Indexed OCR Text
Pages 401-420
حَذَفَ ( أُلْوَاوَ ) فَقَالَ: (عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ ) .. أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَكَانَ جَوَاباً ، هَذَا هُوَ اُلْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي ((أَلْأُمِّ))، وَقَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَجَزَمَ أَبُو سَعْدِ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ ((التَّتِمَّةُ)) بِأَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ وَلاَ يَكُونُ جَوَاباً، وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطْ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَنَصِّ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَالُواْ سَلَمًّا قَالَ سَلَمٌ﴾، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ شَرْعاً لِمَا قَبْلَنَا فَقَدْ جَاءَ شَرْعُنَا بِتَقْرِيرِهِ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي جَوَابٍ الْمَلائِكَةِ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَنَا: ((أَنَّ اللهَ تَعَالَىْ قَالَ: هِيَ تَحِيُّكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ))(١) [خ ٣٣٢٦ - م٢٨٤١] ، وَهَذِهِ اَلْأُمَّةُ دَاخِلَةٌ فِي ذُرَِّتِهِ ، وَاللهُ أَعْلَمُ . وَأَتَّفَقَ أَصْحَابْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي الْجَوَابِ : ( عَلَيْكُمْ) .. لَمْ يَكُنْ جَوَاباً ، فَلَوْ قَالَ : ( وَعَلَيْكُمْ ) بِـ(أَلْوَاوٍ ) .. فَهَلْ يَكُونُ جَوَاباً؟ فِيهِ وَجْهَانٍ لِأَصْحَابِنَا ، ولَوْ قَالَ الْمُبْتَدِىءُ : ( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ )، أَوْ قَالَ: ( السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ) .. فَلِلْمُجِيبِ أَنْ يَقُولَ فِي الصُّورَتَيْنِ: ( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: ( السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ) ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوَأْسَلَمًا قَالَ سَلَمٌ﴾. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: ( أَنْتَ فِي تَعْرِيفِ السَّلاَمِ وَتَنْكِيرِهِ بِالْخِيَارِ ) . قُلْتُ: وَلَكِنَّ الْأَلِفَ وَاللَّمَ أَوْلَى . فَضَكٌ [في بيان معنى ما صح عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يسلم ثلاثاً] : ٦٨٤ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ .. أَعَادَهَا ثَلاَئاً حَتَّى تُفْهَمَ (١) تقدم برقم (٦٧٤ ) . ٤٠١ عَنْهُ(١) ، وَإِذَا أَنَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ .. سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاَثًاً) [خ٩٥]. قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ أَلْجَمْعُ كَثِيراً ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ صَاحِبِ ((أَلْحَاوِي)) فِيهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى(٢) . فَضَ [في بيان أقل السلام ورده وما يستحب فيه] : وَأَقَلُّ السَّلاَمِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مُسَلِّماً مُؤَدِّياً سُنَّةَ السَّلاَمِ: أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يُسْمِعُ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يُسْمِعْهُ .. لَمْ يَكُنْ آَتِياً بِالسَّلَّمِ ، فَلاَ يَجِبُ الرَُّّ عَلَيْهِ. وَأَقَلُّ مَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ رَدِّ السَّلاَمِ : أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ الْمُسَلِّمُ ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ .. لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ فَرْضُ الَرَّدِّ ، ذَكَرَهُمَا الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ . قُلْتُ : وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ رَفْعاً يَسْمَعُهُ بِهِ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِمْ سَمَاعاً مُحَقَّقاً، وَإِذَا تَشَكَّكَ فِي أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ .. زَادَ فِي رَفْعِهِ، وَأَحْتَاطَ وَأَسْتَظْهَرَ ، أَمَّا إِذَا سَلَّمَ عَلَى أَيْقَاظِ عِنْدَهُمْ نِيَامٌ .. فَالسُّنَّةُ: أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ سَمَاعُ الْأَيْقَاظِ وَلاَ يَسْتَيْقِظُ اُلْنِيَامُ . ٦٨٥ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) فِي حَدِيثِ اُلْمِقْدَادِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الطَّوِيلِ قَالَ : (كُنَّا نَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبَهُ مِنَ اللَّبَنِ ، فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيماً لاَ يُوقِظُ نَائِماً وَيُسْمِعُ الْيَقْطَانَ، وَجَعَلَ لاَ يَجِيئُنِي النَّوْمُ، وَأَمَّا صَاحِبَايَ .. فَنَامَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ) ، وَاللهُ أَعْلَمُ [م٢٠٥٥] . (١) وفي الاقتصار على الثلاث إِشعار بأن مراتب الفهم كذلك: أعلى وأدنى وأوسط ، وأن من لم يفهم في الثلاث لا يفهم ولو زيد عليه مرات. ((الفتوحات)) (٢٩٦/٥) . وقد أثبتت البحوث العصرية : أن الأشخاص ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : سمعي ونظري وإحساسي ، ولكل نوع أسلوب في المخاطبة والتفاهم يختلف عن الآخر ... ولعل التكرار بالإعادة ثلاث مرات؛ ليستوعب الأنواع الثلاثة ، وهذا يُعدُّ من معجزات هذا الدين وعظمة هذا النبي صلى الله عليه وسلم . (٢) انظر (ص ٤٢١). ٤٠٢ فَضَُ [في اشتراط كون رد السلام على الفور] : قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا : ( وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَلْجَوَابُ عَلَى أَلْفَوْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ ثُمَّ رَدَّ .. لَمْ يُعَذَّ جَوَاباً ، وَكَانَ آئِماً بِتَرْكِ الرَّدِّ ) . ٣- بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَامَةِ اَلْإِشَارَةِ بِالسَّلَامِ بِأَلْيَدِ وَنَحْوِهَا بِلاَ لَفْظِ ٦٨٦ - رَوَيْنَا فِي (( كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لاَ تَشَبَّهُوا بِأَلْيَهُودِ وَلاَ بِالنَّصَارَىُ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِأَلْكَتِفِ)) (١)، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ [ت٢٦٩٥]. ٦٨٧ - قُلْتُ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ أَسْمَاءَ بنْتِ يَزِيدَ: ( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ يَوْماً وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ ) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌّ [ت٢٦٩٧] .. فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ اَللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ أَبَا دَاوُودَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: ((فَسَلَّمَ عَلَيْنَا)) [٥ ٥٢٠٤] . ٤ - بَابُ حُكْم السَّلام أَعْلَمْ : أَنَّ أَبْتِدَاءَ السَّلاَمِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَ بِوَاحِبٍ ، وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ جَمَاعَةً .. كَفَى عَنْهُمْ تَسْلِيمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ سَلَّمُوا كُلُّهُمْ .. كَانَ أَفْضَلَ . (١) قوله ( ((بالكتف))): في (أ) و(د): ( بالكف)، وفي (ج): ( بالأكف )، وهو موافق لما في (( الترمذي)) . ٤٠٣ قَالَ آلْإِمَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا فِي ( كِتَابِ السِّيَرِ ) مِنْ ((تَعْلِيقِهِ)): ( لَيْسَ لَنَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إِلَّ هَذَا ). قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي مِنَ الْحَصْرِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا رَحِمَهُمُ اللهُ قَالُوا : تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ - كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيباً إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَىْ (١) - وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بَلْ كُلُّهُمْ: الْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فِي حَقِّ كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ، فَإِذَا ضَخَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ .. حَصَلَ الشِّعَارُ وَالسُّنَّةُ لِجَمِيعِهِمْ. وَأَمَّا رَدُّ السَّلاَمِ: فَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِداً .. تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الرَّدُ ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً .. كَانَ رَدُّ السَّلاَمِ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ رَدَّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ .. سَقَطَ اَلْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ تَرَكُوهُ كُلُّهُمْ .. أَئِمُوا كُلُّهُمْ، وَإِنْ رَدُّوا كُلُّهُمْ .. فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي الْكَمَالِ وَالْفَضِيلَةِ، كَذَا قَالَهُ أَصْحَابْنَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَسَنٌ . وَأَتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّ غَيْرُهُمْ .. لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمُ الرَّدُّ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا، فَإِنِ أَقْتَصَرُوا عَلَى رَدِّ ذَلِكَ الْأَجْنَبِيِّ .. أَئِمُوا. ٦٨٨ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَّنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يُجْزِىءُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُوا أَنْ يُسَلَّمَ أَحَدُهُمْ ، وَيُجْزِىءُ عَنِ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ)) [٥٢١٠٥]. ٦٨٩ - وَرَوَيْنَا فِي ((أَلْمُوَطَّأِ )) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنَ الْقَوْم .. أَجْزَأْ عَنْهُمْ)) [ط٩٥٩/٢]. قُلْتُ : هَذَا مُرْسَلٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . (١) انظر (ص ٤٤٢). ٤٠٤ فَضَ [في وجوب الرد من خلف الستر أو عند بلوغ الكتاب والرسول] : قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سَعْدِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: (إِذَا نَادَى إِنْسَانٌ إِنْسَاناً مِنْ خَلْفٍ سِتْرِ أَوْ خَائِطِ فَقَالَ: (( السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا فُلاَنُ))، أَوْ كَتَبَ كِتَاباً فِيهِ: (( السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا فُلاَنُ))، أَوِ (( السَّلَامُ عَلَى فُلاَنٍ))، أَوْ أَرْسَلَ رَسُولاً وَقَالَ: ((سَلِّمْ عَلَى فُلاَنٍ)) ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ وَالرَّسُولُ .. وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ السَّلاَمَ ). وَكَذَا ذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ أَيْضاً أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ رَدُّ السَّلَامِ إِذَا بَلَغَهُ السَّلاَمُ . ٦٩٠ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: ( قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمَ )) قَالَتْ: قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) [خ٣٢١٧ - ٢٤٤٧٢]. هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضٍ رِوَايَاتِ (( الصَّحِيحَيْنِ)): ((وَبَرَكَاتُهُ)) ، ولَمْ يَقَعْ فِي بَعْضِهَا، وَزِيَادَةُ الثَّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وَوَقَعَ فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)): ((وَبَرَكَاتُهُ)) ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [ت ٣٨٨١]. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرْسِلَ بِالسَّلَامِ إِلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ . فَضَارٌ [في استحباب الرد على مبلِّغ السلام والمبلَّغ عنه] : إِذَا بَعَثَ إِنْسَانٌ مَعَ إِنْسَانٍ سَلَماً، فَقَالَ الرَّسُولُ: ( فُلاَنٌ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ ) .. فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْفَوْرِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمُبَلِّغِ أَيْضاً ، فَيَقُولُ : ( وَعَلَيْكَ وَعَلَيْهِ اَلسَّلَامُ ) . ٦٩١ - رَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ غَالِبِ الْقَطَّانِ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ : بَعَثَنِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أْتِهِ فَأَقْرِتْهُ السَّلاَمَ ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ، فَقَالَ: ((عَلَيْكَ وَعَلَىْ أَبِكَ السَّلاَمُ)) [٥٢٣١٥]. ٤٠٥ قُلْتُ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ روَايَةً عَنْ مَجْهُولٍ (١)؛ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَحَادِيثَ الْفَضَائِلِ يُتَسَامَحُ فِيهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كُلِّهِمْ (٢) . فَضْلٌ [في كيفية السلام على الأصم والأخرس والرد عليهما] : قَالَ الْمُتَوَلِي : ( إِذَا سَلَّمَ عَلَى أَصَمَّ لاَ يَسْمَعُ .. فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلَفْظِ السَّلاَم؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ، وَيُشِيرَ بِأَلْيَدِ حَتَّى يَحْصُلَ الْإِفْهَامُ وَيَسْتَحِقَّ الْجَوَابَ، فَلَوْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا .. لاَ يَسْتَحِقُّ أَلْجَوَابَ ). قَالَ : ( وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَصَمُ وَأَرَادَ الرَّدَّ .. فَيَتَفَّظُ بِاللَّسَانِ وَيُشِيرُ بِالْجَوَابِ ؛ لِيَحْصُلَ بِهِ آلْإِفْهَامُ ، وَيَسْقُطَ عَنْهُ فَرْضُ الْجَوَابِ ). قَالَ: ( وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى أَخْرَسَ فَأَشَارَ الْأَخْرَسُ بِأَلْيَدِ .. سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ؛ لِأَنَّ إِشَارَتَهُ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَخْرَسُ بِالْإِشَارَةِ يَسْتَحِقُّ اُلْجَوَابَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ). فَضَك [في بيان سلام الصبي ورده على البالغ] : قَالَ أَلْمُتَوَلِّي: (لَوْ سَلَّمَ عَلَى صَبِيٍّ .. لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ، لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ ) ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ ، لَكِنَّ الْأَدَبَ وَالْمُسْتَحَبَّ لَهُ اُلْجَوَابُ . قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُهُ الْمُتَوَلِّي: (وَلَوْ سَلَّمَ الصَّبِيُّ عَلَى بَالِغِ .. فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْبَالِغِ الرَّدُّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى صِحَّةِ إِسْلاَمِهِ : إِنْ قُلْنَا : يَصِحُ (١) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى - كما في ((الفتوحات)) (٣١٢/٥) -: ( فيه تجوز عن الاصطلاح ؛ لأن من لم يسم يقال له : مبهم ، والمجهول إِذا أطلق .. يراد به من سمي ولم يرو عنه إلا واحد ، ويقال أيضاً لمن روى عنه أكثر من واحد : مجهول الحال ، وقد يقال : مجهول ، والمراد به حاله ، والله أعلم ) . (٢) انظر (ص٣٦). ٤٠٦ إِسْلاَمُهُ .. كَانَ سَلَامُهُ كَسَلَامِ الْبَالِغِ فَيَجِبُ جَوَابُهُ ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَصِحُ إِسْلاَمُهُ .. لَمْ يَجِبْ رَدُّ السَّلاَمِ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ) . قُلْتُ: الصَّحِيحُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: وُجُوبُ رَدِّ السَّلاَمِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُِِّّثُم بِشَحِيَّةٍ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، وَأَمَّا قَوْلُهُمَا: إِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إِسْلاَمِهِ .. فَقَالَ الشَّاشِيُّ: ( هَذَا بِنَاءٌ فَاسِدٌ)، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَاللهُ أَعْلَمُ . وَلَوْ سَلَّمَ بَالِغٌ عَلَىْ جَمَاعَةٍ فِيهِمْ صَبِيٍّ ، فَرَدَّ الصَّبِيُّ وَلَمْ يَرُدَّ مِنْهُمْ غَيْرُهُ . . فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُمْ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَصَخُّهُمَا - وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُهُ الْمُتَوَلِّي -: لاَ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلاً لِلْفَرْضِ ، وَأَلَرَّدُّ فَرْضٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ ، كَمَا لاَ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ . وَالثَّانِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ الشَّاشِيِّ صَاحِبِ ((الْمُسْتَظْهِرِيِّ)) مِنْ أَصْحَابِنَا -: أَنَّهُ يَسْقُطُ ، كَمَا يَصِحُّ أَذَاتُهُ لِلرِّجَالِ وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ طَلَبُ الْأَذَانِ . قُلْتُ: وَأَمَّا الصَّلاَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ: فَقَدِ أَخْتَلَفَ أَصْحَابْنَا فِي سُقُوطٍ فَرْضِهَا بِصَلَةِ الصَّبِيِّ عَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ: الصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يَسْقُطُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ(١). فَضَكُ [في بيان أن السنة إعادة السلام بعد الافتراق ولو عن قرب] : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ ، ثُمَّ لَقِيَّهُ عَلَى قُرْبٍ . . يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِياً وَثَالِئاً وَأَكْثَرَ ، أَتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ : ٦٩٢ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ((مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءٍ صَلاَتَهُ : ( أَنَّهُ جَاءَ فَصَلَّىُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ (١) في هامش (د): ( نسخة: وقد أوضحت ذلك وبينت نص الشافعي وطرق الأصحاب فيه في ((شرح المهذب)) في ((الصلاة على الميت))) وانظر ((المجموع)) (٢١٦/٤، ١٧٤/٥). ٤٠٧ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ وَقَالَ: (( أَرْجِعْ فَصَلِّ ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ )) فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ)(١) [خ ٧٥٧- م٣٩٧]. ٦٩٣ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ .. فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ .. فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ))(٢) [د٥٢٠٠]. ٦٩٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : ( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَاشَوْنَ ، فَإِذَا أَسْتَقْبَلَتْهُمْ شَجَرَةٌ أَوْ أَكَمَةٌ فَتَفَرَّقُوا يَمِيناً وَشِمَالاً ثُمَّ الْتَقَوْا مِنْ وَرَائِهَا .. سَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [سني ٢٤٥]. فَضْك [فى بيان من حصل سلامهما دفعة واحدة أو مترادفاً]: إِذَا تَلاَقَىْ رَجُلاَنٍ فَسَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرٍ .. فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُهُ أَبُو سَعْدِ الْمُتَوَلِّي : ( يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبْتَدِئاً بِالسَّلَامِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ ) . وَقَالَ الشَّاشِيُّ : ( هَذَا فِيهِ نَظَرُّ ؛ فَإِنَّ هَذَا الَّفْظَ يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ، فَإِذَا كَانَ (١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١٠٨/٤): (فإن قيل: كيف تركه مراراً يصلي صلاة فاسدة ؟ فالجواب : أنه لم يأذن له في صلاة فاسدة ، ولا علم من حاله أنه يأتي بها في المرة الثانية والثالثة فاسدة ، بل هو محتمل أن يأتي بها صحيحة ، وإِنما لم يعلمه أولاً ؛ ليكون أبلغ في تعريفه لصفة الصلاة المجزئة). وقال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣١٨/٥): (فإن قيل : لم سكت عن تعليمه أولاً ؟ قلنا : إِن الرجل لما رجع ولم يستكشف الحال من مورد الوحي .. كأنه اغتر بما عنده من العلم ، فسكت صلى الله عليه وسلم عن تعليمه زجراً له وتأديباً ، وإِرشاداً إِلى استكشاف ما استَبْهم عليه ، فلما طلب كشف الحال .. أرشده إِليه ) . (٢) قيد في ((المرقاة)) الحجر بكونه كبيراً؛ لتحصل به الحيلولة ، وقضية الحديث : أنه ما دام لم يحل بينهما حائل وكان بمرأىّ من صاحبه وإِن بعد .. ألاَّ يندب السلام عند تقاربهما وتلاقيهما ، ويحتمل تقييده بما لم يعدَّه العرف مفارقة، وإِلا .. فيندب عند تقاربهما وتلاقيهما، والله أعلم. ((الفتوحات)) (٣١٨/٥) . ٤٠٨ ۔ أَحَدُهُمَا بَعْدَ أَلْآخَرِ .. كَانَ جَوَاباً، وَإِنْ كَانَا دَفْعَةً .. لَمْ يَكُنْ جَوَاباً)، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّاشِيُّ هُوَ أَلصَّوَابُ(١) . فَضَكُ [في حكم السلام بصيغة الرد] : إِذَا لَقِيَ إِنْسَاناً فَقَالَ أَلْمُبْتَدِىءُ: (وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ) .. قَالَ الْمُتَوَلِّي: (لاَ يَكُونُ ذَلِكَ سَلاَماً ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ جَوَاباً؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لاَ تَصْلُحُ لِلِبْتِدَاءِ ). قُلْتُ : أَمَّا إِذَا قَالَ: (عَلَيْكَ )، أَوْ (عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ) بِغَيْرِ (وَاوٍ) .. فَقَطَعَ آلْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ بِأَنَّهُ سَلَامٌ يَتَحَنَّمُ عَلَى الْمُخَاطَبِ بِهِ أَلْجَوَابُ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَلَبَ اللَّفْظَ الْمُعْتَادَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أُلْوَاحِدِيُّ هُوَ اُلظَّاهِرُ، وَقَدْ جَزَمَ أَيْضاً إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِهِ ، فَيَجِبُ فِيهِ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى سَلاَمَاً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : فِي كَوْنِهِ سَلاَمَاً وَجْهَانِ كَأَلْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا فِيمَا إِذَا قَالَ فِي تَحَلُّلِهِ مِنَ الصَّلاَةِ : ( عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ) .. هَلْ يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ أَمْ لاَ؟ اَلْأَصَحُ: أَنَّهُ يَحْصُلُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ هَذَا لاَ يَسْتَحِقُّ فِيهِ جَوَاباً بِكُلِّ حَالٍ ؛ ٦٩٥ - لِمَا رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) وَغَيْرِهِمَا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَنْ أَبِي جُرَيِّ الْهُجَيْمِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَأَسْمُهُ جَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَقِيلَ: سُلَيْمُ بْنُ جَابِرٍ - قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلاَمُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((لاَ تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلاَمُ، فَإِنَّ (عَلَيْكَ السَّلاَمُ) تَحِيَّةُ الْمَوْتَى))، قَالَ التِّرْ مِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [٤٠٨٤٥ - ت٢٧٢٢ وانظر الملحق]. قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ فِي بَيَانِ الْأَحْسَنِ وَالْأَكْمَلِ ، (١) كذا في (ج) بزيادة: ( قلت : ينبغي أن يكون جواباً في الحالين ، ولا يجب على أحد منهما الرد بعد ذلك). قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣١٩/٥): ( ويوجد في بعض نسخ ((الأذكار)): ((قلت: ينبغي أن يكون جواباً ... )) إلخ، وفيه مخالفة لقوله هنا أن التفصيل هو الصواب، ولقوله في ((الروضة)) [٢٢٨/١٠]: ((إِنه الذي ينبغي أن يجزم به، والله أعلم))، فالظاهر أنه مما ألحق بالكتاب ؛ إِذ لو كان منه .. لنقله عنه المتأخرون من الأصحاب ، والله أعلم بالصواب ) . ٤٠٩ وَلاَ يَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسَلَامٍ ، وَاللهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي ((أَلْإِحْيَاءِ)) [٢٠٥/٢]: ( يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ أَبْتِدَاءً: ((عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ))؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ)، وَالْمُخْتارُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ اْلِبْتِدَاءُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ ، فَإِنِ ابْتَدَأَ .. وَجَبَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّهُ سَلَامٌ . فَضَ [في بيان أن السنة الابتداء بالسلام قبل أي كلام] : السُّنَّةُ: أَنَّ الْمُسَلِّمَ يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ قَبْلَ كُلِّ كَلَامٍ ، وَأَلْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَعَمَلُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ ، فَهَذَا هُوَ اَلْمُعْتَمَدُ فِي دَلِيلِ الْفَصْلِ . ٦٩٦ - وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((السَّلاَمُ قَبْلَ أَلْكَلاَم)) .. فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ [ت ٢٦٩٩ وانظر الملحق] . فَضَ﴾ [في بيان أن ابتداء السلام على الغير أفضل من الرد عليه] : اُلِبْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ أَفْضَلُ . ٦٩٧ - لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ)) (١) [خ ٦٠٧٧ - م٢٥٦٠]. فَيَنْبَغِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَلاَقِيَيْنِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى أَنْ يَبْتَدِىءَ بِالسَّلاَمِ . ٦٩٨ - وَرَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) بِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ .. مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلاَمِ)) [٥١٩٧٥]. (١) إِنما كان خير المتقاطعين من بدأ بالسلام ؛ لما فيه من قطع القطيعة وإماتة حظ النفس وغرضها ، والإقبال على جبر الخاطر وإزالة الشحناء من البين، والله أعلم. ((الفتوحات)) (٣٢٧/٥). ٤١٠ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: قِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ الرَّجُلاَنِ يَلْتَقِيَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ؟ قَالَ: ((أَوْلاَهُمَا بِاللهِ تَعَالَى)) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت٢٦٩٤] . ٥- بَابُ الْأَحْوَالِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِهَا السَّلاَمُ ، وَالَّتِي يُكْرَهُ فِيهَا ، وَأَلَّتِي يُبَاحُ أَعْلَمْ : أَنَّا مَأْمُورُونَ بِإِنْشَاءِ السَّلاَمِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، لَكِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي بَعْضِ اَلْأُحْوَالِ وَيَخِفتُّ فِي بَعْضِهَا، وَيُنْهَى عَنْهُ فِي بَعْضِهَا، فَأَمَّا أَحْوَالُ تَأَكُّدِهِ وَأَسْتِحْبَابِهِ . . فَلاَ تَنْحَصِرُ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، فَلاَ نَتَكَلَّفُ التَّعَرُّضَ لِأَفْرَادِهَا . وَأَعْلَمْ : أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ السَّلاَمُ عَلَى الْأَحْيَاءِ وَالْمَوْتَى، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي ( كِتَابِ أَذْكَارِ الْجَنَائِرِ ) كَيْفِيَّةَ السَّلَامِ عَلَى الْمَوْتَى(١). وَأَمَّا الْأَحْوَالُ أَلَّتِي يُكْرَهُ فِيهَا أَوْ يَخِفتُّ أَوْ يُبَاحُ . . فَهِيَ مُسْتَثْنَةٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَيُحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهَا : فَمِنْ ذَلِكَ: إِذَا كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ مُشْتَغِلاً بِالْبَوْلِ وَأَلْجِمَاعِ وَنَحْوِهِمَا .. فَيُكْرَهُ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ سَلَّمَ(٢) .. لاَ يَسْتَحِقُّ جَوَاباً . وَمِنْ ذَلِكَ : مَنْ كَانَ نَائِماً أَوْ نَاعِساً . وَمِنْ ذَلِكَ: مَنْ كَانَ مُصَلِّياً أَوْ مُؤَذِّناً فِي حَالٍ أَذَانِهِ أَوْ إِقَامَتِهِ الصَّلاَةَ ، أَوْ كَانَ فِي حَمَّامٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لاَ يُؤْثَرُ السَّلامُ عَلَيْهِ فِيهَا . (١) انظر (ص٢٨٦). (٢) هو بالبناء للفاعل، وفاعله المستتر يعود إلى المسلُّم المفهوم من قوله: ( يسلم عليه ) أي : لو سلم المسلِّم على المشغول بقضاء الحاجة .. ( لا يستحق جواباً ) ؛ لتقصيره بُمكالمةِ مَنْ مُكالمتُه بعيدة عن الأدب والمروءة ومكارم الأخلاق. ((الفتوحات)) (٣٢٨/٥). وقد وقع الفعل في الأصل بالبناء للمفعول: ( ولو سُلَّمَ ) ، وعليه : فالفاعل المستتر في قوله : ( لا يستحق ) يعود إِلى المسلِم المفهوم من قوله : ( ولو سُلِّمَ) أي : ولو سُلِّم على المشغول من قبل أحدٍ مسلِّم لا يستحق هذا المسلِّم جواباً . ٤١١ وَمِنْ ذَلِكَ : إِذَا كَانَ يَأْكُلُ وَاللُّقْمَةُ فِي فَمِهِ . فَإِنْ سَلَّمَ فِي هَذِهِ آلْأَحْوَالِ .. لَمْ يَسْتَحِقَّ جَوَابً(١) . أَمَا إِذَا كَانَ عَلَى الْأَكْلِ وَلَيْسَتِ اللُّقْمَةُ فِي فَمِهِ . . فَلاَ بَأْسَ بِالسَّلَامِ، وَيَجِبُ اُلْجَوَابُ، وَكَذَلِكَ فِي حَالِ الْمُبَايَعَةِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ يُسَلِّمُ وَيَجِبُ الْجَوَابُ. وَأَمَّا السَّلاَمُ فِي حَالِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ .. فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ اُلِابْتِدَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ ، فَإِنْ خَالَفَ وَسَلَّمَ .. فَهَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ لِأَصْحَابِنَا: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ ؛ لِتَفْصِيرِهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنْ قُلْنَا: الْإِنْصَاتُ وَاحِبٌ .. لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا : اُلْإِنْصَاتُ سُنَّةٌ . . رَدَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ، وَلاَ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ . وَأَمَّا السَّلاَمُ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ .. فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ: ( أَلْأَوْلَى تَرْكُ السَّلاَمِ عَلَيْهِ؛ لِاشْتِغَالِهِ بِالثَّلاَوَةِ ، فَإِنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ .. كَفَاهُ الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ، وَإِنْ رَدَّ بِاللَّفْظِ .. أُسْتَأْنَفَ الاِسْتِعَاذَةَ ثُمَّ عَادَ إِلَى التِّلاَوَةِ ) ، هَذَا كَلاَمُ الْوَاحِدِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ ، وَيَجِبُ الرَّدُّ بِاللَّفْظِ . أَمَّا إِذَا كَانَ مُشْتَغِلاً بِالدُّعَاءِ مُسْتَغْرِقاً فِيهِ مُنْجَمِعَ الْقَلْبِ عَلَيْهِ .. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ كَالْمُشْتَغِلِ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي هَذَا: أَنَّهُ يُكْرَهُ السَّلاَمُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَّدُ بِهِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ مَشَفَّةِ الْأَكْلِ . (١) قال في ((شرح الروض)) (١٨٥/٤): (الضابط كما قاله الإمام : أن يكون الشخص بحالة لا يليق بالمروءة القرب منه فيها ، فيدخل فيها النائم والناعس والخطيب وغيرهم ) . ٤١٢ وَأَمَّا الْمُلَبِّي فِي الْإِحْرَامِ .. فَيُكْرَهُ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ قَطْعُ التَّلْبِيَّةِ ، فَإِنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ . . رَدَّ السَّلاَمَ بِاللَّفْظِ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابْنَا رَحِمَهُمُ اللهُ. فَضَك [في بيان حكم رد السلام في الأحوال المتقدمة التي يكره فيها السلام] : قَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحْوَالُ الَّتِي يُكْرَهُ السَّلاَمُ فِيهَا، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ فِيهَا جَوَاباً ، فَلَوْ أَرَادَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَبَزَّعَ بِرَدِّ السَّلاَمِ .. هَلْ يُشْرَعُ لَهُ، أَوْ يُسْتَحَبُّ ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ : فَأَمَّا الْمُشْتَغِلُ بِالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ: فَيُكْرَهُ لَهُ رَدُّ السَّلاَمِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا فِي أَوَّلِ اُلْكِتَاب(١). وَأَمَّا الْآكِلُ وَنَحْوُهُ : فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَلْجَوَابُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يَجِبُ . وَأَمَّا الْمُصَلِّي: فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ .. بَطَلَتْ صَلاَتُهُ إِنْ كَانَ عَالِماً بِتَحْرِيمِهِ ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً .. لَمْ تَبْطُلْ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا، وَإِنْ قَالَ: عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ .. لَمْ تَبْطُلْ صَلاَتُهُ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لَيْسَ بِخِطَابٍ . وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ بِالْإِشَارَةِ ، وَلاَ يَتَلَفَّظُ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ رَذَّ بَعْدَ اَلْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ بِاللَّفْظِ .. فَلاَ بَأْسَ، وَاللهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَلْمُؤَذِّنُ : فَلاَ يُكْرَهُ لَهُ رَدُّ الْجَوَابِ بِلَفْظِهِ الْمُعْتَادِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ لاَ يُبْطِلُ اُلْأَذَانَ وَلاَ يُخِلُّ بِهِ . ٦ - بَابُ مَنْ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَمَنْ لاَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ ، وَمَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ وَمَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَعْلَمْ: أَنَّ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ الَّذِي لَيْسَ بِمَشْهُورٍ بِفِسْقٍ وَلاَ بِدْعَةٍ .. يُسَلِّمُ وَيُسَلَّمُ عَلَيْهِ ، فَيُسَنُّ لَهُ السَّلاَمُ ، وَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِ . (١) انظر (ص٦٩). ٤١٣ قَالَ أَصْحَابْنَا: وَأَلْمَرْأَةُ مَعَ الْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ .. فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو سَعْدِ الْمُتَوَلِّي: ( إِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ أَوْ مَحْرَماً مِنْ مَحَارِمِهِ .. فَهِيَ مَعَهُ كَالرَّجُلِ، فَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَبِدَاءُ الْآخَرِ بِالسَّلاَمِ، وَيَجِبُ عَلَى آلآخَرِ رَدُّ السَّلاَمِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً : فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً يُخَافُ أَلِفْتِتَانُ بِهَا .. لَمْ يُسَلِّمِ الرَّجُلُ عَلَيْهَا، وَلَوْ سَلَّمَ .. لَمْ يَجُزْ لَهَا رَدُّ اُلْجَوَابِ ، وَلَمْ تُسَلِّمْ هِيَ عَلَيْهِ أَبْتِدَاءٍ(١) ، فَإِنْ سَلَّمَتْ .. لَمْ تَسْتَحِقَّ جَوَاباً ، فَإِنْ أَجَابَهَا .. كُرِهَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزاً لاَ يُفْتَتَنُّ بِهَا .. جَازَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى الرَّجُلِ، وَعَلَى الرَّجُلِ رَدُّ السَّلاَمِ عَلَيْهَا ) . قُلْتُ: وَإِذَا كَانَتِ النِّسَاءُ جَمْعاً فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ الرَّجُلُ، أَوْ كَانَ الرِّجَالُ جَمْعاً كَثِيراً فَسَلَّمُوا عَلَى الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ .. جَازَ إِذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ وَلاَ عَلَيْهِنَّ وَلاَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِمْ فِتْنَةٌ(٢). ٦٩٩ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) وَغَيْرِهَا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نُسْوَةٍ .. فَسَلَّمَ عَلَيْنَا)، قَالَ التِّرْ مِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [٥٢٠٤٥ - ت٢٦٩٧ - ق٣٧٠١]، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَفْظُ رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُودَ . (١) أي: يحرم على الشابة ابتداءُ الأجنبي بالسلام والرد عليه، وفارق كراهتها له من الرجل بأن ابتداءها وردها يطمعه فيها أكثر ، بخلاف ابتدائه ورده ، والخنثى مع الرجل كامرأة ، ومع المرأة كرجل في النظر، فكذاهنا. ((الفتوحات)) (٣٣٣/٥). (٢) فإِن خيفت فتنة .. فيحرم سلام الرجل على جمع النساء وسلام الرجال على المرأة ، هذا ما أفهمه إِطلاقه ، وليس بواضح في الأولى ؛ فقد أطلق الأصحاب جواز سلام جمع النساء على الرجل وكذا سلامه عليهن ، بل يندب له ابتداؤهن به ، ويجب الرد على إِحداهن حينئذ ، وعللوه - كما في (( التحفة)) لابن حجر (٢٢٣/٩) - بأنه لا يخشى فتنة حينئذ، ومن ثَمَّ حلَّت الخلوة بامرأتين . وكأنه لم ينظر لتوهمها اكتفاء بكون ذلك ليس مَظِنَّة ذلك غالباً ؛ إِذ النساء عند اجتماعهن تنقطع الأطماع عنهن غالباً ، ولا كذلك المرأة مع جمع الرجال ، فيشترط في سلامهم عليها الأمن من الفتنة ، والله أعلم . ((الفتوحات)) (٣٣٣/٥). ٤١٤ وَأَمَّا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ .. فَفِيهَا عَنْ أَسْمَاءَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ يَوْماً وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ .. فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ) . ٧٠٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ )) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى نُسْوَةٍ .. فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ) [سني ٢٢٥]. ٧٠١ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : ( كَانَتْ فِينَا أَمْرَأَةٌ - وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ - تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي الْقِدْرِ ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ .. أَنْصَرَفْنَا نُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا ) [خ٦٢٤٨]. قُلْتُ : (تُكَرْكِرُ) مَعْنَاهُ : تَطْحَنُ . ٧٠٢ - وَرَوَيْنَا فِي (( صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أُمِّ هَانِىءٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ يَغْتَسِلُ ، وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَسَلَّمْتُ ... ) وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ [م٨٢/٣٣٦ في صلاة المسافرين ، باب استحباب صلاة الضحى] . فَضَ﴾ [في السلام والرد على أهل الذمة وذكر مسائل في ذلك] : وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَةِ .. فَأَخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِمْ: فَقَطَعَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلاَمِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ هُوَ بِحَرَامٍ، بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ ، فَإِنْ سَلَّمُوا هُمْ عَلَىْ مُسْلِمٍ .. قَالَ فِي الرَّدِّ: ( وَعَلَيْكُمْ)، وَلَ يَزِيدُ عَلَى هَذَا. وَحَكَىْ أَقْضَى الْقُضَاةِ أَلْمَاوَرْدِيُّ وَجْهَاً لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَجُوزُ أَبْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلَامِ، لَكِنْ يَقْتَصِرُ الْمُسَلِّمُ عَلَى قَوْلِهِ: ( السَّلَامُ عَلَيْكَ)، وَلاَ يَذْكُرُهُ بِلَفْظِ اُلْجَمْعِ . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهاً : أَنَّهُ يَقُولُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إِذَا أَبْتَدَؤُوا : ( وَعَلَيْكُمُ ٤١٥ السَّلاَمُ ) ، وَلَكِنْ لاَ يَقُولُ: (وَرَحْمَةُ اللهِ)(١)، وَهَذَانِ أَلْوَجْهَانِ شَاذَّانِ مَرْدُودَانِ . ٧٠٣ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ تَبْدَؤُوا أَلْيَهُودَ وَلاَ النَّصَارَىُّ بِالسَّلاَمِ، فَإِذَا لَقِيْتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ .. فَأَضْطَرُّوهُ إِلَى ضَيَّقِهِ)) (٢) [م٢١٦٧]. ٧٠٤ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ اَلْكِتَابِ .. فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)) [خ٦٢٥٨-م٢١٦٣]. ٧٠٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ أَلْبُخَارِيِّ)) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ .. فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ)) [خ ٦٢٥٧]. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا ، وَاللهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي: ( وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى رَجُلِ ظَنَّهُ مُسْلِماً فَبَانَ كَافِراً .. يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَرِدَّ سَلاَمَهُ فَيَقُولُ لَهُ: رُدَّ عَلَيَّ سَلاَمِي؛ وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوحِشَهُ ، وَيُظْهِرَ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أُلْفَةٌ ) .. ٧٠٦- وَرُوِيَ: أَنَّ أَبْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا سَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ ، فَقِيلَ لَّهُ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، فَتَبَعَهُ وَقَالَ لَهُ: (رُدَّ عَلَيَّ سَلاَمِي)(٣). ٧٠٧ - قُلْتُ: وَقَدْ رَوَيْنَا فِي ((مُوَطَّأِ اَلْإِمَامِ مَالِكِ)) رَحِمَهُ اللهُ: ( أَنَّ مَالِكاً (١) ((الحاوي)) ( ١٦٦/١٨). (٢) في (ج) و(د): ( أَضْيَقِهِ)، وهو موافق لما في ((مسلم)). (٣) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١١٥)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (١٩٤٥٨)، والبيهقي في (( الشعب)) (٨٩٠٦)، ووقع عنده وعند البخاري: أنه سلم على نصراني. ٤١٦ سُئِلَ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلَى الْتَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ هَلْ يَسْتَقِيلُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لاَ) [ط ٢ /٩٦٠] . فَهَذَا مَذْهَبُهُ، وَأَخْتَارَهُ أَبْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ(١). قَالَ أَبُو سَعْدِ الْمُتَوَلِّي: (لَوْ أَرَادَ تَحِيَّةَ ذِمِّيٌّ .. فَعَلَهَا بِغَيْرِ السَّلاَمِ؛ بِأَنْ يَقُولَ : هَدَاكَ اللهُ ، أَوْ أَنْعَمَ اللهُ صَبَاحَكَ ) . قُلْتُ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَعْدٍ لاَ بَأْسَ بِهِ إِذَا أَحْتَاجَ إِلَيْهِ، فَيَقُولُ: ( صُبِّحْتَ بأَلْخَيْرِ ) ، أَوْ ( بِالسَّعَادَةِ )، أَوْ (بِالْعَافِيَةِ )، أَوْ (صَبَّحَكَ اللهُ بِالسُّرُورِ ) ، أَوْ ( بِالسَّعَادَةِ وَالنِّعْمَةِ )، أَوْ (بِأَلْمَسَرَّةِ )، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ . . فَالاخْتِيَارُ: أَلَّ يَقُولَ شَيْئاً ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ بَسْطٌ لَهُ وَإِينَاسٌ وَإِظْهَارُ صُورَةٍ وُدٌّ ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالْإِغْلَاَظِ عَلَيْهِمْ وَمَنْهِيُّونَ عَنْ وُدِّهِمْ ، فَلاَ يُظْهِرُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ . فَعُ [فيمن مر على كفار فيهم مسلمون فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلمين] : إِذَا مَرَّ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ أَوْ مُسْلِمٌ وَكُفَّارٌ . . فَالسُّنَّةُ: أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ، وَيَقْصِدَ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْمُسْلِمَ . ٧٠٨ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((الْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ - عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ - وَأَلْيَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) [خ ٤٥٦٦ -م١٧٩٨] . فَعُ [فيما ينبغي أن يكتبه المسلم إذا وجه كتاباً إلى مشرك فيه سلام ونحوه] : إِذَا كَتَبَ كِتَاباً إِلَى مُشْرِكٍ، وَكَتَبَ فِيهِ سَلَاَماً أَوْ نَحْوَهُ . . فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ : ٧٠٩ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي صَحِيحَى: ((أَلْبُخَارِيِّ)» وَ« مُسْلِمٍ)) فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ (١) ((عارضة الأحوذي)) (٣٥٧/٥). ٤١٧ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ: ( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ: (( مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ أُلُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ أُتَّبَعَ اُلْهُدَى ... ))) [خ ٧ - م ١٧٧٣]. فَرَجُ فِيمَا يَقُولُ إِذَا عَادَ ذِمِّيّاً : إِعْلَمْ: أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي عِيَادَةِ الذِّمِّيِّ، فَاسْتَحَبَّهَا جَمَاعَةٌ وَمَنَعَهَا جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَ الشَّاشِيُّ الإِخْتِلاَفَ، ثُمَّ قَالَ: ( الصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: عِيَادَةُ اُلْكَافِرِ فِي أَلْجُمْلَةِ جَائِزَةٌ ، وَاَلْقُرْبَةُ فِيهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى نَوْعِ حُرْمَةٍ يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ جِوَارِ أَوْ قَرَابَةٍ ) . قُلْتُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّاشِيُّ حَسَنٌ . ٧١٠ - فَقَدْ رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرِضَ ، فَأَنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَقَالَ لَهُ: ((أَسْلِمْ))، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ ، فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ، فَأَسْلَمَ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ))(١) [خ ١٣٥٦]. ٧١١ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ وَالِدِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ أَلْوَفَاةُ .. جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((يَا عَمِّ؛ قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ ... )) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ [خ ١٣٦٠- م٢٤]. قُلْتُ : فَيَنْبَغِي لِعَائِدِ الذِّمِّيِّ أَنْ يُرَغِّبَهُ فِي الْإِسْلاَمِ، وَيُبَيِّنَ لَهُ مَحَاسِنَهُ، وَيَحُثَّهُ (١) في الحديث ندب عيادة المريض الذمي، ومثله المعاهد والمستأمن ، لكن إِن كان ثَمَّ نفع أو صلة كنحو قرابة وجوار ، وكذا رجاءَ إِسلامه ، ومثله مبتدع أو فاسق متجاهر بفسقه رُجيت توبته ، فإِن انتفت .. جازت. ((الفتوحات)) (٣٤٩/٥). ٤١٨ عَلَيْهِ ، وَيُحَرِّضَهُ عَلَى مُعَاجَلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى حَالٍ لاَ تَنْفَعُهُ فِيهَا تَوْبَتُهُ ، وَإِنْ دَعَا لَهُ .. دَعَا بِالْهِدَايَةِ وَنَحْوِهَا. فَضٌَ [في السلام على المبتدع ومن اقترف ذنباً عظيماً قبل التوبة]: وَأَمَّا الْمُبْتَدِعُ وَمَنِ أَقْتَرَفَ ذَنْباً عَظِيماً وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ . . فَيَنْبَغِي أَلَّ يُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، وَلاَ يُرَدَّ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ، كَذَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ . وَأَحْتَجَّ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : ٧١٢- بِمَا رَوَيْنَاهُ فِي صَحِيحَي : ((أَلْبُخَارِيِّ)» وَ« مُسْلِمٍ )) فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةٍ تَبُوكَ هُوَ وَرَفِيقَانِ لَهُ ، قَالَ : ( وَنَهَىُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلاَمِنَا، قَالَ: وَكُنْتُ آتِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَأَقُولُ: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لاَ؟) [خ٤٤١٨-م٢٧٦٩]. قَالَ الْبُخَارِيُّ: (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: لاَ تُسَلِّمُوا عَلَى شَرَبَةِ الْخَمْرِ) (١). قُلْتُ : فَإِنِ أَضْطُرَّ إِلَى السَّلاَمِ عَلَى الظَّلَمَةِ؛ بِأَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَخَافَ تَرَقُّبَ مَفْسَدَةٍ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ أَوْ غَيْرِهِمَا إِنْ لَمْ يُسَلِّمْ .. سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، قَالَ آلْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ أَبْنُ الْعَرَبِيِّ: ( قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسَلِّمُ، وَيَنْوِي أَنَّ السَّلاَمَ أَسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اُللهِ تَعَالَىْ، أَلْمَعْنَى: اللهُ عَلَيْكُمْ رَقِيبٌ)(٢). فَضَى [في أن السلام على الصبيان من السنة] : وَأَمَّا الصُّبْيَانُ .. فَالسُّنَّةُ: أَنْ يُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ . ٧١٣ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَى: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ )) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (١) البخاري في ( الاستئذان ، باب : من لم يسلّم على من اقترف ذنباً ولم يرد سلامه حتى تتبين توبته ) تعليقاً . (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٣٦٢/٥). ٤١٩ ( أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ ) [خ ٦٢٤٧ - م٢١٦٨ /١٥ ] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْهُ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ)) [١٤/٢١٦٨]. وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَّنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادِ ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ أَنَسٍ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَىْ غِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ﴾ [٥٢٠٢٥]. وَرَوَيْنَاهُ فِي (( كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) وَغَيْرِهِ قَالَ فِيهِ: ((فَقَالَ : أَلسَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَانُ )) [سني٢٢٧]. ٧- بَابٌ فِي آدَابٍ وَمَسَائِلَ مِنَ السَّلامِ ٧١٤ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَاَلْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ)) [خ ٦٢٣٢ -م٢١٦٠]. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ ، وَأَلْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ ، وَاَلْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ)) [خ ٦٢٣١]. قَالَ أَصْحَابْنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ: هَذَا الْمَذْكُورُ هُوَ السُّنَّةُ، فَلَوْ خَالَفُوا فَسَلَّمَ الْمَاشِي عَلَى الرَّاكِبِ ، أَوِ الْجَالِسُ عَلَيْهِمَا .. لَمْ يُكْرَةْ، صَرَّحَ بِهِ آلْإِمَامُ أَبُو سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ، وَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا: لاَ يُكْرَهُ أَبْتِدَاءُ الْكَثِرِينَ بِالسَّلَامِ عَلَى الْقَلِيلِ ، وَأَلْكَبِيرِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَيَكُونُ هَذَا تَرْكاً لِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ سَلَامٍ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا الْأَدَبُ هُوَ فِيمَا إِذَا تَلَاَفَى آلِثْنَانِ فِي طَرِيقٍ ، أَمَّا إِذَا وَرَدَ عَلَى قُعُودٍ أَوْ قَاعِدٍ . . فَإِنَّ الْوَارِدَ يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ بِكُلِّ حَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً ، قَلِيلاً أَوْ كَثِيراً، وَسَمَّى أَقْضَى الْقُضَاةِ هَذَا الثَّانِي سُنَّةً، وَسَمَّى الْأَوَّلَ أَدَباً، وَجَعَلَهُ دُونَ السُّنَّةِ فِي الْفَضِيلَةِ . ٤٢٠