النص المفهرس
صفحات 381-400
والشرط اجتماع الكل وخلاف الواحد مانع كخلاف الأكثر.
قوله: (والشرط اجتماع الكل وخلاف الواحد مانع كخلاف الأكثر)، وقال بعضهم: إن
الشرط اجتماع الأكثر من أهل الاجتهاد ولا عدة لمخالفة الأقل لقوله محلّ: ((عليكم بالسواد
الأعظم))(١). ومعلوم أن المراد منه ليس الكل بل الأكثر إذ ينبغي أن يكون المخاطبون غير
داخلين وكذا [قال](٢): ((من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن
عدم الاختلاف شرطا لصحته أم لا ؟ ذهب أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي وأحمد بن
حنبل وأبو الحسن الأشعرى، وإمام الحرمين، والغزالى وجماعة من الأصوليين وعامة أهل الحديث
إلى أنه ممتنع وتبقى المسألة اجتهادية كما كانت. واختلف مشايخ الحنفية في ذلك فقال أكثرهم لا
يمنع من انعقاد الإجماع ويرتفع الخلاف السابق به عند علمائنا الثلاثة فهو مختار فخر الإسلام
وتبعه النسفي وهو الأصح وقال بعضهم فيه اختلاف بين الحنفية فعند أبى حنيفة يمنع من الانعقاد
وعند محمد لا يمنع وأبو يوسف في راوية مع أبى حنيفة وفي رواية مع محمد وهو الأصح . انظر:
كشف الأسرار للبخاري ٢٤٧/٣، وشرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي صـ ٧٤٠، ٧٤١،
الأحكام للآمدي ١/ ٢٧٥، والمستصفي ٢٠٣/١ ومختصر ابن الحاجب ٤١/٢ وشرح المحلى على
جمع الجوامع مع حاشية البنانى ١٧٨/٢، والمعتمد ٥٤/٢، وشرح اللمع ٧٢٦/٢، وشرح
الكوكب المنير ٢٧٢/٢.
(١) الحديث أخرجه ابن ماجة كتاب الفتن باب السواد الأعظم عن أنس ابن مالك قال: سمعت
رسول اللَّه وَ﴿* يقول: ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم))
سنن ابن ماجة ١٣٠٣/٢، وأحمد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ◌َ ﴿ على هذه الأعواد
أو على هذا المنبر من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله،
والتحدث بنعمة اللَّه شكر وتركها كفر، والجماعة رحمه والفرقة عذاب قال: فقال أبو أمامة
الباهلى: عليكم بالسواد الأعظم . قال: فقال رجل: ما السواد الأعظم ؟فقال أبو أمامة هذه الآية في
سورة النور: ((فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)) مسند أحمد ٢٧٨/٤، وعيد بن
حميد في مسنده عن أنس بن مالك مثل ما في ابن ماجة مع اختلاف يسير في اللفظ صـ٣٦٧،
والعجلونى في كشف الخفاء وقال بعد أن عدد رواياته وبالجملة فالحديث مشهور المتن، وله أسانيد
كثيرة وشواهد عديدة في المرفوع وغيره فمن الأول " أنتم شهداء الله في الأرض " وٍمن الثانى قول
ابن مسعود إذا سئل أحدكم فلينظر في كتاب اللّه فإن لم يجده ففى سنة رسول اللّه فإن لم يجد
فيها فلينظر فيما أجتمع عليه المسلمون وإلا فليجتهد " كشف الخفاء ٤٧٠/٢، وقال ابن كثير في
تحفة الطالب بعد أن ذكر الحديث بإسناده عن ابن ماجة: والحديث بهذا الإسناد ضعيف لأن معان
ابن رفاعة ضعفه يحيى بن معين، وقال السعدي وأبو حاتم الرازي ليس بحجة وقال ابن حبان:
استحق الترك، انظر: تحفة الطالب صـ ١٤٨ .
(٢) ما بين القوسين ساقط من (١)
٠
- ٣٨١ -
عنقه)(١). وقال: ((من شذ شذ في النار))(٢)؛ ولأن الصحابة أنكروا على ابن عباس في حل
ربا الفضل لتفرده بالخلاف حتى روى أنه رجع إلى قولهم(٣)، والصحيح ما قلنا؛ لأن
الإجماع إنما صار حجة كرامة يثبت (٤) على اتفاقهم فلا يثبت بدون هذا الشرط، أما الجواب
عن النصوص فلأنها من جملة الآحاد وهى غير مقبولة في باب الاعتقاد أما إنكارهم على(٥)
ابن عباس، فليس لتفرده بالخلاف بل لمخالفته الحديث المشهور الذي رواه أبو سعيد الخدري:
((الحنطة بالحنطة(٦) ... )). الحديث، حتى نقل أنه لما بلغه الحديث رجع عن قوله(٧).
(١) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبى ذر بألفاظ مختلفة " مثل: من فارق الجماعة قيد شبر
فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " ومن خالف جماعة المسلمين شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من
عنقه " وكذا رواه عن الحارث الأشعرى من حدي طويل ذكره في كتاب الصلاة الصوم وقال
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ٥٨٢/١، ٢٠٣/١، والترمذى في سننه عن الحارث
الأشعري باب ما جاء في مثل الصيام والصدقة وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب ١٤٨/٥،
وأبو داود عن أبى ذر ٢٤١/٤ مسافة باب في قتل الخوارج، والبيهقى في السنن باب الترغيب في
لزوم الجماعة والتشريد على من نزع يده عن الحارث الأشعرى ١٥٧/٨، وأحمد عن أبى ذر ٥٪
١٨٠، وانظر تلخيص الحبير ١٤/٤ .
(٢) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ◌َ﴿ لا يجمع اللَّه هذه
الأمة، أو قال أمتي على الضلالة أبدا واتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شد في النار ٢٠١/١
والعجلوني في الكشف ٥٢٩/٢ وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر وقال غريب حلية الأولياء ٣٧/٣
والترمذى في نوادر الأصول ١ / ٤٢٢ وفي سننه عن ابن عمر وقال غريب من هذا الوجه ٤٦٦/٤
باب ما جاء في لزوم الجماعة
(٣) حكى عن ابن عباس وغيره إباحة ربا الفضل لحديث " لا ربا إلا في النسيئة " رواه البخاري ثم
رجع ابن عباس عنه . رواه الأثرم، وقاله الترمذى وابن المنذر والحديث محمول على الجنسين
كشاف القناع ٢٥١/٣ ونقل الدسوقى في حاشيته الإجماع على حرمته ورجوع ابن عباس عن
قوله ٣ حاشية الدسوقى والإحكام للآمدي ٢٩٤/١ ط دار الكتاب العربي
(٤) في (١) ثبت .
(٥) في (أ) عن .
(٦) الحديث سبق تخريجه .
(٧) اختلفوا في انعقاد الإجماع مع مخالفة واحدأو اثنين فالجمهور على أنه لا ينعقد وذهب محمد بن
جرير الطبري، وأبو بكر الرازي الحنفي، وأبو الحسين الخياط من المعتزلة، واحمد بن حنبل في
- ٣٨٢ -
وحكمه في الأصل أن يثبت المراد به شرعًا على سبيل اليقين.
القسم الثالث في حكم الإجماع
قوله: (وحكمه [في الأصل)؛ لأن الأصل](١) في الإجماع أن يكون موجبا للعلم قطعا
على ما نذكر، وما لم يكن موجبا للعلم فذلك لمانع يكون، كما أن الأصل في خبر الرسول
وَ لّ أن يكون موجبا للعلم قطعا، وما لم يكن كذلك، فذلك بواسطة الشبهة وهو عدم
السماع من الرسول ﴿، فكذا هنا شبهة عدم انعقاد اجتماع(٢) من سوى الصحابة يمنع (٣)
من أن يكون موجبا للحكم بطريق اليقين ومن أهل الهوى من لم يجعل الإجماع حجة
قاطعة؛ لأن كل واحد منهم اعتمد [دليل](٤) ما لا يوجب العلم وهذا باطل عندنا لقوله .
تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾(٥) الآية فأوجب هذا أن يكون سبيل المؤمنين حقا بيقين.
وقوله - تعالى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ﴾(٦) والخيرية يوجب(٧) الحقية فيما أجمعوا وقوله وَطّ: ((لا تجتمع أمتي على
الضلالة))(٨). وعموم النص ينفي جميع وجوه الضلالة في الإيمان والشرائع جميعا، ولأن
رسول اللَّه خاتم النبيين فشريعته باقية إلى قيام الساعة وأمته ثابتة على الحق قال توَطّ: (([لا
إحدى الروايتين عنه، وابن حمدان من الحنابلة في المقنع وإليه مال أبو محمد الجويني، وقيل: إن
هذا في غير أصول الدين أما فيها فلا ينعقد مع مخالفة أحد، وقيل هو مع المخالفة حجة لا إجماع
وفي المسألة أقوال أخرى انظر: ما بأدلتها في: أصول السرخسي ٣١٦/١، وكشف الأسرار
للبخاري ٢٤٥/٣، وتيسير التحرير ٢٣٦/٣ وما بعدها، وفواتح الرحموت ٢٢٢/٢ والإحكام
للآمدي ١/ ٢٣٥، والمعتمد ٢٩/٢، والمحصول ١٨١/٤، ومختصر ابن الحاجب ٣٤/٢، والمحلي
على جمع الجوامع ١٧٨/٢، والبرهان ٤٤٣/١، والمستصفي ١٨٦/١، وشرح اللمع ٧٠٤/٢،
وشرح الكوكب المنير ٢٢٩/٢ .
(١) في (ا، ب) إنما قيده بالأصل لأن الأصل .
(٢) في (١) الإجماع وفي (ب) إجماع .
(٣) في (أ، ب) تمنع .
(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ، ب).
(٥) من الآية ١١٥ من سورة النساء .
(٦) من الآية ١١٠ من سورة آل عمران .
(٧) في (١) توجب .
(٨) الحديث سبق تخريجه .
- ٣٨٣ -
والداعي قد يكون من أخبار الآحاد أو القياس وإذا انتقل إلينا إجماع السلف بإجماع
كل عصر على نقله كان كنقل الحديث المتواتر وإذا انتقل إلينا بالإفراد كان كنقل السنة
بالآحاد.
١/٥٩
تزال](١) طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى تقوم(٢) الساعة))(٣) / ولو جاز الخطأ على
إجماعهم وقد انقطع الوحي بطل وعد الثبات على الحق فوجب القول بأن إجماعهم صواب
بیقین (٤).
القسم الرابع في سبب الإجماع
وهو نوعان: الداعي والناقل والمراد بالداعي الحامل على عقد الإجماع، وبالناقل الحامل
على النقل، وهو ظهور الحكم الشرعي في الخلف كما كان في السلف.
قوله: (والداعي قد يكون من أخبار الآحاد والقياس)، وقد اختلفوا في أن الداعي هل
يشترط لانعقاد الإجماع أم لا؟ قال قوم لا يشترط لأنه لو لم ينعقد الإجماع إلا عن دليل
لكانت الحجة هو الدليل دون الإجماع، وشرط الآخرون ذلك، لأن حال الأمة ليس فوق
(١) في (١) لا يزال
(٢) في (١) يقوم .
(٣) الحديث أخرجه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول النبي ﴿ لا تزال طائفة من
أمتي ........ عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﴿ قال: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم
أمر الله وهم ظاهرون. صحيح البخاري ٢٦٦٧/٦، وأخرجه مسلم عن جابر قال سمعت رسول
اللَّه ◌َ﴿ " يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة " كتاب الإمارة
باب قوله لا تزال طائفة من ١٥٢٤/٣٫٠٠، وأخرجه ابن حبان عن معاوية ابن قرة عن أبيه كتاب
العلم ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة مع اختلاف في اللفظ ٢٦١/١،
والحاكم في المستدرك عن عمر ابن الخطاب وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه مع اختلاف في
اللفظ وأحمد عن جابر ٣٤٥/٣ .
(٤) إجماع الأمة حجة خلافا للنظام من المعتزلة والشيعة والخوارج، والجمهور على أنه حجة قطعية
وقيل بل ظنية وهو مروى عن الآمدى والرازي . انظر: لتحقيق الأدلة: أصول السرخسي ٢٩٥/١
وما بعدها، وكشف الأسرار للبخاري ٢٥٢/٣ وما بعدها، وفتح الغفار ٦/٣ والمحصول ٣٥/٤ وما
بعدها والمستصفي ١٩٨/١ والإحكام للآمدي ٢٠٠/١ والمعتمد ٤/٢ وابن الحاجب والعضد عليه
٢٩/٢، والإحكام لابن حزم ٥٢٦/٤ وشرح الكوكب المنير ٢١٤/٢ وما بعدها
- ٣٨٤ -
ثم هو على مراتب فالأقوى إجماع الصحابة نصًّا؛ فإنه مثل الآية والخبر المتواتر ثم
الذي نص البعض وسكت الباقون،
حال النبي ◌ُّ ثم لا يجوز للنبي ◌ُّ أن يحكم بغير دليل وهو إما الوحي أو الاجتهاد فكذا
الأمة ثم اختلف في كيفية ذلك فعندنا قد يكون من أخبار الآحاد والقياس، وقال عامة
أصحاب الظواهر والقاساني(١) من المعتزلة أنه لا ينعقد إلا/ عن دليل قطعي، فأما لا ينعقد
بخبر الواحد والقياس قالوا: لأنه قام الدليل عندنا أن القياس وخبر الواحد ليس بحجة، فلو
جعل داعيا لكان مدار الإجماع على ما ليس بحجة، فلا يكون حجة لاتفاقنا أن الإجماع لا
ينعقد إلا عن دليل وهذا باطل عندنا؛ لأن إيجاب الحكم به لم يثبت من قبل دليله بل من قبل
عينه كرامة للأمة وإدامة للحجة ولو جمعهم دليل يوجب علم اليقين لصار الإجماع لغوا(٢).
٨١/ب
قوله: (فإنه مثل الآية والخبر المتواتر)؛ لأنه لا خلاف فيه وفيهم أهل المدينة وعترة
صلى الله
النبي نَّم
قوله: (ثم الذي نص البعض وسكت الباقون)؛ لأن السكوت في الدلالة على التقدير دون
(١) في (ا، ب) القاشاني بالشين المعجمة وهو الصواب؛ إذ هو محمد بن إسحاق، ويكنى أبابكر، من
قاشان، حمل العلم عن داود، إلا أنه خالفه في مسائل كثيرة من الأصول والفروع، ونقض عليه أبو
الحسن ابن مفلح بكتاب سماه القامع للمتحامل الطامع، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي وصار رأسا
فيه . له من الكتب: كتاب الرد على داود في إبطال القياس . وكتاب القياس، وكتاب الفتيا الكبير
انظر: طبقات الفقهاء١٧٦/١، و الفهرست ٣٠٠/١
(٢) هنا مسألتان: الأولى هل لابد للإجماع من مستند أو دليل؟ الجمهور إلى أنه لابد له من مستند
خلافا لطائفة شاذة من المتكلمين حيث قالوا يجوز أن يقع الإجماع بالمصادفة والتوفيق لا التوقيف
بأن يوفقهم الله - تعالى - لاختيار الصواب من غير مستند . الثانية: الذين قالوا لابد له من مستند
اختلفوا في جواز انعقاده عن القياس وخبر الواحد فجوزه الأئمة الأربعة ومن وافقهم، وذهب داود
الظاهري وأتباعه والشيعة ومحمد بن جرير والقاشاني من المعتزلة ومن وافقهم إلى أن مستند
الإجماع لا يكون إلا دليلا قطعيا ولا ينعقد الإجماع بخبر الواحد والقياس ولكل حجته ودليله
انظر: في ذلك: أصول السرخسي ٣٠٢/١، وكشف الأسرار للبخاري ٢٦٣/٣ وتيسير التحرير
٢٥٤/٣ وفواتح الرحموت ٢٣٨/٢ التلويح وحواشيه الفنرى وملا خسرو، وعبد الحكيم ٣٤٧/٢
-٣٤٩ والمحصول ١٨٧/٤ وما بعدها والإحكام للآمدي ٢٦١/١-٢٦٧ والإحكام لابن حزم ٤/
٥٣٠ وما بعدها والمعتمد ٥٦/٢ وما بعدها، والعضد على ابن الحاجب وحواشيه ٣٩/٢ وما بعدها
وشرح الكوكب المنير ٢٥٩/٢ .
- ٣٨٥ -
ثم إجماع من بعدهم على حكم لم يظهر فيه خلاف من سبقهم ثم إجماعهم على قول
سبقهم فيه مخالف والأمة إذا اختلفوا على أقوال كان إجماعا منهم على أن ما عداها
النص فكان هذا الإجماع دون الأول.
قوله: (على حكم لم يظهر فيه خلاف من سبقهم)، وهو بمنزلة الخبر (١) المشهور
وإجماعهم على قول من سبقهم فيه مخالف بمنزلة الصحيح من الآحاد.
٥٩/ز
قوله: (والأمة إذا اختلفوا على أقوال كان إجماعا منهم على أن ما عداها باطل)(٢)
كاختلاف الصحابة في مسألة الجد مع الأخوة، منهم من حرم الأخوة أصلا، ومنهم من
شركهم مع الجد ولم يصر أحد إلى حرمان الجد فمن حرمه فقد أحدث قولا حادثًا فيكون
باطلا، وعند بعضهم هذا من باب السكوت الذي هو محتمل أيضا فكما لا يدل على نفي
الخلاف لا يدل على نفي قول آخر في الحادثة وجه قولنا: الكتاب والسنة، أما الكتاب [قوله .
تعالى -: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٣)](٤) /؛ [لأنه لم يصر](٥) إلى هذا القول صائر بل
صاروا إلى أقوال أخر كان هذا غير سبيل المؤمنين فيدخل تحت قوله(٦): ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلٍ
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما السنة فلأنهم لما اختلفوا على أقوال كان غير هذه الأقوال لابد أن يكون
خطأ إذ لو كان صوابا لكانت الأمة متفقة على الخطأ وذلك لا يجوز بما روينا وإذا كان خطأ
كان باطلا ضرورة، وذكر في خلاصة الأصول هذا إذا كان في مسألة واحدة كاختلافهم في
الجد مع الأخوة، أما إذا كان في مسألتين كما (٧) اختلفوا فقال بعضهم: إن الجماع ناسيا
كالأكل ناسيا لا يفطران وقال بعضهم: كلاهما يفطران، فمن صار إلى أن أحدهما يفطر
(١) في (١) خبر .
(٢) وقد مثل ابن ملك وغيره للمسألة بهذا المثال: جارية اشتراها رجل ووطئها ثم وجد بها عيبا فقيل إن
الوطء يمنع الرد وقيل لا يمنع وله الرد مع الأرش، فالرد مجانا يكون خارجا عن هذين القولين فلا يجوز.
شرح ابن ملك ٧٤٧، صـ ٧٤٨، وشرح الكوكب المنير ٢٦٥/٢، والإحكام للآمدي ٢٦٨/١.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ، ب).
(٤) من الآية ١١٥ من سورة النساء .
(٥) في (ا، ب) لأنه لما لم يصر .
(٦) في (ا، ب) قوله تعالى .
(٧) في (أ) كما إذا .
و
- ٣٨٦ -
باطل وقيل هذا في الصحابة خاصة.
والآخر لا يفطر يكون ذلك جائزا ولا يكون خارقا للإجماع؛ لأن هذا ليس غير سبيل
المؤمنين، لأن في كل [واحد](١) منهما عملا بمذهب فريق.
قوله: (وقيل هذا في الصحابة خاصة)؛ لما لهم من الفضل، ولكن الدليل الذي ذكرناه
يوجب المساواة والله أعلم بالصواب(٢).
(١) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٢) إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين هل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث ؟ اختلفوا
فذهب الجمهور وعامة الفقهاء إلى المنع من ذلك ونص عليه الشافعي في الرسالة خلافا لبعض
الشيعة والظاهرية . انظر: تحقيق المسألة في أصول السرخسي ٣١٠/١، وكشف الأسرار للبخاري
٢٣٤/٣، وحاشية نسمات الأسحار ص ٢١١، والإحكام للآمدى ٢٦٨/١، والمحصول ١٢٧/٤،
والمعتمد ٥١/٢، ومختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٣٩/٢، والإحكام لابن حزم ٥٤٦/٤،
وشرح الكوكب المنير ٢٦٤/٢ ولاحظ تعليق المحقق، والمستصفي ١٩٨/١، وشرح اللمع ٢/
٧٣٨، والرسالة للإمام الشافعي صـ ٤٧٥ .
- ٣٨٧ -
باب القياس
القياس في اللغة: التقدير وفي الشرع تقدير الفرع بالأصل في الحكم والعلة، أنه
حجة عقلا ونقلا أما النقل فقوله - تعالى -: ﴿فَأَعْتَبِرُواْ يَأْوَلِىِ الْأَنْصَرِ﴾ وحديث معاذ
باب القياس
قوله: (باب القياس) للقياس تفسير لغةً هو المراد بظاهر صيغته ومعنىً هو المراد بدلالة
صيغته مثاله: الضرب هو اسم لفعل يعرف بظاهره ولمعنى يعقل بدلالته على ما مر في بيان
دلالة النص أما تفسير صيغته فهو التقدير يقال قس النعل بالنعل أي قدره ويقال قاس الطبيب
الجراحة إذا قدر بالمسبار عمقها، وأما المعنى الثابت بدلالة صيغته فهو أنه مدرك من مدارك
أحكام الشرع ومفصل من مفاصله وقولنا مدرك أي سبب للدرك كما في قوله: وقال: ((الولد
مبخلة مجبنة))(١)، أي: سبب للبخل والجبن والمراد بالمفصل موضع الفصل بين ما هو حجة
وبين الهوى(٢)، وقيل المفرق أي يفرق بين الحق والباطل فعلى هذا تفسير القياس بالتقدير في
المتن بحسب صيغة القياس لا بحسب دلالة صيغته(٣).
قوله: (وأنه حجة نقلا وعقلا)، وقال أصحاب الظواهر من أهل الحديث وغيرهم إن
(١) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك عن يعلى بن منبه الثقفي قال: جاء الحسن والحسين يستبقان
إلى رسول الله﴿ فضمهما إليه ثم قال: إن الولد مبخلة مجبنة محزنة . وقال صحيح على شرط
مسلم ولم يخرجاه انظر: المستدرك في باب ذكر مناقب الحسن والحسين ١٧٩/٣، والبيهقى في
السنن ٢٠٢/١٠، وابن ماجة عن يعلى العامرى بلفظ " يسعيان وبدون محزنة " ١٢٠٩/٢، وابن
أبى شيبة في مصنفه باب ما جاء في الحسن والحسين ٣٧٨/٦، والطبراني في الكبير مع اختلاف
في اللفظ ٣٢/٣، والعجلونى في كشف الخفاء ٤٥٢/٢.
(٢) إنما كان مدركا في أحكام الشرع؛ لأن معناه اللغوي لما كان جعل الشيء مثلا لآخر ومساويا له،
لزم أن يعرف به حكم الشرع، لأن مالا نص فيه إذا صار مساويا للمنصوص عليه في المعنى الذي
ترتب الحكم عليه، يثبت ذلك الحكم فيه لا محالة، فكان مدركا من مدارك أحكام الشرع أي موضع
درك، والدرك هو العلم، أو في تسميته مدر كا إشارة إلى أنه دليل يوقف به على الحكم لا أنه مثبت له
كالدخان يوقف به على وجود النار لا أن يثبت وجودها به . كشف الأسرار للبخاري ٢٦٨/٣ .
(٣) عبارة المؤلف منقولة بنصها من أصول البزدوي بهامش كشف الأسرار، ثم دعم كلام البزدوي
بتعليق البخاري في الكشف عليه، ويلاحظ أنه لم يذكر تحديد القياس جريا على ما فعل البزدوي،
وكذا السرخسي؛ إذ ابتدأ الحديث عن القياس بالكلام في حجيته . انظر: كشف الأسرار وبهامشه
أصول البزدوي ٢٦٧/٣، ٢٦٨، وأصول السرخسي ١١٨/٢.
- ٣٨٨ -
معروف، وأما المعقول فهو أن الاعتبار واجب.
القياس ليس بحجة والعمل به باطل وهو قول داود الأصفهاني وغيره(١) وجه قول نفاة
القياس قوله - تعالى -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾(٢) (٣) ولو كان القياس
حجة عند عدم النص يكون قولا بأن/ الكتاب ليس تبيانا لكل شيء وهو خلاف النص، وقوله
قال: «لا يزال أمر بني إسرائيل مستقيما حتى كثرت فيهم أولاد السبايا فقاسوا ما لم يكن
بما قد كان فضلوا وأضلوا))(٤) ولأن القياس فيه شبهة؛ لأن النص لم ينطق بشيء من
٨٢/ب
(١) قال السرخسي في أصوله: مذهب الصحابة ومن بعدهم من التابعين والصالحين والماضين من أئمة
الدين رضوان الله عليهم جواز القياس بالرأي على الأصول التي تثبت أحكامها بالنص لتعدية حكم
النص إلى الفروع جائز مستقيم يُدان اللَّه به، وقال الظاهرية لا يصلح حجة، وأول من أحدث هذا
القول إبراهيم النظام، وطعن في السلف لاحتجاجهم بالقياس ونسبهم بتهوره إلى خلاف ما
وصفهم اللَّه به، فخلع به ربقة الإسلام من عنقه، ثم تبعه على هذا القول بعض المتكلمين ببغداد،
ثم نشأ بعده رجل متجاهل يقال له داود الأصبهاني فأبطل العمل بالقياس. أصول السرخسي ٢/
١١٨، ١١٩، وقال البخاري في الكشف وهو حجة عند أهل القبلة سوى طائفة من الحديب
والإمامية والروافد والحنابلة المشبهة والخوارج إلا النجدات منم. كشف الأسرار ٢٧٠/٣، وانظر
المحصول ٢١/٥ وما بعدها، والبرهان ٤٩٠/٢ وما بعدها، وشرح الكوكب المنير ٢١٥/٤ وما بعدها .
(٢) في (ز) وأنزلنا وهو خطأ.
(٣) من الآية ٨٩ من سورة النحل .
(٤) الحديث أخرجه ابن ماجة باب اجتناب الرأي والقياس عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:
سمعت رسول اللَّه ◌َ﴿ يقول: لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا
الأمم فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا ((سنن ابن ماجة ٢١/١، وابن أبى شيبة في مصنفه عن عبد الله بن
عمرو قال: لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا
وأضلوا»
مصنف ابن أبى شيبة ٥٠٦/٧ والبزار في مسنده وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحدا قال عن هشام
عن أبيه عن عبد الله بن عمرو إلا قيس ورواه غير قيس مرسلا مسند البزار ٤٠٢/٦، والديلمي في
الفردوس بمأثور الخطاب عن واثلة بن الأسقع بلفظ " لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى كثرت
منهم السبايا فقاسوا ما لم يكن بما كان فضلوا وأضلوا "الفردوس ٤٥١/٣، والهيثمي في مجمع
الزوائد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﴿﴿ " لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى بدا
فيهم أبناء سبايا الأمم فأفتوا بالرأي فضلوا وأضلوا " وقال رواه البزار وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة
والثوري وضعفه جماعة وقال ابن القطان هذا إسناد حسن. مجمع الزوائد ١/ ١٨٠، والكنانى
في مصباح الزجاجة عن عبد الله بن عمرو بن العاص باب اجتناب الرأي والقياس ١١/١.
- ٣٨٩ -
وهو التأمل فيما أصاب من قبلنا من المثلات بأسباب نقلت عنهم لنكف عنها احترازًا
عن مثله من الجزاء، وكذلك التأمل في حقائق اللغة لاستعارة غيرها لها سائغ. والقياس
نظيره.
٦٠/أ
الأوصاف علة للحكم(١)، والحكم المطلوب حق الله - تعالى - فلا يصح إثباته بما / هو شبهة في
الأصل مع كمال قدرة صاحب الحق وهذا من حيث الدليل، وأما من حيث المدلول فلأنه
طاعة اللَّه - تعالى - ولا يطاع اللَّه بالمعقول(٢) والآراء، ووجه(٣) قولنا ما ذكره(٤) في المتن من
الكتاب، والسنة، والمعقول أما بيان الكتاب فقد حكى عن ثعلب(٥) أنه قال الاعتبار في اللغة
رد الشيء إلى نطيره وهذا هو القياس(٦)، وقيل الاعتبار التبيين قال الله - تعالى -: ﴿إِن كُنتُمْ
لِلِرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾(٧)، أي تبينون، والتبيين الذي يكون مضافا إلينا هو إعمال الرأي في معنى
المنصوص، ليتبين به الحكم في نظيره(٨)، وأما السنة فما روي عن النبي ◌ُّ قال لمعاذ(٩) حين
وجهه إلى اليمن: ((بم تقضي(١٠)؟))، قال: بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: بسنة
رسول الله. قال: ((فإن لم تجد؟))، قال: اجتهد برأي، فقال: ((الحمد لله الذي وفق رسولَ
رسولِه بما يرضى به رسولُه))(١١). ولو لم يكن القياس حجة موجبة للعمل بعد الكتاب
(١) فى (ب) الحكيم .
(٢) فى (ا، ب) بالعقول .
(٣) فى (١) وجه .
(٤) فى (أ، ب) ذكر.
(٥) سبقت ترجمته .
(٦) نسبه عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار إلى ثعلب وقال: ومنه يسمي الأصل الذي يرد إليه
النظائر عبرة. كشف الأسرار ٣٠٥/٣،
(٧) من الآية ٤٣ من سورة يوسف .
(٨) انظر: أصول السرخسي ١٢٥/٢.
(٩) سبقت ترجمته .
(١٠) فى (ا، ب) تقضى
(١١) الحديث أخرجه الترمذى باب ما جاء في القاضي كيف يقضي عن الحرث بن عمرو عن رجال
من أصحاب معاذ أن رسول اللَّهو ﴿ بعث معاذاً إلى اليمن فقال كيف تقضى؟ فقال: أقضي بما في
كتاب اللَّه. قال فإن لم يكن في كتاب اللَّه؟ قال: فبسنة رسول اللَّهُ مَ﴿ه قال: فإن لم يكن في سنة
رسول اللَّهُ ﴿ل قال: أجتهد رأيي قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول اللَّه مخ﴿ " وقال هذا
- ٣٩٠ -
والسنة لأنكر عليه رسول اللَّه ◌ُ لّ ولما مدحه ولما حمد اللَّه بتوفيقه لمعاذ [بالعمل](١) بالرأي،
وأما المعقول فلأن النص وهو قوله - تعالى -: ﴿فَأَعْتَبِرُوا﴾ أوجب التأمل فيما أصابهم من
المثلات(٢) وفى أسباب باشروها فاستوجبوا بها تلك العقوبات لنكف عن تلك الأسباب
احترازا عن مثل ما أصابهم من الجزاء فيكون هذا التأمل في الحكم والسبب والقياس نظيره؛
لأن النظر في القياس في الحكم والعلة، فيكون الأمر بالاعتبار شاملا للكل ولا يكون
مخصوصا بالمثلات فإن قيل: ما الفرق بين الاستدلال بالنص وبين هذا المعقول ؟ قلنا: إنه
استدل بالنص على أن القياس منصوص عليه واستدل بالمعقول على أن النص وإن ورد في
المثلات لكن القياس في معناه، ولأن التأمل في حقائق اللغة لاستعارة غيرها سائغ كالتأمل في
الإنسان الشجاع لاستعارة اسم الأسد له، والقياس نظيره من حيث أنه يتأمل في معنى(٣)
النص لإثبات حكم في كل موضع علم إنه مثل المنصوص عليه(٤).
حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل . الترمذى ٦١٦/٣، والدارمى عن
عمرو ابن الحارث بن أخي المغيرة بن شعبة عن ناس من أهل حمص من أصحاب معاذ عن معاذ أن
النبي ◌ُ / لما بعثة إلى اليمن قال: أرأيت إن عرض لك قضاء كيف تقضى؟ قال أقضي بكتاب الله
...... فضرب صدره ثم قال الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ اللَّه لما يرضى رسولَ اللَّه . سنن
الدرامى باب الذي يفتى الناس في كل ما يستفتى ٧٢/١، والبيهقى نحوه ١١٤/١٠، وأبو داود
باب اجتهاد الرأي في القضاء ٣٠٣/٣، وابن أبى شيبة في القاضي ما ينبغي أن يبدأ به في قضائه
٥٤٣/٤، وأحمد في مسنده ٢٣٠/٥، وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية باب في كيفية الحكم
والقضاء وقال: هذا حديث لا يصح وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه
ولعمرى إن كان معناه صحيحا إنما ثبوته لا يعرف؛ لأن الحارث بن عمرو مجهول، وأصحاب معاذ
من أهل حمص لا يُعرفون وما هذا طريقه فلا وجه لثبوته . العلل المتناهية ٧٥٨/٢، وقال في
تلخيص الحبير وتحفة الطالب ونصب الراية: قال البخاري في التاريخ الكبير لا نعرفه ولا يصح في
الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي . انظر: تلخيص الجبر ١٨٢/٤، وتحفة الطالب
١٥٢/١، ونصب الراية ٦٣/٤.
(١) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٢) المثلات: جمع مثلة بفتح الميم وضم الفاء العقوبة . مختار الصحاح مادة مثل صـ ٢٥٧ .
(٣) في (١) معاني .
(٤) انظر: أصول السرخسي ١٣٠/٢، ١٣١، وانظر كشف الأسرار للبخاري ٢٧٩/٣ .
- ٣٩١ -
وبيانه في قوله التكليفالا: ((الحنطة بالحنطة))؛ أي بيعوا الحنطة بالحنطة، والحنطة مكيل
قوبل بجنسه وقوله: ((مثلا بمثل)) حال لما سبق والأحوال شروط؛ أي: بيعوا بهذا الوصف
والأمر الوصف للإيجاب، والبيع مباح فيصرف الأمر إلى الحال التي هي شرط.
والمراد بالمثل: القدر بدليل ما ذكر في حديث آخر: ((کیلا بکیل))؛
قوله: (وبيانه في قوله {وَالتّ الحنطة بالحنطة)(١) أي بيان أن القياس نظير المثلات.
قوله: (أي بيعوا)(٢) لأنه لا أدخل الباء في الحنطة وهى للإلصاق فدلت على إضمار
فعل كما في قوله بسم الله، وذلك هو البيع لأن الحنطة بالحنطة مقابلة مال بمال وذلك بيع
فيكون معناه بيعوا وأيد هذا قوله وَ لّ: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء))(٣).
قوله: (والحنطة مكيل قوبل بجنسه)، أي الحنطة اسم علم لنوع طعام له صلاحية الكيل
كما يقال الماء مُرٍ وإن لم يكن القطرة منه مرويا ولكن له صلاحية الإرواء عند انضمام
قطرات أخر فيتناول الحنطة الحفنة وغيرها وقد قوبل بجنسه حيث قال الحنطة بالحنطة.
قوله(٤): (مثلا بمثل حال لما سبق)، وهو قوله الحنطة بالحنطة فكان(٥) معناه بيعوا حال
كونهما متماثلتين.
قوله: (والأحوال شروط) فالرجل إذا قال لعبده إن كلمت فلانا قائما فأنت حر فكلمه
قاعدا لم يعتق ولو كلمه قائما يعتق.
قوله: (والأمر للإيجاب) لما عرف في بابه والبيع مباح فلا يمكن إجراء الأمر على العموم
فيصرف إلى الحال/ التي هي شرط يعني إذا باشرتم بيع الطعام بالطعام فباشروا بصفة
التسوية/.
٨٣/ب
٥٩/ز
[قوله:](٦) (والمراد بالمثل القدر بدليل ما ذكر في حديث آخر: ((كيلا بکیل))(٧))، فكان
(١) الحديث سبق تخريجه.
(٢) في (أ) تبيعوا.
(٣) الحديث سبق تخريجه.
(٤) في (أ) وقوله.
(٥) في (أ) يكون.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٧) الحديث أخرجه أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ومطهّ الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير
- ٣٩٢ -
والمراد بالفضل: الفضل على القدر فصار حكم النص وجوب التسوية بينهما في القدر،
ثم الحرمة بناء على فوات حكم الأمر، هذا حكم النص.
والداعي إليه القدر والجنس؛ لأن إيجاب التسوية بين هذه الأموال يقتضي أن تكون
قوله: ((مثلا بمثل))، حتى لو باع كيلا من حنطة وزنه عشرة أمناء(١) بنصف هذا الكيل من
حنطة وزنها عشرة أمناء أيضا لا يصح البيع وإن كانا في المثل متساويين فعلم أن المراد به المثل
المكيف وهو الكيل.
قوله: (والمراد بالفضل الفضل على القدر)، أي على الكيل لا مطلق الفضل الذي هو اسم
لكل زيادة لعلمنا أن البيع ما شرع إلا للاستفضال والاسترباح.
قوله: (فصار حكم النص وجوب التسوية بينهما)، أي بين الحنطة والحنطة في الكيل وأما
الحرمة فبناء على فوات حكم الأمر؛ لأنه لما اتفق(٢) الحل على وجود التسوية لا يوجد بدونها
فثبت(٣) الحرمة ضرورة انعدام الحل فكان هذا الحكم أعني وجوب التسوية بينهما في الكيل
وكون الحرمة بناء على فوات حكم الأمر، حكم قوله وَالتّ: ((الحنطة بالحنطة)). عرفناه بالتأمل
في صيغة النص.
قوله: (والداعي إليه)، أي إلى حكم الأمر وهو وجوب التسوية القدر والجنس؛ لأن
إيجاب التسوية بين هذه الأموال يقتضي أن يكون هذه الأموال أمثالا متساوية ولن يكون
أمثالا متساوية إلا بالقدر والجنس؛ إذ كل موجود من المحدثات موجود بصورته ومعناه
والمماثلة محدثة فيقوم(٤) بالصورة والمعنى، ثم القدر عبارة عن امتلاء المعيار بمنزلة الطول
والتمر بالتمر والملح بالملح كيلا بكيل وزنا فمن زاد أو أزاد فقد أربي إلا ما اختلفت ألوانه («أحمد
٢٣٢/٢، والبيهقي عن أبي الأشعث الصنعاني أنه شهد خطبة يحدث عن النبي وَ طَّ نحوه. سنن
البيهقي ٢٩١/٥، وانظر تلخيص الحبير ٨/٣.
(١) المنا: الكيل أو الميزان الذي يوزن به، بفتح الميم مقصور يكتب بالألف، والمكيال الذي يكيلون به
السمن وغيره، وقد يكون في الحديد أوزانا، وتثنيته منوان ومنايان، والأول أعلى، وهو أفصح من
المن والجمع أمناء، وبنوا تميم يقولون هو منّ، ومنان وأمنان. لسان العرب مادة منا ٢٩٧/١٥،
ومختار الصحار ((منا)) ص٢٦٥.
(٢) في (أ، ب) توقف.
(٣) في (أ) فيثبت.
(٤) في (أ) فتقوم.
- ٣٩٣ -
أمثالا متساوية ولن تكون كذلك إلا بالقدر والجنس؛ لأن المماثلة تقوم بالصورة والمعنى
وسقطت قيمة الجودة بالنص.
هذا حكم النص، ووجدنا الأرز وغيره أمثالا متساوية، فكان الفضل على المماثلة فيها
فضلا خاليا عن العوض في عقد البيع مثل حكم النص بلا تفاوت فيلزمنا إثباته على طريق
الاعتبار.
سـ
والعرض فيما يزرع ويمسح فتحصل(١) بالقدر المماثلة صورة فإن ذراعا من الخشب يماثل
ذراعا من الثوب من حيث الطول فقط والجنس عبارة عن مشاكلة المعاني/ فثبتت(٢) به
المماثلة معني وعند اجتماعهما تتحقق(٣) صورة ومعنى كذراع من الخشب فإنه يماثل ذراعا
من الخشب صورة ومعني فهذا أيضا معنى معقول من هذا النص.
١/٦١
قوله: (وسقطت قيمة الجودة بالنص)، أي بقوله وَ التّ: ((جيدها ورديئها سواء))(٤).
قوله: (هذا حكم النص)، أي: هذا الذي ذكرنا من الأمور الثلاثة وهو وجوب التسوية
والحرمة عند فواته والداعي إليه حكم النص أما الأول فقد سيق له النص(٥) فكان ثابتا عبارة،
وأما الثاني فإنه وإن لم يسق له النص إلا أنه ثابت بالنظم بقوله: ((والفضل ربا» فكان ثابتا
إشارة، وأما الثالث فثابت ضرورة الأول فكان ثابتا اقتضاء فثبت أن الفعل حكم النص ثم لم
ببق بعدما تأملنا ووقفنا على هذه المعاني إلا الاعتبار.
قوله: (وقد وجدنا إلى آخره) فلما(٦) فرغ من بيان معاني المنصوص شرع في بيان ما هو
(١) في (أ) فيحصل.
(٢) في (أ) فيثبت.
(٣) في (أ، ب) يتحقق.
(٤) الحديث قال ابن حجر في الدرابة في تخريج أحاديث الهداية باب الربا. حديث ((جيدها ورديئها
سواء)) لم أجده ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد الذي ذكره قبله وهو: في الصحيحين
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وأبي سعيد أن النبي ◌ُّ قدم عليه تمر جنيب الحديث وفيه بع
هذا واشتر بثمنه من هذا)) الراية ١٥٦/٢، وقال في نصب الراية: قلت غريب ومعناه يؤخذ من
إطلاق حديث أبي سعيد المتقدم. نصب الدراية ٣٧/٤.
(٥) في (أ) النظم.
(٦) في (أ) لما.
- ٣٩٤ -
وهو نظير المثلات فإن الله - تعالى - قال: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمٍ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ﴾، (والإخراج من الديار عقوبةٌ؛ كالقتل والكفر يصلح
داعيًا إليه، وأول الحشر يدل على تكرار هذه العقوبة
نظيره في تلك المعاني ليعتبر (١) بالمنصوص فقال: وقد وجدنا الأرز وغيره كالدخن(٢)
والجص(٣) وسائر المكيلات والموزونات أمثالا متساوية وكان الفضل على المماثلة في الأرز
وغيره فضلا خاليا عن العوض في عقد البيع مثل حكم النص بلا تفاوت فيلزمنا إثبات الفضل
على طريق الاعتبار وذلك ربا حرام.
قوله: (وهو نظير المثلات)، أي القياس نظير المثلات في حق التأمل في السبب والحكم ما
بينهما وبين ما ذكرنا فرق.
قوله: (والإخراج من الديار عقوبة كالقتل)، قال اللَّه - تعالى.(٤): ﴿وَلَوْ أَنَّا كَنَبْنَا
تَسْلِيمًا أَنِ اُقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوْ مِن دِيَرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾(٥).
قوله: (والكفر يصلح داعيا إليه)، أي إلى الإخراج؛ لأنه لما صلح داعيا إلى القتل صلح
داعيا إلى الإخراج لأنه في معنى القتل.
قوله: (وأول الحشر يدل على تكرار هذه العقوبة)؛ لأن الأول يدل على الثاني(٦) بعده
والمراد بالحشر الإزعاج.
(١) في (أ) لتعتبره.
(٢) الدخن الجاورس، وفي المحكم: حب الجاروس واحداته دخنة لسان العرب ١٤٩/١٣ مادة دخن،
وقال ابن قتية: والدخن وهن: الجاروس واللوبياء والذرة وأشباه ذلك مما يبقى في أيدي الناس للزكاة
لأنها حب. الغريب لابن قتيبة ١٨٦/١.
(٣) الجص: معروف الذي يطلي به وهو معرب. قال ابن دريد: هو الجص ولم يقل الجَص، وليس
الجص بعربي وإنما هو من كلام العجم، ولغة أهل الحجاز في الجص: القص. ورجل جصاص صانع
للجص. لسان العرب مادة خصص ١٠/٧.
(٤) من الآية ٦٦ من سورة النساء.
(٥) في (ب) قليل منهم وفي (أ) إلى قليل بالنصب.
(٦) في (أ، ب) على ثان.
- ٣٩٥ -
ثم دعانا إلى الاعتبار بالتأمل في معاني النص للعمل به فيما لا نص فيه فكذلك هاهنا.
والأصول في الأصل معلولة إلا أنه لابد في ذلك من دلالة التميز.
٨٤/ب
قوله: (ثم دعانا بقوله فاعتبروا إلى الاعتبار بالتأمل في معاني النص للعمل به فيما لا نص فيه
قوله فكذلك هنا)، وهو / مسألة الربا إذ لا فرق بين حكم هو هلاك في محل باعتبار معنى هو
كفر، وبين حكم هو تحليل أو تحريم في محل باعتبار معنى هو قدر وجنس. فالتنصيص على
الأمر بالاعتبار في أحد الموضعين يكون دالا(١) على الأمر في الموضع الآخر، وأما جواب
الخصم عن الكتاب قلنا صار الكتاب تبيانا لكل شيء من هذا الوشم لأن ما ثبت بالقياس
مضاف إلى النص. والجواب عن السنة ظاهر، لأنا نقيس ما كانا بما كان؛ لأنا نبين أن حكم
النص ثابت في الفروع(٢) ونظهره لا أن تثبته ابتداء، وأما عن المعقول فجائز وضع الأسباب
للعمل على هذا الوجه كالنصوص المحتملة بصيغها(٣) من الكتاب والسنة ويلزم من ذلك أن
طاعة الله - تعالى - لا تتوقف(٤) على علم اليقين(٥).
قوله: (والأصول في الأصل معلولة) والمراد بالأصول الكتاب والسنة والإجماع، وقيل:
هي غير معلولة في الأصل ما لم يقم الدليل عليه؛ لأن النص موجب بصيغته وبالتعليل ينتقل
حكمه إلى معناه وذلك كالمجاز من الحقيقة ولا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل
فكذا هنا وقيل هي معلولة بكل وصف يمكن إلا لمانع(٦) لأن الشرع لما جعل القياس حجة ولا
يصير حجة إلا بأن يجعل أوصاف الناس(٧) علة صارة الأوصاف كلها صالحة إلا لمانع.
وقيل: هي معلولة لكن لابد من دليل مميز وهذا أشبه بمذهب الشافعي؛ لأنه لا يجوز التعليل
بكل الأوصاف لأنه ما شرع إلا للقياس مرة وللعجز (٨) عن القياس أخرى عند الشافعي،
(١) في (أ، ب) دليلا.
(٢) في (أ، ب) الفرع.
(٣) في (أ، ب) بصيغتها.
(٤) في (أ، ب) يتوقف.
(٥) انظر أصول البزدوي ومعه كشف الأسرار للبخاري ٢٨٤/٣ - ٢٩١.
(٦) في (أ، ب) بمانع.
(٧) في (أ، ب) النص.
(٨) في (أ، ب) وللحجر.
- ٣٩٦ -
ولا بد قبل ذلك من قيام الدليل على أنه للحال شاهد.
وهذا سد(١) باب القياس أصلا؛ لأن كل موضع وجد الكل فيه فهو منصوص عليه وفى
موضع انعدم البعض لا يثبت الحكم؛ لأن العلة بجميع الأوصاف ولم يوجد فيلزم(٢) انسداد
باب القياس فوجب التعليل بواحد من الجملة فلا بد من دليل يوجب التمييز لكون ذلك
الواحد مجهولا، وعندنا هي معلولة لما مر في القول الثالث لكن لا بكل وصف لما عرف في
الرابع، غير أنا شرطنا دلالة تمييز وصف من أوصاف النص لجواز التعليل في كل أصل بطريق
آخر وهو أن يكون/ الوصف صالحا للحكم ثم يكون معدلا لما يذكر(٣) في قسم ركن القياس
إن شاء اللَّه لا على الوجه الذي اعتبروه.
٦٠/ز
قوله: (ولا بد قبل ذلك)، أي قبل تمييز وصف من الأوصاف لا بد من دليل تفصيلي على
كون الأصل معلولًا في الحال؛ لأنا قد وجدنا من النصوص ما هو غير معلول فاحتمل هذا أن
يكون من تلك الجملة لكن هذا الأصل لم يسقط بالاحتمال ولم يبق حجة على غيره وهو
الفرع بالاحتمال أيضا على مثال استصحاب الحال، ولا يلزم على ما قلنا أن الاقتداء
بالرسول ◌َّ واجب مع قيام الاختصاص/ في بعض الأمور؛ لأن الاقتداء بالنبي بَطَّ إنما
وجب لكونه رسولا، وهذا لا شبهة فيه فيكون الاقتداء هو الأصل واختصاصه ببعض
الأمور بمنزلة دليل التخصيص في العام والعمل بالعام مستقيم حتى يقوم دليل التخصيص
فكذلك الاقتضاء به في أفعاله. فأما هنا احتمال كون النص غير معلول ثابت في كل أصل
مثل كونه معلولا، لما أن الشرع ابتلانا بالوقف مرة كما في المتشابهات وبالاستنباط أخرى
فيكون هذا بمنزلة المجمل فيما يرجع إلى الاحتمال، والعمل بالمجمل لا يكون إلا بعد قيام
دليل هو بيان فكذا تعليل الأصول، وبيان هذا في الذهب والفضة فإن حكم النص في ذلك
معلول ولا يفيدنا(٤) الاستدلال بأن التعليل أصل في النصوص/ بل لابد من إقامة الدليل
على أن هذا النص معلول. ودلالة ذلك أن قوله: ((يدا بيد))، يضمن(٥) إيجاب التعيين؛ لأنه
١/٦٢
٨٥/ب
(١) في (أ، ب) يسد.
(٢) في (أ) فلزم.
(٣) في (ب) نذكره.
(٤) في (أ) يقيدنا.
(٥) في (أ، ب) تضمن.
- ٣٩٧ -
ثم للقياس تفسير لغة وشريعة كما ذكرنا وشرط ورکن وحكم ودفع،
لابد من تعيين أحد البدلين في كل عقد فإن الدين بالدين سلم(١)، وتعيين بدل(٢) الآخر
شرط تحقيقا للاستواء بينهما احترازا عن شبهة الفضل وهذا حكم تعدي إلى الغير حتى
قال الشافعي في بيع الطعام بالطعام إن التقابض شرط وقلنا جميعا فيمن اشترى قفيز حنطة
بعينها بقفيز شعير بغير عينه حالا غير مؤجل أنه باطل وإن كان موصوفا وشرطنا القبض في
رأس مال السلم؛ لتحقق معنى التعيين وإذا ثبت التعدي ثبت أنه معلول؛ لأن التعدية حكم
التعليل(٣).
قوله: (ثم للقياس تفسير لغة وشريعة كما ذكرنا)، اعلم أن الكلام في هذا الباب ينقسم
إلى خمسة أقسام: في نفس القياس، وشرطه، ور کنه، وحكمه، ودفعه، وقد عرف القسم
الأول فبقي الكلام في أربعة أخرى، وإنما أعاد الأول ليعلم أن ذلك مما يحتاج إلى معرفته لما أنه
جمع بين ذكره وذكر ما لابد من معرفته وهي الأقسام الأربعة فلا بد وأن يشترك في حكم من
الأحكام ولا اشتراك إلا فيما ذكرنا، وإنما قلنا إنه يحتاج إلى معرفته، وذلك لأن الكلام لا
يصح إلا بمعناه؛ لأن ما خلا عن معنى يكون ملحقا بألحان الطيور، وإذا افتقر الكلام إلى المعنى
يحتاج إلى معرفة ذلك وبيان أنه لابد من معرفة الأقسام الأربعة، أما الشرط فلأن وجود
الشيء على وجه يكون معتبرا شرعا لا يكون إلا عند شرطه فيحتاج إلى معرفته، وأما الركن
فلأن ركن الشيء عبارة عن ذاته وثبوت الشيء بدون ذاته محال فلابد وأن يتصور ذلك،
وأما الحكم فلأن الشيء إنما يخرج عن حد العبث والسفه إلى حد الحكمة لكونه (٤) مفيدا
وذلك إنما يكون بحكمة فمست الحاجة إلى معرفته، وأما الدفع فلأن القياس للإلزام وتمام
الإلزام إنما يكون بالعجز عن الدفع فوجب معرفة طرق الدفع.
(١) في (أ، ب) سلم حرام.
(٢) في (أ، ب) البدل.
(٣) انظر كشف الأسرار للبخاري ٢٩٦/٣ وما بعدها.
(٤) في (أ) يكونه.
- ٣٩٨ -
فشرطه: أن لا یکون الأصل مخصوصًا بحکمه بنص آخر کشهادة خزيمة، وأن لا یکون
معدولا به عن القیاس؛
القسم الأول من شروط القياس
قوله: (فشرطه أن لا يكون الأصل أي المقيس عليه مخصوصًا بحكمه) أي مفردًا(١)
بحكمه بنص آخر يعني لا يكون [حكم](٢) المقيس عليه مخصوصًا؛ لأنه إذا كان مخصوصًا
كان حكمه أيضا مخصوصًا به وإنما اشترط هذا؛ لأن التعليل لتعدية الحكم إلى محل آخر
وذلك يبطل التخصيص الثابت بالنص فكان هذا تعليلا في معارضة النص يدفع(٣) حكمه،
والقياس في معارضة النص باطل بيانه: أن الله تعالى شرط العدد في عامة الشهادات ثم خص
رسول الله وَّ خزيمة ◌ُه بقبول شهادته وحده لقوله ﴾ ((من شهد له خزيمة فهو
حسبه))(٤) فلا يصح تعدية هذا الحكم إلى من هو مثله في العدالة أو فوقه؛ لأن الأصل وهو
شهادة خزيمة وحده إنما صار مخصوصًا بالقبول لحديث إكرامًا له فلو جاز تعديته إلى غيره
لبكل حكم ثبت صار مخصوصًا بالقبول لحديث إكرامًا له فلو جاز تعديته إلى غيره لبطل
حكم ثبت اختصاصه به كرامة له إذ ذلك بالصفة الخاصة دون العامة.
قوله: (وأن يكون الأصل(٥) معدولا به عن القياس) معناه وأن لا يكون الحكم في الأصل
(١) في (أ، ب) منفردًا.
(٢) ما بين القوسين ساقط من ب.
(٣) في (أ، ب) لدفع.
(٤) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك عن عمارة بن خزيمة عن أبيه خزيمة بن ثابت أن
رسول الله ◌ّ ابتاع من سواء بن الحارث المحاربي فرسًا فجحده فشهد له خزيمة بن ثابت فقال
رسول الله ◌َّ ما حملك على الشهادة ولم تكن معه؟ قال: صدقت يا رسو الله ولكن صدقتك
بما قلت وعرفت أنك لا تقول إلى حقًا فقال: ((من شهد له خزيمة وأشهد عليه فحسبه)) وأورده من
طريق آخر بصيغة مطولة وقال صحيح الإسناد باتفاق الشيخين ثقات ولم يخرجاه. المستدرك ٢/
٢٢، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الشهادات باب الأمر بالإشهاد ١٤٦/١٠، والطبراني في
الكبير ٨٧/٤، وكشف الخفاء ١٩/٢، والهيثمي في مجمع الزوائد وقال رجاله ثقات. باب ما جاء
في خزيمة بن ثابت داته ٣٢٠/٩.
(٥) في (أ، ب) أي الأصل.
- ٣٩٩ -
كبقاء الصوم مع الأكل والشرب ناسيًا.
وأن يتعدى الحكم الشرعي الثابت بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه فلا
یستقيم التعلیل لإثبات اسم الزنا للواطة؛
مخالفًا للقياس؛ لأن المقصود بالتعليل إثبات الحكم به في الفرع، وإذا كان الحكم(١) مخالفًا
للقياس لم يصح إثباته به كالنص النافي لا يصلح للإثبات(٢).
قوله: (كبقاء الصوم مع الأكل ناسيًّا)، فإن ركن الصوم وهو الكف عن اقتضاء
الشهوتين ينعدم بالأكل ناسيًا وأداء العبادة بعد فوات ركنها لا يتحقق فعرفنا أنه معدول به عن
القياس فإن قيل/ النص ورد في الأكل والشرب وقد عدّيتم حكم النص إلى الجماع وكان
ذلك بطريق التعليل.
٨٦/ب
قلنا: ما أثبتنا هذا الحكم في الجماع بالتعليل بل ثبت(٣) بدلالته النص؛ لأنهما سواء في
قيام الركن بالكف عنهما(٤).
قوله: (وأن يتعدى الحكم الشرعي الثابت بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه) فهذا
شرط واحد تسمية، وشروط خمسة تفصيلا فإنه شرط التعدي بقوله: وأن يتعدى الحكم
[الشرعي](٥)؛ إذ التعليل بالعلة القاصرة لا يجوز عندنا خلافا للشافعي على ما نذكره إن شاء
الله تعالى، وأن يكون المتعدي حكما/ شرعيا، وأن يتعدى الحكم بعينه من غير تغيير(٦) وأن
يتعدى إلى فرع هو نظيره، وأن يكون الفرع خاليا عن النص وسماه شرطا واحدا؛ لأن الكل
من باب التعدية؛ إذا التعدية عبارة عن هذه الجملة، وإنما اشترط هذا؛ لأن القياس محاذاة بين
١/٦٣
(١) في (أ) الحكم في الأصل، وفي (ب) الحكم ساقطة.
(٢) قال السرخسي: مثال ذلك ما قال أبو حنفية رحمة الله في جواز التوضؤ بنبيذ التمر، فإنه حكم
معدول به عن القياس بالنص فلم يكن قابلا للتعليل حتى لا تعدي الحكم إلى صلاة الجنازة وسجدة
التلاوة؛ لأن النص ورد في صلاة مطلقة وهي ما تشتمل على جميع أركان الصلاة. أصول
السرخسي ١٥٣/٢.
(٣) في (أ) يثبت.
(٤) انظر الاعتراض والجواب في أصول السرخسي ١٥٣/٢.
(٥) ما بين القوسين ساقط من أ، ب.
(٦) في (أ) تغير.
- ٤٠٠ -