النص المفهرس
صفحات 401-420
لأنه ليس بحكم شرعي.
الشيئين فلا ينفعل إلى في محله وهو الفرع والأصل وشرط كونه حكما شرعيًّا؛ لأن الكلام
في القياس على الأصول الثابتة شرعا وبمثل هذا القياس/ لا يعرف إلى حكم الشرع؛ إذ الطب
واللغة لا يعرف بمثل هذا القياس(١).
٦١/ز
قوله: (لأنه ليس بحكم شرعي) يعني أن اسم الزنا ليس بحكم شرعي وإنما هو من الأسماء
والمرجع في معرفة ذلك الأوضاع. فإن قيل: إنما لم يستقم التعليل أو لو بقي الزنا اسما إثبات
الاسم الشرعي بالتعليل الذي هو أمر شرعي كما استقام إثبات الاسم اللغوي بالاستعارة التي
هي من باب اللغة قلنا: إن الزنا اسم لغوي كالقتل؛ لأنه لا يتوقف معرفته على ورود الشرع
ولئن صار شرعيا(٢) فلا يلزم منه أن يستقيم إثباته بالتعليل كالسبب والشرط والحكم فإن
كان(٣) منها أمر شرعي مع أنه امتنع إثباته بالتعليل وذلك لأن التعليل ما شرع إلا لتعدية الحكم
فقط، وإنما يثبت الاسم الشرعي بالتوقيف والسماع كاللغوي (٤).
(١) هذه شروط ستة لا خمسة كما ذكر المصنف، والسادس مضافا إلى الخمسة المذكورة مستنبطًا من
نص النسفي: وهو أن يكون الحكم ثابتًا بالنص؛ إذ لو كان الآخر لا يجوز القياس عليه كما فعل
بعض الشافعية: قاس السفرجل على التفاح في كونه ربويًّا بعلة الطعم ثم قاس التفاح على البر بعلة
الطعم أيضا، فإنه يمكن قياس السفرجل على البر بعلة الطعم فلا يحتاج إلى القياس الآخر. ذكره
ابن ملك ص٧٧١.
(٢) في (أ، ب) شرعًا.
(٣) في أ، ب كلا.
(٤) لما بين المصنف الشروط فرع عليها أحكامها وهذا متفرع على الشرط الثاني من الشروط الستة،
قال أبو حنيفة في اللواطة إنها لا توجب الحد؛ لأنها ليست بزنا واشتغال الخصوم بتعليل نص الزنا
لتعدية الحكم أو إثبات المساواة بينه وبين اللواطة يكون فاسدًا لأن طريق معرفة الاسم النظر في
موضوعات أهل اللغة لا الأقسية الشريعة. فإن قيل اعتبار المعنى لإثبات المساواة في الاسم لغة لا
شرعا فالزنا عند أهل اللغة اسم لفعل فيه اقتضاء الشهوة على قصد سفح الماء دون النسل، ولهذا
سموه سفاحا وسموا النكاح إحصانا واللواطة مثل الزنا في هذا المعنى من كل وجه. قلنا: هذا
فاصد لأن الأسماء الموضوعة للأعيان أو الأشخاص عند أهل اللغة المقصود بها تعريف المسمى
وإحضاره بذلك الاسم لا تحقق ذلك الوصف في المسمى بمنزلة الأسماء الموضوعة للرجال والنساء
كزيد وبكر وعمر وما أشبهه، فكذلك أسماء الأفعال كالزنا واللواطة وأسماء الأعيان كالخمر.
أصول السرخسي ١٥٦/٢، ١٥٧.
- ٤٠١ -
ولا لصحة ظهار الذمي؛ لأنه تغيير للحرمة المتناهية بالكفارة في الأصل إلى إطلاقها
في الفرع عن الغاية.
ولا لتعدية الحكم من الناسي في الفطر إلى المكره والخاطئ؛ لأن عذرهما دون عذره،
قوله: (ولا لصحة ظهار الذمي) أن يقول صح طلاقه فيصح ظهاره كالمسلم لأنه تغيير
للحرمة المتناهية بالكفارة في الأصل، أي المسلم إلى إطلاقها في الفرع، أي إطلاق الحرمة في
الذمي لأنه ليس بأهل للكفارة لأن فيها معنى العبادة والذمي ليس من أهل العبادة فيصير
الحرمة المقيدة في الأصل مطلقة في الفرع بالتعليل فلا يكون المعدي(١) عين حكم النص بل
غيره فلا يجوز.
فإن قيل: إن الإطلاق والتقييد صفتا الحكم وصفة حكم الأصل غير معتبرة في الفرع فإن
الحكم في الأصل قد يكون قطعيا ومحال أن يثبت في الفرع كذلك قلنا في إطلاق الحرمة
إثبات أمر زائد بالتعليل ابتداء وهو الدوام وأنه لا يجوز ولأنه يقتضي صيرورة الأصل تبعًا
والتبع أصلا ومثل هذا يبطل القياس وذلك لأن الحرمة المؤقتة بمنزلة البعض من المؤبدة والبعض
بيع للكل بخلاف فوات صفة القطع من الفرع فإنه لا يغير حكم الأصل بل ذلك شرط صحة
القياس؛ إذ الفرع لا بد وأن يكون أدنى مرتبة من الأصل، ولأن إثبات صفة القطع بالتعليل
الذي هو محتمل محال فلم يعتبر ذلك للضرورة(٢).
٨٧/ب
قوله: (ولا لتعدية الحكم من الناسي في الفطر إلى الخاطئ والمكره) بأن يقول الخصم لما
صار الناسي معذورا مع أنه عامد في نفس الفعل عالم به غير أنه/ جاهل بالصوم فلأن تعذر(٣)
المكره والخاطئ وهما ليسا بعامدين في نفس الفعل أولى؛ لأنا نقول عذرهما دون عذره لأن
الخاطئ لا يخلو عن ضرب تقصير من جهته بترك المبالغة في الحفظ ألا يُرَى أنه تجب (٤) عليه
(١) في (أ، ب) المتعدي.
(٢) هذا متفرع على الشرط الذي يقول: أن يكون المتعدي بعينه من غير تغيير، بيانه: أن ظهار الذمي
لا يصح عندنا حتى إنه لا يحرم الوطء، وعند الشافعي رحمه الله يصح ظهاره فيحرمه وعلل بأن
حكمه حرمة الوطء، والكافر أهل لها فيصح ظهاره كما يصح طلاقه قياسا على المسلم. انظر:
شرح ابن ملك ص٧٧٣.
(٣) في (أ) يعذر بالمثناة التحتية.
(٤) في (أ) يجب.
- ٤٠٢ -
ولا لشرط الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار؛ لأنه تعدية إلى ما فيه نص بتغييره.
الكفارة والدية ويأثم، وعذر المكره باعتبار صنع هو مضاف إلى العباد والنسيان مضاف إلى
من له الحق فصار كالمريض والمقيد إذا صليا قاعدين ثم قدرا على القيام فإن المقيد يعيد
ويقضي(١) بحسب الوقت وخروجه والمريض لا يعيد ولا يقضي.
فإن قيل: قد عدَّيتم حرمة المصاهرة من الحلال إلى الحرام وليس بنظيره في إثبات الكرامة
قلنا: ما عدينا من الحلال إلى الحرام؛ لأن الأصل في ثبوت الحرمة ليس هو الوطء، بل الأصل
في هو الولد المستحق [الكرامة البشر](٢) ثم يتعدى ذلك إلى أبويه كأنهما صارا شخصا
واحدا فصار آباؤه وأبناؤه كآبائها وأبنائها وأمهاتها وبناتها مثل أمهاته وبناته ثم يقام ما هو سببه
وهو الوطء مقامه لإثباته هذه الحرمة، ويستوي في ذلك الوطء الحلال والحرام(٣).
قوله: (ولا لشرط الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار)، وهو أن يقال: إنه تحرير في تكفير
فكان الإيمان من شرطه ككفارة القتل؛ لأنا نقول: إنه تعدية إلى ما فيه نص بتغييره(٤)؛ لأن
النص المطلق وهو قوله - تعالى -: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾(٥) فتحرير رقبة يقتضي جواز إعتاق
الرقبة الكافرة في كفارة اليمين والظهار وبالتعليل يصير مقيدا فلا يجوز وهذا إذا كان التعليل
مخالفا للنص أما إذا كان موافقا فكذلك؛ لأنه حينئذ يكون لغوا من الكلام لأن النص يغني
عن التعليل فلا يجوز الاشتغال بما لا فائدة فيه(٦).
(١) في (أ،ب) أو يقضي.
(٢) في (أ) لكرامات البشرية وفي (ب) لكرامات البشر.
(٣) هذا متفرع على الشرط الذي نصه: أن يكون الفرع نظير الأصل في العلة والحكم . كشف
الأسرار للبخاري ٣٢٠/٣، وشرح ابن ملك صـ ٧٧٥،٧٧٤، وأصول السرخسي ١٦٢/٢ وما
بعدها .
(٤) في (أ،ب) بتغيير .
(٥) من الآية ٨٩ سورة المائدة .
(٦) هذا متفرع على الشرط الذي يقول: أن لا يكون في الفرع نص، وقول الشارح وهو أن يقال: إنه
تحرير في تكفير فكان الإيمان من شرطه ككفارة القتل من كلام الإمام الشافعي رحمه اللَّه يقول
ذلك معللا اشتراطه الإيمان في كفارة اليمين والظهار . ينظر شرح ابن ملك ص ٧٧٥.
- ٤٠٣ -
والشرط الرابع: أن يبقى حكم النص بعد التعليل على ما كان قبله.
وإنما خصصنا القليل من قوله {وَل: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء»؛ لأن
قوله: (والشرط الرابع أن يبقى حكم النص بعد التعليل على ما كان)(١)؛ لأن القياس لا
یعارض النص فلا یتغیر به حکمه فإن قيل: القیاس لا یصح إلا بعد تغیر حکم النص فإن حكم
النص قبل التعليل خاص وبعد التعليل يصير عاما فكيف استقام اشتراطه؟ قلنا(٢): معناه أن
[ لا يتغير](٣) بعد التعليل ما هو المفهوم من النص قبل التعليل كتعليل الشافعي في قوله - تعالى
-: ﴿فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ﴾ (٤) فإنه علل الإطعام بالتمليك والإطعام لغة جعل
الغير طاعما(٥) [وكان يفهم هذا](٦) من النص قبل التعليل، وهو قد يكون بالإباحة فلما علله
بالتمليك تغير بعد التعليل ما هو المفهوم من النص قبله حيث لا يخرج المكفر عن عهدة/
الكفارة بالإباحة وهذا باطل؛ لأنه لما ثبت أنه لا يجوز التعليل على وجه يتغير حكم الأصل في
الفرع كما ذكرنا في ظهار الذمي فلأن لا يجوز على وجه يتغير حكم النص في عين
المنصوص عليه كان أولى.
١/٦٤
قوله: (وإنما خصصنا القليل) جواب عما قال الشافعي أنتم غيرتم حكم النص بالتعليل في
مسألة الربا فإن قوله {و ◌َلّ: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام)) (٧) يعم القليل والكثير وقد خصصتم منه
القليل بالتعليل، فقد وقعتم في الذي أبيتم قلنا: ما خصصنا القليل بالتعليل، بل بدلالة النص .
وهذا لأنه استثنى المساواة وهى حال، واستثناء الحال من العين باطل فدل على أن الصدر عام
في الأحوال وهي المساواة والمفاضلة والمجازفة، ولن تثبت(٨) هذه الأحوال إلا في الكثير؛ لأن
(١) يعني أنه الشرط الرابع من الشروط الأربعة وصرح أنه الرابع ليمتاز عن الشروط المتضمنة في ضمن
الشرط الثالث وإلا فهو الشرط التاسع من شروط حكم الأصل . حاشية الرهاوي ص٧٧٥ .
(٢) في (أ،ب) قيل.
(٣) في (أ) أن يغير .
(٤) من الآية ٨٩ سورة المائدة.
(٥) في (أ) وكان هذا يفهم ..
(٦) الاعتراض والجواب عليه مذكور بنصه في شرح ابن ملك ص٧٧٦ .
(٧) الحديث سبق تخريجه .
(٨) في(أ) يثبت.
- ٤٠٤ -
استثناء حالة التساوي دل على عموم صدره في الأحوال، ولن يثبت ذلك إلا في الكثير
فصار التغيير بالنص مصاحبا للتعليل لا به.
وإنما سقط حق الفقير في الصورة بالنص لا بالتعليل؛ لأنه - تعالى - وعد أرزاق الفقراء
٨٩/ب
المساواة لا تتحقق(١) إلا عند وجود المسوي وهو الكيل، وكذلك(٢) المفاضلة لأنها زيادة على
أحد المتساويين فلا تتحقق(٣) إلا عند تحقق المساواة وأما المجازفة فإنما تحرم/ لاحتمال فضل
أحد العوضين على الآخر، والفضل لا يتحقق إلا في المقدر، وإذا ثبت أن الأحوال الثلاثة لا
تتحقق (٤) إلا في الكثير عرف أن صدر الكلام لم يتعرض للقليل فكان تخصيص القليل
بدلالة الاستثناء على الأحوال التي يتأتى في الكثير فصار تغيير حكم النص بالنص الذي هو
مصاحب للتعليل لا بالتعليل(٥).
٦٢/ز
قوله: (وإنما سقط حق الفقير) جواب/ عما يقال إن النص وهو قوله وَّ: ((في خمس من
الإبل السائمة شاة))(٦) أوجب الشاة بصورتها ومعناها وقد أسقطتم الحق عن صورتها
بالتعليل(٧) فنقول ما أسقطنا بالتعليل شيئا من حق الفقير، وإنما سقط ذلك باقتضاء النص،
بيان ذلك أن اللَّه - تعالى - وعد كفاية الفقراء بقوله - تعالى -: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى
اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٨) والرزق كفاية الفقير وهو كريم لا يخلف وعده، ثم أوجب مالا مسمى
كالشاة والإبل وغير ذلك على الأغنياء لنفسه لا للفقير؛ لأن الواجب هي الزكاة وهي عبادة
قال وُّلة: ((أما العبادة فالصيام والقيام والصلاة والصدقة النافلة بعد الزكاة))(٩)، ومثل هذا
الكلام لترجيح المذكور آخرا على المذكور أولا في الصفة السابقة، كما يقال: العالم في البلد
(١) في (أ) يتحقق.
(٢) في (أ) وكذا.
(٣) في (أ) يتحقق.
(٤) في أ يتحقق .
(٥) انظر: أصول السرخسي ١٦٨/٢ وما بعدها .
(٦) الحديث سبق تخريجه ..
(٧) حيث قال الحنفية بجواز القيمة وهذا تغيير حكم النص .
(٨) من الآية ٦ من سورة هود .
(٩) الحديث لم يثبت عن رسول اللّه ◌َ﴿. ولم أجده في شيء من كتب السنة.
- ٤٠٥ -
ثم أوجب مالاً مسمى على الأغنياء لنفسه، ثم أمر بإنجاز المواعيد من ذلك المسمى وذلك
لا يحتمله مع اختلاف المواعيد فكان إذنًا بالاستبدال.
زيد وعمرو بعد خالد فإنه يفهم من هذا كون خالد أعلم منهما، والعبادة لا يستحقها أحدٌ إلا
اللَّه - تعالى - ثم أمر بإنجاز المواعيد من ذلك المسمى بقوله - تعالى -: ﴿وَءَانُواْ الزَّكَوَةَ﴾(١)
والمسمى لا يحتمل الإيجاز (٢) مع اختلاف المواعيد؛ لأن حوائج الفقير مختلفة لاحتياجه إلى
الطعام واللباس وغير ذلك فكان إذنا بالاستبدال كرجل له على آخر كر حنطة ولآخر على
[رب الدين](٣) عشرة دراهم فأمر من له الحنطة لمن عليه الحنطة بقضاء حق صاحب العشرة
من الحنطة فأدى صاحب العشرة عشرة دراهم برضاه وقبله يجوز ويسقط حق صاحب
الحنطة عن الحنطة كذا ذكره الشيخ رضُته في شرح الإخسيكتي(٤).
فإن قيل: لما ثبت جواز الاستبدال باقتضاء النص فما فائدة التعليل؟
قلنا: فيه فائدة؛ لأن على تقدير ما ذكرنا لم يثبت إلا جواز الاستبدال مجملا فقط،
وبالتعليل ثبت(٥) الحكم في الأفراد تفصيلا كما هو الحكم في جميع التعليلات، بيان هذا:
(١) من الآية ٤٣، ٢٧٧،١١٠،٨٣ من سورة البقرة، ومن الآية ٧٧ من سورة النساء، و١١،٥ من
سورة التوبة و٧٨،٤١ من سورة الحج، و٥٦ من سورة النور، و١٣ من سورة المجادلة، و٢٠ من
سورة المزمل .
(٢) في أ الإنجاز .
(٣) في أ، (ب) المال .
(٤) انظر: المذهب في أصول المذهب على المنتخب لحسام الدين الإخسيكتي الحنفى المتوفى سنة ٦٤٤
هـ ١٦٣/٢ وما بعدها، ويلاحظ أن المصنف لم ينقل عبارته بنصها ومع ذلك أشار إليه.
والإخسيكتى هو الإمام محمد بن عمر حسام الدين الإخسيكتي يكنى بأبى عبد اللَّه كان شيخا
فاضلا إماماً في الفروع والأصول من علماء القرن السابع الهجرى، ونسبته إلى أخسيكث بفتح
الألف وسكون الخاء المعجمعة وكسر السين المهملة ثم الياء المنقوطة باثنين من تحت ثم الكاف
المفتوحة ثم ثاء مثلثة بلدة من بلاد فرغانة، ورجح بعضهم التاء المثناة لأن المثلثة ليست من حروف
الفرس وهو ما ذكره المصنف - رحمه الله . له مختصر في أصول الفقه ويعرف بالمنتخب الحسامى،
ومفتاح الأصول، وغاية التحقيق توفى في الثانى والعشرين من ذى القعدة سنة ٦٤٤ هـ. الفوائد
البهية ص ١٨٨ والمُذهب في أصول المذهب للشيخ ولى الدين محمد صالح الفرفور ١٢/١ وما بعدها.
(٥) في أ، ب يثبت .
- ٤٠٦ -
وركنه ما جعل علما على حكم النص
أن الشاة إنما صلحت لكفاية الفقير؛ لكونها مالًا متقوما محترما وسائر الأموال يساويها في
هذه الأوصاف وصلاحية المحل للصرف إلى الفقير أمر شرعي فعدينا هذا الوصف من الشاة
إلى سائر الأموال مع إبقاء الحكم الشرعي في الشاة كما كان قبل التعليل وهو كونها صالحة
للصرف إلى الفقير(١).
القسم الثاني في ركن القياس
قوله: (وركنه ما جعل علما إلى آخره) ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء والقياس إنما
يقوم بهذا الوصف والمراد بالعلم العلة وإنما سميت به؛ لأن علل الشرع ليست بمثبتة (٢)
للأحكام في الحقيقة، بل هي أمارات، إنما المثبت للأحكام وهو الله - تعالى - فكانت العلة علما
أي معرفا بأن حكم الشرع هذا لهذا الوصف، وقد اختلفوا أن الحكم في المنصوص عليه ثابت
بالنص أم بالعلة؟ قال بعضهم: إنه ثابت بالنص لا بالعلة فعلى هذا تكون العلة علما على ثبوت
الحكم في الفرع فقط، وقال بعضهم: إنه ثابت بالعلة وعلى هذا تكون(٣) العلة علما على
ثبوت الحكم في كل موضع وجد فيه مثل تلك العلة كذا في الميزان(٤)، وذكر في بعض فرائد
أصول الفقه لفخر الإسلام/ إنما قُّد بكونه علما؛ لأن علم الشيء ما يعلم به ذلك الشيء ولا
يثبت به، والحكم في المنصوص ثابت بالنص دون العلة وهكذا ذكر(٥) الشيخ في شرح
الإخسيكتي(٦) وعلى هذا يكون ذكر الوصف معرفا لحكم(٧) النص ومؤثرا في حكم
الفرع(٨).
٩٠/ب
(١) انظر: كشف الأسرار للبخاري ٣٣٥/٣ وما بعدها، وكشف الأسرار للنسفي ٢٤٤/٢ وما بعدها
حيث ذكر الاعتراض السابق والجواب عليه .
(٢) في أ بمثبت .
(٣) في أ، ب يكون .
(٤) ميزان الأصول ص ٥٨٤ .
(٥) في (أ) ذكره .
(٦) انظر: المُذهب في أصول المذهب على المنتخب للإخسيكتى ٧٧/٢ وما بعدها.
(٧) في (أ) يحكم .
(٨) انظر: حاشية الرهاوي بهامش شرح ابن ملك صـ٧٨١-٧٨٤، وكشف الأسرار للبخاري ٣٤٤/٣.
- ٤٠٧ -
مما اشتمل عليه النص وجعل الفرع نظیرا له في حكمه بوجوده وهو جائز أن یکون وصفا
لازمًا، وعارضًا،
١/٦٥
قوله: (مما اشتمل عليه النص)، أي من الأوصاف التي اشتمل النص عليها وجعل الفرع
نظيرا له في حكمه أي نظير الأصل في حكم الأصل لوجود ذلك المعنى في / الفرع، وإنما قيده
بقوله [وجعل الفرع نظيرا له] احترازا عن العلة القاصرة؛ إذ هي ليست بركن للقياس.
قوله: (وهو جائز أن يكون وصفا لازما) للمنصوص عليه كالثمَنية فإنها وصف لازم
للذهب والفضة؛ لأنهما خُلقا جوهري الأثمان لا يفارقهما هذا الوصف بحال وقد جعلناها
علة للزكاة في الحلي(١).
قوله: (واسما عارضا)(٢) نحو قوله ولّ للمستحاضة في بيان علة نقض الطهارة: ((إنه دم
عرق انفجر))(٣).
(١) والمراد بالثمنية أن يكون الذهب والفضة بحال يقدر بها مالية الأشياء، لا يقال الزكاة تتعلق بمال
التجارة لا الثمنية؛ لأن التجارة تكون بالأثمان وبالثمنية تصير نصابا . انظر شرح ابن ملك
صـ ٧٨٦.
(٢) في (أ)، (ب) قوله وعارضا
(٣) الحديث ذكر أبو جعفر العقيلي في الضعفاء: أن أسماء بنت عميس أرسلت إلى رسول اللَّه مَ ﴿
وربما اعتكفت معه تسأله عن المستحاضة، فأرسل إليها أن تغتسل لصلاة الفجر اغتسالة ثم تصلي
وتؤخر المغرب وتقدم العشاء وتغتسل لهما اغتسالة ثم تصلى، فبعثت إليه إنه ليس بالدم
العبيط، ولكنه بالدم البحراني، فبعث إليها رسول اللَّه { #: "لا تدعي الصلاة ولو قعدت على كرسي
وتحتك طست، فإنه عرق انفجر أو قرحة في الرحم" وقال كل هذه الأحاديث غير محفوظة بهذا
الإسناد. ضعفاء العقيلي ٢٥٨/٣، وقال السيوطي في تنوير الحوالك: وأما ما يقع في كثير من كتب
الفقه " إنما ذلك عرق انقطع أو انفجر " فهي زيادة لا تعرف في الحديث. تنوير الحوالك ٦١/١،
وإنما أخرج ابن حبان عن عروة وعمرة عن عائشة أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد
الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول اللَّه﴿ في ذلك فقال رسول اللَّه ◌ِ لُ:
إن هذه ليست بحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي قالت عائشة فكانت تغتسل عند كل
صلاة في مركن حجرة أختها زينب بنت جحش حتى يعلو حمرة الدم الماء "١٨٥/٤ باب ذكر
الأمر بالاغتسال للمستحاضة عند كل صلاة، والحاكم في المستدرك نحوه ٢٨١/١، وذكره
الأصبهاني في المسند المستخرج على صحيح مسلم ٣٨٠/١، وانظر صحيح مسلم باب
المستحاضة وغسلها وصلاتها ٢٦٢/١، ولعل المصنف نقل النص المذكور عن أصول السرخسي
فقد ذكر في غير موضع، وذكره الشاشي في أصوله بلفظ " توضيء وصلي وإن قطر الدم على
- ٤٠٨ -
واسمًا، وجليًّا، وخفيًّا، وحكمًا، وفردًا، وعددًا،
فالدم اسم علم والانفجار صفة عارضية(١) غير لازمة؛ لأن الدم كان موجودا في
العروق(٢) ولم يكن منفجرا. قوله وجليا مثل قوله صلطار: ((الهرة ليست بنجسة، وإنما هي
الطوافين عليكم والطوافات))(٣)، فالطواف وصف جلي وقد جعل علة لسقوط النجاسة.
قوله: (وخفيا)، مثل الكيل والجنس في الربا عندنا والطعم عند الخصم فإن كل واحد
منهما وصف لا يفهم من النص إلا بالتأمل والاجتهاد (٤).
وقوله: (وحكما)، أي حكما شرعيا كقولنا: في فساد بيع المدبر هذا شخص تعلق عتقه
بمطلق موت السيد فلا يجوز بيعه كأم الولد.
قوله: (وفردا)، كما عللنا حرمة النساء بوصف واحد وهو الكيل أو الجنس.
قوله: (وعددا)(٥) نحو حرمة التفاضل فإنه القدر مع الجنس ونحو تعليلنا في نجاسة سؤر
الحصير قطرا فإنه دم عرق انفجر" . انظر: أصول السرخسي ٢٤٢/١، ١٨٧/٢، وأصول الشاشي
صـ٣٢٩، وانظر بدائع الصنائع ٢٤/١.
(١) في أ،ب عارضة .
(٢) في أ،ب العرق .
(٣) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن
مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا فجاءت هرة لتشرب
منه فأصغى لها أبو قتادة الإناء حتى شربته قالت كبشة فرآني انظر: إليه فقال أتعجبين يا بنت أخي؟
فقلت نعم. فقال إن رسول اللَّه لَ﴿ قال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "
وقال صحيح ولم يخرجاه، وهذا الحديث مما صححه مالك واحتج به في الموطأ ومع ذلك فإن له
شاهدا بإسناد صحيح. المستدرك ٢٦٣/١، والترمذي وقال حسن صحيح ١٥٤/١، وابن خزيمة
٥٥/١، وابن حبان ١١٥/٤ والدارمي باب الهرة إذا ولغت في الإناء ٢٠٣/١، والبيهقي باب سؤر
الهرة ٢٤٥/١ والدارقطني ٧٠/١، وأبو داود باب سؤر الهرة ١٩/١، وموطأ مالك باب الطهور
للوضوء ٢٢/١، ومسند أحمد ٣٠٣/٥، وانظر نصب الراية ١٣٦/١.
(٤) علة الربا هي الكيل والجنس عندنا والطعم في المطعومات، والثمنية في الذهب والفضة عند
الشافعي رحمه الله، والاقتيات والادخارعند مالك - رحمه الله.
(٥) يعني يجوز أن يكون ذلك المعنى عددا مركبا من عدة أوصاف يكون كل واحد منهما جزء العلة؛
إذ يمتنع أن يقوم الدليل على عليه الهيئة الإجماعية من تأثير أو مناسبة أو إحالة أو غيرها، كما قام
على علية مجموع الجنس والقدر كربا الفضل، وقال بعض الأصوليين إن التعليل بالوصف المركب
باطل . انظر: أدلتهم والرد عليها في حاشية الرهاوي صـ٧٨٨.
- ٤٠٩ -
..
ويجوز في النص.
وغيره إذا كان ثابتًا، به ودلالة كون الوصف علة صلاحه، وعدالته بظهور أثره في
السباع بأنه حيوان محرم الأكل لا لكرامته ولا بَلْوى في سؤره فالعلة لنجاسة هذه الأوصاف
الأربعة.
قوله: (ويجوز في النص)، كما في قوله وُلُّ: ((الحنطة بالحنطة مثلا بمثل والفضل ربا))(١)
فالعلة هو الكيل والجنس وهو موجود في النص؛ لأن الحنطة شيء مكيل ومجانس لحنطة
يقابلها.
قوله: (وغيره إذا كان ثابتا به)، أي ويجوز أن يكون في غير النص، لكن إذا كان ثابتا
بالنص يعني لم يكن معذورا(٢) صريحا ولكنه يثبت ضرورة، فيكون بمنزلة المذكور، وذلك
مثل ما روي أن النبي ◌ُ ◌ّ نهى عن بيع الآبق(٣) وهو معلول بالعجز عن التسليم وليس في
النص ذلك، إلا أن البيع يقتضي بائعا ضرورةً، والعجز صفته لا صفةً العقد؛ لأن البائع يعجز
عن تسليم العبد الآبق فكان العجز ثابتا بمقتضى النص لا بعينه.
٦٣/ز
قوله: (ودلالة كون الوصف علة صلاحه) اعلم (٤) أن جميع أوصاف النص/ لا يجوز أن
تكون(٥) علة بلا خلاف؛ لأنها لا توجد إلا في المنصوص وكذا لا خلاف أن كل وصف لا
(١) سبق تخريجه .
(٢) في أ،ب مذكورا .
(٣) الحديث أخرجه ابن ماجة عن محمد بن إبراهيم الباهلى عن محمد بن زين العبدي عن شهر بن
حوشب عن أبي سعيد الخدري قال نهى رسول اللَّه ◌َ﴿ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع
وعما في ضروعها إلا بكيل وعن شراء العبد وهو آبق وعن شراء المغانم حتى تقسم وعن شراء
الصدقات حتى تقبض وعن ضربة الغائص . سنن ابن ماجة باب النهي عن شراء ما في بطون الأنعام
وضروعها وضربة الغائص ٧٤٠/٢، وابن أبي شيبة في مصنفه باب بيع العزر والعبد الآبق ٤/
٣١١. وعبد الرزاق في مصنفه باب بيع العزر المجهول ٧٦/٨، وأحمد في مسنده ٤٢/٣، وأبو
يعلي في مسنده ٣٤٥/٢، والدارقطني ١٥/٣ وانظر تعليق الزيلعي على الحديث في نصب الراية
١٤/٤، والآبق الهارب . أبق العبد يأبق ويأبق بكسر الباء وضمها أي هرب. مختار الصحاح ١/١
مادة أبق ..
(٤) في ( أ) واعلم .
(٥) في (أ)، (ب) يكون .
- ٤١٠ -
جنس الحكم المعلل به ونعني بصلاح الوصف ملاءمته وهو أن يكون على موافقة العلل
المنقولة عن رسول اللَّه ◌َ ﴿ وعن السلف.
يكون علة؛ لأن ذلك يؤدي إلى سقوط الابتلاء واتفقوا أنه لا يتخير المعلل حتى يجعل أي هذه
الأوصاف شاء علة من غير دليل؛ لأن دعواه من بين الأوصاف أنه علة بمنزلة دعواه الحكم أنه
كذا، فکما لا يسمع منه دعوى الحكم إلا بدليل فكذا لا يسمع منه الدعوى في وصف إلا
بدليل، ثم اختلفوا في ذلك الدليل فقال جمهور الفقهاء دلالة كون الوصف علة أن يكون
صالحا للحكم ثم يكون معدلا بمنزلة الشاهد فإنه لابد من صلاحه بما يصير به أهلا للشهادة
من الحرية والإسلام وغيرهما ثم عدالته ثم/ لا يصح الأداء إلا بلفظ خاص، ولا خلاف بيننا
وبين الشافعي أن صفة الصلاحية للعلة بالملاءمة ومعنى الملاءمة أن تكون (١) العلة موافقة للعلل
المنقولة عن رسول اللَّه و ﴿ وعن الصحابة غير نائية عن طريقهم في التعليل؛ لأن الكلام في
العلة الشرعية، والمقصود إثبات حكم الشرع بها فلا يصح العمل بها إلا أن تكون(٢) موافقة
لما نقل عن الذين ببيانهم عرف أحكام الشرع كما لا يصح العمل بشهادة [الشاهد](٣) قبل
الأهلية وإذا ثبت الملاءمة لم يجب العمل بالعلة إلا بعد العدالة؛ لأنها تحتمل (٤) الرد مع قيام
الملائمة، واختلفوا في العدالة فقال بعض أصحاب الشافعي: عدالة الوصف بكونه مخيلا
يعني يقع في القلب خيال صحته، وقال بعضهم: لا بل عدالته إنما تثبت بالعرض على
الأصول، فإن لم يرده أصل مناقضا ولا معارضا صار معدلا وأدنى ما يكفي لذلك أصلان،
وقال مشايخنا عدالة الوصف إنما يظهر(٥) بظهور أثره في جنس الحكم المعلل به؟، وذلك لأنا
احتجنا إلى إثبات صحة ما لا يحس ولا يعاين وهو الوصف الذي جعل علما عن الحكم في
النص وما لا يحس فإنما يعلم بأثره الذي ظهر في موضع من المواضع(٦).
٩١/ب
(١) في (أ)، (ب) أن يكون .
(٢) في (أ، ب) أو يكون .
(٣) ما بين القوسين ساقط من أ.
(٤) في (أ) (ب) يحتمل.
(٥) في (أ) تظهر .
(٦) انظر: كشف الأسرار للبخاري ٣٥٤/٣ وما بعدها .
- ٤١١ -
كتعليلنا بالصغر في ولاية المناكح لما يتصل به من العجز فإنه مؤثر تأثير الطواف لما
يتصل به من الضرورة، دون الاطراد وجودا أو وجودا وعدما؛
قوله: (كتعليلنا بالصغر)، أي في الثيب الصغيرة يعني قلنا إنها تزوج كرها؛ لأنها صغيرة
فأشبهت البكر والتعليل بالصغر لإثبات الولاية نظير التعليل بالطواف لإسقاط النجاسة فكان
ملائما، وهذا لأن الصغر منشأ العجز، والعجز مؤثر في إثبات الولاية كما أن الطواف منشأ
الضرورة، والضرورة مؤثرة في إسقاط اعتبار النجاسة فكان التعليل [بالصغر](١) موافقا لتعليل
رسول الله څ﴾، وأما عدالته فإن لوصف الصغر أثرا بالاتفاق في إثبات حكم من جنس ذلك
الحكم، وهو ثبوت الولاية للولي في مال الصغير فإنه ليس للنيابة ولا للبكارة أثر في حق
ثبوت/ الولاية في المال بل الأثر هناك للصغر بالاتفاق، فيستدل به على عدالة الوصف في
حكم المتنازع كالشاهد لما كان مجانبا محظور دينه يستدل به على كونه مجانبا محظورا
للكذب في شهادته.
١/٦٦
قوله: (دون الاطراد وجودا أو وجودا وعدما) والاطراد عبارة عن سلامة الحكم عن
النقوض والعوارض قال أهل الطرد: دلالة كون الوصف علة هو الاطراد فقط من غير أن يعتبر
فيه معنى معقول، ثم اختلفوا فيما بينهم فقال بعضهم: الشرط اطراد الحكم مع الوصف
وجودا، وقال بعضهم الشرط دوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما، واحتجوا جميعا
بالظواهر الموجبة للعمل بالقياس فإنها لا يخص(٢) وصفا دون وصف وكل وصف بمنزلة نص
من النصوص؛ لأن الأوصاف تبع للنص فتكون(٣) معتبرة به، والنص لا يحتاج إلى دليل آخر
يجعله موجبا للعمل به فكذا الوصف فيكون الأصل في كل وصف أن يكون علة إلا إذا قام
الدليل بخلافه، ثم قال الفريق الثاني: العلة ما يتغير به حكم الحال ووجود الحكم مع وجود
الوصف قد يكون اتفاقا، وقد يكون لكونه علة [لا يتعين](٤) جهة كونه مغيرا إلا بانعدام
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٢) في (أ) تخص
(٣) في (أ) فتكون وفي (ب) هكذا "فتكون" دلالة على جواز الأمرين يعنى أنه وضع نقطتان أعلى
على أنها تاء ونقطتان أسفل على أنها ياء .
(٤) في (أ) لا تتعين وفي (ب) ولا تتعين .
- ٤١٢ -
لأن الوجود قد يكون اتفاقا ومثله التعليل بالنفي؛ لأن استقصاء العدم لا يمنع الوجود من
وجه آخر كقول الشافعي - رحمه الله - في النكاح لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال لأنه
الحكم عند عدمه فيه يتبين أنه لم يكن اتفاقا (١).
قوله: (لأن الوجود قد يكون اتفاقا) كما في جميع العلل؛ فإنها لا تخلوا عن أوصاف
اتفاقية/ كالشيئية والوجودية وأمثالهما، وكذا الدوران لا يدل على كون المدار علة للدائر؛
لأن الحكم كما يدور مع العلة وجودا وعدما يدور مع الشرط وجودًا وعدما وأحدٌ لا يقول
بأن الشرط علة للمشروط، فإن قيل: الأصل دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما فأما الشرط
فعارض لا يكون إلا بعد تعليق الحكم به نصا قلنا: هب أن الأصل [هو](٢) دوران الحكم مع
العلة ولكن مع هذا احتمال الدوران مع الشرط قائم وبالاحتمال لا تثبت(٣) العلة.
٩٢/ب
قوله: (ومثله)، أي مثل الاطراد التعليل بالنفي كقول الشافعي في النكاح لا يثبت بشهادة
النساء مع الرجال(٤)؛ لأنه ليس بمال، وكذا قوله فيمن ملك أخاه لا يعتق عليه؛ لأنه ليس
بينهما بعضية وهذا فاسد؛ لأن استقصاء عدم العلة لا يمنع وجود الحكم من وجه آخر وهذا
مثل الاطراد من حيث إن نهاية الجهل بما يبطله وهو المناقض أو المعارض ونهاية التعليل بالنفي
الجهل يوصف آخر يثبت الحكم متعلقا به إلا أن الاطراد على نهج العلل حيث يدور
[الحكم](٥) مع الوصف فكان مقدما على التعليل بالنفي.
(١) انظر: كشف الأسرار وبهامشه أصول البزدوي ٣٦٥/٣ وما بعدها، وكشف الأسرار للنسفي ٢/
٢٦٢ .
(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣) في (أ،ب) يثبت .
(٤) وتجوز شهادة النساء مع الرجال في جميع الأحكام إلا في الحدود والقصاص في قول أبي حنيفة
وصاحبيه وأبي عبد الله؛ لأن شهادة النساء ضعيفة، والحدود والقصاص قوية ولا يقام القوي
بالضعيف، وفي قول الشافعي تجوز شهادة النساء مع الرجال في المداينات والأموال ولا تجوز في
غيرها من النكاح والطلاق والعتاق والتدبير والولادة، ولا في شيء من الأموال أو ما يطلع عليه
الرجال. فتاوى السعدي ٧٨٧/٢، وانظر المغني ١٥٦/١٠، والمدونة الكبرى ١٦٢/١٣، والمحلى ٩/
٣٩٨ .
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ب)
- ٤١٣ -
ليس بمال، إلا أن يكون السبب معينا؛ كقول محمد في ولد الغصب إنه لم يضمن؛ لأنه
لم يغصب والاحتجاج باستصحاب الحال؛ لأن المثبت ليس بمبقٍ وذلك في كل حكم
عرف وجوبه بدلیله، ثم وقع الشك في زواله.
قوله: (إلا أن يكون السبب معينا) معناه إن وقع(١) الاختلاف في حكم سبب معين
فحينئذ نفي الحكم ينفي ذلك السبب يكون نفيا صحيحا كقول محمد في ولد الغصب إنه
لا يضمن؛ لأنه لم يغصب فإن ضمان الغصب سببه واحد معين وهو الغصب، فأما تعليل
عدم العتق بعدم البعضية فلا يصح؛ لأنه لا ينفي وجود علة أخرى وهي القرابة المحرمة
للقطع(٢).
قوله: (والاحتجاج باستصحاب الحال)(٣)، أي هو مثل الاطراد في أنه ليس بحجة
وتفسيره التمسك بالحكم الثابت في حالة البقاء مأخوذ من المصاحبة وهو من قبيل إضافة
الشيء إلى المفعول(٤) وفاعله محذوف وهو الابتداء فكان معنى استصحاب الحال أن يطلب
مصاحبة البقاء وذلك نحو ما يقول بعض أصحاب(٥) الشافعي في حكم الزكاة في مال
الصبي الأصل(٦) عدم الوجوب فيستصحبه حتى يقوم دليل الوجوب وهذا النوع من التعليل
باطل؛ لأن الدليل المثبت للحكم ليس / بمبق لذلك الحكم سواء كان مثبتا للوجود أو للعدم؛
٦٤/ز
(١) في (أ،ب) يقع .
(٢) فإن من غصب جارية حاملة فولدت في يد الغاصب ثم هلكا يضمن قيمة الجارية دون الولد؛ لأن
الغصب إنما وقع على الجارية، دون الولد، فقد علل محمد رحمه اللّه ههنا بالنفي بأن علة الضمان
في هذه الصورة ليست إلا الغصب، فبانتفائه ينتفي الضمان ضرورة، وهكذا قوله في المستخرج من
البحر كاللؤلؤ والعنبر إنه لا خمس فيه؛ لأنه لم يوجف عليه المسلمون، فإن علة وجوب خمس
الغنيمة ليست إلا إيجاف المسلمين بالخيل، وهو منتف ههنا . نور الأنوار ٢٦٧/٢ ..
(٣) عطف على التعليل بالنفي أي مثل الاطراد الاحتجاج باستصحاب الحال في عدم صلاحيته
للدليل، ومعناه طلب صحبة الحال للماضي بأن يحكم على الحال بمثل ما حكم في الماضي،
وحاصله إبقاء ما كان على ما كان بمجرد أنه لم يوجد له دليل مزيل، وهو حجة عند الشافعي
رحمه الله استدلالا ببقاء الشرائع بعد وفاته التقليالا وعندنا هو ليس بحجة نور الأنوار ٢٦٨/٢.
(٤) في (أ) مفعوله .
(٥) في (أ) أصحابنا رحمهم الله.
(٦) في (أ،ب) أن الأصل.
- ٤١٤ -
كان استصحاب حال البقاء على ذلك موجبا عند الشافعي،
لأن البقاء، يكون في الأزمنة والإثبات لم يتناول الأزمنة ولهذا يجوز نسخه، ولو كان مثبتًا (١)
لما جاز نسخه وإذا لم يكن البقاء مضافا إلى المثبت كان الاستدلال باستصحاب الحال الذي
معناه كان الحكم ثابتا فيبقى استدلالا بلا دليل ويكون قولهم أن الأصل عدم الوجوب في
مال الصبي فيستصحبه باطلا؛ لأن ثبوت العدم وإن كان بدليل معدم فذلك الدليل لا يوجب
بقاء العدم، كما أن الدليل الموجد للشيء لا يكون دليل بقاء الوجود.
قوله: (كان استصحاب حال البقاء على ذلك موجبا عند الشافعي)، هو يقول: إن الحكم
إذا ثبت بدليله يبقى بذلك الدليل أيضا ولهذا يبقى حكم النص بعد وفاة رسول اللَّه ◌ِ ﴿ّ
واحتج بإجماعهم على أن من تيقن بالوضوء ثم شك في الحدث لم يلزمه وضوء آخر، وإذا
علم بالحدث ثم شك بالوضوء(٢) بقى الحدث، ولو شهد شهود المدعى أن هذا الشيء كان
ملكا له صار حجة(٣).
(١) في (أ) مبقيا.
(٢) فى أ، ب في الوضوء.
(٣) قال البخاري في الكشف: لا خلاف أن استصحاب حكم ثبت بدليل مطلق غير معترض للزوال
والبقاء ليس حجة قبل الاجتهاد في طلب الدليل المزيل لا في حق غيره ولا في حق نفسه، فأما إذا
كان الحكم ثابتا بدليل مطلق غير معترض للزوال وقد طلب المجتهد الدليل المزيل بقدر وسعه ولم
يظهر فقد اختلف فيه فقال جماعة من أصحاب الشافعي مثل المزنى والصيرفى وابن شريح وابن
خيران أنه حجة ملزمة متبعة في الشرعيات إليه مال الشيخ أبو منصور رحمه اللَّه وتابعه في ذلك
جماعة من مشايخ سمرقند أو هو اختيار صاحب الميزان، وقال كثير من أصحابنا وبعض أصحاب
الشافعي وأبو الحسين البصرى وجماعة من المتكلمين إنه ليس بحجة أصلا، لا لإثبات أمر لم يكن،
ولا لإبقاء ما كان على ما كان، وقال أكثر المتأخرين من أصحابنا مثل القاضي الإمام أبى زيد
والشيخين وصدر الإسلام أبى اليسر ومتابعيهم: إنه لا يصلح حجة لإثبات حكم مبتدأ ولا للإلزام
على الخصم بوجه، ولكنه يصلح لإيلاء العذر وللدفع فيجب عليه العمل به في حق نفسه، ولا
يصح له الاحتجاج به على غيره . كشف الأسرار ٣٧٨،٣٧٧/٣، وانظر ميزان الأصول ص
٦٦٠، وأصول السرخس ٢٢٣/٢، وما بعدها، وتيسير التحرير ١٧٦/٤ وما بعدها، والاحكام
للآمدى ١٢٧/٤ والإحكام لابن حزم ٥/٥، والعضد على ابن الحاجب ٢٨٤/٢، والمعتمد ٢/
٣٢٥، وحاشية العقل على جمع الجوامع ٣٤٨/٢ وما بعدها .
- ٤١٥ -
وعندنا لا يكون حجة موجبة لكنها حجة دافعة.
حتى قلنا في الشقص: إذا بيع من الدار، وطلب الشريك الشفعة أنكر المشتري ملك
الطالب فيما في يده أن القول قوله، ولا يحب الشفعة إلا بينة وقال الشافعي - رحمه الله -
١/٦٧
٩٣/ب
قوله: (وعندنا لا يكون حجة موجبة)؛ لما بينا وإنما(١) لا يجوز النسخ بعد وفاة/ النبي مُ ﴿٣
بدليل موجب للبقاء وهو وفاته و على تقرير الدليل(٢)، وأما الطهارة/ والحدث والملك فمن
جنس ما يبقى بدليله، لأن حكم الشراء الملك المؤبد وكذا حكم الوضوء والحدث، لكنه
يحتمل السقوط بما يعارضه على سبيل المناقضة فقيل المعارض(٣) له حكم التأييد مكان البقاء
بدليله، وكلامنا فيما يثبت بقاؤه بلا دليل كحياة المفقود.
قوله: (لكنها حجة دافعة)؛ لأن الظاهر أن الحكم متى ثبت (٤) يبقى وإن كان الدليل
المثبت لا يوجب البقاء والظاهر يكفى حجة لإبقاء ما كان لا إلزاما على الغير كظاهر اليد،
يصلح حجة للدفع دون الإلزام، وكحياة المفقود لما كان الظاهر بقاؤها صلح حجة لإبقاء ما
كان حتى لا يورث ماله، ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن حتى لا يرث من الأقارب،
فالثابت لا يزول بالشك وغير الثابت لا يثبت بالشك.
قوله: (فأنكر المشترى ملك الطالب)، أي: الشفيع فيما في يده أي في يد الطالب وهو
الشفيع أن القول قول المشتري في هذه الخصومة حتى لا تجب(٥) الشفعة بدون البينة، وإن
كان الأصل هو أن يكون الإملاك في يد (٦) الملاك(٧).
(١) فى ب وإنه.
(٢) فى أ، ب الدلائل.
(٣) فى (١) المعارضة.
(٤) فى (ب) يثبت .
(٥) فى (١) و(ب) يجب .
(٦) فى (ب) المالك.
(٧) هذه من المسائل التي يظهر فيها الخلاف بيننا وبين الشافعي، وإنما وضع المسألة في الشخص
ليتحقق فيه خلاف الشافعي رحمه الله، إذ هو لا يقول بالشفعة في الجوار، وعلى هذا قلنا في
المفقود إنه حى في مال نفسه، فلا يقسم ماله بين ورثته، وميت في مال غيره فلا يرث من مال
مورثه لأن حياته باستصحاب الحال وهو يصلح دافعا لورثته لا ملزما على مورثه . ومن هذا الجنس
مسائل أخرى كثيرة مذكورة في الفقه . نور الأنوار ٢٧٠/٢ . .
- ٤١٦ -
تجب بغير بينة. والاحتجاج بتعارض الأشباه كقول زفر - رحمه الله - في المرافق: إن من
الغايات ما يدخل في المغيا ومنها لا يدخل.
فلا تدخل بالشك وهذا عمل بغير دليل. والاحتجاج بما لا يستقل إلا بوصف يقع به
قوله: (كقول زفر في المرافق) أنها لا يجب غسلها في الوضوء(١) لأن الله - تعالى - جعل
المرافق غاية(٢): ﴿وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾(٣) والغاية منقسمة بعضها(٤) يدخل وبعضها لا
يدخل، وهذه الغاية لها(٥) شبهة بكلا القسمين بدخول حرف الغاية عليها فباعتبار الشبه
بالقسم الأول يدخل، وباعتبار الشبه بالقسم الآخر لا يدخل فوقع التعارض بين الشبهين،
وليس أحدهما بأولى من الآخر فلا يجب الغسل بالشك عند تعارض الشبهين.
قوله: (وهذا عمل بغير دليل)؛ لأن الشك أمر حادث بين العلم والجهل فلا يثبت حدوثه
إلا بدليل فإن قال دليله تعارض الأشباه. قلنا: وهذا أيضا حادث لابد من مثبت فإن قال:
دخول بعض الغايات مع عدم دخول بعضها مما يثبته. قلنا: هذا الكلام لا يفيدك، لأنك هل
تعلم أن هذه الغاية من أي القسمين أم لا؟ فإن قلت نعم لم يبق الشك [وكلامك بني
عليه](٦)، وإن قلت لا فقد حصل الاعتراف بالجهل وحينئذ إما أن يمكن الوقوف عليه
بالطلب أم لا، فإن أمكن فقد جهلته عن تقصير منك في طلبه، وذلك لا يكون حجة أصلا
وإن لم يمكن كنت معذورًا في الوقوف عليه ولكن هذا القدر لا يصير حجة لك على من
يزعم أنه قد ظهر عنده دليل إلحاقه بأحد النوعين فعرفنا أن حاصل كلامه احتجاج بلا
دلیل(٧).
(١) هذا تمثيل للاحتجاج بتعارض الأشباه وهو عبارة عن تنافى أمرين كل واحد منهما مما يمكن أن
يلحق به المتنازع فيه . وهو معطوف على الاطراد .
(٢) فى أ، ب غاية بقوله.
(٣) من الآية ٦ من سورة المائدة.
(٤) فى (أ) لأن بعضها.
(٥) فى (أ) شبه.
(٦) فى (أ) فكلامك مبنى عليه.
(٧) بيان فساد هذا الاحتجاج لأنه عمل بلا دليل موجود بتصرف يسير من شرح ابن ملك
ص٧٩٩،٧٩٨.
- ٤١٧ -
الفرق بين الأصل والفرع؛ كقولهم في مس الذكر إنه مس الفرج فكان حدثًا كما إذا
مسه وهو يبول والاحتجاج بالوصف المختلف فيه؛ كقولهم في الكتابة الحالة أنه عقد لا
يمنع من التكفير فكان فاسدًا كالكتابة بالخمر والاحتجاج بما لا يشك في فساده؛ كقولهم
الثلاث ناقص العدد عن سبعة فلا يتأدى به الصلاة؛ كما دون الآية
قوله: (أنه مس الفرج فكان حدثا كما إذا مسه وهو يبول)، وهذا ليس بتعليل لا ظاهرًا ولا
باطنا ولا رجوعا إلى الأصل(١)، لأنه ليس على موافقة علل السلف ولا أثر له في الحكم وهو
الانتقاض وعند تجريد النظر عن الوصف الزائد يبقى بلا أصل كأنه قال: مس الذكر فينتقض
طهارته كما إذ مس الذكر وذلك باطل(٢).
قوله: (أنه عقد لا يمنع من التكفير فكان فاسدًا)(٣)، معناه أن الكتابة عقد يمنع من التفكير
وهذا عقد لا يمنع من التفكير فكان فاسدًا قلنا: هذا في نهاية الفساد؛ لأن كون الكتابة مانعة
من التكفير وصف مختلف فيه فعندنا الكتابة الصحيحة (٤) لا يمنع من التكفير فيكون
احتجاجا على الخصم بما ليس بدليل عليه.
قوله: (قوه الثلاث ناقص العدد عن سبعة فلا يتأدى به الصلاة كما دون الآية)(٥)، وهذا
النوع مما لا يخفى / فساده على أحد قال شمس الأئمة السرخسي لم ينقل من هذا الجنس
٩٤/ب
(١) فى (١) أصل.
(٢) من جنس الاطراد الاحتجاج بالوصف الذي لا يستقل بنفسه في إثبات الحكم بل يحتاج إلى
انضمام وصف آخر إليه فالشافعية يقولون مس الذكر ينقض الوضوء، فإنه مس الفرج فكان حدثا
كما إذا مسه .. ، وهو يبول فهذا قياس فاسد، لأنه إن لم يعتبر في المقيس عليه قيد البول كان قياس
المس على نفسه، وهو خلف، وإن اعتبر فيه ذلك القيد يكون فارقا بين الأصل والفرع، إذ في
الأصل الناقض هو البول، ولم يوجد في الفرع، وقد عارض هذا القياس الحنفية معارضة الفاسد
بالفاسد فقالوا: إن اللَّه - تعالى - مدح المستنجين بالماء في قوله " فيه رجال يحبون أن يتطهروا" ولا
شك أن فيه مس الفرج، فلو كان حدثا لما مدحهم به، وهذا كما ترى . نور الأنوار ٢٧٥/٢.
(٣) الاحتجاج بالوصف المختلف فيه مثل الاطراد في عدم صلاحية الدليل الاحتجاج بالوصف الذي
اختلف في كونه علة، فإنه أيضا فاسد، وهو أن نقيس صورة على أخرى، ونجعل الجامع وصفا
اختلف في كونه علة الحكم . نور الأنوار ٢٧٦/٢، وابن ملك ص ٨٠٠ .
(٤) فى أ تمنع.
(٥) هذا قول الإمام الشافعي في منع جواز الصلاة بثلاث آيات، وهو ظاهر الفساد إذ لا أثر للنقصان
- ٤١٨ -
والاحتجاج بلا دليل.
شيء من السلف إنما أحدثه من كان بعيدًا من طريق الفقهاء، فأما علل السلف ما كانت تخلو
عن الملاءمة والتأثير ولهذا كان الواحد منهم يتأمل مدة ولا يقف في حادثة إلا على قياس أو
قياسين، والواحد من المتأخرين(١) ربما تمكن في مجلس واحد من أن يذكر في حادثة خمسين
علة من هذا النوع أو أكثر(٢).
قوله: (والاحتجاج بلا دليل)، قال بعضهم لا دليل حجة للنافي على خصمه لا للمثبت،
قال الله - تعالى -: ((﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهَا ءَآخَرَ لَ بُرْهَنَ لَهُ بِهِ﴾))(٣) (٤) ولهذا جعل البينة
في جانب المدعى لا في جانب المنكر، لأنه متمسك بالأصل وذلك حجة له على خصمه في
الكف عن التعرض له ما لم يقم الدليل ولنا قوله - تعالى -: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَن
كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾(٥)(٦) ... الآية فقد علم اللَّه - تعالى - رسوله مطالبة
النافي بإقامة الدليل وذلك تنصيص على أن لا دليل لا تكون(٧) حجة ولهذا إنكار الخصم لا
يكون حجة على المدعى بوجه ما حتى إنه بعد ما حضر مرة وجحد إذا طلب إحضاره مرة
أخرى أحضره القاضي، وإذا طلب أن يكفله بنفسه أو بالعين الذي فيه الدعوى أجبره القاضي
على ذلك(٨)، وإذا طلب يمينه حلفه على ذلك/ ولو كان (لا دليل) حجة للنافي على خصمه
١/٦٨
من السبعة في عدم جواز الصلاة ذكر في الملخص أن قراءة الفاتحة ركن، حتى إن من عجز عنها
يقرأ سبع آيات من القرآن متفرقة أو متوالية فإن عجز عنها يسبح ويهلل بقدر الفاتحة، قال صاحب
القواطع: مثل هذه التعليلات ضلال وزلة في الدين، ومنع عن سبيل الرشاد للمستندين، وهذا غير
منقول من السلف، بل أحدث من كان من طريق الفقهاء بعيدين . شرح ابن ملك ص ٨٠١.
(١) فى أ إنما.
(٢) أصول السرخسي ٢٢٨/٢.
(٣) ما بين القوسين ساقط ولعله سهو من الناسخ.
(٤) من الآية ١١٧ من سورة " المؤمنون".
(٥) في (أ) تدخل بالمثناة الفوقية وهو خطأ.
(٦) من الآية ١١١ من سورة البقرة.
(٧) فى (أ) يكون ..
(٨) ما بين القوسين ساقط من (١).
- ٤١٩ -
وجملة ما يعلل له أربعة إثبات الموجب، أو وصفه، وإثبات الشرط، أو وصفه، وإثبات
الحكم، أو وصفه كالجنسية لحرمة النساء، وصفة السوم في زكاة الأنعام والشهود في
٦٥/ز
لم يبق للمدعى عليه سبيل بعد إنكاره أما (١) الجواب عن النص فقد صح هذا النوع من
صاحب الشرع / إذ لا يوصف بالعجز ولا يجرى عليه السهو، أما البشر فإن صفة العجز
تلازمهم والسهو يعتريهم، وأما جعل الشرع القول قول المنکر فذلك باعتبار دليل من حيث
الظاهر وهو أن المدعی عین في يده أو دين في ذمته، واليد دليل الملك ظاهرًا وكذا ذمته بريئة
ظاهرًا(٢).
القسم الثالث في حكم القياس
وهو تعدية حكم النص إلى ما لا نص فيه.
قوله: (وجملة ما(٣) يعلل له أربعة)، يعنى الأمور التي يقع لها التعليل أربعة أقسام.
قوله: (كالجنسية لحرمة النساء)، فهذا اختلاف وقع في الموجب للحكم فلم يصح إثباته
بالرأي ولا نفيه به، وإنما يجب الكلام فيه بإشارة النص [أو اقتضائه] (٤) وأما صفة الموجب
فمثل صفة السوم في الأنعام أيشترط للزكاة أم لا؟، وأما الشرط فمثل اختلافهم في
اشتراط(٥) في النكاح، وأما صفة الشرط فمثل اشتراط العدالة والذكورة في الشهود، وأما
(١) فى (أ) وأما.
(٢) لا خلاف في أنه يطلب الدليل ممن قال حكم اللَّه في هذه الحادثة كذا، ولا يطلب ممن قال: لا
أعلم حكم اللّه في هذه الحادثة، وأما النافي للحكم كمن قال ليس على الصبى والمجنون زكاة فهل
عليه دليل أم لا ؟.
١- الظاهرية على أنه لا يلزمه دليل مطلقا
٢- وقال أهل العلم يلزمه الدليل في العقليات دون الشرعيات.
٣- والحنابلة والشافعية على أن نافى الحكم يلزمه الدليل كما يلزم المثبت.
كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري ٣٨٦/٣، وأصول السرخس ١١٧/٢، وشرح ابن ملك
وحواشيه ص ٨٠١ وما بعدها، وشرح الكوكب المنير ٥٢٥/٤ - ٥٢٧، والمستصفى ٢٣٢/١ وما
بعدها.
(٣) في (أ) فصل وجملة ما .
(٤) فى (أ)، (ب) أو دلالته أو اقتضائه.
(٥) في (أ)، (ب) الشهود وهو الصواب، ولعل ما في الأصل سقط.
- ٤٢٠ -