Indexed OCR Text

Pages 81-100

٢٢ - بَابُ إِنْكَارِهِ وَدُعَائِهِ عَلَى مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَبِعُ فِيهِ
٩٤ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ ..
فَلْيَقُلْ: لَاَ رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا))(١) [٥٦٨٢].
٩٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) أَيْضاً عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً
نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : مَنْ دَعَا إِلَيَّ الْجَمَلَ الْأَحْمَرَ ؟ (٢) فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لاَ وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ)) [م٥٦٩].
٩٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) فِي آخِرِ ( كِتَابِ الْبُيُوعِ ) مِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ
يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ .. فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ
ضَالَّةً .. فَقُولُوا: لاَ رَدَّ اللهُ عَلَيْكَ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت١٣٢١].
٢٣ - بَابُ دُعَائِهِ عَلَى مَنْ يُنْشِدُ فِي الْمَسْجِدِ شِعْراً لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ لِلإِسْلاَمِ
وَلاَ تَزْهِيدٌ وَلاَ حَثٌّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ وَنَحْوُ ذَلِكَ
٩٧ - رَوَيْنَا فِي (( كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُنْشِدُ شِعْراً فِي الْمَسْجِدِ ..
فَقُولُوا: فَضَّ اللهُ فَاكَ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ)) [سني ١٥٣ وانظر الملحق].
(١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (٥٤/٥): (يقال : نشدت الدابة إِذا طلبتها ،
وأنشدتها إِذا عرفتها ، ومن فوائد الحديث : النهيُ عن نشد الضالة في المسجد ، ويلحق به ما في معناه
من البيع والشراء والإِجارة ونحوها من العقود ، وكراهةُ رفع الصوت في المسجد ) .
قوله : (إِليَّ) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : هو بتشديد الياء ؛ أي : من يعرف الجمل فدعا
(٢)
صاحبه ((الفتوحات)) (٦٥/٢).
٨١

٢٤ - بَابُ فَضِيلَةِ الْأَذَانِ
٩٨ - رَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ (١)، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ
يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ .. لَاَسْتَهَمُوا))(٢) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) [خ٦١٥-
م ٤٣٧] .
٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا نُودِيَ
لِلصَّلاَةِ .. أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ؛ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ))(٣) رَوَاهُ أَلْبُخَارِيُّ
وَمُسْلِمٌ [خ٦٠٨-م١٩/٣٨٩] .
١٠٠ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ(٤) أَعْنَاقاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ))(٥) رَوَاهُ مُسْلِمٌ [٣٨٧].
(١) وهو الذي يلي الإِمام وإِن تخلل أو حجز بينهما بنحو سارية أو منبر ، وقال القرطبي رحمه الله تعالى في
((المفهم)) (٦٤/٢): (اختلف في الصف الأول : هل هو الذي يلي الإِمام أو هو المبكر؟
والصحيح الأول ) .
عبر بالاستهام إِشارةً إِلى غاية تعظيم ذلك ؛ إِذ لا يقع إلا في أمر من شأنه التنافس فيه ، وزاد ذلك مبالغةً
(٢)
وتأكيداً إخراجه مخرج الاستثناء والحصر ، وفي هذا أعظم باعث على فعل الأذان وحضور الجماعة
لا سيما الصف الأول. قال المازري رحمه الله تعالى: ( وفي قوله: ((لاستهموا)) حجة للعمل
بالقرعة في الحقوق التي يزدحم عليها). ((الفتوحات)) (٢/ ٧٢).
(٣) (حتى) تعليلية لإِدباره، وقيل: ذهابه هروبٌ أن يسمع الأذان بالإِيمان كما يفعل بعرفة؛ لما يرى من
اجتماع الناس على البر والتقوى وما ينزل عليهم من الرحمة ، وقيل : لئلا يسمع ذلك فيشهد لقائله ؛
لخبر البخاري (٦٠٩): (( لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إِنسٌ ولا شيء .. إلا شهد له يوم
القيامة)). قال السيوطي رحمه الله تعالى نقلاً عن ابن بطال: ( ويشبه أن يكون الزجر عن خروج
الإِنسان من المسجد بعد الأذان مأخوذاً من هذا المكان ؛ لئلا يكون متشبهاً بالشيطان ) . قال
أصحابنا : يكره الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر حتى يصلي ؛ لحديث مسلم ( ٦٥٥) عن أبي
هريرة رضي الله عنه: أنه قال في فاعل ذلك: ( أما هذا .. فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه
وسلم). ((الفتوحات)) (٧٤/٢_٧٥).
(٤)
في (أ) ونسخة في هامش الأصل: ( أَطْوَلُ النَّاس ) .
(٥) في هامش (ب): (الإِعناق: الإِسراع ) أي: أشد إِسراعاً إِلى الجنة ، وقيل : معناه: أكثر الناس =
٨٢

١٠١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٍّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ
شَيْءٌ .. إِلَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [٦٠٩].
وَأَلْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ .
وَأَخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :
اَلْأَصَخُّ : أَنَّ الْأَذَانَ أَفْضَلُ، وَالثَّانِي: آلْإِمَامَةُ، وَالثَّالِثُ: هُمَا سَوَاءٌ ،
وَالرَّابِعُ : إِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ وَأُسْتَجْمَعَ خِصَالَهَا .. فَهِيَ
أَفْضَلُ، وَإِلاَّ .. فَالْأَذَانُ أَفْضَلُ(١).
٢٥ - بَابُ صِفَةِ الْأَذَانِ
أَعْلَمْ: أَنَّ أَلْفَاظَهُ مَشْهُورَةٌ ، وَالتَّرْجِيعُ عِنْدَنَا سُنَّةٌ؛ وَهُوَ : أَنَّهُ إِذَا قَالَ بِعَالِي
صَوْتِهِ : ( اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ) .. قَالَ سِرّاً بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ
وَمَنْ بِقُرْبِهِ : ( أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ) ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى أَلْجَهْرِ وَإِعْلَاءِ
الصَّوْتِ فَيَقُولُ : ( أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ) .
وَالتَّغْوِيبُ أَيْضاً مَسْنُونٌ عِنْدَنَا(٢)، وَهُوَ: أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ خَاصَّةً بَعْدَ
تشوّفاً إلى رحمة الله ؛ لأن المتشوف يطيل عنقه لما يطلع إليه ، فمعناه : كثرة ما يرونه من الثواب.
=
وقال آخرون : يمتد لكونهم كانوا يمدونها عند رفع الصوت في الدنيا ، فمدت في القيامة ليمتازوا بذلك
عن غيرهم، وفي ذلك إِبقاء للطّول على حقيقته، وقيل غير ذلك. ((الفتوحات)) (٧٦/٢).
(١) بقي وجه خامس جرى عليه المصنف في ((نكت التنبيه))، واعتمده ابن الرِّفعة والقَمولي وغيرهما؛
وهو : أن مجموع الأذان والإِمامة أفضل ، والوجه الرابع هو الذي رجحه المصنف في كتبه ونقله عن
نص ((الأم )) وأكثر الأصحاب ، قال المَحاملي : ( وهو مذهب الشافعي وعامة أصحابنا ) ..
(٢) التثويب : من ثاب إِذا رجع ؛ لأن المؤذن دعا إلى الصلاة بالحيعلتين ثم عاد فدعا إِليها بذلك .
(«الفتوحات)) (٨٧/٢).
٨٣

فَرَاغِهِ مِنْ (حَيَّ عَلَى الْفَلاَح): (الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم، الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم).
وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ بِالتَّرْجِيعِ وَالتَّغْوِيِبِ ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ التَّرْجِيعَ وَالتَّثْوِيبَ .. صَحَّ أَذَانُهُ وَكَانَ تَارِكاً لِلأَفْضَلِ .
وَلاَ يَصِحُّ أَذَانُ مَنْ لاَ يُمَيِّرُ ، وَلاَ أَلْمَرْأَةِ ، وَلاَ الْكَافِرِ، وَيَصِحُّ أَذَانُ الصَّبِيِّ
الْمُمَيِّزِ، وَإِذَا أَذَّنَ الْكَافِرُ وَأَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ .. كَانَ ذَلِكَ إِسْلاَمَاً عَلَى الْمَذْهَبِ
الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لاَ يَكُونُ إِسْلاَماً، وَلَ خِلافَ أَنَّهُ
لاَ يَصِحُّ أَذَانُهُ ؛ لِأَنَّ أَوَلَهُ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِإِسْلاَمِهِ .
وَفِي الْبَابِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مُقَرَّرَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ إِيْرَادِهَا .
٢٦ - بَابُ صِفَةِ آلْإِقَامَةِ
الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ : أَنَّ الْإِقَامَةَ
إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً: اللهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ، قَدْ
قَامَتِ الصَّلاَةُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ.
فَضَ [في حكم الأذان والإقامة] :
وَأَعْلَمْ : أَنَّ الْأَذَانَ وَاَلْإِقَامَةَ سُنَتَانِ عِنْدَنَا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ ،
سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَذَانُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهَا، فَإِنْ قُلْنَا: فَرْضُ
كِفَايَةٍ ، فَتَرَكَهُ أَهْلُ بَلَدٍ أَوْ مَحِلَّةٍ .. قُوتِلُوا عَلَى تَرْكِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: سُنَّةٌ .. لَمْ
يُقَاتَلُوا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ، كَمَا لاَ يُقَاتَلُونَ عَلَى سُنَّةِ الظُّهْرِ
وَشِبْهِهَا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُقَاتَلُونَ؛ لِأَنَّهُ شِعَارٌ ظَاهِرٌ (١).
(١) أي: والإِمام يقاتل على ترك السنة إِذا كانت شعاراً ظاهراً من شعار الإِسلام، ورُدَّ بأنه لا قتال على ترك =
٨٤

فَضَك [في مستحبات الأذان والإقامة والمؤذن]:
وَيُسْتَحَبُّ تَرْتِيلُ الْأَذَانِ ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ إِذْرَاجُ اْلْإِقَامَةِ ،
وَيَكُونُ صَوْتُهَا أَخْفَضَ مِنَ الْأَذَانِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ حَسَنَ الصَّوْتِ ،
ثِقَةً مَأْمُونا (١) ، خَبِيراً بِالْوَقْتِ ، مُتَبَرِّعاً ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ قَائِماً، عَلَى
طَهَارَةٍ وَمَوْضِع عَالٍ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَلَوْ أَذَّنَ أَوْ أَقَامَ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ وَقَاعِداً أَوْ
مُضْطَجِعاً وَمُحْدِثاً أَوْ جُنُباً .. صَحَّ أَذَانُهُ وَكَانَ مَكْرُوهاً ، وَأَلْكَرَاهَةُ فِي الْجُنُبِ أَشَدُّ
مِنَ الْمُحْدِثِ، وَكَرَاهَةُ الْإِقَامَةِ أَشَدُّ .
فَضَكُ [في الصلاة التي يشرع لها الأذان] :
لاَ يُشْرَعُ الْأَذَانُ إِلاَّ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ: الصُّبْحِ وَاَلُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ
وَأَلْعِشَاءِ ، وَسَوَاءٌ فِيهَا الْحَاضِرَةُ وَأَلْفَائِتَةُ (٢)، وَسَوَاءُ الْحَاضِرُ وَالْمُسَافِرُ، وَسَوَاءٌ
مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ .
وَإِذَا أَذَّنَ وَاحِدٌ . . كَفَىْ عَنِ الْبَاقِينَ .
وَإِذَا قَضَىْ فَوَائِتَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ .. أَذَّنَ لِلْأُولَى وَحْدَهَا، وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلاَةٍ ،
وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ صَلاَتَيْنِ .. أَذَّنَ لِلْأُولَى وَحْدَهَا وَأَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ .
وَأَمَّا غَيْرُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ .. فَلاَ يُؤَذِّنُ لِشَيْءٍ مِنْهَا بِلاَ خِلاَفٍ ، ثُمَّ مِنْهَا
مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَولَ عِنْدَ إِرَادَةِ صَلاَتِهَا فِي جَمَاعَةٍ: الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ (٣)؛ مِثْلُ :
السنن، وقتالُ الصحابة تاركيه؛ لأنَّ تركه كان في زمنهم علامة على الكفر. ((الفتوحات)) (٩٥/٢).
(١) فإِن أذَّن فاسق .. فيكره؛ إِذ لا يؤمن أن يؤذُّن في غير الوقت، لكن يحصل بأذانه السنة وإِن لم يقبل
خبره. ((الفتوحات)) (٩٨/٢).
طلب الأذان في الفائتة هو القول القديم للشافعي رضي الله عنه ، وهو المعتمد ؛ لقوة دليله بثبوته عن
(٢)
النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الوادي في صلاة الصبح عند البخاري (٥٩٥)، ومسلم ( ٦٨١).
(«الفتوحات)) (١٠٢/٢ ) .
(٣) قوله: (الصلاة جامعة) بنصب الأول على الإغراء والثاني على الحالية ، وبرفعهما على الابتداء =
٨٥

الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَاَلِسْتِسْقَاءِ، وَمِنْهَا مَا لاَ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِيهِ ؛ كَسُنَنِ الصَّلَوَاتِ
وَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَمِنْهَا مَا أَخْتُلِفَ فِيهِ ؛ كَصَلاَةِ التَّرَاوِيحِ وَأَلْجِنَازَةِ،
وَاَلْأَصَغُ : أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ فِي التَّرَاوِيحِ دُونَ الْجِنَازَةِ(١).
فَضَ [في بيان ما يشترط في الأذان والإقامة] :
وَلاَ تَصِحُ الْإِقَامَةُ إِلَّ فِي الْوَقْتٍ وَعِنْدَ إِرَادَةِ الدُّخُولِ فِي الصَّلاَةِ ، وَلاَ يَصِحُ
اَلْأَذَانُ إِلَّ بَعْدَ دُخُولٍ وَقْتِ الصَّلاَةِ إِلَّ الصُّبْحَ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اَلْأَذَانُ لَهَا قَبْلَ دُخُولٍ
أَلْوَقْتِ، وَأَخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْأَذَانُ لَهَا، وَالْأَصَحُ: أَنَّهُ يَجُوزُ
بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَقِيلَ : عِنْدَ السَّحَرِ ، وَقِيلَ : فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ،
وَقِيلَ : بَعْدَ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ، وَالْمُخْتَارُ: الْأَوَّلُ .
فَضَّك [في حكم أذان وإقامة المرأة والخنثى المشكل] :
وَتُقِيمُ الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ، وَلاَ يُؤَذِّنَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مَنْهِيَّانِ عَنْ رَفْع
الصَّوْتِ .
٢٧ - بَابُ مَا يَقُولُ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَالْمُقِيمَ
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَأَلْمُقِيمَ مِثْلَ قَوْلِهِ، إِلَّ فِي قَوْلِهِ: ( حَيَّ
عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ ) فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي كُلِّ لَفْظَةٍ مِنْهَا: ( لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ
إِلاَّ بِاللهِ) (٢) .
والخبرية ، وبرفع الأول إما على أنه مبتدأ حذف خبره ، وإما على أنه خبر لمبتدأ محذوف وبنصب
=
الثاني على الحالية .
(١) قوله : ( دون الجنازة) خالف فيه جمعٌ متقدمون ، ووجه ما رجحه الإمام النووي رحمه الله تعالى هنا
وفي ((الروضة)) ونقله عن نص ((الأم)): أَنَّ المشيعين لها حاضرون فلا حاجة لإِعلامهم ، ومنه
يؤخذ: أنه لو لم يكن معها أحدٌ أو زادوا بالنداء .. سنَّ النداء حينئذٍ لمصلحة الميت، كما في ((شرح
العباب)). ((الفتوحات)) (١٠٥/٢).
(٢) وفي ((فتح الباري)) (٩١/٢): ( ما ذكر - أي: من الحوقلة عند الحيعلتين - هو المشهور عند =
٨٦

وَيَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ( الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم ) : ( صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ) ، وَقِيلَ :
يَقُولُ : ( صَدَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ ) .
وَيَقُولُ فِي كَلِمَةِ آلْإِقَامَةِ : ( أَقَامَهَا اللهُ وَأَدَامَهَا ) .
ويَقُولُ عَقِبَ قَوْلِهِ: ( أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ): (وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ
إِلاَّ اللهُ)، وَقَوْلِهِ : ( أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ): ( وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً
رَسُولُ اللهِ) ثُمَّ يَقُولُ: (رَضِيتُ بِاللهِ رَبّاً، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رَسُولاً، وَبِالْإِسْلاَمِ دِيناً) .
فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْمُتَابَعَةِ فِي جَمِيعِ الْأَذَانِ . . صَلَّى وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ: ( اللَّهُمَّ، رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الثَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ ؛ آتِ
مُحَمَّداً الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ(١)، وَأَبْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً اٌلَّذِيِ وَعَدْتَهُ)(٢).
=
الجمهور ، وللكن في بعض الأحاديث ما يقتضي أنه يقال هنا أيضاً ما قاله المؤذن: (( حي على
الصلاة ، حي على الفلاح))، فيحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح ، فيقول تارة كذا وتارة
كذا ؛ أي: كما قاله المنذري ، والجمع بين الحيعلتين والحوقلة وجه للحنابلة). وفي (( شرح
العباب)): (رأيت بعض أصحابنا صرَّحَ به ؛ أي : بأنه يقول الحيعلة والحوقلة ، وجعله وجهاً ،
ولعله من حيث إِن قائله يقول بالاقتصار عليهما ونحن لا نقول به ، بل نقول : إِنه يقول كلاً منهما ثم
يحوقل عقبهما ) . وإِنما سبب الإِجابة بالحوقلة هنا ؛ لأن في الحيعلتين دعاء إلى الصلاة ، وفي
الحوقلة تمام التفويض والخروج عن الحول والقوة ، فناسب الإِتيان بها ، ومن ثَمَّ بحث بعض
المتأخرين : أنها يجاب بها قول: ( الصلاة جامعة ) ، أو ( الصلاة) بالتكرير ، أو ( الصلاة
رحمكم الله)، أو (الصلاة) عندما شُرع له الجماعةُ من النفل ((الفتوحات)) (١٠٩/٢، ١٢٦).
(١) زاد في (( أصل الروضة)): و(الدرجة الرفيعة )، قال جماعة: ولا وجود لها في كتب الحديث ،
وللكن لا بأس به. وقوله: (الفضيلة) معطوف على (الوسيلة) عطف بيان. ((الفتوحات))
(٢ /١١٥) .
(٢) في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾، فإن قلت : ما الحكمة في سؤال ذلك مع كونه
واجب التحقق ؛ إِذ ﴿عَسَى﴾ في الآية للتحقق .. فيقال: إِظهارُ شرفِه وعظيم منزلته. وقوله :
( الدعوة التامة ) أي : السالمة من تطرق نقص إِليها ، والمشتملة على أصول الشريعة وفروعها ،
بعضها بالتصريح وبعضها بالإِشارة والتلويح. ((الفتوحات)) (١١٤/٢-١١٦).
٨٧

ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ مِنْ أُمُورِ الآخِرَةِ وَالدُّنْيًّا(١).
١٠٢ - رَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ .. فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ)) رَوَاهُ
اَلْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) [غ ٦١١ - م٣٨٣].
١٠٣- وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَلْعَاصِي رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ .. فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ، ثُمَّ
صَلُّوا عَلَيَّ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاَةً .. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا اللهَ
لِيَ الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ
أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ أَلْوَسِيلَةَ .. حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ))(٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي
((صَحِيحِهِ)) [٣٨٤].
١٠٤ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١١١/٢): (قال في ((شرح العباب)): وكان عمر
رضي الله عنه يقول إِذا سمع المؤذن: مرحباً بالقائلين عدلاً، وبالصلاة أهلاً. وفي (( شرح العدة)) :
وللأذان خمس سنن: إِجابته ، وقوله: (( رضيت بالله رباً)) حين يسمع التشهد ، وسؤال الله تعالى
لرسوله الوسيلة والفضيلة ، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، والدعاء لنفسه بما شاء ) .
(٢) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١٢٢/٢، ١٢٣): (قوله صلى الله عليه وسلم:
((الوسيلة)) قال المصنف: قال أهل اللغة: الوسيلة منزلة عند المَلِك، وقال: هي أن تكون عند الله
بمنزلة الوزير عند الملك ؛ لا يخرج لأحد رزق ولا منزلة إِلا على يديه وبواسطته . قلت : وما أحسن
قول بعض العارفين [من السريع] :
أتاه من غيرك لا يدخل
وأنت باب الله أيُّ امرىءٍ
وقوله: ((حلت له الشفاعة)) أي : وجبت أو نزلت عليه . وفي الخبر بشرى عظيمة لقائل ذلك أنه
يموت على الإِسلام ؛ إِذ لا تجب شفاعته صلى الله عليه وسلم إلا لمن مات كذلك ، وشفاعته صلى الله
عليه وسلم لا تختص بالمذنبين ، بل تكون برفع الدرجات ، أو تضعيف الحسنات ، أو بالكرامة بإِيوائه
إِلى ظل العرش ، أو كونه في برزخ ، أو على منابر، أو الإِسراع به إِلى الجنة ، أو غير ذلك من
خصوص الكرامات الواردة لبعض دون بعض ) .
٨٨

أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، ثُمَّ
قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ، ثُمَّ قَالَ :
حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ ،
قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ
أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مِنْ قَلْبهِ .. دَخَلَ الْجَنَّةَ))
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) [٣٨٥].
١٠٥ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ
لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبّاً، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولاً، وَبِالْإِسْلاَمِ دِيناً .. غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ))، وَفِي رِوَايَةٍ: (( مَنْ قَالَ
حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ )) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) [٣٨٦].
١٠٦ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بِإِسْنَادٍ
صَحِيحٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ ..
قَالَ: ((وَأَنَا وَأَنَا)) [٥٢٦٥].
١٠٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: آللَّهُمَّ، رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ النَّامَّةِ
وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ ؛ آتِ مُحَمَّداً الْوَسِيْلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَأَبْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً أَلَّذِي
وَعَدْتَهُ .. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) [٦١٤].
١٠٨ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ ..
قَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْنَا مُفْلِحِينَ)) [سني ٩٢ وانظر الملحق].
١٠٩ - وَرَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ رَجُلٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ
٨٩

أَبِي أُمَامَةَ ، أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ بِلاَلاً أَخَذَ فِي
اَلْإِقَامَةِ، فَلَمَّا قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ .. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((أَقَامَهَا اللهُ وَأَدَامَهَا))، وَقَالَ فِي سَائِرٍ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثٍ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ
[٥٢٨٥] .
١١٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ
إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُقِيمُ .. يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ، رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ
اَلْقَائِمَةِ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَآتِهِ سُؤْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (سني ١٠٥ وانظر الملحق].
فَضَُّ﴾ [في بيان من له إجابة المؤذن ومن ليس له ذلك] :
إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَوِ الْمُقِيمَ وَهُوَ يُصَلِّي .. لَمْ يُجِبْهُ فِي الصَّلاَةِ ، فَإِذَا سَلَّمَ
مِنْهَا .. أَجَابَهُ كَمَا يُجِيبُهُ مَنْ لاَ يُصَلِّي، فَلَوْ أَجَابَهُ فِي الصَّلاَةِ .. كُرِهَ وَلَمْ تَبْطُلْ
صَلاَتُهُ، وَهَكَذَا إِذَا سَمِعَهُ وَهُوَ عَلَى الْخَلَاءِ .. لاَ يُجِيبُهُ فِ أَلْحَالِ، فَإِذَا
خَرَجَ .. أَجَابَهُ(١)، فَأَمَّا إِذَا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، أَوْ يُسَبِّحُ، أَوْ يَقْرَأُ حَدِيثاً أَوْ عِلْماً
آخَرَ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ .. فَإِنَّهُ يَقْطَعُ جَمِيعَ هَذَا وَيُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مَا كَانَ
فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ تَفُوتُ، وَمَا هُوَ فِيهِ لاَ يَفُوتُ غَالِباً ، وَحَيْثُ لَمْ يُتَابِعْهُ حَتَّى فَرَغَ
الْمُؤَذِّنُ .. يُسْتَحَبُ أَنْ يَتَدَارَكَ الْمُتَابَعَةَ مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ .
٢٨ - بَابُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الْأَذَانِ
١١١ - رَوَيْنَا عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ((لاَ يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ )) رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَأَبْنُ السُّنِّيِّ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [٥٢١٥- ت٢١٢-
سك ٩٨١٢ - سني ١٠٢].
(١) أي: وإن طال الفصل، وهو الأوجه أخذاً من إِطلاقهم ، وكذا يقال فيمن طُلب منه ترك الإجابة لعذر
كالمجامع ونحوه، كذا في ((الإِمداد)). ((الفتوحات)) (١٣٣/٢).
٩٠

وَزَادَ التِّرْ مِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فِي ( كِتَابِ الدَّعَوَاتِ ) مِنْ ((جَامِعِهِ )): قَالُوا : فَمَاذَا
نَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((سَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَأَلَآَخِرَةِ)) [ت٣٥٩٤].
١١٢ - وَرَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَلْعَاصِي رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلاً
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ((قُلْ كَمَا يَقُولُونَ، فَإِذَا أَنْتُهَيْتَ .. فَسَلْ تُعْطَةُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَلَمْ
يُضَعَّفْهُ [٥٢٤٥] .
١١٣ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) أَيْضاً فِي ( كِتَابِ أَلْجِهَادِ ) بِإِسْنَادٍ صَحِيحِ
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( ثِتَانِ لاَ تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ -: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْجِمُ
بَعْضُهُمْ بَعْضاً)»(١) [ر٢٥٤٠] .
قُلْتُ : فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ: ((يُلْحِمُ )) بِالْحَاءِ ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْجِيمِ ،
وَكِلاَهُمَا ظَاهِرٌ .
٢٩ - بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ رَكْعَنَّيْ سُنَّةِ الصُّبْحِ
١١٤ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنِ أَبْنِ أَبِي الْمَلِيْحِ - وَاسْمُهُ(٢) عَامِرُ بْنُ
أُسَامَةَ - عَنْ أَبِيهِ [عَنْ جِدِّهِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ](٣) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَي
(١) والحكمة في قرن النداء بالجهاد: ما في كلِّ منهما من مجاهدة أعداء الله ؛ إِذ في الأول جهاد الشياطين
كما سبق أنه يفر عند سماع الأذان وله ضراط ، وفي الثاني : جهاد الكفار والمشركين ، فلما تمَّ
استسلامه لأمر ربه وجهاده لأعدائه .. استحق أن تجاب دعوته وترحم عبرته. ((الفتوحات))
(١٣٨/٢).
(٢)
أي : واسم أبي المليح .
(٣) ما بين معقوفين زيادة من رواية الطبراني في ((الكبير)) (١٩٥/١)، ولا يستقيم النص بدونها، وانظر
((تهذيب الكمال)) (٣١٦/٣٤)، وابن أبي المَلِيح هو مُبَشِّر بن عامر بن أسامة بن عمير.
٩١

اُلْفَجْرِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى قَرِيباً مِنْهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ سَمِعَهُ يَقُولُ وَهُوَ جَالِسٌ: ((اللَّهُمَّ، رَبَّ جِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ
وَمِيكَائِيلَ وَمُحَمَّدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَعوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ)) ثَلاَثَ مَرَّاتٍ
[سني ١٠٣] .
١١٥ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ قَالَ
صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَيُّ
اُلْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ .. غَفَرَ اللهُ تَعَالَىْ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ أَلْبَحْرِ »
[سني ٨٣ وانظر الملحق] .
٣٠- بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَنْتَهَى إِلَى الصَّفِّ
١١٦ - رَوَيْنَا عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى الصَّلاَةِ
وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ، فَقَالَ حِينَ أَنْتُهَىْ إِلَى الصَّفِّ: آللَّهُمَّ ؛
آتِي أَفْضَلَ مَا تُؤْتِي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الصَّلاَةَ .. قَالَ: ((مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفاً؟)) قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِذَنْ
يُعْقَرَ جَوَادُكَ، وَتُسْتَشْهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى )) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ السُّنِّيِّ ، وَرَوَاهُ
اَلْبُخَارِيُّ فِي ((تَارِيخِهِ)) فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ بْنِ عَائِذٍ [سك ٩٨٤١ - سني ١٠٦ -
تخ ١/ ٢٢٢] .
٣١ - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ إِرَادَتِهِ أَلْقِيَامَ إِلَى الصَّلاَةِ
١١٧ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ أُمّ رَافِعٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ :
يَا رَسُولَ اللهِ ؛ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَأْجُرُنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ، قَالَ: (( يَا أُمَّ رَافِعٍ ؛
إِذَا قُمْتِ إِلَى الصَّلاَةِ .. فَسَبِّحِ اللهَ تَعَالَى عَشْراً، وَهَلِّلِيهِ عَشْراً، وَأَحْمَدِيهِ
عَشْراً ، وَكَبِّرِيهِ عَشْراً، وَأَسْتَغْفِرِيهِ عَشْراً؛ فَإِنَّكِ إِذَا سَبَّحْتِ .. قَالَ: هَذَا لِي،
٩٢

وَإِذَا هَلَّلْتِ .. قَالَ: هَذَا لِي، وَإِذَا حَمِدْتِ .. قَالَ: هَذَا لِي، وَإِذَا كَبَّرْتِ ..
قَالَ: هَذَا لِي، وَإِذَا أُسْتَغْفَرْتِ .. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ)) [سني ١٠٧].
٣٢ - بَابُ الذُّعَاءِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ
١١٨ - رَوَى الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي ((أَلْأُمّ)) بِإِسْنَادِهِ حَدِيثاً مُرْسَلاً: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَطْلُبُوا أَسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ
اَلْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ)) [أم ٥٩١ وانظر الملحق].
قَالَ الشَّافِعِيُّ: ( وَقَدْ حَفِظْتُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ طَلَبَ الْإِجَابَةِ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ
وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ)(١) [أم٢/ ٥٥٤].
(١) في هامش (ب): ( بلغ الولد أبو العباس - وفقه الله تعالى - قراءة ومقابلة، ولله الحمد . كتبه ابن
العطار عفا الله عنهما ) .
٩٣

١ - [كِتَابُ الصَّلاَةِ]
١ - بَابُ مَا يَقُولُهُ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ
أَعْلَمْ: أَنَّ هَذَا أَلْبَابَ وَاسِعٌ جِدّاً، وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ
أَنْوَاعِ عَدِيدَةٍ ، وَفِيهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ فِي كُتُبٍ أَلْفِقْهِ، نُبُ هُنَا مِنْهَا عَلَى أُصُولِهَا
وَمَقَاصِدِهَا دُونَ دَقَائِقِهَا وَنَوَادِرِهَا، وَأَحْذِفُ أَدِلَّةَ مُعْظَمِهَا؛ إِيْثَاراً لِلِخْتِصَارِ؛ إِذْ
◌َيْسَ هَذَا الْكِتَابُ مَوْضُوعاً لِبَيَانِ الْأَدِلَّةِ، إِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ مَا يُعْمَلُ بِهِ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ.
٢ - بَابُ تَكْبِرَةِ اْإِحْرَامِ
أَعْلَمْ: أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَصِحُ إِلاَّ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، فَرِيضَةً كَانَتْ أَوْ نَافِلَةً ،
وَالتَّكْبِيرَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلاَةِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَعِنْدَ
أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ شَرْطٌ لَيْسَتْ مِنْ نَفْسِ الصَّلاَةِ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ لَفْظَ التَّكْبِيرِ أَنْ يَقُولَ: ( اللهُ أَكْبَرُ)، أَوْ يَقُولَ: ( اللهُ الْأَكْبَرُ) ،
فَهَذَانِ جَائِزَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِفَةَ وَآخَرِينَ ، وَمَنَعَ مَالِكٌ الثَّانِيَ، فَالِحْتِيَاطُ
أَنْ يَأْتِيَ الْإِنْسَانُ بِالْأَوَّلِ؛ لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلاَفِ ، وَلاَ يَجُوزُ التَّكْبِرُ بِغَيْرِ هَذَيْنِ
اُللَّفْظَيْنِ، فَلَوْ قَالَ: ( اللهُ الْعَظِيمُ)، أَوِ ( اللهُ الْمُتَعَالِي)، أَوِ ( اللهُ أَعْظَمُ ) ، أَوْ
( أَعَزُّ) ، أَوْ ( أَجَلُّ) وَمَا أَشْبَهَ هَذَا .. لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَاَلْأَكْثَرِينَ ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَصِحُّ .
وَلَوْ قَالَ : ( أَكْبَرُ اللهُ) .. لَمْ تَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَنَا، وَقَالَ بَعْضُ
أَصْحَابِنَا: تَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ فِي آخِرِ الصَّلاَةِ: (عَلَيْكُمُ السَّلَامُ ) .. فَإِنَّهُ يَصِحُ
عَلَى الصَّحِيحِ .
٩٤

وَأَعْلَمْ : أَنَّهُ لاَ يَصِحُ التَّكْبِيرُ وَلاَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَذْكَارِ حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ بِحَيْثُ
يُسْمِعُ نَفْسَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَارِضٌ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ هَذَا فِي الْفُصُولِ الَّتِي فِي أَوَّلِ
اُلْكِتَابِ، فَإِنْ كَانَ بِلِسَانِهِ خَرَسٌ أَوْ عَيْبٌ .. حَرَّكَهُ بِقَدْرِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَتَصِحُ
صَلاَتُهُ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّهُ لاَ يَصُِ التَّكْبِيرُ بِالْعَجَمِيَّةِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ، وَأَمَّا مَنْ
لاَ يَقْدِرُ .. فَيَصِخُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُمُ الْعَرَبِِّ، فَإِنْ قَصَّرَ فِي التَّعَلُّمِ .. لَمْ تَصِحَّ
صَلاَتُهُ، وَتَجِبُ إِعَادَةُ مَا صَلَّى فِي الْمُدَّةِ الَّتِي قَصَّرَ فِيهَا عَنِ الثَّعَلُّمِ
وَأَعْلَمْ : أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ: أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لاَ تُمَدُّ وَلاَ
تُمَطَّطُ، بَلْ يَقُولُهَا مُدْرَجَةً مُسْرِعً(١)، وَقِيلَ: تُمَدُّ، وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ .
وَأَمَا بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ .. فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ: أَسْتِحْبَابُ مَدِّهَا إِلَى أَنْ
يَصِلَ إِلَى الرُّكْنِ الَّذِي بَعْدَهَا، وَقِيلَ: لاَ تُمَدُّ، فَلَوْ مَدَّ مَا لاَ يُمَدُّ أَوْ تَرَكَ مَدَّ
مَا يُمَّدُّ .. لَمْ تَبْطُلْ صَلاَتُهُ، لَكِنْ فَاتَتَهُ اَلْفَضِيلَةُ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ مَحَلَّ الْمَدِّ هُوَ بَعْدَ اللَّمِ مِنْ ( اللهُ) وَلاَ يُمَّدُّ فِي غَيْرِهِ .
فَضَ [في بيان أحكام التكبير] :
وَالسُّنَّةُ: أَنْ يَجْهَرَ أَلْإِمَامُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهَا؛ لِيَسْمَعَهُ الْمَأْمُومُونَ ،
وَيُسِرُّ الْمَأْمُومُ بِهَا بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ ، فَإِنْ جَهَرَ الْمَأْمُومُ أَوْ أَسَرَّ الْإِمَامُ .. لَمْ تَفْسُدْ
صَلاَتُهُ .
وَلْيَحْرِصْ عَلَى تَصْحِيحِ التَّكْبِيرِ ، فَلاَ يَمُدُّفِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، فَإِنْ مَدَّ أَلْهَمْزَةَ مِنْ
( اللّهُ)، أَوْ أَشْبَعَ فَتْحَةَ أَلْبَاءِ مِنْ ( أَكْبَرُ) بِحَيْثُ صَارَتْ عَلَى لَفْظِ ( أَكْبَارُ) .. لَمْ
تَصِحَّ صَلاَتُهُ .
(١) لئلا تزول النية عن قلبه بالمد أو يخرجه عن موضوعه. ((الفتوحات)) (١٦٢/٢).
٩٥

فَضَ[في بيان تكبيرات الصلاة وأحكامهن] :
أَعْلَمْ أَنَّ الصَّلاَةَ الَّتِي هِيَ رَكْعَتَانِ تُشْرَعُ فِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً ، وَأَلَّتِي هِيَ
ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ سَبْعَ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، وَأَلَّتِي هِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ أَثْتَانِ وَعِشْرُونَ
تَكْبِيرَةَ ، فَإِنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ: تَكْبِيرَةً لِلرُّكُوعِ ، وَأَرْبَعَاً لِلسَّجْدَتَيْنِ
وَالزَّفْعِ مِنْهُمَا، وَتَكْبِيرَةَ آلْإِحْرَامِ، وَتَكْبِرَةَ الْفِيَامِ مِنَ النَّشَهُدِ الْأَوَّلِ .
ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ سُنَّةٌ، لَوْ تَرَكَهُنَّ عَمْداً أَوْ سَهْواً ..
لاَ تَبْطُلُ صَلاَتُهُ، وَلاَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، إِلاَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ؛ فَإِنَّهَا
لاَ تَنْعَقِدُ الصَّلاَةُ إِلاَّ بِهَا بِلاَ خِلاَفٍ (١) ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
٣- بَابُ مَا يَقُولُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ آلْإِحْرَامِ
إِعْلَمْ : أَنَّهُ جَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ يَقْتَضِي مَجْمُوعُهَا أَنْ يَقُولَ : ( اللهُ أَكْبَرُ
كَبِيراً ، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ
نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي . . فَأَغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً، لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ،
وَأَهْدِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ(٢) ، وَأَصْرِفْ عَنِّي سَيْتَهَا
(١) أي : لا تنعقد الصلاة بلا خلاف بتركها، أما تعيُّنها .. فلا تنعقد بغيرها عند الشافعية، وعند الحنفية
تنعقد بها وبكل ما هو في معناها من كل ما يدل على التعظيم. ((الفتوحات)) (٢/ ١٦٤).
(٢) وهذا منه صلى الله عليه وسلم على سبيل التعليم للأمة ، أو لأداء مقام العبودية والخضوع لله تعالى ،
وإِلا .. فهو مجبول على الأخلاق الكريمة في أصل جبلَّته ، بالفضل الوهبي والجود الإِللهي ، من غير
رياضة ولا تعب ، بل لم تزل أنوار المعارف تشرق في قلبه حتى اجتمع فيه من خصال الكمال ما لا
يحيط به حدٍّ، ولا يحصره عدٌّ، ومن ثَمَّ أثنى عليه تعالى في كتابه العزيز فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ﴾، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمّ وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. ((الفتوحات)) (١٦٨/٢).
٩٦

لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيْتَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَأَلْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُ
لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ).
وَيَقُولُ : ( اللَّهُمَّ ؛ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ
وَأَلْمَغْرِبِ ، اَللَّهُمَّ ؛ نَقْنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الذَّنَسِ ،
اللَّهُمَّ؛ أَغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَأَلْبَرَدِ )(١) .
فَكُلُّ هَذَا الْمَذْكُورِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَجَاءَ فِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخَرُ ، مِنْهَا :
١١٩ - حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْتَتَحَ
الصَّلاَةَ .. قَالَ: (( سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ أَسْمُكَ، وَتَعَالَىْ جَدُّكَ ،
وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُودَ وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ ، وَضَعَّفَهُ أَبُو
دَاوُودَ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَاَلْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ [ت ٢٤٣- ٧٧٦٥ - ق ٨٠٦ - هق ٣٤/٢ وانظر الملحق] .
١٢٠ - وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبْنُ مَاجَهْ وَاَلْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَضَعَّفُوهُ(٢) [د٧٧٥ - ت٢٤٢ - س١٣٢/٢ - ق٨٠٤ - هق ٣٤/٢].
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: (وَرُوِيَ الِاسْتِفْتَاحُ بِـ (( سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ)) عَنِ أَبْنِ
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١٧٣/٢): (قال الخطابي: هذه أمثال، ولم يُرِد
الشارعُ أعيان هذه المسميات ، وإِنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها
عنه ، والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي ، ولم يمتهنهما استعمال . وقال الطيبي : يمكن أن
يقال : المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء : شمول أنواع المغفرة والرحمة بعد العفو ؛ لإطفاء
حرارة عذاب النار ، ومنه قولهم : برَّد الله مضجعه ؛ أي : رحمه ووقاه عذاب النار ، ويؤيده وصف
الماء بالبارد في رواية مسلم [٤٧٦]، ولعله جعل الخطايا بمنزلة جهنم ؛ لأنها مسببة عنها ، فعبر عن
إطفاء حرارتها بالغسل ، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقياً عن الماء إِلى ما هو أبرد منه ، وبهذا ظهر
السر في التعبير بالماء البارد والثلج والبرد مع أن الماء الساخن أبلغ في إِذهاب الوسخ من الماء
البارد ) .
(٢) انظر التعليق في الملحق رقم (١١٩).
٩٧

مَسْعُودٍ مَرْفُوعاً ، وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعاً ، وَكُلُّهَا ضَعِيفٌ ، قَالَ : وَأَصَحُ مَا رُوِيَ فِيهِ
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ) .
١٢١ - ثُمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ: أَنَّهُ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: ( سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ،
تَبَارَكَ أَسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ) وَاللهُ أَعْلَمُ [مق٣٤/٢].
١٢٢ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ)) عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ قَالَ: ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ
سُبْحَانَكَ ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَعَمِلْتُ سُوءاً .. فَأَغْفِرْ لِي؛ إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ
أَنْتَ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ... )) إِلَى آخِرِهِ [مق ٣٣/٢].
وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ
يَقُولُ: الْحَارِثُ كَذَّابٌ، وَاللهُ أَعْلَمْ(١).
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَالشَّرُ لَيْسَ إِلَيْكَ)) .. فَأَعْلَمْ: أَنَّ مَذْهَبَ
أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ
مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ خَيْرَهَا وَشَرَّهَا، نَفْعَهَا وَضُرَّهَا كُلَّهَا
مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَبِإِرَادَتِهِ وَتَقْدِيرِهِ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا .. فَلاَ بُدَّ مِنْ تَأْوِيل
هَذَا الْحَدِيثِ، فَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ أَجْوِبَةً :
أَحَدُهَا - وَهُوَ أَشْهَرُهَا، قَالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ -: مَعْنَاهُ: وَأَلشَّرُ
لاَ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ .
وَالثَّانِي: لاَ يَصْعَدُ إِلَيْكَ، إِنَّمَا يَصْعَدُ اُلْكَلِمُ الطَّيِّبُ .
وَالثَّالِثُ: لاَ يُضَافُ إِلَيْكَ أَدَباً، فَلاَ يُقَالُ: يَا خَالِقَ الشَّرِّ، وَإِنْ كَانَ خَالِقَهُ ،
كَمَا لاَ يُقَالُ: يَا خَالِقَ الْخَنَازِيرِ، وَإِنْ كَانَ خَالِقَهَا .
(١) انظر الملحق رقم (١٢٢).
٩٨

وَالْرَّابِعُ: لَيْسَ شَرّاً بِالنِّسْبَةِ إِلَى حِكْمَتِكَ ؛ فَإِنَّكَ لاَ تَخْلُقُ شَيْئاً عَبَثاً، وَاللهُ
أَعْلَمُ .
فَضَُّكُ [في أحكام دعاء الاستفتاح]:
هَذَا مَا وَرَدَ مِنَ الْأُذْكَارِ فِي دُعَاءِ الثَّوَجُّهِ ، فَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَهَا كُلُّهَا لِمَنْ
صَلَّى مُنْفَرِداً، وَلِلإِمَامِ إِذَا أَذِنَ لَهُ الْمَأْمُومُونَ، فَأَمَا إِذَا لَمْ يَأْذَنُوا لَهُ .. فَلاَ يُطَوِّلُ
عَلَيْهِمْ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ، وَحَسُنَ أَقْتِصَارُهُ عَلَى: (وَجَّهْتُ
وَجْهِيَ ... ) إِلَى قَوْلِهِ: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وَكَذَلِكَ الْمُنْفَرِدُ الَّذِي يُؤْثِرُ الثَّخْفِيفَ.
وَأَعْلَمْ : أَنَّ هَذِهِ الْأَذْكَارَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ ، فَلَوْ تَرَكَهُ فِي الرَّكْعَةِ
الْأُولَى عَامِداً أَوْ سَاهِياً .. لَمْ يَفْعَلْهُ فِيمَا بَعْدَهَا ؛ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ ، وَلَوْ فَعَلَهُ .. كَانَ
مَكْرُوهاً وَلاَ تَبْطُلُ صَلاَتُهُ، وَلَوْ تَرَكَهُ عَقِبَ التَّكْبِيرَةِ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ أَوِ
التَّعَوَّذِ .. فَقَدْ فَاتَ مَحَلُّهُ فَلاَ يَأْتِي بِهِ ، فَلَوْ أَنَى بِهِ .. لَمْ تَبْطُلْ صَلاَتُهُ ، وَلَوْ كَانَ
مَسْبُوقاً أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي إِحْدَى الرَّكَعَاتِ .. أَتَى بِهِ ، إِلاَّ أَنْ يَخَافَ مِنِ أَشْتِغَالِهِ بِهِ
فَوَاتَ (أُلْفَاتِحَةِ ) .. فَيَشْتَغِلُ بِـ ( أَلْفَاتِحَةِ)؛ فَإِنَّهَا آكَدُ؛ لِأَنَّهَا وَاحِبَةٌ ، وَهَذَا
سُنّةٌ .
وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ آلْإِمَامَ فِي غَيْرِ أَلْقِيَامِ: إِمَّا فِي الْرُّكُوعِ، وَإِمَّا فِي
السُّجُودِ، وَإِمَّا فِي النَّشَهُدِ .. أَحْرَمَ مَعَهُ ، وَأَتَى بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ اَلْإِمَامُ ، وَلاَ
يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ فِي أَلْحَالِ وَلاَ فِيمَا بَعْدُ .
وَأَخْتَلَفَ أَصْحَابْنَا فِي أَسْتِخْبَابِ دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ فِي صَلَّةِ الْجِنَازَةِ ،
وَالْأَصَحُّ : أَنَّهُ لاَ يُسْتَحَبُّ ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى النَّخْفِيفِ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ دُعَاءَ الاِسْتِفْتَاحِ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَوْ تَرَكَهُ .. لَمْ يَسْجُدْ
لِلسَّهْوِ، وَالسُّنَّةُ فِيهِ الْإِسْرَارُ ، فَلَوْ جَهَرَ بِهِ .. كَانَ مَكْرُوهَاً وَلاَ تَبْطُلُ صَلاَتُهُ .
٩٩

٤- بَابُ التَّعَوُّذِ بَعْدَ دُعَاءِ الإِسْتِفْتَاحِ
أَعْلَمْ : أَنَّ التَّعَوُّذَ بَعْدَ دُعَاءِ الاسْتِفْتَاحِ سُنَّةٌ بِالاِتُّفَاقِ، وَهُوَ مُقَدِّمَةٌ لِلْقِرَاءَةِ ،
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَعْنَاهُ عِنْدَ
جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ : إِذَا أَرَدْتَ أَلْقِرَاءَةَ .. فَأَسْتَعِذْ.
وَأَعْلَمْ : أَنَّ اللَّفْظَ الْمُخْتَارَ فِي التَّعَوُّذِ : ( أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) ،
وَجَاءَ: ( أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) ، وَلاَ بَأْسَ بِهِ ، وَلَكِنَّ
اُلْمَشْهُورَ الْمُخْتَارَ هُوَ الْأَوَّلُ .
١٢٣ - وَرَوَيْنَا فِي « سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) وَ(( النَّسَائِيِّ)) وَ(( أَبْنِ
مَاجَه)) وَ(( الْبَيْهَِيِّ)) وَغَيْرِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فِي
الصَّلاَةِ: ((أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْئِهِ وَهَمْزِهِ )) [د٧٦٤-ق٨٠٧ـ
هق٢/ ٣٥] .
١٢٤ - وَفِي رِوَايَةٍ: «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، مِنْ هَمْزِهِ
وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ)) [د٧٧٥ - ت٢٤٢ - مق٣٥/٢].
وَجَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ (١) : أَنَّ هَمْزَهُ : أَلْمُؤْتَةُ؛ وَهِيَ : أَلْجُنُونُ،
وَنَفْخَهُ: أَلْكِبْرُ، وَنَفْثَهُ: الشِّعْرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
فَضَ [في أحكام التعوذ في الصلاة] :
أَعْلَمْ : أَنَّ التَّعَوُّذَ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لَوْ تَرَكَهُ .. لَمْ يَأْثَمْ وَلَمْ تَبْطُلْ
صَلاَتُهُ(٢)، سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْداً أَوْ سَهْواً، وَلاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي
(١) من قول أحد الرواة ، وهو عمرو بن مُرَّة كما في رواية ابن ماجه ، أو من قول عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه كما في رواية عبد الرزاق في ((المصنف)) ( ٢٥٨١).
(٢) لكن يكره، كما نص عليه الشافعي رضي الله عنه في ((الأم)) (٢/ ٢٤٣). قال ابن علان رحمه الله
تعالى في ((الفتوحات)) (١٩٠/٢): ( ومحل التعوذ بعد الافتتاح إِذا أرادهما، فيفوت الافتتاحُ =
١٠٠