد الله بن زياد ).
(٣) الحطمة : العنيف برعاية الإِبل في السوق والإِيراد والإِصدار، ويلقي بعضها على بعض ، ويعسفها،
ضربه مثلاً لوالي السوء. ((الفتوحات)) ( ٧/ ١٧ ).
(٤) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (٢١٦/١٢): (قوله: (( إنما أنت من نخالة
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم)) يعني: لست من فضلائهم وعلمائهم وأهل المراتب منهم ، بل=
٥٥٣

لَهُمْ نُخَالَةٌ؟ !! إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفِي غَيْرِهِمْ﴾ [م١٨٣٠].
١٠٢٣ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ
الطَّوِيلِ فِي قِصَّةٍ تَوْبَتِهِ قَالَ : ( قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَلْقَوْمِ
بِتَبُوكَ: ((مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ؟)) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛
حَبَسَهُ بُزْدَاهُ وَاَلنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : بِئْسَ
مَا قُلْتَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّ خَيْراً، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)(١) [خ٤٤١٨ -م٢٧٦٩].
قُلْتُ: ( سَلِمَةُ) بِكَسْرِ اللَّم، وَ(عِطْفَاهُ ): جَانِبَاهُ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِعْجَابِهِ
بِنَفْسِهِ .
١٠٢٤ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي طَلْحَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنِ أَمْرِىءُ
يَخْذُلُ امْرَأَ مُسْلِماً فِي مَوْضِع تُنْتُهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ .. إِلَّ
خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنِ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ ، وَمَا مِنِ أَمْرِىءٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً فِي مَوْضِعِ
يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ ، وَيُنْتُهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ .. إِلَّ نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ
نُصْرَتَهُ )) [«٤٨٨٤] .
١٠٢٥ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَنْ حَمَىْ مُؤْمِناً مِنْ مُنَافِقٍ(٢) - أُرَاهُ قَالَ - بَعَثَ اللهُ تَعَالَى مَلَكاً يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ
=
من سقطهم ، والنخالة هنا : استعارة من نخالة الدقيق ، وهي قشوره ) .
(١) تقدم برقم (٧١٢)، و(٩٧٩).
أي : رد المغتاب عن ثلم عرضه ومنعه عن ذلك بلسانه أو بيده ، وقال أبو الطيب العظيم آبادي
(٢)
رحمه الله تعالى في ((عون المعبود)) (١٥٥/١٣): (قوله: (( من حمى مؤمناً من منافق)) أي :
مغتاب ، وإِنما سمي منافقاً؛ لأنه لا يُظهر عيب أخيه عنده ليُتدارك ، بل يُظهر عنده خلاف ذلك ، أو
لأنه يُظهر النصيحة ويبطن الفضيحة ) .
٥٥٤

اُلْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِماً بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ (١) .. حَبَسَهُ اللهُ عَلَى
جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ))(٢) [«٤٨٨٣] .
٦ - بَابُ الْغِيبَةِ بِأَلْقَلْبِ
أَعْلَمْ: أَنَّ سُوءَ الظَّنِّ حَرَامٌ مِثْلَ الْقَوْلِ، فَكَمَا يَخْرُمُ أَنْ تُحَدِّثَ غَيْرَكَ
بِمَسَاوِىءٍ إِنْسَانٍ .. يَحْرُمُ أَنْ تُحَدِّثَ نَفْسَكَ بِذَلِكَ وَتُسِيءَ الظَّنَّ بِهِ، قَالَ اللهُ
تَعَالَى: ﴿اَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ اَلَّنِ﴾(٣).
١٠٢٦ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِيَّاكُمْ وَأَلظَّنَّ؛ فَإِنَّ
الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ)) [خ٥١٤٣- م٢٥٦٣].
وَالْأَحَادِيثُ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ كَثِيرَةٌ ، وَأَلْمُرَادُ بِذَلِكَ: عَقْدُ اُلْقَلْبِ وَحُكْمُهُ عَلَى
غَيْرِكَ بِالسُّوءِ .
فَأَمَّا الْخَوَاطِرُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ: إِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ وَيَسْتَمِزَّ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ .. فَمَعْفُوّ
عَنْهُ بِأَتَّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لاَ أَخْتِيَارَ لَهُ فِي وُقُوعِهِ ، وَلاَ طَرِيقَ لَهُ إِلَى الِنْفِكَاكِ
عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَا :
١٠٢٧ - ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ
تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا (٤) حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُّهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ))(٥) [خ٥٢٦٩_ م٢/١٢٧
(١) لفظة ( به) زيادة من (أ) و(ج) و( د) .
(٢) أي: من تبعة ما قاله ، إِما بأن يرضي اللهُ عنه خصمه ، أو بأن يعطي الخصم من حسنات مغتابه ، أو
يضع عليه من سيئاته ، أو ما يشاء الله. ((الفتوحات)) ( ٢١/٧).
(٣) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢١/٧): (أمر باجتناب كثير من الظن ؛ لئلا يجري
أحد على ظنِّ إِلا بعد نظر وتأمل ، وتمييز بين حقه وباطله ، قال : وبعض الظن ليس بإِثم ، بل منه
ما هو واجب ؛ كظنون المجتهدين في الفروع المترتبة على الأدلة الشرعية ، فيلزمهم الأخذ بها ، ومنه
ما هو مندوب ، ومنه ما هو مباح ، وقد يكون هو الحزم والرأي ) .
(٤) في (أ) و(ج) و(د): ( عما) .
(٥) في الحديث دليل لما عليه الأكثرون : أن من حدث نفسه بنحو طلاق ، وصمم عليه ولم يتلفظ به .. =
٥٥٥

قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمُرَادُ بِهِ: الْخَوَاطِرُ الَّتِي لاَ تَسْتَقِرُّ، قَالُوا: وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ
اَلْخَاطِرُ غِيبَةً أَوْ كُفْراً أَوْ غَيْرَهُ، فَمَنْ خَطَرَ لَهُ الْكُفْرُ مُجَرَّدَ خَطَرَانٍ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ
لِتَخْصِيلِهِ، ثُمَّ صَرَفَهُ فِي الْحَالِ .. فَلَيْسَ بِكَافِرٍ ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ(١).
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي ( بَابِ الْوَسْوَسَةِ ) فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ قَالُوا :
يَا رَسُولَ اللهِ ؛ يَجِدُ أَحَدُنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: ((ذَلِكَ صَرِيحُ
اَلْإِئْمَانِ))(٢) [م٢٠٩/١٣٢] ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ .
وَسَبَبُ الْعَفْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَذُّرِ أَجْتِنَابِهِ، وَإِنَّمَا الْمُمْكِنُ أَجْتِنَابُ الاسْتِمْرَارِ
عَلَيْهِ ، فَلِهَذَا كَانَ الإِسْتِمْرَارُ وَعَقْدُ اَلْقَلْبِ حَرَاماً .
وَمَهْمَا عَرَضَ لَكَ هَذَا الْخَاطِرُ بِأَلْغِيبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَعَاصِي .. وَجَبَ عَلَيْكَ
دَفْعُهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ، وَذِكْرِ التَّأْوِيلاَتِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدِ الْغَزَالِيُّ فِي ((أَلْإِحْيَاءِ)) [٣/ ١٥٠]: ( إِذَا وَقَعَ فِي قَلْبِكَ ظَرُ
=
لا يقع. ((الفتوحات)) (٢٤/٧).
(١) قال العلماء : ما يرد على القلب أربعة أقسام: رحماني، وملكي ، وشيطاني ، ونفساني ، فالأولان
في الخير ، والآخران في الشر ، والفرق بين الأولين : أنه إِن لم يجد المرء بداً مما وقع في قلبه من
داعي الخير وإجابته .. فهو رحماني، وإلا .. فملكي، و[الفرق] بين الأخيرين: أنه إِن كان إِذا انتقل
عنه إِلى خاطر سوء آخر انصرف الخاطر الأول .. فشيطاني ، وإِلا .. فنفساني ؛ لأن الشيطان غرضه
مطلق العصيان ، فإِذا أبدل خاطر السوء بمثله .. حصل مراده ، ولا كذلك النفساني ، فقد يكون
غرضها معصية خاصة لا تنصرف عنها إِلى غيرها وإِن ماثله . ثم الخواطر وحديث النفس لها خمس
مراتب : هاجس ، فواجس ، فحديث نفس ، فعزم ، فتصميم ، فالأول : ما يهجس فيها ثم يذهب
فوراً . والثاني : يتحرك فيها قليلاً ثم يذهب ، ولا مؤاخذة بهما . والثالث : أن يتحرك فيها مع ضده
فتصير النفس راكنة لهذا تارة ولهذا أخرى من غير أن يعزم على واحدة منهما ، ولا مؤاخذة بذلك أيضاً
على الأصح ، وهذه المراتب الثلاث لا أجر فيها في الحسنات أيضاً . والرابع : هو أن يتحرك فيها
ويثبت ، ويكون أرجح من ضده ، ويعزم عليه ، واختلفوا في المؤاخذة عليه : فقال المحققون :
نعم ، وخالف البعض فقال : لا يؤاخذ به . والخامس : هو أن يصمم عليه بحيث ينعدم ضده ، وبه
المؤاخذة بالأولى كما ذكره في ((فتح الإِله)). ((الفتوحات)) (٢٢/٧).
(٢) تقدم بنحوه برقم (٣٨٥) .
٥٥٦

السُّوءِ .. فَهُوَ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ يُلْقِيهِ إِلَيْكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُكَذِّبَهُ؛ فَإِنَّهُ أَفْسَقُ
الْفُسَّاقِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا يَجَهَلَةٍ
فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾، فَلاَ يَجُوزُ تَصْدِيقُ إِبْلِيسَ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ
عَلَىْ فَسَادٍ وَأَحْتَمَلَ خِلاَفُهُ .. لَمْ تَجُزْ إِسَاءَةُ الظَّنِّ(١) ، وَمِنْ عَلَامَةِ إِسَاءَةِ الظَّنِّ:
أَنْ يَتَغَيَّرَ قَلْبُكَ مَعَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ ، فَتَنْفِرَ عَنْهُ وَتَسْتَثْقِلَهُ وَتَفْتُرَ عَنْ مُرَاعَاتِهِ وَإِكْرَامِهِ
وَاَلِغْتِمَامِ بِسَيَتِهِ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يُقَرِّبُ إِلَى الْقَلْبِ بِأَدْنَى خَيَالٍ مَسَاوِىءَ
النَّاسِ، وَيُلْقِي إِلَيْهِ أَنَّ هَذَا مِنْ فِطْنَتِكَ وَذَكَائِكَ وَسُرْعَةِ تَنَبُّهِكَ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ
يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ نَاطِقٌ بِغُرُورِ الشَّيْطَانِ وَظُلْمَتِهِ ، وَإِنْ أَخْبَرَكَ
عَدْلٌ بِذَلِكَ . . فَلاَ تُصَدِّقْهُ وَلاَ تُكَذِّبْهُ؛ لِئَلَّ تُسِيءَ الظَّنَّ بِأَحَدِهِمَا، وَمَهْمَا خَطَرَ
لَكَ سُوءٌ فِي مُسْلِمٍ .. فَزِدْ فِي مُرَاعَاتِهِ وَإِكْرَامِهِ؛ فَإِنَّ ذَلكَ يَغِيظُ الشَّيْطَانَ وَيَدْفَعُهُ
عَنْكَ ، فَلاَ يُلْقِي إِلَيْكَ مِثْلَهُ ؛ خِيفَةً مِنِ اشْتِغَالِكَ بِالدُّعَاءِ لَهُ، وَمَهْمَا عَرَفْتَ هَفْوَةَ
مُسْلِمٍ بِحُجَّةٍ لاَ شَكَّ فِيهَا .. فَنْصَحْهُ فِي السِّرِّ ، وَلاَ يَخْدَعَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَيَدْعُوكَ
إِلَى أَغْتِيَابِهِ ، وَإِذَا وَعَظْتَهُ .. فَلاَ تَعِظَّهُ وَأَنْتَ مَسْرُورٌ بِأَطِّلاَعِكَ عَلَى نَقْصِهِ ، فَيَنْظُرُ
إِلَيْكَ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ بِأَلِاسْتِصْغَارِ ، وَلَكِنِ أَقْصِدْ تَخْلِيصَهُ مِنَ الْإِثْمِ وَأَنْتَ
حَزِينٌ كَمَا تَحْزَنُ عَلَى نَفْسِكَ إِذَا دَخَلَكَ نَقْصٌ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ لِذَلِكَ
النَّقْصِ بِغَيْرِ وَعْظِكَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ تَرْكِهِ بِوَعْظِكَ ) هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ.
قُلْتُ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا عَرَضَ لَهُ خَاطِرٌ بِسُوءِ الظَّنِّ أَنْ يَقْطَعَهُ ،
وَهَذَا إِذَا لَمْ تَدْعُ إِلَى الْفِكْرِ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، فَإِنْ دَعَتْ . . جَازَ اُلْفِكْرُ فِي
نَقِيصَتِهِ وَالتَّنْقِيبِ عَنْهَا كَمَا فِي جَرْحِ الشُّهُودِ وَاُلُّوَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي
( بَابِ مَا يُبَاحُ مِنَ الْغِيبَةِ)(٢).
(١) أي: ما لم تكن القرينة الدالة على الفساد أقوى. ((الفتوحات)) (٢٦/٧).
(٢) انظر (ص٥٧٧). وفي هامش (ب): ( بلغ الولد أبو العباس نفعه الله سماعاً ومقابلة بقراءته ، ولله
الحمد . كتبه ابن العطار ) .
٥٥٧

٧- بَابُ كَفَّارَةِ الْغِيبَةِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهَا
أَعْلَمْ: أَنَّ كُلَّ مَنِ أَرْتَكَبَ مَعْصِيَّةً .. لَزِمَهُ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الثَّوْبَةِ مِنْهَا .
وَالتَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى يُشْتَرَطُ فِيهَا ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ : أَنْ يُقْلِعَ عَنِ الْمَعْصِيَّةِ
فِي الْحَالِ، وَأَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا، وَأَنْ يَعْزِمَ أَلَّ يَعُودَ إلَيْهَا (١).
وَالتَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِينَ يُشْتَرَطُ فِيهَا هَذِهِ الثَّلاَثَةُ، وَرَابِعٌ : وَهُوَ رَدُّ
الظُّلَامَةِ إِلَى صَاحِبِهَا ، أَوْ طَلَبُ عَفْوِهِ عَنْهَا وَأَلْإِبْرَاءِ مِنْهَا ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُغْتَابِ
التَّوْبَةُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ ؛ لِأَنَّ الْغِيبَةَ حَقُّ آدَمِيٍّ ، وَلاَ بُدَّ مِنِ اسْتِخْلاَلِهِ مَنِ
أَغْتَابَهُ .
وَهَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ : قَدِ أَغْتَبْتُكَ فَاجْعَلْنِي فِي حِلِّ ؟ أَمْ لاَ بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ مَا أَغْتَابَهُ
بِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللهُ:
أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِهِ .. لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ
مَالٍ مَجْهُولٍ .
وَالثَّانِي: لاَ يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُتَسَامَحُ فِيهِ ، فَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِخِلاَفٍ
أَلْمَالِ. وَأَلْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْمَحُ بِأَلْعَفْوِ عَنْ غِيبَةٍ دُونَ غِيبَةٍ ، فَإِنْ
كَانَ صَاحِبُ أَلْغِيبَةِ مَيِّاً أَوْ غَائِباً .. فَقَدْ تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا، لَكِنْ قَالَ
اُلْعُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ الإِسْتِغْفَارَ لَهُ وَالدُّعَاءَ، وَيُكْثِرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ.
وَأَعْلَمْ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الْغِيبَةِ أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْهَا وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ
تَبَرُّعٌ وَإِسْقَاطُ حَقٍّ ، فَكَانَ إِلَى خِيرَتِهِ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَسْتِحْبَاباً مُتَأَكِّداً
(١) اعترض هذا الشرط - وهو العزم على عدم العود إلى المعصية - بأن فعلها في المستقبل قد لا يخطر
بالبال لذهول أو جنون ، وقد لا يقتدر عليه لخرس في القذف ، وجَبِّ في الزنا ، ورُدَّ بأن المراد العزم
على ترك المعاودة على تقدير الحضور والاقتدار ، حتى لو سلب القدرة .. لم يشترط عزم عليه .
((الفتوحات)) (٢٨/٧).
٥٥٨

اُلْإِبْرَاءُ؛ لِيُخَلِّصَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مِنْ وَبَالِ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ، وَيَفُوزَ هُوَ بِعَظِيمِ
ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى فِي الْعَفْوِ وَمَحَبَّةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالْكَظِمِينَ
اُلْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِنُ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وَطَرِيقُهُ فِي تَطْبِبِ نَفْسِهِ بِالْعَفْوِ: أَنْ يُذَكِّرَ نَفْسَهُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ وَقَعَ ، وَلاَ
سَبِيلَ إِلَى رَفْعِهِ ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ أُفَوِّتَ ثَوَابَهُ وَخَلاَصَ أَخِي الْمُسْلِمِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ
تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُرِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خُذِ اَلْعَفْوَ﴾
الآيَةُ . وَأَلَآيَاتُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا كَثِيرَةٌ .
١٠٢٨ - وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ .. مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ))(١) [٢٦٩٩٢] .
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ( مَنِ اسْتُرْضِيَ فَلَمْ يَرْضَ .. فَهُوَ شَيْطَانٌ)(٢).
وَقَدْ أَنْشَدَ أَلْمُتَقَدِّمُونَ [من الخفيف] :
وَمُقَامُ أَلْفَتَى عَلَى آلذُلِّ عَارُ
قِيلَ لِي : قَدْ أَسَا إِلَيْكَ فُلاَنٌ
دِيَةُ الذَّنْبِ عِنْدَنَا الْإِعْتِذَارُ
قُلْتُ : قَدْ جَاءَنَا وَأَحْدَثَ عُذْراً
فَهَذَا أَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الْإِبْرَاءِ عَنِ الْغِيبَةِ هُوَ الصَّوَابُ، وَأَمَّا
مَا جَاءَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: (لاَ أُحَلِّلُ مَنْ ظَلَمَنِي)(٣)، وَعَنِ أَبْنِ
سِيرِينَ: ( لَمْ أُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ فَأُحَلِّلَهَا لَهُ؛ إِنَّ(٤) اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْغِيبَةَ عَلَيْهِ ، وَمَا
كُنْتُ لِأُحَلِّلَ مَا حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى أَبَداً)(٥) .. فَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطُ ؛ فَإِنَّ الْمُبْرِىءَ
(١) تقدم برقم (٤٥٨) .
(٢) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٩١٦٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٣/٩)، وابن عساكر في
((تاريخه)) (٤١٤/٥١). وقوله: (فهو شيطان) أي : مثل الشيطان في الكبر والنظر للنفس؛ إِذ
لولا ذلك .. لقبل عذر أخيه وقد اعتذر إِليه .
((طبقات ابن سعد)) ( ١٢٦/٥) بمعناه .
(٣)
في (ب ): (أي: إِن ... ).
(٤)
(٥) ((الحلية)) (٢٦٣/٢) بنحوه .
٥٥٩

لاَ يُحَلِّلُ مُحَرَّماً(١)، وَإِنَّمَا يُسْقِطُ حَقّاً ثَبَتَ لَهُ(٢) ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ
وَالسُّنَّةِ عَلَى أَسْتِحْبَابِ الْعَفْوِ وَإِسْقَاطِ الْحُقُوقِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمُسْقِطِ، أَوْ يُحْمَلُ
كَلاَمُ أَبْنِ سِيرِينَ عَلَى ( أَنِّي لاَ أُبِيحُ غِيبَتِي أَبِدَاءٌ) وَهَذَا صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ
قَالَ : ( أَبَحْتُ عِرْضِي لِمَنِ أَغْتَابَنِي) .. لَمْ يَصِرْ مُّبَاحاً ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ
غِيبَتُهُ كَمَا تَحْرُمُ غِيبَةُ غَيْرِهِ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ : ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي ضَمْضَمٍ؟! كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ
بَيْتِهِ . . قَالَ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلَى النَّاسِ))(٣) .. فَمَعْنَاهُ: لَ أَطْلُبُ مَظْلَمَتِي
مِمَّنْ ظَلَمَنِي لاَ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا يَنْفَعُ فِي إِسْقَاطِ مَظْلَمَةٍ كَانَتْ
مَوْجُودَةً قَبْلَ الْإِبْرَاءِ ، فَأَمَا مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ .. فَلاَ بُدَّ مِنْ إِبْرَاءٍ جَدِيدٍ بَعْدَهَا، وَبِأَللهِ
التَّوْفِيقُ .
٨ - بَابٌّ فِي التَّمِيمَةِ
قَدْ ذَكَرْنَا تَحْرِيمَهَا وَدَلَائِلَهُ وَمَا جَاءَ فِي الْوَعِيدِ عَلَيْهَا ، وَذَكَرْنَا بَيَانَ حَقِيقَتِهَا ،
وَلَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ ، وَنَزِيدُ أَلَآَنَ فِي شَرْحِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدِ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ( النَّمِيمَةُ إِنَّمَا تُطْلَقُ فِي الْغَالِبِ عَلَى
مَنْ يَنُمُّ قَوْلَ أَلْغَيْرِ إِلَى الْمَقُولِ فِيهِ ، كَقَولِهِ : ( فُلاَنٌ يَقُولُ فِيكَ كَذَا ) ، وَلَيْسَتِ
النَّمِيمَةُ مَخْصُوصَةً بِذَلِكَ ، بَلْ حَدُّهَا: كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ، سَوَاءٌ كَرِهَهُ
الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوِ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ أَوْ ثَالِثٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَشْفُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْكِتَابَةِ أَوِ
الرَّمْزِ أَوِ الْإِبِمَاءِ أَوْ نَحْوِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ مِنَ الْأَقْوَالِ أَوِ الْأَعْمَالِ، وَسَوَاءٌ
كَانَ عَيْباً أَوْ غَيْرَهُ، فَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ: إِفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ .
(١) أي: لا يصيِّر الغيبة حلالاً، بأن يجوِّز أن يغتابه أحد في مستقبل الزمن. ((الفتوحات)) (٣٣/٧).
(٢) أي: بالغيبة السابقة مع بقائها على وصف الحرمة. ((الفتوحات)) (٣٣/٧).
(٣) أخرجه أبو داوود (٤٨٨٦)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٨٠٨٣)، وعبد الرزاق (١٦٤٠٨)، وابن
السني (٦٥)، وقد تقدم برقم (٢٣٥).
٥٦٠