النص المفهرس
صفحات 281-300
- صلاح الدين خليل بن الأمير سيف الدين كيكلدي بن عبدالله العلائي، مولاهم الدمشقي الشافعي، توفي في سنة (٧٦١هـ)(١). - إسماعيل بن كثير بن ضوء بن كثير، صاحب التفسير، المعروف بـ ((ابن كثير))، توفي في سنة (٧٧٤هـ)(٢). - محمد بن عبدالله بن أحمد بن المحب السعدي المقدسي، ثم الصالحي الحنبلي، توفي في سنة (٧٨٨هـ)(٣). ثناء العلماء عليه: قال الإمام الحافظ الذهبي في ((معجم شيوخه)): ((شيخنا وشيخ الإسلام، وفريد العصر علماً ومعرفة وشجاعة وذكاءً وتنويراً إلهياً، وكرماً ونصحاً للأمة، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر)). وقال الحافظ شمس الدين بن عبدالهادي، في ترجمته له في كتابه («تذكرة الحفاظ)): ((وقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه)). وقال الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد، وقد سئل عن ابن تيمية بعد اجتماعه به، كيف رأيته، فقال: رأيت رجلاً سائر العلوم بين عينيه يأخذ ما شاء منها، ويترك ما شاء، فقيل له: فلم لم تتناظرا، قال: لأنه يحب الكلام وأحب السكوت (٤). وقال الشوكاني: ((وأقول: أنا لا أعلم بعد ابن حزم مثله، وما أظنه سمع الزمان ما بين عصر الرجلين بمن شابههما أو يقاربهما))(٥). (١) الرد الوافر (ص: ١٦٣). (٢) شذرات الذهب: (٢٣١/٦). (٣) الرد الوافر (ص: ٩١). (٤) راجع: ((الشذرات)): (٨٣/٦). (٥) (البدر الطالع)): (٦٤/١). ٢٨١ مؤلفاته: كان - رحمه الله تعالى - من المكثرين في التأليف، فقد وصفه ابن عبدالهادي بقوله: ((ولا أعلم أحداً من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف ولا قريباً من ذلك))(١). وذكر الحافظ الذهبي أن تصانيف ابن تيمية تبلغ نحو خمسمائة مجلد(٢) . وقد ألَّف تلميذه الشيخ ابن القيم - رحمه الله تعالى - رسالةً في أسماء مؤلفاته بلغت صفحاتها ٢٢ صفحة، وذكر فيها ما يقارب ٣٥٠ مؤلفاً، بين كتاب كبير في مجلدات، ورسالة أو قاعدة في مجلد أو صفحات، وقد طبعت هذه الرسالة في المجمع العلمي بدمشق بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد(٣). ومن أهم مصنفاته: ١ - الصارم المسلول على شاتم الرسول. ٢ - اقتضاء الصراط المستقيم ومجانبة أصحاب الجحيم. ٣ - الحسبة في الإسلام. ٤ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح. ٥ - العقيدة الواسطية. ٦ - رسالة الفرقان بين الحق والباطل. ٧ - رسالة في القضاء والقدر. ٨ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. (١) راجع: ((العقود الدرية)) (ص: ٢٠ و٢١). (٢) راجع: ((شذرات الذهب)): (٨٤/٦). (٣) راجع: ((العلماء العزاب)) للعلامة الشيخ عبدالفتاح أبو غدة (ص: ١٧٩). ٢٨٢ ٩ - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية. ١٠ - رفع الملام عن الأئمة الأعلام. وفاته: توفي الشيخ - رحمه الله تعالى - وهو مسجون بسجن القلعة بدمشق، ليلة الاثنين ٢٠ من شهر ذي القعدة سنة (٧٢٨هـ) وشيعه الخلق من أربعة أبواب البلد، وحُمِلَ على الرؤوس، وعاش ٦٧ سنة وشهراً. ٢٨٣ بسم الله الرحمن الرحيم هذا فصلٌ فيما ذكره الحافظُ تقيُّ الدين أبو العباسِ أحمدُ بنُ تيميةَ في الكلام على الإجماعاتِ، ومن جملتها الكلامُ على ما ذَكرهُ الشيخُ الإمامُ أبوَ محمدٍ بن حزم. * قال أبو محمد بن حزم في كتابه المصنف في مسائل الإجماع: أما بعد، فإن الإجماعَ قاعدةٌ من قواعدِ الملةِ الحنيفيةِ، يُرْجَعُ إليه، ويُفْزَع نحوُه ويَكفُر من خالفه، إذا قامت عليه الحجة بأنه إجماع. وإنا أَمَلُنا بعون الله أن نجمع المسائل التي صحَّ فيها الإجماع، ونفردَها من سائر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين العلماء ... إلى أن قال: وقد أدخل قوم في الإجماع ما ليس فيه؛ فقوم عدُّوا قول الأكثر إجماعاً، وقوم عدّوا ما لا يعرفون فيه خلافاً، وإن لم يقطعوا على أنه لا خلافَ فيه، فحكموا على أنه إجماع، وقوم عدُّوا قول الصاحب المشهور المنتشر، إذا لم يعلموا له من الصحابة مخالفاً إجماعاً، وقومٌ عدُّواً اتفاق العصر الثاني على أحد القولين أو أكثرَ، كانت للعصر الأول قبلَه إجماعاً. قال: وكل هذه الآراءِ فاسدةٌ، ويكفي من فسادها أنهم يتركون في كثير من مسائلهم، ما ذكروا أنه إجماع. وإنما نَحَوْا في تسميةِ مَا وصفنا إجماعاً، عناداً منهم وَشَغَباً عند اضطرار الحجة والبراهين لهم إلى ترك اختياراتهم الفاسدة. ٢٨٥ قال: وأيضاً، فإنهم لا يُكفّرون من خالفهم في هذه المعاني، ومن شرط الإجماع الصحيح، أن يكفُرَ من خالفه بلا اختلاف من أحدٍ من المسلمين في ذلك، فلو كان ما ذكروه إجماعاً لكفِّر مخالفوهم، بل لكفّروا هم؛ لأنهم يخالفونها كثيراً. قلت: أهلُ العلم والدينٍ لا يعاندون، ولكن قد يعتقد أحدُهم إجماعاً، مَا ليس بإجماع، لكون الخلاف لم يبلُغْه، وقد يكون هناك إجماعٌ لم يعلمه، فهم في الاستدلال بذلك، كما هم في الاستدلال بالنصوص، تارَةً يكون هناك نصٌّ لم يبلغ أحدَهم، وتارَةً يعتقد أحدُهم وجودَ نصُّ، ويكونُ ضعيفاً أو منسوخاً. وأيضاً فما وصفهم هو به قد اتّصف هو به، فإنه يترك في بعض مسائله ما قد ذكر في هذا الكتاب أنه إجماع، وكذلك ما ألزمهم إياه من تكفير المخالف غيرُ لازم، فإن كثيراً من العلماء لا يُكفِّرون مخالفَ الإجماع. * وقوله: إن مخالف الإجماع، يكفُر بلا اختلافٍ من أحدٍ من المسلمين، هو من هذا الباب، فلعله لم يبلغه الخلاف في ذلك، مع أن الخلافَ في ذلك، مشهورٌ مذكورٌ في كتب متعددة، والنظّامُ نفسُه المخالِفُ في كون الإجماع حجةً، لا يُكفِّره ابنُ حزم والناس أيضاً. فمن كفّر مخالف الإجماع، إنما يُكَفّره إذا بلغه الإجماعُ المعلوم، وكثيرٌ من الإجماعات لم تبلغ كثيراً من الناس، وكثيرٌ من موارد النزاع بين المتأخرين، يدّعي أحدُهما الإجماع في ذلك، إما أنه ظنيٍّ ليس بقطعي، وإما أنه لم يبلُغ الآخرَ، وإما لاعتقاده انتفاءَ شروط الإجماع. وأيضاً فقد تنازع الناس في كثير من الأنواع: هل هي إجماع يُختَجُ به؟ كالإجماع الإقراري، وإجماع الخلفاء الأربعة، وإجماع العصر الثاني على أحد القولين للعصر الأول، والإجماع الذي خالف فيه بعضُ أهلِه قبلَ انقراضٍ عصرهم، فإنه مبني على انقراض العصر؛ بل هو شرط في الإجماع، وغير ذلك. فتنازعهم في بعض الأنواع، هل هو من الإجماع الذي يجب اتباعُهم فيه؟ كتنازعهم في بعض أنواع ٢٨٦ الخطاب، هل هو مما يُحتَجُّ به؟ كالعموم المخصوص، ودليلِ الخطاب والقياس وغيرِ ذلك. فهذا ونحوه مما يَتبيَّنُ به بعضُ أعذار العلماء. * قال أبو محمد بن حزم: وقوم قالوا: الإجماع هو إجماعُ الصحابة فقط. وقال قوم: إجماعُ كلٌ عصر إجماعٌ صحيحٌ، إذا لم يتقدّمُ قبلَه في تلك المسألةِ خلافٌ. وهذا هو الصحيح؛ لإجماع العلماء عند التفصيل عليه، واحتجاجهم به وتركِ ما أصّلُوه له ... إلى أن قال: وصِفةُ الإجماع ما تُيقْن أنه لا خلافَ فيه بين أحد من علماء الإسلام، ونعلم ذلك من حيثُ علمنا الأخبارَ التي لا يتخالج فيها شَكٍّ، مثلُ أنّ المسلمين خرجوا من الحجاز إلى اليمن، ففتحوا العراق وخراسانَ ومصرَ والشامَ، وأنَّ بني أميّةَ ملكوا دهراً ثم ملَك بنو العباس؛ وأنه كانت وقعةُ صفينَ والحرةِ، وسائرِ ذلك مما يُعلم بيقين وضرورة . * وقال: إنما نُدخِلُ في هذا الكتابِ الإجماعَ التامَّ الذي لا مخالفَ فيه البتةَ، الذي يُعْلَمُ كما يُعلَم أن صلاةَ الصبح في الأمن والخوف ركعتان، وأن شهر رمضان هو الذي بين شوالٍ وشعبانَ، وأن هذا الذي في المصاحف هو الذي أتى به محمد وَلّ، وأخبر أنه وحي من الله إليه، وأن في خمسٍ من الإبل شاةً، ونحو ذلك، وهي ضرورة تقع في نفس الباحث عن الخبر المشرف على وجوه نقله، إذا تتبعها المرءُ في نفسه، في كل ما جرّبه من أحوال دنياه، وجَده ثابتاً مُستقِرّاً في نفسه. وقال أيضاً في آخر كتابه - كتاب الإجماع -: هذا كل ما كتبنا، فهو يقين لا شك فيه، مُتيقّن لا يَحِلّ لأحد خلافُه ألبتةَ. قلت: فقد اشتَرطَ في الإجماع، ما يشترطه كثيرٌ من أهل الكلام والفقه، كما تقدّم، وهو العلم بنفي الخلاف، وأن يكونَ العلمُ بالإجماع تواتراً. وجعل العلم بالإجماع من العلوم الضرورية، كالعلم بعلوم الأخبار المتواترة عند الأكثرين. ومعلومٌ أن كثيراً من الإجماعات ٢٨٧ التي حكاها، ليست قريبةً من هذا الوصف، فضلاً عن أن تكون منه، فكيف وفيها ما فيه خلاف معروف، وفيها ما هو نفسُه يُنكِرُ الإجماعَ فيه، ويختارُ خلافَه من غير ظهور مخالف! * وقد قال: إنما نعني بقولنا العلماءَ، مَنْ حُفِظ عنه الفُتْيا. وقال: وأجمعوا أنه لا يجوز التوضؤ بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماءَ والنبيذَ. قلت: وقد ذكر العلماءُ عن ابن أبي ليلى، وهو من أجلٌ مَنْ يحكي ابنُ حزم قوله: أنه يجزئ الوضوءُ بالمعتصَر، كماء الورد ونحوِه، كما ذكروا ذلك عن الأصم، لكنّ الأصمَّ ليس ممن يَعدُّه ابنُ حزم في الإجماع. * وقال: وأما الماء الجاري، فاتفقوا على جواز استعماله، ما لم تظهر فيه نجاسة. قلت: الشافعيُّ في الجديد من قولَيْه، وأحدِ القولين في مذهب أحمدَ: أن الجاريّ كالراكد في اعتبار القُلُّتين، فينجُس ما دون القلّتين بوقوع النجاسة فيه، وإن لم تظهر فيه. * وقال: واتفقوا على أن غَسْل الذراعين، إلى منتهى المِرْفَقين، فرضٌ في الوضوء. قلت: وزُفَرُ يخالف في وجوب غَسلِ المرفقين. وحُكِيَ ذلك عن داودَ وبعضٍ المالكية، اللَّهُمَّ إلا أن يعنيَ بمنتهى المرفقين منتهاهما من جهة الكَفُ. * قال: واتفقوا على أن الاستنجاءَ بالحجارة وبكل طاهر، ما لم يكن طعاماً أو رَجيعاً أو نَجَساً أو جِلداً أو عَظْماً أو فَحماً أو حُمَمَةٌ، جائزٌ. قلت: في جواز الاستجمار بغير الأحجار قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد: إحداهما لا يجزئ إلا بالحجر، وهي اختيار أبي ٢٨٨ بكر بن المنذر وأبي بكر عبدالعزيز. * قال: واتفقوا على أنّ كلَّ إناءٍ، لم يكن فِضّةً ولا ذهباً ولا صُفراً ولا رَصاصاً ولا نُحاساً ولا مغصوباً ولا إناءَ كتابيٍّ ولا جِلْدَ مَيْتَةٍ ولا جلدَ مَا لا يُؤْكَلُ لحمه، وإنْ ذُكّي، فإن الوضوء منه والأكلَ والشُّربَ، جائزٌ كلُّ ذلك. قلت: الآنِيَةُ الثمينة التي تكون أغلى من الذهب والفضة، كالياقوت ونحوه، فيها قولان للشافعي. وفي مذهب مالك قولان. * قال: وأجمعوا أن الحائض، وإن رأت الطُّهرَ، ما لم تغسل فرجها أو تتوضأ، فوطؤها حرام. قلت: أبو حنيفة يقول: إذا انقطع دمُها لأكثرِ الحيض، أومرَّ عليها وقتُ صلاةٍ جاز وطؤُها، وإن لم تغتسل ولم تتوضأ ولم تغسِل فرجَها . قال: واتفقوا أن الصلاةَ لا تَسقُطُ، ولا يَحِلُّ تأخيرُها عمداً عن وقتها، عن العاقل البالغ بعُذْرِ أصلاً، وأنها تُؤْذَّى على قَدْرِ طاقة المرء، من جلوس واضطجاع، بإيماءٍ وكيف أمكنه. قلت: النزاع معروفٌ في صُوَرِ: منها حالُ المسايفةِ (١)، فأبو حنيفةَ يوجب التأخيرَ، وأحمدُ في إحدى الروايتين يُجوِّزه، ومنها المحبوس في مصرٍ، ومنها عادِم الماء والتراب، فمذهب أبي حنيفة وأحدُ القولَين في مذهب مالك أنه لا يُصلِّي، رواه معنٌ عن مالك، وهو قول أصبغ، وحكي ذلك قولاً للشافعي وروايةً عن أحمد. وهؤلاء في الإعادة لهم قولان، هما روايتان في مذهب مالك وأحمد، والقضاءُ قولُ أبي حنيفة . (١) المسايفة: ((المجالدة، وتسايفوا: تضاربوا بالسيوف))، راجع: ((مختار الصحاح)) ص: (٢٤٢). ٢٨٩ * قال: واتفقوا على أن المرأةَ لا تَؤُمُّ الرجالَ، وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتُهم فاسدة بالإجماع. * قال: ورُوي عن أشهبَ: أن من ائتم بامرأة، وهو لا يدري، حتى خرج الوقتُ ثم علم، فصلاته تامّة، وكذا من ائتم بكافر، وهو لا يعلم أنه كافر. قلت: ائتمامُ الرجال الأميِّين بالمرأة القارئة، في قيام رمضانَ، يجوز في المشهور عن أحمد، وفي سائر التطوع روايتان. * قال: واتفقوا على أن وضعَ الرأس في الأرضِ والرّجلين في السجود فرضٌ. قلت: المنقولُ عن أبي حنيفةً: أنه لا يجب السجود إلا على الوجه، وهو قول الشافعي، وروايةٌ عن أحمد. ويقتضي هذا أنه لو سَجَد على يديه ووجهِه ورُكبتَيْهِ أَجْزَأَهُ. * قال: واتفقوا على أن الفِكرةَ في أمور الدنيا، لا تُفسِدُ الصلاة. قلت: إذا كانت هي الأغلبَ، ففيها نزاعٌ معروفٌ، والبُطْلان اختيار أبي عبدالله بن حامد وأبي حامد الغزّالي. * قال: واتفقوا على جواز الصلاة في كل مكان، ما لم يكن جوفَ الكعبة، أو الحجر، أو ظهرَ الكعبة، أو معاطنَ الإبل، أو مكاناً فيه نجاسة، أو حَمّاماً أو مقبرةً أو إِلى قَبْرِ أو عليه أو مكاناً مغصوباً، يَقدِرُ على مفارقته، أو مكاناً يُستهزَأَ فيه بالإسلام، أو مسجدَ الضرار، أو بلادَ ثمودَ، لمن لم يدخلها باكياً. قلت: الصلاةُ في المَجْزَرة والمَزْبَلَة وقارعةِ الطريق، لا تَصِحُّ في المشهور عند كثير من أصحاب أحمدَ، بل أكثرِهم. والصلاة في الحَشِّ(١) كذلك عند جمهورهم، وإن صلّى في مكان طاهر منه. (١) الحش: ((البستان، ومن ثم قيل: للمخرج؛ لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين)). راجع المصباح المنير: (١٣٧/١). ٢٩٠ * قال: واتفقوا أن صلاة العيدين، وكسوفِ الشمس، وقيامِ ليالي رمضان، ليست فرضاً. وكذلك التهجد على غير النبي وَل . قلت: العيدانِ فرضٌ على الكفاية في ظاهر مذهب أحمدَ، وحُكي عن أبي حنيفةَ: أنهما واجبانٍ على الأعيان، وعن عُبيدةَ السلماني: أن قيام الليل واجب كحلب شاةٍ، وهو قولٌ في مذهب أحمدَ . * قال: واتفقوا أن كلَّ صلاة ما عدا الصلواتِ الخمسَ، وعدا الجنائز، والوتر، وما نَذَره المرء ليست فرضاً. قلت: في وجوب رَكعتَي الطَّواف نزاعٌ معروف، وقد ذكر في وجوب المُعادة مع إمام الحي، وركعتي الفجر والكسوف. * قال: واتفقوا أن مَنْ أسقط الجَلْسَةَ الوُسْطَى، من صلاة الظهر والعصر والمغرب والعَتَمة ساهياً، أنّ عليه سجدتَي السَّهْوِ. قلت: الشافعيُّ لا يوجب سجودَ السهو. * قال: واتفقوا أنّ في كل مائتي دِرهم خمسةَ دراهمَ، ما لم يكن حُلِيَّ امرأة، أو حِلْيَة سَيْفٍ أو مِنْطقةً أو مُصحفاً أو خاتِماً. قلت: النزاع في كل حُليٍّ مُباحٍ، أو حُليِّ الخوذة والرانِ(١) وحمائل السيف، كالمِنْطقة، في مذهب أحمدَ وغيرِهِ. والذهب اليسير المتصل بالثوب، كالطُراز الذي لا يتجاوز أربعةً أصابعَ، مباحٌ في إحدى الروايتين عنه، وحِليةُ السلاح كله كحِلية السيف في إحدى الروايتين عنه وللعلماء نزاعٌ في غير ذلك من الحِلْيةِ. * قال: واتفقوا عن أنّ وقتَ الوقوف، ليس قبل الظهر، في التاسع من ذي الحَجَّةِ. قلت: أحد القولين - بل أشهرهما في مذهب أحمد -: أنه يجزئ (١) الران: كالخف إلا أنه لا قدم له وهو أطول من الخف. ٢٩١ الوقوفُ قبل الزوال، وإن أفاض قبل الزوال، لكن عليه دَمٌ، كما لو أفاض قبل الغروب. * وقال بَعْدَ أن ذكر من محظوراتِ الإحرام، اللباسَ والطيبَ والتَّغْطِيَةَ: واتفقوا أنه مَنْ فعل، مِنْ كل ما ذكرنا أنه يجتنبه في إحرامه، شيئاً عامداً أو ناسياً، أنه لا يبطُل حَجُّه ولا إحرامُه. * واتفقوا أن من جادل في الحج، فإنّ حجَّه لا يبطُل ولا إحرامه. واختلفوا فيمن قتل صيداً متعمّداً، فقال مجاهد: بَطَل حَجُّه وعليه الهَدْيُ. قلت: وقد اختار في كتابه ضِدَّ هذا. وأنكر على من ادّعى هذا الإجماعَ الذي حكاه هنا فقال: الجدال بالباطل وفي الباطل عمداً ذاكراً لإحرامه، مُبطِلٌ لإحرامه والحج، بقوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجْ﴾ [البقرة: الآية ١٩٧]، وقال: كل فسوق تعمّده المُحرِم ذاكراً، فقد أبطل إحرامه وحجَّه وعمرتَه لقوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: ومن عجائب الدنيا أن الآيةَ وردت كما تلونا، فأبطلوا الحجَّ بالرفث، ولم يبطلوه بالفسوق، وقال: كل من تعمّد معصيةً أيَّ معصية كانت، وهو ذاكر لحجهِ، منذ يُحرِمُ إلى أن يُتِمَّ طوافه بالبيت للإفاضة، ورَمْي جمرة العقبة، فقد بطّل حجُّه. قال: وأعجبُ شيء دعواهم الإجماعَ على هذا. قلت: الإجماع فيه أظهر منه في كثير مما ذكره في كتابه. * قال: واتفقوا أن كلَّ صدقةٍ واجبةٍ في الحج أو إطعام، أنه إن أدَّاه بمكةَ أجزأه، واختلفوا فيمن أدى ذلك في غير مكة، حاشا جزاءً الصيد، فإنهم اتفقوا أنه لا يجزئ إلا بمكةً. قلت: مذهب أبي حنيفةً ومالكِ، أنه يُجزىء الإطعامُ في جزاء الصيد في غير مكة. وكذلك عندهما تَفرِقَةُ اللّحم، تجزئ في غير الحَرَمِ، وإنما الواجبُ في الحرم عندهما إراقةُ الدمَ،َ بِخلافِ الشافعي وأحمَدَ ومَنْ وافقهما، فإنما أوجبوا ذبحه في الحرم، وأوجبوا تفرقته ٢٩٢ في الحرم. وكذلك الصدقةُ تقوم مَقام ذلك. * قال: واتفقوا أن مِنْ يوم النَّحر - وهو العاشر من ذي الحِجَّةِ - إلى انسلاخ ذي الحِجَّةِ، وقتا لَطوافِ الإفاضة، ولِمَا بقيَ من سُنَنِ الحج. قلت: إنْ أخّره عن أيام مِنى، جاز في مذهب الشافعي وأحمدَ والليثِ والأوزاعيِّ وأبي يوسفَ وغيرِهم، وهكذا نُقِلَ عن مالك. وقال أبو حنيفةً وزفرُ والثوريَّ في روايةٍ: إن أخره إلى ثالث أيام التشريق، لَزِمَه دمّ - وهو قول مُخرَّج في مذهب أحمدَ - وإنْ أخره إلى المُحرَّم، فلا شيءَ عليه إلا عند مالك، فإنه عليه دمّ. ولفظ المدوَّنة: إذا جاوز أيامَ مِنى، وتطاول ذلك لَزِمه، ولم يوقت فيه، وأما رميُ الجمار، فلا يجوز بعد أيام التشريق، لا نزاع نعلمه، بل على من تركها دمٌ، ولا يُجزِئُ رميها بعد ذلك. * قال: واتفقوا على أن إيجابَ الهدىٍ فرض على المُحصِر. قلت: قد نقلَ غيرُ واحد عن مالك، أنه لا يجب الهدي على المُحصرِ، وهو المشهور من مذهب مالك. * قال: واتفقوا على أن من حَلَف لخصمِه، دون أن يُحلِّفه حاكمٌ، أو من حَكماه على أنفسهما، أنه لا يبرَأ بتلك اليمينِ من الطلب. قلت: قد نصّ أحمدُ على أنه إذا رَضِيَ بيمينِ خَصْمِه فَحَلَفَ له، لم يكن له مطالبتُه باليمين بعد ذلك. * قال: وأجمعوا على أنَّ كلَّ مَنْ لَزِمه حقٍّ في ماله أو ذِمَّتهِ لأحدٍ، فُرِضَ عليه أداءُ الحق إلى من هو له عليه، إذا أمكنه ذلك، وبقي له بعد ذلك ما يعيش به أياماً، هو ومَنْ تَلْزَمُه نفقتُه. قلت: مذهبُ أحمدَ أنه يَتْركُ له من ماله ما تدعو إليه الحاجةُ، من مَسْكَنٍ وخادم وثياب، وكذلك قال إسحاق. فظاهرُ مذهب أحمدَ أيضاً، أنه إذا لم تكن له صَنْعةٌ، يُثْرَكُ له ما يَتَّجِرُ به لقوتِه وقوتٍ ٢٩٣ عِياله، وإن كان ذا حِرْفَةٍ، تُرِكَ له آلةُ حِرْفتِهِ، وقد نَقَلَ عنه عبدالله ابنُه أنه قال: يُباع عليه كلُّ شيء، إلا المسكنَ وما يوارِيه من ثيابه، والخادِمَ إنْ كان شيخاً كبيراً أو زَمِناً وبه حاجةٌ إليه، فلم يَستثنِ ما يكتسب به لقولِ الأكثرين. * قال: وأجمعوا أن المملوكةَ، لا يُجبَرُ سيّدُها على إنكاحها، ولا على أن يطأها، وإن طلبت هي ذلك، ولا على بيعها، من أجل منعه لها الوطءَ والإنكاحَ. قلت: مذهبُ أحمدَ، المنصوصُ المعروفُ من مذهبه: أن الأَمَةَ إذا طلبت الإنكاح، فإن سيّدَها يستمتع بها، وإلا لَزِمه إجابتُها، وكذلك إذا كانت ممن لا تَحِلُّ له، وكذلك مذهبه في العبد. ومذهب الشافعي - إذا كانت ممن لا تَحِلُ له، فهل يلزمه إجابتُها - على وجهين. * قال: واتفقوا أن التعريضَ للمرأة، وهي في العِدَّةِ حلال، إذا كانت العِدة في غيرِ رَجْعية، أو كانت من وفاة. قلت: في المُعتَدَّةِ البائنةِ بالثلاث، أو بما دون الثلاثِ، كالمُختلِعة، ثلاثةُ أوجُهِ في مذهب أحمدَ، وقولان للشافعي أحدُهما: يجوز التعريض بخطبتها، وهو قولُ مالك وأحدُ قولَي الشافعي، والثاني: لا يجوز، والثالث: يجوز في المعتَدّة بالثلاث؛ لأنها مُحرَّمة على زوجها، وكذلك كلُّ محرَّمة، ولا يجوز في المعتّدة بما دون ذلك، لإمكان عَوْدِها إليه، وهو أحدُ قولَي الشافعيِّ. * قال: واتفقوا أنّ الطلاقَ إلى أجل أو بصفة، واقعٌ إِنْ وافقَ وقتَ طلاقٍ، ثم اختلفوا في وقتٍ وقوعه، فمن قائل الآنَ، ومن قائل هو إلى أجله، واتفقوا أنه إذا كان ذلك الأجلُ في وقتٍ طلاق، أن الطلاقَ قد وقع. * قال: واختلفوا في الطلاق إذا خرج مَخْرَجَ اليمينِ، أيلزَمُ أم لا؟ * قال: واتفقوا على أن ألفاظَ الطلاق طلاقٌ، وما تصرف من ٢٩٤ هِجائه، مما يُفْهَمُ معناه، والبائنُ والبنَّةُ والخَلِيَّةُ والبرِيَّةُ، وأنه إن نوى بشيء من هذا الألفاظِ طَلْقةً، واحدةٌ سُنِيَةٌ، لَزِمَتْه كما قدّمنا. * قال: ولا نعلم خلافاً، في أنّ من طلّق ولم يُشْهِذْ، أن الطلاق لازمٌ، ولكنا لسنا نقطّعُ على أنه إجماع. قلت: فقد ذكر فيما إذا كان قصدُه الحَلِفَ بالطلاق، أيلزم أم لا؟ قولان، وذكر أن المؤجَّلَ والمعلَّقَ بصفةٍ - يعني إذا لم يكن في معنى اليمين - أنه يقع بالاتفاق. وقد اختار في كتابه الكبيرِ في الفقه، شرح المُحلَّى خلافَ هذا، وأنكر على من ادّعى الإجماعَ في ذلك، وكذلك اختار أن الطلاق بالكناية لا يقع، ولا يقع إلا بلفظِ الطلاق. وهذان قولُ الرافضة، وكذلك قولُهم: إن الطلاق لا يقع إلا بالإشهاد. وقد أنكر في كتابه مَنِ ادّعى إجماعاً في هذا، وهذا، وهذا، كما هو عادته في أمثال ذلك، مع أنه قد ذكر هنا فيه الإجماعَ الذي اشترط فيه الشروطَ المتقدمة، ومعلومٌ أن الإجماعَ على هذا، من أظهر ما يدّعي فيه الإجماع، لكن هو في غير موضع يخالف ما هو إجماع عند عامة العلماءِ، ويُنكر أنه إجماع، كدعواه وجوبَ الضجعة بعد ركعتي الفجر، وبطلانَ صلاةٍ مَنْ لم يركعهما، ودعواه وجوبَ الدعاء في التشهد الأولِ بقوله: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فِتْنَةِ المَخْيَا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال))(١)، ونحو ذلك مما يعلم فيه الإجماع، أظهر مما يعلم في أكثرٍ ما حكاه؛ بل إذا قال القائل: إن الأُمَّةَ أجمعت أن الدعاء لا يُشرَعُ في التشهد الأولِ، كان هذا من الإجماعات المقبولة، فضلاً عن أن يقول أحدٌ: إن هذا الدعاءَ واجب فيه، وإنَّ صلاةَ مَنْ لم يَدْعُ فيه باطلة، وإنما (١) أخرجه البخاري (٨٠) كتاب الدعوات (٣٧) باب التعوذ من عذاب القبر حديث رقم: (٦٣٦٥). ٢٩٥ النزاعُ في وجوبه في التشهد الذي يُسلِّم فيه، وكان طاووس يأمر من لم يدعُ به بالإعادة، وذُكِرَ ذلك وجهاً في مذهب أحمدَ. · قال: واتفقوا أنّ عِدّةَ الحُرةِ المسلمةِ المطلَّقةِ، التي ليست حاملاً ولا مستريبة، وهي لم تَحِضْ أو لا تَحيضُ، إلا أنّ البلوغَ مُتَوَهَّمٌ منها، ثلاثةُ أشهرٍ متصلةً. قلت: مَنْ بلغتْ مِنْ سِنُ المحيض ولم تَحِضْ، ففيها - عند أحمدَ - روايتان، أشهرهما عند أصحابه: أنها تعتَدُّ عِدّةً المستريبة تِسعةً أشهرٍ، ثم ثلاثةَ أشهرٍ، كالتي ارتفع حيضُها لا تَدْري ما رَفَعَهُ. * قال: واتفقوا على أنّ استقراضَ ما عدا الحيوانَ جائزٌ، واختلفوا في جواز استقراضٍ الرقيقِ والجواري والحيوان. قلت: الاتفاقُ إنما هو في قَرْضِ المِثْليّاتِ المكيلِ والموزونِ، وأما ما سوى ذلك، فأبو حنيفة لا يُجوِّز قَرْضَه، لأن مُوجَبَ القرض المِثْلُ، ولا مِثْلَ له عنده، فالنزاع فيه كالنزاع في الحيوان. * قال: واتفقوا أن الوصيّةَ بالمعاصي لا تجوز، وأنّ الوصيةَ بالبِرِ، وبما ليس بِرِ ولا معصيةٍ، ولا تضييعاً للمال جائزةٌ. قلت: الوصيّةُ بما ليس بِرِّ ولا معصيةٍ، والوَقْفُ على ذلك، فيه قولان في مذهب أحمدَ وغيرِهِ، والصحيح أن ذلك لا يَصِحُ، فإن الإنسان لا ينتفع ببَذْلِ المال بعد الموت، إلا أنْ يَصرِفَه إلى طاعة الله، وإلا فبذلُه بما ليس بطاعة ولا معصية، لا ينفعه بعد الموت، بخلاف صَرْفِه في الحياة في المباحات، كالأكل والشرب واللباس، فإنه ينتفع بذلك. * وقال في الجِزْيَةِ: واتفقوا على أنه إنْ أعطى - يعني من يُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ عن نفسه وحدها - أربعةً مثاقيلَ ذهبٍ في كل عام، على أن يلتزموا ما ذكره من شروط الذِّمة، فقد حَرُمَ دَمُ مَنْ وفّى بذلك وماله وأهله وظلمه . ٢٩٦ قلت: للعلماء في الجزية، هل هي مُقَدَّرةٌ بالشرع، أو باجتهاد الإمام أنْ يزيد على أربعة دنانيرَ؟ وهذه إحدى الروايتين عن أحمدَ، هي مذهبُ عطاء والثوريٍّ ومحمدِ بْنِ الحسن وأبي عُبَيْدِ وغيرِهم. * قال: واتفقوا أنه لا يُنَفَّلُ مَنْ ساق مَغْنَماً أكثرَ مِنْ رُبُعِه في الدخول، ولا أكثرَ من ثُلُثِهِ في الخروج. قلت: في جواز تَنْفيلِ ما زاد على ذلك، إذا اشترطه الإمام، مثلُ أنْ يقولَ: مَنْ فعل كذا، فَله نِصْفُ ما يَغْنَمُ وفلان، هما روايتان عن أحمدَ. وأما تَنفيلُ الزيادة بلا شرط، فلا أعلم فيه نزاعاً، ويمكن أن يُحملَ كلام أبي محمدٍ ابنِ حزم على هذا، فلا يكون فيما ذكره نزاعٌ. * قال: واتفقوا أنّ الحرَّ البالغَ العاقلَ، الذي ليس بسكرانَ، إذا أمّن أهلَ الكتاب الحربيين، على أداء الجِزية على الشروط التي قدّمنا، أو على الجلاء، أو أمَّن سائرَ الكفار على الجلاء، بأنفسهم وعيالهم وذَراريهم، وتَركِ بلادهم، واللَّحاقِ بأرض حَرْبٍ أُخرَى، لا بأرضٍ ذِمّةٍ، ولا بأرضٍ إسلام، أنّ ذلك لازمٌ لأميرٍ المؤمنين، ولجميع المسلمین حیثُ كانوا. قلت: ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ: أنه لا يَصِحُّ عَقْدُ الذِمةِ، إلا من الإمام أو نائبه، وهذا هو المشهورُ عند أصحاب أحمدَ، وفيه وجهٌ في المذهبين، أنها تَصِحُّ من كل مسلم، كما ذكره ابنُ حزم. * قال: واتفقوا أنّ أولادَ أهلِ الجِزْيةِ، ومَنْ تناسل منهم، فإن الحكمَ الذي عقَده أجدادُهم، وإنْ بَعُدوا، جارٍ على هؤلاءِ، لا يحتاج إلى تَجديده مع من حدث منهم. قلت: هذا هو قولُ الجمهور، ولأصحابِ الشافعيِّ وجهان: أحدهما: يُستأنَفُ له العقدُ، وهذا منصوصُ الشافعيِّ، والثاني: لا يحتاج إلى استئنافٍ عَقْدٍ، کقول الجمهور. * قال: واتفقوا على أنه لا يجوز أن يكونَ على المسلمين، في ٢٩٧ وقتٍ واحدٍ، في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان ولا مفترقان، لا في مکانین، ولا في مكان واحد. قلت: النزاعُ في ذلك معروفٌ بين المتكلمين في هذه المسألة، كأهل الكلام والنظر، فمذهبُ الكرّامية وغيرِهم جوازُ ذلك، وأنّ علياً كان إماماً، ومعاوية كان إماماً. وأما أئمةُ الفقهاء، فمذهبُهم أن كلاً منهما يَنْفُذُ حكمُه في أهلِ ولايته، كما يَنفُذُ حكمُ الإمام الواحد. وأما جوازُ العقد لهما ابتداءً، فهذا لا يُفْعَلُ مع اتفاق الأمة، وأما مع تَفرقتها، فلم يَعْقِدْ كلٍّ من الطائفتين لإمامين، ولكن كلُّ طائفة إمّا أنْ تسالمَ الأخرى، وإما أنْ تحاربَها، والمسالمة خير من محاربةٍ يَزِيدُ ضررُها على ضرر المسالمة، وهذا مما تختلف فيه الآراء والأهواء. * قال: واتفقوا أنه إذا كان الإمام من ولد علي وكان عَذلاً، ولم تتقدّمْ بيعتَه بيعةٌ أُخرى لإنسان حيٍّ، وقام عليه من هو دونه، أنّ قتالَ الآخرِ واجبٌ. قلت: ليس للأئمة في هذه بعينها كلامٌ يُنقَلُ عنهم، ولا وقعَ هذا في الإسلام، إلا أنْ يكونَ في قِصّة عليّ ومعاويةً. ومعلومٌ أن أكثرَ علماء الصحابة، لم يَرَوْا القتالَ مع واحد منهما وهو قولُ جمهورِ أهل السنة والحديث، وجمهورٍ أهل المدينة والبصرة. وكثيرٍ من أهل الشام ومصرَ والكوفةِ وغيرهِم من السلف والخَلفِ. * وقد قال: إنما أدخلنا هذا الاتفاقَ على جوازه لخلافٍ الزيدية، هل تجوز إمامةُ غَيْرِ عَلَوِيٍّ أم لا؟ وإن كنا مخطئين لهم في ذلك، ومعتقدين صِحّةً بُطلانِ هذا القول، وأنّ الإمامةَ لا تتعدى فِهْرَ بنَ مالك، وأنها جائزة في جميع أفخاذهم، ولكن لم يكنْ بُدٌّ في صفة الإجماع الجاري عند الكل مما ذكرنا. قلت: قد ذكر هو أنه لا يَذكُرُ إلا خلافَ أهل الفقه والحديث، دون المعتزلة والخوارج والرافضة ونحوهم، فلا معنى لإدخال الزيدية في الخلاف، وفتح هذا الباب، فقد ذكر في كتابه: ((المِلَلِ والنّحَلِ)) ٢٩٨ نزاعاً في ذلك، وأن طائفة ادّعتْ النصَّ على العباس، وطائفةً اذّعت النص على عمرَ. * قال: واتفقوا أنّ مَنْ خالف الإجماعَ المُتيقّنَ، بعد علمِه بأنه إجماع، فإنه كافر. قلت: في ذلك نزاعٌ مشهور بين الفقهاء. * قال: واتفقوا أنّ السَّمْنَ إذا وقع فيه فأرٌ أو فأرةٌ، فماتَ أو ماتتْ، وهو مائع، أنه لا يُؤْكَلُ. قلت: هذا فيه نزاع معروف، فمذهبُ طائفةٍ أنه يُلْقَى وما قَرُبَ منها ويُؤكّل، سواءً كان جامداً أو مائعاً. قال البخاريُّ في صحيحه (باب إذا وقعتِ الفأرةُ في السَّمْنِ الجامدِ أو الذائب): حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري أخبرني عبيدُ الله بنُ عتبةَ، أنّه سَمِع ابنَ عباس يُحدِّثُ عن ميمونةَ، أنّ فأرةً وقعتْ في سَمْنٍ، فماتت، فسئل النبيُّ وَّ عنها فقال: ((أَلْقُوها وما حولَها وكُلُوه»، قيّل لسفيانَ: فإنْ مَعْمَراً يُحدِّثه عن الزهري عن سعيد بنِ المسيِّبِ عن أبي هريرةَ قال: سمعتُ الزهريَّ يقوله عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ◌َّ، ولقد سمعته منه مراراً (١). حدثنا عبدالرزاق حدثنا عبدالله - يعني ابنَ المبارك - عن يونسَ، عن الزهري، عن الدابّة تموت في الزَّيْت والسمن، وهو جامد أو غيرُ جامدٍ، الفأرةِ أو غيرِها. قال: بلغَنا أنّ رسولَ الله وَله، أمر بفأرة ماتتْ في سمن، فأمر بما قَرُبَ فطُرِحَ، ثم أكل، عن حديث عبيد الله بن عبدالله(٢). (١) أخرجه البخاري في (٧٢) كتاب الذبائح والصيد (٣٤) باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد حديث رقم (٥٥٣٨). (٢) أخرجه البخاري رقم: (٥٥٣٩). ٢٩٩ ثم رواه من طريق مالك، كما رواه من طريق ابن عيينة. وهذا الحديث رواه عن الزهري كما رواه ابن عيينة بسنده ولفظه. وأما مَعْمَرُ، فاضْطَرَب فيه في سنده ولفظه، فرواه تارَةً عن ابن المسيب، عن أبي هريرة وقال فيه: إن كان جامداً فألقُوها وما حولَها، وإن كان مائعاً فلا تَقْرَبوه؛ وقيل عنه: وإن كان مائعاً فاستصبحوا به. واضْطُرِبَ عن معمر فيه، وظنّ طائفةٌ من العلماء أنّ حديثَ معمر محفوظ، فعَمِلُوا به، وممن ثبّتَه محمدُ بنُ يحيى الذهليُّ، فيما جمعه من حديث الزهري؛ وأما البخاريُّ والتّرمِذِي وغيرُهما، فعلّلوا حديثَ معمر وبينوا غَلَطَهُ، والصوابُ معهم. فذكر البخاري هنا عن ابنِ عُيَيْنَةَ أنه قال: سمعتُه من الزهري مراراً، لا يرويه إلا عن عبيد الله بن عبدالله، وليس في لفظه إلا قولُه: ((ألقُوها وما حولَها وكلوه))، وكذلك رواه مالك وغيرُه. وذكر من حديثٍ يونسَ، أنّ الزهريَّ سُئل عن الدابّة تموتُ في السمن الجامد وغيرِ الجامد، فأفتى بأنّ النبيَّ وَلّ أمر بفأرة ماتت في سَمن، فأمر بما قَرُبَ منها فطُرِحَ. فهذه فُتْيا الزهريّ في الجامد وغيرِ الجامد. فيكف يكون قد رُوي في هذا الحديثِ استواءُ حكم النوعين بالحديث، ورواه بالمعنى فقال: وأمر أن يُطْرَحَ وما قَرُبَ منها. وروى صالحُ بنُ أحمدَ، في مسائله عن أحمدَ قال: حدثنا أبي حدثنا إسماعيلُ حدثنا عُمارةُ بنُ أبي حفصةَ، عن عِكْرِمةَ أنّ ابنَ عباس، سُئل عن فأرة ماتتْ في سَمْنٍ قَال: تُؤْخَذُ الفأرةُ وماَ حولَها. قلت: يا مولايَ فإنّ أثرَها كان في السمن كلِّه قال: عضَضْتَ بِهَنِ أبيكِ، إنما كان أثرُها في السمن وهي حَيّةٌ، وإنما ماتتْ حيثُ وُجِدَتْ. ثم قال: حدثنا أبي حدثنا وَكيعٌ حدثنا عن النضر بن عربي عن عِكرمَةَ قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباس، فسأله عن جَرٍّ فيه زيت، وقع فيه جَرْوٌ، فقال: خُذْه وما حولَه فَأَلْقِه وكُلْهُ، ورُوِيَ نحوُ ذلك عن ابن مسعود - وهو إحدى الروايتين عن أحمدَ، وإحدى الروايتين عن ٣٠٠