Indexed OCR Text
Pages 501-520
وَمَعْنَاهُ: أَنْتُصَفَ، وَقَوْلُهُ: (تَهَوَّرَ ) أَيْ: ذَهَبَ مُعْظَمُهُ، وَ(أُنْجَفَلَ ) بِالْجِيمِ : سَقَطَ ، وَ( دَعَّمْتُهُ) : أَسْنَدْتُهُ . ٩١٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ : جَزَاكَ اللهُ خَيْراً .. فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١) [ت٢٠٣٥] . ٩١٥ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ النَّسَائِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) وَ(( كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَسْتَقْرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي أَرْبَعِينَ أَلْفاً، فَجَاءَهُ مَالٌ ، فَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: (( بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ )) [س٣١٤/٧ - ق٢٤٢٤ - سني ٢٧٧] . ٩١٦- وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ( كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتُ لِخَشْعَمَ يُقَالُ لَهُ : الْكَعْبَةُ أَلْيَمَانِيَّةُ، وَيُقَالُ لَهُ: ذُو الْخَلَصَةِ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ ؟ )) فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِئَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِساً مِنْ أَحْمَسَ، فَكَسَرْنَا وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ ، فَدَعَا لَنَا، وَلِأَحْمَسَ) [خ ٣٨٢٣ -م٢٤٧٦]. وَفِي رِوَايَةٍ : ( فَبَرَّكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَىُ خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ ) [خ ٣٠٢٠]. ٩١٧ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَّى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا ، فَقَالَ : ((أَعْمَلُوا؛ فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ )) [خ ١٦٣٥]. (١) انظر كلام الحافظ في الملحق برقم (٦٦٤). ٥٠١ ٢٥ - بَابُ أَسْتِحْبَابٍ مُكَافَأَةٍ الْمُهْدِي بِالدُّعَاءِ لِلْمَهْدِيِّ لَهُ إِذَا دَعَا لَهُ عِنْدَ أَلْهَدِيَّةِ ٩١٨- رَوَيْنَا فِي (( كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( أَهْدَيْتُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً، قَالَ: ((أَقْسِمِيهَا))، وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا رَجَعَتِ الْخَادِمُ .. تَقُولُ: مَا قَالُوا؟ تَقُولُ الْخَادِمُ: قَالُوا: بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ، فَتَقُولُ عَائِشَةُ: وَفِيهِمْ بَارَكَ اللهُ ، فَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا قَالُوا ، وَيَبْقَىْ أَجْرُنَا لَنَا﴾ [سني ٢٧٨]. ٢٦ - بَابُ أَسْتِحْبَابِ أَعْتِذَارِ مَنْ أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ هَدِيَّةٌ فَرَدَّهَا لِمَعْنَىَّ شَرْعِيٌّ بِأَنْ يَكُونَ قَاضِياً أَوْ وَالِياً ، أَوْ كَانَ فِيهَا شُبْهَةٌ ، أَوْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ غَيْرُ ذَلِكَ ٩١٩ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارَ وَحْشٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: ((لَوْلاَ أَنَّا مُحْرِمُونَ .. لَقَبَلْنَاهُ مِنْكَ)) [م١١٩٤]. قُلْتُ : ( جَثَّمَةُ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَتَشْدِيدِ الثَّاءِ الْمُثَّثَةِ . ٢٧ - بَابُ مَا يَقُولُ لِمَنْ أَزَالَ عَنْهُ أَذَىَّ ٩٢٠ - رَوَيْنَا فِي (( كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَلْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ تَنَاوَلَ مِنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذَىَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَسَحَ اللهُ عَنْكَ(١) يَا أَبَا أَيُّوبَ مَا تَكْرَهُ)) [سني ٢٨١ وانظر الملحق] . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سَعِيدٍ : أَنَّ أَبَا أَيُوبَ أَخَذَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئاً ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَكُنْ بِكَ السُّوءُ يَا أَبَا أَيُّوبَ ، لاَ يَكُنْ بِكَ السُّوءُ)) [سني ٢٨٢]. (١) لفظة: (عنك) زيادة من (أ). ٥٠٢ ٩٢١ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ بَكْرِ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: (أَخَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ لِحْيَةِ رَجُلٍ أَوْ رَأْسِهِ شَيْئاً، فَقَالَ الرَّجُلُ: صَرَفَ اللهُ(١) عَنْكَ السُّوءَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: صَرَفَ عَنَّا السُّوءَ مُنْذُ أَسْلَمْنَا، وَلَكِنْ إِذَا أُخِذَ عَنْكَ شَيْءٌ .. فَقُلْ: أَخَذَتْ يَدَاكَ خَيْراً) [سني ٢٨٣]. ٢٨ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَأَى الْبَاكُورَةَ مِنَ الثَّمَرِ ٩٢٢ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : ( كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ .. جَاؤُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. قَالَ: « اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا)) ، ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ ) [م٤٧٣/١٣٧٣]. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضاً : ( (( بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ ))، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْوِلْدَانِ) [م١٣٧٣/ ٤٧٤]. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: ( أَصْغَرَ وَلِيدِ يَرَاهُ) [ت ٣٤٥٤]. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ السُّنِّيِّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا أُتِيَ بِبَاكُورَةٍ .. وَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ ثُمَّ عَلَى شَفَتَيْهِ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ كَمَا أَرَيْتَنَا أَوَّلَهُ فَأَرِنَا آخِرَهُ)) ، ثُمَّ يُعْطِيهِ مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الصُّبْيَانِ ) [سني ٢٨٠]. ٢٩ - بَابُ أَسْتِحْبَابِ أَلِقْتِصَادٍ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ أَعْلَمْ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَعَظَ جَمَاعَةٌ أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِمْ عِلْماً .. أَنْ يَقْتَصِدَ فِي ذَلِكَ، وَلاَ يُطَوِّلَ تَطْوِيلاً يُمِلُّهُمْ؛ لِئَلَّ يَضْجَرُوا وَتَذْهَبَ حَلاَوَتُهُ وَجَلَاَلَتُّهُ مِنْ (١) لفظ الجلالة زيادة من ( أ). ٥٠٣ قُلُوبِهِمْ ، وَلِئَلَ يَكْرَهُوا الْعِلْمَ وَسَمَاعَ الْخَيْرِ . . فَقَعُوا فِي الْمَحْذُورِ . ٩٢٣ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((الْبُخَارِيِّ)» وَ« مُسْلِمٍ)) عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: (كَانَ أَبْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُنَا كُلَّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ : أَمَا أَنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّه(١) أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآَمَةِ عَلَيْنَا ﴾ [خ٧٠- م٨٣/٢٨٢١]. ٩٢٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ طُولَ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ .. مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاَةَ وَأَقْصُرُوا الْخُطْبَةَ)) [م٨٦٩]. قُلْتُ: ( مَئِنَّةٌ) بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ نُونٍ مُشَدَّدَةٍ ؛ أَيْ : عَلَمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى فِقْهِهِ . وَرَوَيْنَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: ( إِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ .. كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ)(٢) . ٣٠ - بَابُ فَضْلِ الذَّلاَلَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَالْحَثِّ عَلَيْهَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَى﴾ . ٩٢٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « مَنْ دَعَا إِلَى هُدَىّ .. كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُور مَنْ تَبَعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَاَلَةٍ .. كَانَ عَلَيْهِ مِنَ آلْإِثْمِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ تَبِعَهُ ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً)»(٣) [م ٢٦٧٤]. في ( أ): ( أني ) ، وهو موافق لرواية البخاري . (١) (٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٦/٣)، وابن عساكر في ((تاريخه)) (٣٦٥/٥٥). (٣) تقدم برقم (١). ٥٠٤ ٩٢٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ )) أَيْضاً عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ .. فَلَهُ مِثْلُ أَجْرٍ فَاعِلِهِ)) [١٨٩٣٢]. ٩٢٧ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (( فَوَاللهِ ؛ لِأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً .. خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))(١) [خ ٢٩٤٢ -٢٤٠٦٢]. ٩٢٨- وَرَوَيْنَا فِي الصَّحِيحِ قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَاَللهُ فِي عَوْنِ اَلْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»(٢) [م٢٦٩٩ - د٤٩٤٦-ت١٤٢٥ - سك ٧٢٤٤ -ق٢٢٥- حم٢٥٢/٢]. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا أَلْبَابِ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مَشْهُورَةٌ (٣) . ٣١- بَابُ حَثِّ مَنْ سُئِلَ عِلْماً لاَ يَعْلَمُهُ وَيَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ يَعْرِفُهُ عَلَىْ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَيْهِ فِيهِ أَلْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي أَلْبَابِ قَبْلَهُ ، وَفِيهِ : ٩٢٩ - حَدِيثُ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)) [م٥٥ - حب ٤٥٧٤ - ٤٩٤٤٥ - س١٥٦/٧]، وَهَذَا مِنَ النَّصِيحَةِ . ٩٣٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِىءٍ قَالَ: ( أَتَيْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْجِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَتْ : عَلَيْكَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَسْأَلْهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلْنَاهُ ... ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ [م٢٧٦]. (١) يعني الإِبل؛ وذلك لأن خيرها حمرها ، وهي أحسن أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء ، وليس عندهم شيء أعظم منها ، وتشبيههم الاخرة بأعراض الدنيا إِنما هو للتقريب إلى الفهم ، وإِلا .. فذرة من الآخرة خير من الأرض وما فيها وأمثالها معها. ((الفتوحات)) (٢٣٩/٦). (٢) تقدم برقم (٤٥٨ ) . (٣) في هامش (ب): ( بلغ الولد أبو العباس وفقه الله سماعاً ومقابلة بقراءته ولله الحمد . كتبه ابن العطار ) . ٥٠٥ ٩٣١ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) أَلْحَدِيثَ الطَّوِيلَ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَى أَبْنَ عَبَّاسٍ يَسْأَلُّهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ أَبْنُ عَبَّاسٍ : ( أَلَا أَدُلُكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِوَتْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ) قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: (عَائِشَةُ، فَأْتِهَا فَأَسْأَلْهَا ... ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (١) [٧٤٦٢]. ٩٣٢ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ أَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنِ الْحَرِيرِ ، فَقَالَتِ : أَتْتِ أَبْنَ عَبَّاسِ فَسَلْهُ ، فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : سَلِ أَبْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَقْصٍ - يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيًا مَنْ لاَ خَلَقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ» [خ٥٨٣٥]. قُلْتُ: (لاَ خَلَقَ ) أَيْ : لاَ نَصِيبَ . وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِنَحْوِ هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ . ٣٢ - بَابُ مَا يَقُولُهُ مَنْ دُعِيَ إِلَى حُكْمِ اللهِ تَعَالَى يَنْبَغِي لِمَنْ قَالَ لَهُ غَيْرُهُ : ( بَيْنِي وَبَيْنَكَ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى) أَوْ ( سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )، أَوْ (أَقْوَالُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ)، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ قَالَ : ( أَذْهَبْ مَعِي إِلَى حَاكِمٍ الْمُسْلِمِينَ ، أَوِ الْمُفْتِي لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ الَّتِي بَيْنَنَا ) ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .. أَنْ يَقُولَ: ( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)، أَوْ ( سَمْعاً وَطَاعَةً) ، أَوْ ( نَعَمْ (١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (٦/ ٢٥): ( فيه أنه يستحب للعالم إذا سئل عن شيء ويعرف أن غيره أعلم منه به .. أن يرشد السائل إِليه ، فإِن الدين النصيحة ، ويتضمن مع ذلك الإِنصاف والاعتراف بالفضل لأهله، والتواضع). قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٤١/٦): (وإِذا كان العالم مع علمه يدل على من هو أعلم به منه .. فدلالة من لا علم عنده على العالم به من باب أولى ) . ٥٠٦ وَكَرَامَةً )، أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوْاْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . فَضَكُ [في التأدب عند المخاصمة والابتعاد عما لا يليق من الكلام] : يَنْبَغِي لِمَنْ خَاصَمَهُ غَيْرُهُ أَوْ نَازَعَهُ فِي أَمْرٍ فَقَالَ لَهُ : ( أَتَّقِ اللهَ تَعَالَىْ ) ، أَوْ (خَفِ اللهَ تَعَالَى)؛ أَوْ (رَاقِبِ اللهَ تَعَالَى)، أَوِ ( أَعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَىْ مُطَّلِعٌ عَلَيْكَ ) ، أَوِ ( أَعْلَمْ أَنَّ مَا تَقُولُهُ يُكْتَبُ عَلَيْكَ وَتُحَاسَبُ عَلَيْهِ) ، أَوْ قَالَ لَهُ : ( قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخْضَرًا﴾)، أَوْ (﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾)، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ اَلْأَلْفَاظِ .. أَنْ يَتَأَذَّبَ فَيَقُولَ: ( سَمْعاً وَطَاعَةً)، أَوْ ( أَسْأَلُ اللهَ التَّوْفِيقَ لِذَلِكَ ) ، أَوْ ( أَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ لُطْفَهُ)، ثُمَّيَتَلَطَُّ فِي مُخَاطَبَةٍ مَنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ تَسَاهُلِهِ عِنْدَ ذَلِكَ فِي عِبَارَتِهِ ؛ فَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يَتَكَلَّمُونَ عِنْدَ ذَلِكَ بِمَا لاَ يَلِيقُ(١) ، وَرُبَّمَا تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ بِمَا يَكُونُ كُفْراً . وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : ( هَذَا الَّذِي فَعَلْتَهُ خِلاَفُ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ .. أَلَ يَقُولَ: (لاَ أَلْتَزِمُ الْحَدِيثَ)، أَوْ ( لاَ أَعْمَلُ بِالْحَدِيثِ ) ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الْمُسْتَبْشَعَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ مَتْرُوكَ الظَّاهِرِ لِتَخْصِيصِ أَوْ تَأْوِيلٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: ( هَذَا الْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ ) أَوْ ( مُتَأَوَّلٌ) أَوْ (مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بِالْإِجْمَاعِ ) ، وَشِبْهَ ذَلِكَ . (١) أخرج الطبراني في ((الكبير)) (١١٣/٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨٢٤٦)، وابن أبي عاصم في ((الزهد)) (٩٢٦) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( إِن من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه : اتق الله ، فيقول : عليك نفسك أنت تأمرني ؟! ) . بل المستحب أن يقول لمن قال له ذلك : نسأل الله التوفيق ، أو نحو ذلك . ٥٠٧ ٣٣- بَابُ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْجَاهِلِينَ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾(١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. ٩٣٣ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنِ .. آثَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاساً مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا ، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لِأُخْبَرَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَيْثُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ: ((فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟! ) ثُمَّ قَالَ: ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى؛ قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا .. فَصَبَرَ )) [خ ٣١٥٠- م١٠٦٢]. قُلْتُ : ( الصِّرْفُ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ، وَهُوَ : صِبْغٌ أَحْمَرُ. ٩٣٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: ( قَدِمَ عُبَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ ، فَنَزَلَ عَلَى أَبْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسٍ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَمُشَاوَرَتِهِ ، كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّاناً ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ : يَا بْنَ أَخِي ؛ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ ، (١) قال الكرماني رحمه الله تعالى في ((شرح البخاري)) (١٢٠/١٧): (قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها ، ولعل ذلك لأن المعاملة إِمَّا مع نفسه أو مع غيره ، والغير إِمَّا عالم أو جاهل ، أو لأن أمهات الأخلاق ثلاثة ؛ لأن القوى الإِنسانية ثلاثة : عقلية وشهوية وغضبية ، ولكل قوة فضل هي وسطها ، للعقلية : الحكمة ، وبها الأمر بالمعروف ، وللشهوية : العفة ، ومنها ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، وللغضبية: الشجاعة، ومنها الإِعراض عن الجهال، والله أعلم). ٥٠٨ فَلَمَّا دَخَلَ .. قَالَ: هِيْ يَا بْنَ الْخَطَّابِ؛ فَوَاللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلاَ تَحْكُمُ فِينَا بِأَلْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ : يَا أَمِيرَ اُلْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ قَالَ لِنَبِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُ بِآلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ، وَاللهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّفاً عِنْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى) [خ ٤٦٤٢]. ٣٤ - بَابُ وَعْظِ الْإِنْسَانِ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ فِيهِ حَدِيثُ أَبْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فِي أَلْبَابِ قَبْلَهُ . أَعْلَمْ: أَنَّ هَذَا الْبَابَ مِمَّا تَتَأَكَّدُ الْعِنَايَةُ بِهِ، فَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ النَّصِيحَةُ وَأَلْوَعْظُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِكُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ تَرَتُّبُ مَفْسَدَةٍ عَلَى وَعْظِهِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِىِ هِىَ أَحْسَنُ﴾. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ . . فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُخْصَرَ . وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ إِهْمَالِ ذَلِكَ فِي حَقِّ كِبَارِ اٌلْمَرَاتِبِ ، وَتَوَهُمِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ حَيَاءٌ .. فَخَطَأْ صَرِيحٌ، وَجَهْلٌ قَبِيحٌ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَيَاءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَوَرٌ وَمَهَانَةٌ ، وَضَّعْفٌ وَعَجْزٌ ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ خَيْرٌ كُلُّهُ ، وَأَلْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّ بِخَيْرٍ ، وَهَذَا يَأْتِي بِشَرِّ، فَلَيْسَ بِحَيَاءٍ، وَإِنَّمَا أَلْحَيَاءُ عِنْدَ أَلْعُلَمَاءِ الرََّّانِينَ(١) وَاَلْأَئِمَّةِ الْمُحَقِّقِينَ : خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي اُلْحَقِّ، وَهَذَا بِمَعْنَى : (١) الرباني: الكامل في العلم والعمل، ووجه النسبة إِخلاصهم للرب تعالى. ((الفتوحات)) (٢٥٤/٦). وأخرج البخاري في ((صحيحه)) في العلم ، باب : العلم قبل القول والعمل ، تعليقاً : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( ﴿ كُنُوا رَبِّكْنِيِّنَ﴾: حلماء فقهاء) . قال البخاري : ( ويقال : الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ) . ٥٠٩ ٩٣٥ - مَا رَوَيْنَاهُ عَنِ الْجُنَيْدِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ((رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ)) [ص: ١٧٠] قَالَ : ( الْحَيَاءُ: رُؤْيَةُ أَلاَاءِ، وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ، فَيَتَوَلَّدُ [مِنْ] بَيْنِهِمَا حَالَةٌ تُسَمَّى حَيَاءً ) . وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا مَبْسُوطاً فِي أَوَّلِ ((شَرْحِ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) [٥/٢] ، وَللهِ اُلْحَمْدُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ . ٣٥ - بَابُ الْأَمْرِ بِأَلْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوَفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾، وَأَلَآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ أَشَدِّهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ : كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْمَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ٩٣٦ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ .. كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ .. أَخْلَفَ، وَإِذَا أَثْتُمِنَ .. خَانَ))(١) [خ ٣٣-م١٠٧/٥٩]. زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ )) [م١٠٩/٥٩]. وَاْلْأَحَادِيثُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ وَعَدَ إِنْسَاناً شَيْئاً لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ .. فَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ ، وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ ؟ فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَهُمْ : ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ تَرَكَهُ . . فَاتَهُ الْفَضْلُ، وَأَرْتَكَبَ (١) ووجه الاقتصار على الثلاث هنا: أنها منبهة على ما عداها؛ إِذ أصل الديانات منحصر في القول والفعل والنية ، فتبه على فساد القول بالكذب ، وعلى فساد الفعل بالخيانة ، وعلى فساد النية بالخلف ؛ لأن خلف الوعد لا يقدح إِلا إِذا كان العزم عليه مقارناً للوعد ، فإِن وعد ثم عرض له بعد مانع أو بدا له رأي .. فليس بصورة النفاق. ((الفتوحات)) (٦/ ٢٥٧). ٥١٠ اُلْمَكْرُوهَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهِ شَدِيدَةً ، وَلَكِنْ لاَ يَأْثَمُ ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ وَاحِبٌ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَبْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: ( أَجَلُّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ: وَذَهَبَتِ الْمَالِكِيَّةُ مَذْهَباً ثَالِئاً: أَنَّهُ إِنِ ارْتَبَطَ أَلْوَعْدُ بِسَبَبٍ كَقَوْلِهِ: ((تَزَوَّجْ وَلَكَ كَذَا))، وَ(( أَحْلِفْ أَنَّكَ لاَ تَشْتِمُنِي وَلَكَ كَذَا)) ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .. وَجَبَ أَلْوَفَاءُ ، وَإِنْ كَانَ وَعْدَاً مُطْلَقاً . . لَمْ يَجِبْ ) . وَأَسْتَدَلَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ بِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْهِبَةِ ، وَأَلْهِبَةُ لاَ تَلْزَمُ إِلَّ بِالْقَبْضِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تَلْزَمُ قَبْلَ اَلْقَبْضِ . ٣٦ - بَابٌ أَسْتِحْبَابٍ دُعَاءِ الْإِنْسَانِ لِمَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ مَالَهُ أَوْ غَيْرَهُ ٩٣٧ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ( لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ .. نَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ : أُقَاسِمُكَ مَالِي وَأَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى أَمْرَأَتَيَّ، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ ) [خ ٥١٦٧] . ٣٧- بَابُ مَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُ لِلذِّمِّيِّ إِذَا فَعَلَ بِهِ مَعْرُوفاً أَعلَمْ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا لاَ يَكُونُ لِلْكُفَّارِ ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَصِحَّةِ الْبَدَنِ وَالْعَافِيَةِ وَشِبْهِ ذَلِكَ(١) . ٩٣٨ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : ( أُسْتَسْفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَقَاهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((جَمَّلَكَ اللهُ))، فَمَا رَأَى الشَّيْبَ حَتَّى مَاتَ) [سني٢٨٩ وانظر الملحق]. (١) المراد بالهداية المسؤولة لهم: الإِيصالُ إِلى الإِسلام؛ لأن الدلالة على طريقه قد رزقوها؛ إِذ ما من ذرة في الكون إِلا وهي دالة على وجود صانعها ومنشئها ، للكن تأثير ذلك والعمل بقضيته يحتاج إلى لطف رباني ، وتأييد إِلهي، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ الْمَوْنَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾. ((الفتوحات)) (٢٦٣/٦). ٥١١ ٣٨- بَابُ مَا يَقُولُهُ إِذَا رَأَىُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ شَيْئاً فَأَعْجَبَهُ وَخَافَ أَنْ يُصِيبَهُ بِعَيْنِهِ وَأَنْ يَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ ٩٣٩ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)» وَ« مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَلْعَيْنُ حَقٌّ)) [خ ٥٧٤٠ -٢١٨٧٢]. ٩٤٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَىْ فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ: ((أَسْتَرْقُوا لَهَا؛ فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ)) [خ٥٧٣٩ -٢١٩٧٢]. قُلْتُ: ( السَّفْعَةُ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ أَلْفَاءِ: هِيَ تَغَيُرٌ وَصُفْرَةٌ (١). وَأَمَّا ( النَّظْرَةُ ) : فَهِيَ الْعَيْنُ ، يُقَالُ: صَبِيٌّ مَنْظُورٌ؛ أَيْ: أَصَابَتْهُ أَلْعَيْنُ . ٩٤١ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَلْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرَ .. سَبَقَتْهُ أَلْعَيْنُ(٢)، وَإِذَا أُسْتُغْسِلْتُمْ .. فَأَغْسِلُوا))(٣) [م٢١٨٨]. (١) قال الكرماني رحمه الله تعالى في ((شرح البخاري)) (٢٢/٢١): (السفعة: الصفرة والشحوب في الوجه ، قال الخطابي : وأصل السفع الأخذ بالناصية ، يريد أن بها مَسّاً من الجن أخذ منها بالناصية ) . (٢) قوله: ((ولو كان شيء سابق القدر .. سبقته العين)) هذا إِغياءٌ في تحقيق إصابة العين، ومبالغة فيه تجري مجرى التمثيل ، لا أنه يمكن أن يَرُدَّ القدرَ شيءٌ؛ فإن القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى ونفوذ مشيئته ، ولا رادً لأمره، ولا معقب لحكمه، وإنما هذا خرج مخرج قولهم: ((لأطلبنك ولو تحت الثرى))، و((ولو صعدت إلى السماء))، ونحوه مما يجري هذا المجرى، وهو كثير. وقال الإِمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١٧٤/١٤): ( فيه إِثبات القدر ، وهو حق بالنصوص وإِجماع أهل السنة ، ومعناه : أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى ولا تقع إِلا على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى وسبق بها علمه ، فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى ، وفيه صحة أمر العين وأنها قوية الضرر ) . (٣) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١٤ /١٧١ -١٧٣): ( قال الإِمام أبو عبد الله المازري : أخذ العلماء بظاهر الحديث وقالوا : العين حق - ثم قال بعد إِيراده أقوال المبتدعة والطبائعيين - : والدليل على فساد قولهم : أن كل معنىّ ليس مخالفاً في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ٥١٢ قُلْتُ : قَالَ الْعُلَمَاءُ: ( الِاسْتِغْسَالُ ): أَنْ يُقَالَ لِلْعَائِنِ - وَهُوَ الصَّائِبُ بِعَيْنِهِ ، النَّاظِرُ بِهَا بِأَلِاسْتِحْسَانِ -: أَغْسِلْ دَاخِلَةَ إِزَارِكَ مِمَّا يَلِي الْجِلْدَ بِمَاءٍ ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَى الْمَعِينِ ، وَهُوَ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِ . ٩٤٢ - وَثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: (كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ(١) [د٣٨٨٠]. ولا إفساد دليل .. فإنه من مجوزات العقول، إذا أخبر الشرع بوقوعه .. وجب اعتقاده ، ولا يجوز = تكذيبه ، وهل من فرق بين تكذيبهم بهذا وتكذيبهم بما يخبر به من أمور الآخرة ؟! ومذهب أهل السنة : أن العين إِنما تُفسد وتُهلك عند نظر العائن بفعل الله تعالى ؛ أجرى الله سبحانه وتعالى العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر ، وهل ثَمَّ جواهر خفية أم لا؟ [أي : تنبعث من عين العائن جواهر لطيفة تتصل بالمعين فيهلك أم لا؟ على ما ذكره الطبائعيون وبعض من ينتحل الإِسلام] .. هذا من مجوزات العقول لا يُقطع فيه بواحد من الأمرين ، وإِنما يقطع بنفي الفعل عنها وإِضافته إلى الله تعالى ، فمن قطع من أطباء الإِسلام بانبعاث الجواهر .. فقد أخطأ في قطعه ، وإِنما هو من الجائزات ، هذا ما يتعلق بعلم الأصول . أما ما يتعلق بعلم الفقه .. فإِن الشرع ورد بالوضوء لهذا الأمر في حديث سهل بن حنيف لمّا أصيب بالعين عند اغتساله ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عائنه أن يتوضأ، رواه مالك في ((الموطأ)) [٩٣٨/٢]. وصفة وضوء العائن عند العلماء: أن يؤتى بقدح ماء ولا يوضع القدح في الأرض ، فيأخذ منه غرفة فيتمضمض بها ، ثم يمجها في القدح ، ثم يأخذ منه ماء يغسل وجهه ، ثم يأخذ بشماله يغسل به كفه اليمنى ، ثم بيمينه ماء يغسل به مرفقه الأيسر ، ولا يغسل ما بين المرفقين والكعبين ، ثم يغسل قدمه اليمنى ، ثم اليسرى على الصفة المتقدمة ، وكل ذلك في القدح ، ثم داخلة إزاره ، وهو الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن ، فإِذا استكمل هذا صبه من خلفه على رأسه ، وهذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه ، وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع المعلومات ، فلا يدفع هذا بأن لا يعقل معناه . قال - أي: المازَري - : وقد اختلف العلماء في العائن هل يجبر على الوضوء للمعين أم لا؟ احتج من أوجبه بقوله صلى الله عليه وسلم : ((وإِذا استغسلتم .. فاغسلوا))، وبرواية ((الموطأ)) التي ذكرناها أنه صلى الله عليه وسلم أمره بالوضوء، والأمر للوجوب . ثم قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال القاضي [في (( الإكمال)) ٧/ ٨٥] : في هذا الحديث من الفقه ما قاله بعض العلماء : أنه ينبغي إِذا عُرف أحدٌ بالإصابة بالعين .. أن يُجتنب ويُتحرز منه ، وينبغي للإِمام منعه من مداخلة الناس ، ويأمره بلزوم بيته ، فإِن كان فقيراً .. رزقه ما يكفيه ويكف أذاه عن الناس ، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي صلى الله عليه وسلم من دخول المسجد لئلا يؤذي المسلمين . قال الإِمام النووي : وهذا الذي قاله هذا القائل صحيح متعين ، ولا يعرف عن غيره تصريح بخلافه ، والله أعلم ) . (١) في (أ) و(ج) و(ب): ( بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ) . ٥١٣ ٩٤٣ - وَرَوَيْنَا فِي كُتُبِ ((التِّرْ مِذِيٍّ)) وَ(( النَّسَائِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : ( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتِ ((أَلْمُعَوِّذَتَانِ)) ، فَلَمَّا نَزَلَتْ .. أَخَذَ بِهِمَا، وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا ) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت٢٠٥٨ - س٢٧١/٨ - ق٣٥١١]. ٩٤٤- وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ أَلْبُخَارِيِّ)) حَدِيثَ أَبْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ: ((أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنِ لاَمَّةٍ ))، وَيَقُولُ: ((إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ))(١) [خ ٣٣٧١]. ٩٤٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَكِيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَافَ أَنْ يُصِيبَ شَيْئاً بِعَيْنِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ ؛ بَارِكْ فِيهِ وَلاَ تَضُرَّهُ)) [سني ٢٠٨ وانظر الملحق]. ٩٤٦ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ رَأَىْ شَيْئاً فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ .. لَمْ يَضُرَّهُ)) [سني ٢٠٧ وانظر الملحق] . ٩٤٧- وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اُللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُعْجِبُهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ .. فَلْيُبَرِّكْ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ))(٢) [سني ٢٠٥]. ٩٤٨- وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (١) تقدم برقم (٣٩٥) . (٢) كذا في النسخ: ( إذا رأى أحدكم ما يعجبه ... )، وفي مطبوع ((ابن السني)): ( ما يمنع أحدكم إذا رأى من أخيه ما يعجبه ... ) . ٥١٤ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَعْجَبَهُ مَا يُعْجِبُهُ(١). فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ)) [سني ٢٠٦ وانظر الملحق] . وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ ((اُلْتَّعْلِيقُ فِي الْمَذْهَبِ)) قَالَ: (نَظَرَ بَعْضُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ إِلَى قَوْمِهِ يَوْماً .. فَاسْتَكْثَرَهُمْ وَأَعْجَبُوهُ، فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ سَبْعُونَ أَلْفاً، فَأَوْحَى اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَيهِ: إِنَّكَ عِنْتُهُمْ، وَلَوْ أَنَّكَ إِذْ عِنْتُهُمْ حَصَّنْتُهُمْ .. لَمْ يَهْلِكُوا، قَالَ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أُحَصِّنُهُمْ؟ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ : تَقُولُ : حَصَّنْتُكُمْ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لاَ يَمُوتُ أَبَداً، وَدَفَعْتُ عَنْكُمُ السُّوءَ بِلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ)(٢) . قَالَ الْمُعَلِّقُ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنِ: ( وَكَانَ عَادَةُ أَلْقَاضِي رَحِمَهُ اللهُ إِذَا نَظَرَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَعْجَبَهُ سَمْتُهُمْ وَحُسْنُ حَالِهِمْ .. حَصَّنَهُمْ بِهَذَا الْمَذْكُورِ) ، وَاللهُ أَعْلَمُ . ٣٩- بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ أَوْ مَا يَكْرَهُ ٩٤٩ - رَوَيْنَا فِي كِتَابَي: ((أَبْنِ مَاجَهْ)) وَ((أَبْنِ السُّنِّيِّ)) بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ .. (١) كذا في النسخ : ( وأعجبه ) ، وفي المطبوع: ( وأخيه ) بدل : ( وأعجبه ) . (٢) أخرج الإمام أحمد (٣٣٢/٤) وغيره نحو حديث القاضي، ولكن ليس فيه قوله: ( إنك عنتهم ... )، وهو ما روي عن صهيب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرِّك شفتيه أيام حُنين بشيء لم يكن يفعله قبل ذلك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن نبياً كان فيمن كان قبلكم أعجبته أمته ، فقال : لن يروم هؤلاء شيء ، فأوحى الله إليه : أن خيرهم بين إحدى ثلاث ، إما أن أسلط عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم ، أو الجوع ، أو الموت ، قال : فقالوا : أما القتل أو الجوع .. فلا طاقة لنا به ، وللكن الموت))، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((فمات في ثلاثٍ سبعون ألفاً))، قال: فقال: ((فأنا أقول الآن : اللهم ؛ بك أحاول ، وبك أصول ، وبك أقاتل))، وانظر الملحق رقم ( ١/٩٤٨). ٥١٥ قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ .. قَالَ: ((أَلْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)) [ق٣٨٠٣ - سني ٣٧٨] . قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ اَلْإِسْنَادِ [٤٩٩/١٥]. ٤٠ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ(١) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: ﴿رَبَّنَامَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ إِلَى آخِرِ أُلآيَاتِ . ٩٥٠ - لِحَدِيثِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا الْمُخَرَّج فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)): أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ(٢). ٤١ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا تَطَيَّرَ بِشَيْءٍ ٩٥١ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَلْحَكَمِ اُلُّلَمِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، قَالَ: (( ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلاَ يَصُدَّهُمْ))(٣) [م٥٣٧]. (١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٧٢/٦): ( قال ابن بطال : فيه رد على أهل الزهد في قولهم : إِنه لا ينبغي النظر إلى السماء ؛ تخشعاً وتذللاً لله ) . (٢) حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند البخاري (٤٥٦٩)، ومسلم (٢٥٦)، وتقدم برقم (٦٥)، وانظر كلام الحافظ فيه في الملحق . (٣) قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (٢٢/٥-٢٣): ( قال العلماء : معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة ، ولا عتب عليكم في ذلك ؛ فإِنه غير مكتسب لكم ، فلا تكليف به ، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم ، فهذا هو الذي تقدرون عليه ، وهو مكتسب لكم ، فيقع به التكليف ، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن العمل بالطيرة والامتناع من تصرفاتهم بسببها ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير والطيرة ، وهي محمولة على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم ) . وقال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٧٤/٦): ( قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : الفرق بين التطير والطيرة : أن التطير: هو الظن السيء الذي يقع في النفس ، والطيرة: هي الفعل المرتب على الظن السيء ، قال: وإِنما حَرُم التطير والطيرة ؛ لأنهما من باب سوء الظن بالله تعالى، وحَسُنَ الفأل ؛ لأنه من باب حسن الظن = ٥١٦ ٩٥٢- وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) وَغَيْرِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَلْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطِّيَرَةِ فَقَالَ: ((أَصْدَقُهَا اَلْفَأْلُ، وَلاَ تَرُّدُ مُسْلِمً(١)، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنَ الطِّيَرَةِ شَيْئاً تَكْرَهُونَهُ .. فَقُولُوا : اللَّهُمَّ؛ لاَ يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلاَّ أَنْتَ، وَلاَ يَذْهَبُ بِالسَّيِّئَاتِ إِلَّ أَنْتَ، وَلَاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ)) [سني ٢٩٣ وانظر الملحق]. ٤٢ - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِ أَلْحَمَّام قِيلَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ اللهَ تَعَالَى، وَأَنْ يَسْأَلَةُ الْجَنَّةَ، وَيَسْتَعِيذَهُ مِنَ النَّارِ. ٩٥٣ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يَدْخُلُهُ الْمُسْلِمُ، إِذَا دَخَلَهُ . . سَأَلَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ، وَأَسْتَعَاذَهُ مِنَ النَّارِ)) [سني ٣١٥ وانظر الملحق]. ٤٣ - بَابُ مَا يَقُولُهُ إِذَا أَشْتَرَى غُلاَمَاً أَوْ جَارِيَةً أَوْ دَابَّةً ، وَمَا يَقُولُهُ إِذَا قَضَىْ دَيْناً يُسْتَحَبُّ فِي الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَ بِنَاصِيَتِهِ وَيَقُولَ : ( اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا جُبلَ عَلَيْهِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا جُبلَ عَلَيْهِ ) . وَقَدْ سَبَقَ فِي ( كِتَابِ أَذْكَارِ النِّكَاحِ ) الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي نَحْوِ ذَلِكَ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَغَيْرِهِ(٢) . بالله تعالى، وقد قال تعالى [في حديث ابن حبان ٦٣٣]: (( أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي = ما شاء))، وفي رواية: ((فإن ظن بي خيراً .. فله)). (١) أي: لا ترده الطيرة عما يقصده من شيء وإن وقع في قلبه منها شيء؛ لما تقرر من أنَّ المكلفَ بتركه : هو التطيرُ ؛ لأنه المكتسب للإِنسان لا الطيرة نفسها ؛ لأنه من شأن الطبع أن يتغير منها فلا يؤاخذ به ، والله أعلم. ((الفتوحات)) (٢٧٥/٦) . (٢) أخرجه أبو داوود (٢١٦٠)، وابن ماجه (١٩١٨)، وابن السني (٦٠٠)، وتقدم برقم (٨١٠). ٥١٧ وَيَقُولُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ: ((بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ)) (١) [س ٧/ ٣١٤ - ق٢٤٢٤ - سني ٢٧٧]، وَ «جَزَاكَ خَيْراً)» (٢) [ت٢٠٣٥]. ٤٤- بَابُ مَا يَقُولُهُ مَنْ لاَ يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ وَيُدْعَى لَهُ بِهِ ٩٥٤ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اُللهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي لاَ أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: (( أَللَّهُمَّ؛ ثَبْهُ وَأَجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيّاً)) [خ٣٠٣٦ - م١٣٥/٢٤٧٥]. ٤٥ - بَابُ نَهْرٍ الْعَالِمِ وَغَيْرِهِ أَنْ يُحَدِّثَ النَّاسَ بِمَا لاَ يَفْهَمُونَهُ أَوْ يُخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَحْرِيفِ مَعْنَاهُ وَحَمْلِهِ عَلَى خِلاَفِ الْمُرَادِ مِنْهُ(٣) قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَّنَ لَمْ﴾. ٩٥٥ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)): أَنَّ رَسُولَ اللهِ (١) تقدم برقم ( ٩١٥ ). تقدم برقم (٩١٤) وقد سكت المصنف عما يقوله الدائن للمدين إذا قضاه ، قال أبو الفتح ابن الإمام (٢) رحمه الله تعالى في ((سلاح المؤمن)) [ص٤٢٢]: (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سنٌّ من الإبل، فجاء يتقاضاه، فقال: ((أعطوه))، فطلب سنه ، فلم يجدوا إلا سناً فوقها ، فقال: ((أعطوه)) ، فقال : أو فيتني أوفى الله بك ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((إن خياركم أحسنكم قضاءً)) رواه الجماعة إلا أبا داوود). وهذا الذكر وإن كان موقوفاً من ذلك القائل ، للكن أقره عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فهو من جملة سننه ، فيعد من الذكر المأثور عنه صلى الله عليه وسلم. ((الفتوحات)) (٢٧٧/٦). (٣) فينهى العالم عن ذكر ذلك من غير بيان الحال ؛ لئلا يحمله المخاطب على خلاف المراد ، وذلك نحو ذكر الوجه أو اليد أو نحو ذلك له عز وجل ، فهذا ربما يحمله بعض السامعين على المتبادر منه من الجارحة المعروفة لكون ذلك هو المعنى الأصلي للفظ ، إِلا أنه غير مراد ؛ لما يلزم عليه من اتصافه تعالى بأوصاف الحادث ، تعالی عن ذلك ، فحينئذ إِذا ذکر العالم ذلك عند من يخشى منه حمله على خلاف المراد .. عقَّبه بقوله : ( وظاهر هذا غير مراد ) ، أو ( كل ما خطر في بالك .. فالله بخلاف ذلك)، أو نحو ذلك، والله أعلم. ((الفتوحات)) (٢٧٩/٦). ٥١٨ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ طَوَّلَ الصَّلاَةَ بِالْجَمَاعَةِ : ((أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟!)) [خ ٧٠٥- م٤٦٥]. ٩٥٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ عَلِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!)(١) [خ١٢٧]. ٤٦ - بَابُ أَسْتِنْصَاتِ الْعَالِمِ وَأَلْوَاعِظِ حَاضِرِي مَجْلِسِهِ لِيَتَوَفَّرُوا عَلَى أُسْتِمَاعِهِ ٩٥٧ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي(٢) النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (( أَسْتَنْصِتِ النَّاسَ))، ثُمَّ قَالَ: ((لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ))(٣) [خ ١٢١ - م٦٥] . ٤٧- بَابُ مَا يَقُولُهُ الرَّجُلُ الْمُقْتَدَى بِهِ إِذَا فَعَلَ شَيْئاً فِي ظَاهِرِهِ مُخَالَفَةٌ لِلصَّوَابِ مَعَ أنَّهُ صَوَابٌ أَعْلَمْ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ وَالْمُعَلِّمُ وَالْقَاضِي وَأَلْمُفْتِي وَالشَّيْخِ الْمُرَبِّي وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيُؤْخَذُ عَنْهُ . . أَنْ يَجْتَنِبَ الْأَفْعَالَ وَاُلْأَقْوَالَ وَالنَّصَرُّفَاتِ (١) لأن السامع لما لم يفهمه .. يعتقد استحالته جهلاً، فلا يعرف وجوده، فيلزم التكذيب. ((الفتوحات)) (٢٨١/٦ ) . (٢) لفظة: (لي) زيادة من (أ) و( د). (٣) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٨٢/٦): (قوله: (( يضرب بعضكم رقاب بعض)) قال القاضي [في «الإكمال)) ٣٢٥/١]: الرواية بالرفع ؛ أي : لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوهم في حال قتل بعضهم بعضاً ، وجوز في (( تحفة القاري )) جزمه على أنه جواب شرط مقدر ؛ أي : فإن ترجعوا بعدي كفاراً .. يضرب بعضكم رقاب بعض. قال السيوطي في (( مصباح الزجاجة )) نقلاً عن المصنف : في معناه سبعة أقوال : أحدها : أن ذلك كفر في حق المستحل . الثاني : المراد : كفر النعمة وحق الإسلام . الثالث : أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه . الرابع : أنه فعل كفعل الكفار . الخامس : المراد : حقيقة الكفر ، ومعناه : لا تكفروا ، بل دوموا على الإسلام . والسادس - حكاه الخطابي وغيره - : أنّ المراد : الكفار المتكفرون بالسلاح ، يقال : تكفر الرجل بسلاحه : إذا لبسه ، قال الأزهري في ((التهذيب)): يقال للابس السلاح: كافر . والسابع - قاله الخطابي - : معناه : لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم بعضاً . وأظهر الأقوال الرابع ، وهو اختيار القاضي عياض ) . ٥١٩ الَّتِي ظَاهِرُهَا خِلاَفُ الصَّوَابِ وَإِنْ كَانَ مُحِقّاً فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ .. تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ مِنْ جُمْلَتِهَا : تَوَهُّمُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ عَلَى ظَاهِرِهِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَأَنْ يَبْقَى ذَلِكَ شَرْعاً وَأَمْراً مَعْمُولاً بِهِ أَبَداً . وَمِنْهَا: وُقُوعُ النَّاسِ فِيهِ بِالنََّقُّصِ، وَأَعْتِقَادُهُمْ نَقْصَهُ، وَإِطْلَاقُ أَلْسِنَتِهِمْ بِذَلِكَ. وَمِنْهَا: أَنَّ النَّاسَ يُسِيئُونَ الظَّنَّ بِهِ فَيُنَفِرُونَ عَنْهُ ، وَيُنَفِّرُونَ غَيْرَهُمْ عَنْ أَخْذِ الْعِلْمِ عَنْهُ، وَتَسْقُطُ رِوَايَاتُهُ وَشَهَادَتُهُ، وَيَبْطُلُ أَلْعَمَلُ بِفَنْوَاهُ، وَيَذْهَبُ رُكُونُ النُّفُوسِ إِلَى مَا يَقُولُهُ مِنَ الْعُلُومِ ، وَهَذِهِ مَفَاسِدُ ظَاهِرَةٌ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَجْتِنَابُ أَفْرَادِهَا ، فَكَيْفَ بِمَجْمُوعِهَا ؟ فَإِنِ أَحْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ مُحِقّاً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ .. لَمْ يُظْهِرْهُ ، فَإِنْ أَظْهَرَهُ أَوْ ظَهَرَ أَوْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إِظْهَارِهِ لِيُعْلَمَ جَوَازُهُ وَحُكْمُ الشَّرْعِ فِيهِ .. فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ : ( هَذَا الَّذِي فَعَلْتُهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ ) ، أَوْ (إِنَّمَا فَعَلْتُهُ لِتَعْلَّمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ إِذَا كَانَ عَلَى هَذَا أَلْوَجْهِ الَّذِي فَعَلْتُهُ، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا، وَدَلِيلُهُ كَذَا وَكَذَا ) . ٩٥٨ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((الْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى اَلْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَقُوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي))(١) [خ ٩١٧-م٥٤٤]. (١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (٣٤/٥): (قال العلماء: كان المنبر الكريم ثلاث درجات كما صرح به مسلم في روايته ، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم بخطوتين إلى أصل المنبر = ٥٢٠