النص المفهرس

صفحات 301-320

يكون اتصالا فيه شبهة صورة ومعنى كخبر الواحد وهو كل خبر يرويه الواحد والاثنان
فصاعدا، لا عبرة للعدد فیه بعد أن یکون دون المشهور والمتواتر، وأنه یوجب العمل دون
وقال عامة مشايخنا/ إنه يوجب/ علمًا قطعيًا، لأن المشهور ما تلقته العلماء بالقبول، فوجد
إجماع أهل العصر على قبوله فيكون حكمه حكم الإجماع، وذا موجب للعلم قطعًا فكذا
هذا حتى قال البعض: إنه يكفر جاحده(١).
٤٢/ز
٥٦/ب
قوله: (بعد أن يكون دون المشهور والمتواتر) وذلك بأن يرويه في القرن الأول والثاني من
يتوهم تواطؤهم على الكذب فبعد ذلك لا يخرج عن كونه خبر الواحد، وإن كثر روايته(٢).
قوله: (بالكتاب والسنة) أما الكتاب فقوله - تعالى -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾(٣) وكل واحد إنما يخاطب بما في وسعه، فلو لم يكن خبره حجة
لما أمر ببيان العلم، وأما السنة فقد صح عن رسول اللَّه و﴿ّ قبول خبر الواحد كخبر بريرة في
الهدية (٤) وخبر سلمان في الهدية والصدقة(٥)، ومشهور عنه بعث الأفراد إلى الآفاق مثل
(١) إلى أن المشهور يوجب علم طمأنينة ذهب ابن أبان، واختاره القاضي أبو زيد، وشمس الأئمة،
وفخر الإسلام، والنسفي، وعامة المتأخرين، وذهب أبو بكر الجصاص، وجماعة من أصحابنا من
الشافعية إلى أنه يوجب اليقين كالمتواتر بطريق الاستدلال لا بطريق الضرورة. والجصاص يجعل
المشهور قسمًا من المتواتر والجمهور على أن المستفيض قسم من أقسام خبر الواحد، انظر كشف
الأسرار للبخاري ٣٦٨/٢، وفواتح الرحموت ١١١/٢، والبرهان ٣٧٨/١، وحاشية البناني على
شرح المحلي على جمع الجوامع ١٣/٢. وشرح الكوكب المنير ٣٤٧/٢.
(٢) في (أ) رواته.
(٣) من الآية ١٨٧ من سورة آل عمران.
(٤) أخرجه البخاري كتاب الزكاة باب إذا تحولت الصدقة عن عائشة - رضي الله عنها - أنها أرادت أن
تشتري بريرة للعتق وأراد مواليها أن يشترطوا ولاءها فذكرت عائشة للنبي﴿ فقال لها النبي مَل:
(اشتريها فإنما الولاء لمن أعتق)، قالت: وأتى النبي وَ﴿ّ بلحم فقلت هذا ما تصدق به على بريرة
فقال: ((هو لها صدقة ولنا هدية)). صحيح البخاري ٥٤٣/٢، ومسلم كتاب العتق باب الولاء لمن
أعتق عن عائشة صحيح مسلم ١١٤٤/٢ وابن حبان ٩٣/١٠ والدارمي ٢٢٢/٢ وأحمد في
مسنده ١٧٢/٦ وانظر نصب الراية ٢٨١/٤، وبريرة مولاة عائشة كانت لعتبة بن أبي لهب، وقد
عاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية انظر ترجمتها في تقريب التهذيب ٧٤٤/١، وتهذيب الكمال
١٣٦/٣٥، والإصابة ٥٣٥/٧.
(٥) حديث سلمان طويل جدًّا وله طرق منها ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن عبدالله بن رجاء
- ٣٠١ -

العلم اليقين بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول،
علي(١) ومعاذ(٢) ودحية(٣) وعتاب (٤) وغيرهم.
حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي قرة الكندي عن سلمان، وأخرجه الحاكم في المستدرك في
کتاب الفضائل عن زيد بن صوحان أنه سأل سلمان کیف بدء إسلامك فقال سلمان: کنت يتيما
من رامهرمز فذكره مطولًا إلى أن قال: فقال لي - يعني الراهب الذي لازمه سلمان -: يا سلمان، إن
الله وَّ باعث رسولا اسمه أحمد يخرج بتهامة علامته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين
كتفيه خاتم وهذا زمانه فقد تقارب قال: فخرجت في طلبه فكلما سألت عنه قالوا لي: أمامك حتى
لقيني ركب من كلب فأخذوني فأتوا بي بلادهم فباعوني لامرأة من الأنصار فجعلتني في حائط
لها، وقدم رسول الله وَ لّ فأخذت شيئًا من تمر حائطي فجعلته على شيء وأتيته فوضعته بين يديه،
وحوله أصحابه وأقربهم إليه أبو بكر فقال: ما هذا؟ قلت: صدقة فقال للقوم كلوا ولم يأكل، ثم
لبثت ما شاء الله وذهبت فصنعت مثل ذلك فلما وضعته بين يديه قال: ((ما هذا؟)) قلت: هدية.
فقال: (باسم الله))، وأكل وأكل القوم، ودرت خلفه ففطن لي، فألقي ثوبه فرأيت الخاتم في ناحية
كتفه الأيسر ثم درت فجلست بين يديه، قلت أشهد أن لا اله إلا الله وأنك رسول قال من أنت:
قلت مملوك قال: لمن؟ قلت: لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها فسألني فحدثته جميع
حديثي فقال التّ لأبي بكر يا أبا بكر اشتره فاشتراني أبو بكر فأعتقني. وقال: صحيح ولم
يخرجاه. قال الزيلعي: قال الذهبي في مختصره بل مجمع على ضعفه، ثم أخرجه الحاكم عن عبد
الله بن عبد القدوس فذكره بزيادات ونقص وقال: صحيح الإسناد. قال الذهبي وابن عبد
القدوس: ساقط. انظر صحيح ابن حبان ٦٤/١٦، والحاكم في المستدرك ٦٩٢/٣، ٦٩٧،
ونصب الراية ٢٧٥.
(١) هو على بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الحسن أول
الناس إسلامًا في قول كثير من أهل العلم، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، تربي في حجر
النبي ولم يفارقه وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد. الإصابة في
تمييز الصحابة ٥٦٤/٤ وانظر تذكرة الحفاظ ١٠/١، ومشاهير علماء الأمصار ٦/١.
(٢) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدى بن كعب بن عمرو أبو عبد الرحمن الأنصاري
الخزرجي كان أبيض الوجه براق الثنايا أكحل العينين شهد المشاهد كلها وروى عن النبي ﴿.
أحاديث ومناقبه كثيرة جدًّا، قدم من اليمن في خلافة أبي بكر ومات بالطاعون سنة سبع عشرة
وعاش ٣٤ سنة الإصابة ١٣٦/٦، وتذكرة الحفاظ ١٩/١، وتهذيب الكمال ١٠٥/٢٨.
(٣) دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج صحابي مشهور أول
مشاهده الخندق وقيل أحد ولم يشهد بدرًا وكان يضرب به المثل في حسن الصورة وكان جبريل ينزل
على صورته، نزل دمشق وعاش إلى خلافة معاوية. الإصابة ٣٨٤/٢، وتهذيب الكمال ٤٧٣/٨.
(٤) عتاب بالتشديد بن أسيد بفتح أوله بن أبي العيض بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو عبدالرحمن
- ٣٠٢ -

وقيل: لا عمل إلا عن علم بالنص، فلا يوجب العمل، أو يوجب العلم؛ لانتفاء اللازم أو
لثبوت الملزوم، والراوي إن عرف بالفقه والتقدم في الاجتهاد كالخلفاء الراشدين
والعبادلة ضيه، كان حديثه حجة يترك به القياس خلافا لمالك، وإن عرف بالعدالة
قوله: (وقيل لا عمل إلا عن علم)(١) لقوله - تعالى -: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ،
عِلْهٌ﴾(٢)، أي: لا يتبع(٣) فكان العلم لازمًا للعمل ثم قال بعض هؤلاء: إنه لا يوجب العلم لما
فيه من الشبهة صورة لأنه لم يتصل برسول اللَّه و﴿ّ قطعًا ومعنى، لأنه لم يتلقيه(٤) العلماء
بالقبول، فلا يوجب العمل لانتفاء لازمه وهو العلم، وقال بعضهم: إنه يوجب العمل لما مر من
الكتاب والسنة فيوجب العلم لثبوت(٥) الملزوم وهو العمل.
قوله: (العبادلة) إما تكسير(٦) عبدل لأن من العرب من يقول في عبد عبدل، وفی زید
زيدل، وإما جمع العبد وضعًا كالنساء للمرأة كذا في الإقليد(٧) وهم: عبد الله بن مسعود،
وعبد اللَّه بن عباس وعبد الله بن عمر .
.
(٨)
قوله: (خلافا لمالك) فإنه يقدم القياس على خبر الواحد لما أن القياس حجة بإجماع
السلف من الصحابة، والإجماع أقوى من خبر الواحد، فكذا ما يكون ثابتًا بالإجماع
أمه زينب بنت عمرو بن أمية أسلم يوم الفتح واستعمله النبي و ﴿ على مكة. لما سار إلى حنين وأقره
أبو بكر على مكة إلى أن مات يوم مات وكان عمره يوم استعمل نيفا وعشرين سنة مات بمكة سنة
ثلاث عشرة. الإصابة ٤٢٩/٤، تهذيب الكمال ٢٨٢/١٩ طبقات خلفية ص ٢٧٧.
(١) وهو مذهب أهل الحديث وبه قال أحمد في رواية، والقاشاني والروافص، وابن داود وجماعة من
المتكلمين وداود الظاهري ثم اختلفوا فقال أحمد ومن وافقه من أصحاب الحديث إن خبر الواحد
يوجب العلم والعمل، وقال القاشاني في رواية والروافض لا يوجبهما. حاشية الرهاوي ص ٦٢١،
٦٢٢، وفتح الغفار ٨٧/٢.
(٢) من الآية ٣٦ من سورة الإسراء.
(٣) في (١) و(ب) تتبع.
(٤) في (أ) و(ب) لم يتلقه وهو الصواب.
(٥) في (ب) بثبوت.
(٦) أي جمع تكسير.
(٧) كتاب الإقليد كتاب في النحو لتاج الدين الفزاري.
(٨) هؤلاء هم العبادلة عند الفقهاء وكذا عند المحدثين غير أنهم يستبدلون عبد الله بن الزبير بعبد الله
ابن مسعود. حاشية الرهاوي ص ٦٢٢، ونور الأنوار ٢١/٢، وحاشية عزمي زاده ص ٦٢٢.
- ٣٠٣ -

والضبط دون الفقه كأنس، وأبي هريرة خيّه إن وافق حديثه القياس عمل به، وإن خالفه
لم يترك إلا بالضرورة كحديث المصرَّاة وإن كان مجهولا لم يعرف إلا بحديث أو
قلنا(١): إن الخبر يقين بأصله، وإنما الشبهة في نقله، والرأي محتمل بأصله في كل وصف على
الخصوص، فكان الاحتمال في الرأي أصلًا، وفى الحديث عارضًا(٢).
قوله: (دون الفقه) أي بالنسبة إلى فقهاء زمانه كالخلفاء الراشدين والعبادلة، وزيد بن
ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهم - رضي الله عنهم - ممن اشتهر
بالفقه والاجتهاد.
قوله: (وإن خالفه لا يترك إلا بالضرورة) معناه أن خبر غير الفقيه من الصحابة إذا كان
مخالفا للقياس لا يترك [الخبر](٣) إزدراءً بهم، ومعاذ اللَّه من ذلك، فهم نجوم الهدى غير أنهم
كانوا ينقلون بالمعنى والوقوف(٤) ما أراده رسول الله وفض له بكلامه أمر عظيم فقد أوتي جوامع
الكلم، والناقل بالمعنى إنما ينقل بقدر فهمه من العبارة فإذا قصر فهمه لا يؤتمن عليه من أن
يفوته بعض المراد فقلنا: إذا روى حديثا ينفى كون القياس حجة يترك الحديث لضرورة
انسداد باب الرأي بخلاف ما إذا كان موافقًا لقياس ومخالفا لقياس آخر فإنه لا يترك، أما
المخالف مطلقًا فمثل حديث أبي هريرة في المصراة(٥) وهو قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا
(١) في (أ) و(ب) وقلنا.
(٢) ذهب الإمام مالك إلى أن القياس مقدم على خبر الواحد إن خالفه لما روي أن أبا هريرة لما روى:
«من حمل جنازة فليتوضأ)). قال له ابن عباس : أيلزمه الوضوء من حمل عيدان؟! ونحن نقول:
إن الخبر يقين بأصله وإنما الشبهة في طريق وصوله، والقياس مشكوك بأصله ووصفه فلا يعارض
الخبر قط واستثني الإمام من ذلك أربعة أحاديث وقدمها على القياس منها حديث غسل الأنامل من
ولوغ الكلب، وحديث المصراة، وحديث القرعة. انظر شرح ابن ملك وبهامشه حاشية الرهاوي
ص ٦٢٢، ٦٢٣، ونور الأنوار ٢١/٢، ٢٢.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٤) في (أ) و(ب) والوقوف على ما.
(٥) أصل التصرية: حبس الماء يقال: صريت الماء إذا حبسته، وقال أبو عبيد وأكثر أهل اللغة: التصرية:
حبس اللبن في الضرع حتى يجتمع، وإنما اقتصر على ذكر الإبل والغنم دون البقر، لأن أغلب
مواشيهم كانت من الإبل والغنم والحكم واحد وقال الشافعي: التصرية هي ربط أخلاف الشاة أو
الناقة، وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر، فيظن المشترى أن ذلك عادتها، فيزيد في ثمنها لما يرى
- ٣٠٤ -

بحدیثین کوابصة بن معبد فإن روى عنه السلف،
تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها
أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر))(١) وتفسيرها: أن يريد بيع الناقة والشاة فيحقن
اللبن أي فيجمع في ضرعها أيامًا لا يحلبها لترى أنها كثيرة اللبن فالأمر برد صاع من التمر
مكان اللبن قل اللبن أو كثر مخالف للقياس الصحيح من كل وجه؛ لأن الشيء إنما يضمن إما
بالمثل أو بالثمن أو بالقيمة والتمر ليس بمثل ولا بثمن ولا بقيمة؛ لأن القيمة إنما تكون/
بالدراهم والدنانير، والقياس الصحيح حجة بالكتاب والسنة المشهورة، فما خالف القياس
الصحيح فذلك بالنظر إلى المعنى يكون ناسخا للكتاب والسنة، فينسد باب الرأي بخلاف ما
إذا كان الراوي فقيهًا؛ لأن المراد لا يخفي عليه لقوة فهمه وزيادة ضبطه(٢).
٥٧/ب
من كثرة لبنها. وانظر لسان العرب ١٥٧/١١ مادة حفل، والغريب لابن سلام ٢٤١/٢، وأثر
الاختلاف في القواعد الأصولية ص ٤٢٠.
(١) الحديث أخرجه بهذا اللفظ ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة څه انظر صحيح ابن حبان ١١/
٣٤٣، وأخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة بلفظ: ((لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها
بعد ذلك فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاع تمر)). وكذا
أخرجه مسلم عن أبي هريرة بزيادة: ((لا يتلقى الركبان لبيع ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا
تناجشوا ولا يبع حاضر لباد)»، في أوله وكذا أخرجه أبو داود ٢٧٠/٣، والدارقطني ٧٥/٣،
وأحمد في مسنده ٤١/٣. بألفاظ متقاربة، انظر صحيح البخاري كتاب البيوع باب النهى للبائع
أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم وكل محفلة ٧٥٥/٢، وصحيح مسلم كتاب البيوع باب تحريم بيع
الرجل على بيع أخيه ١١٥٥/٣.
(٢) اختلف الفقهاء في حكم المصراة إذا اطلع المشترى على هذا العيب، هل له الخيار في الرد؟ وإذا قلنا
بثبوت الخيار فما هو الشيء الذي يرده في مقابلة اللبن الذي احتلبه؟ ذهب الجمهور من العلماء إلى
ثبوت الخيار، وإلى أنه يرد بدل اللبن صاعًا من تمر واستدلوا بالحديث المذكور، وذهبت الحنفية إلى
أنه لا يرد بعيب التصرية، ولا يجب رد صاع من التمر، غير أن زفر قال قول الجمهور، إلا أنه قال
يتخير بين صاع تمر، أو نصف صاع بر، وأبو يوسف أجاز أخذ قيمة اللبن، وردوا حديث أبي هريرة
بأنه حديث آحاد من رواية أبي هريرة، ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ
بما رواه مخالفا للقياس الجلي انظر أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص ٤٢٠، ٤٢١، وقد
فصلنا القول في هذه المسألة في القسم الدراسي فليراجع.
- ٣٠٥ -

أو اختلفوا فيه، أو سكتوا عن الطعن صار كالمعروف، وإن لم يظهر من السلف إلا الرد
كان مستنكرًا فلا يقبل، وإن لم يظهر في السلف فلم يقابل برد ولا قبول
قوله: (أو اختلفوا فيه) مثل حديث معقل بن سنان أبي محمد(١) الأشجعي(٢) في حديث
بروع بنت واشق الأشجعية(٣) أنه مات عنها هلال بن مرة، ولم يكن فرض لها ولا دخل بها
فقضى لها رسول اللَّه وَطَّبمهر مثل نسائها (٤) فقبل ابن مسعود حديثه؛ لأنه وافق قياسه فإنه
قاسه بما إذا وقعت الفرقة بعد الدخول ولم يكن سمى لها مهرًا، وهذا لأن الموت بمنزلة
الدخول بدليل وجوب العدة وغيرها، وردّه علىُّ رُبّه لمخالفته قياسه فإنه لا يجب مهر المثل
عنده قياسًا على ما إذا وقعت الفرقة بالطلاق قبل الدخول ولم يسم لها مهرا، ولم يعمل
الشافعي بهذا القسم؛ لأنه خالف القياس من وجه عنده وعندنا هو حجة؛ لأنه وافق القياس،
(١) في (١) ابن أبي محمد.
(٢) هو معقل بن سنان بن مظهر بن عركي بن فيتان بن سبيع بن بكر بن أشجع الأشجعي أبو محمد،
ويقال: أبو عبدالرحمن، ويقال: أبو زيد، ويقال: أبو عيسى، ويقال: أبو سنان له صحبة، شهد فتح
مكة مع النبي ◌َ / وكان حامل لواء قومه يومئذ، قتل صبرا على يد مسلم بن عقبة المري سنة ٦٣،
وقال فيه بعض الشعراء:
ألا تكلم الأنصار تبكي سراتها
وأشجع تبكي معقل بن سنان
انظر تهذيب الكمال ٢٧٣/٢٨، والطبقات الكبرى ٢٨٢/٤، وتهذيب التهذيب ٢١٠/١٠،
والإصابة ١٨١/٦، وضبطه معقل بفتح الميم وكسر القاف المعجمة، ومعناه الملجأ مختار الصحاح
مادة عقل ص ١٨٧
(٣) هي بروع بنت واشق الرؤاسية الكلابية أو الأشجعية زوج هلال بن مرة لها ذكر في حديث معقل
الأشجعي وغيره. انظر الإصابة في تمييز الصحابة ٥٣٤/٧، والثقات ٣٨/٣، والصواب في ضبطها
بروع بفتح الباء وأصحاب الحديث يقولون بكسر الباء وهو خطأ والصواب الفتح، لأنه ليس في
الكلام فعول إلا خروع وعتوَد اسم واد، وبروع اسم ناقة الراعي عبيد بن حصين النميري الشاعر،
وقال بن بري بروع اسم أم الراعي، ويقال اسم ناقته، وواشق القليل من اللبن. انظر لسان العرب
مادة برع ٨/٨، ١٠، ٣٨١، مادة وشق.
(٤) الحديث أخرجه الترمذي عن علقمة عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها
صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها ولا وكس ولا شطط
وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: (قضى رسول الله ﴿ في بروع
بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت ففرح بها ابن مسعود). قال أبو عيسى: حسن صحيح
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﴿ وغيرهم. سنن الترمذي ٤٥٠/٣،
- ٣٠٦ -

يجوز العمل به ولا يجب، وإنما جعل الخبر حجة بشرائط في الرواي وهي أربعة: العقل
وهو نور يضئ به طريق يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس فيبتدئ المطلوب للقلب
وإنما ترك (١) إذا خالف القياس من كل وجه(٢).
قوله: (يجوز العمل به)؛ لأن العدالة أصل في ذلك الزمان ولا يجب العمل به؛ لأن
وجوب/ العمل مفتقر إلى العدالة التفصيلية لأن العدالة الظاهرة عارضها الهوى، فإذا صار
الهوى مغلوبا يجب العمل بقوله وإنما تعرف(٣)/صيرورته مغلوبا بالعدالة التفصيلية (٤).
١/٤٣
٤٣/ز
قوله: (يضيء)(٥) أي يتضح بالعقل طريق يبتدئ بسلوك ذلك الطريق عند انتهاء درك
الحواس فيبتدئ أي فيظهر المطلوب للقلب فيدركه القلب بتأمله بتوفيق الله - تعالى - حتى
قالوا: بداية المعقولات نهاية المحسوسات، والعقل(٦) بمنزلة السراج للعين الباصرة فلما أن العين
الباصرة تبصر عند السراج كذلك العقل سراج لعين القلب تبصر طريق الاستدلال عنده
وذلك كمن نظر إلى أصابع اليد فرأى الإبهام في جانب والأربع في جانب، ثم رأي الأربع
وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه المستدرك ١٩٦/٢،
وأخرجه ابن حبان ٤١٠/٩، وأحمد في مسنده ٢٨٠/٤، والبيهقي من طريق آخر بلفظ آخر ذكر
فيه اسم الزوج هلال بن مرة. سنن البيهقي ٢٤٦/٧، وانظر نصب الراية ٢٠١/٣.
(١) في (١) يترك.
(٢) الشافعي لم يعمل بهذا الحديث لمخالفته القياس عنده وهو أن المهر لا يجب إلا بالفرض أو
بالتراضي، أو بقضاء القاضي، أو باستيفاء المعقود عليه، فإذا أعاده المعقود عليه إليها سالما لم
يستوجب بمقابلته عوضا كما لو طلقها قبل الدخول ويفهم منه أن الجرح مقدم عنده على التعديل،
وعندنا التعديل مقدم على الجرح. انظر شرح العضد على ابن الحاجب ٧٣/٢، وحاشية الرهاوي
ص ٦٢٩.
(٣) في (١) و(ب) يعرف.
(٤) وإنما جاز العمل به؛ لأن العدالة أصل في ذلك الزمان وهو الصدر الأول لقولهمح لل: ((خير القرون
قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب))، فباعتبار هذا الظاهر يترجح جانب
الصدق في خبره وباعتبار أنه لم يظهر في السلف تمكن فيه تهمة فيجوز العمل به إذا وافق القياس
على وجه حس الظن به. انظر أصول السرخسي ٣٤٤/١، وفتح الغفار ٩٢/٢، وكشف الأسرار
للنسفي ٣/٢.
(٥) في (١) و(ب) يضئ به.
(٦) في (١) و(ب) فالعقل.
- ٣٠٧ -

فيدركه القلب بتأمله بتوفيق اللَّه - تعالى - والشرط الكامل منه، وهو عقل البالغ دون
القاصر منه وهو عقل الصبي والضبط وهو سماع الكلام كما يحق سماعه، ثم فهمه
متفاوتة في الطول والقصر، ورأى الإبهام فصيرا ذا قوة فهذا منتهى درك الحواس ثم يبتدئ
عقله بإدراك ما غاب عن حسه، فيدرك بأنه لو كان كلها في جانب لما حصلت قوة البطش
مثل حصولها الآن وكذا لو لم يكن متفاوتة لما صارت قصعة عند الاغتراف إلى غير ذلك من
الحكم الربانية فيها، وهذا إنما يتأدى(١) فيما له صورة محسوسة، فأما فيما ليس بمحسوس فإنما
يبتدأ طريق العلم به من حيث يوجد كالعلم مثلا، فإنه غير محسوس ويحتاج فيه إلى أن العلم
معنى راجع إلى ذات العالم أو إلى غيره وكذا في هذا(٢) في كل ما اختص به المعنى، وإنما
شرط العقل؛ لأن الكلام المعتبر شرعًا ما يكون عن تمييز ولا تمييز إلا بالعقل(٣).
قوله: (والشرط الكامل منه)(٤)، وهو عقل البالغ السالم عن آفة، والقاصر عقل الصبي
والمعتوه، والمطلق من كل شيء يقع على الكامل فشرطنا لوجوب الحكم وقيام الحجة كمال
العقل فقلنا: إن خبر الصبي ليس بحجة، لأن الشرع لما لم يجعله وليًا في أمر دنياه ففي أمر
الدين أولى وكذلك المعتوه(٥).
قوله: (والضبط) [وهو](٦) عبارة عن الأخذ بالجزم وتفسيره في الأخبار سماع الكلام
كما يخفى سماعه؛ لأن بدون السماع لا يتصور الفهم، ثم فهمه بمعناه الذي أريد به لأنه إذا
(١) في (١) و(ب) يتأتى.
(٢) في (١) و(ب) وكذا هذا.
(٣) انظر: أصول السرخسي ٣٤٦/١، ٣٤٧، وكشف الأسرار للنسفي ٣١/٢.
(٤) في (١) فيه.
(٥) قال الرهاوي في حاشيته: اعلم أن الإنسان في أول أمره عديم العقل كما أخبر الله - تعالى - بقوله:
﴿وَلَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَئِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ... الآية لكن يحدثه الله - تعالى - شيئا
فشيئا إلى أن يسم لكل إنسان ما قسمه الله - تعالى - من غير آفة فيما بين بدايته ونهايته رتب
متفاضلة الكمال لا يعلمها إلا الله تعالى، ولما علق التكليف بحالة البلوغ تيسيرًا ورحمة بالعباد،
علمنا أن الرتبة الحاصلة في زمانه هي أول رتب الكمال وما دونها رتب النقصان وأقمنا البلوغ
مقامه لحصوله عنده غالبا إرادة الأحكام على الوصف الظاهر المنضبط لها بالمظنة عند خفاء السنة
كالنوم بالنسبة إلى الحدث. حاشية الرهاوي ص ٦٣٤.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ب).
- ٣٠٨ -

بمعناه الذي أريد به، ثم حفظه ببذل المجهود له، ثم الثبات عليه بمحافظة حدوده وبمراقبته
بمذاكرته على إساءة الظن بنفسه إلى حين أدائه.
والعدالة: وهي الاستقامة والمعتبر هاهنا كماله وهو رجحان جهة الدين والعقل على
سمع ولم يفهم معنى الكلام لم يكن ذلك سماعًا مطلقًا، بل يكون ذلك سماع صوت لا
سماع الكلام(١) هو خبر ثم حفظه ببذل المجهود، ولأنه(٢) إذا فهم المعنى فقد تم التحمل،
وذلك يلزمه الأداء كما تحمل، ولا يتأتى ذلك إلا بحفظه ثم الثبات على ذلك؛ لأنه لا يأمن
من أن ينساه، وإن/ حفظه فلا بد من الثبات عليه بمحافظة حدوده أي أحكامه الشرعية، ثم
الضبط نوعان: ضبط المتن بصيغته ومعناه لغة، والثاني: أن يضم إلى هذه الجملة ضبط معنى
معناه فقها وشريعة وهذا أكملها والمطلق منه يتناول الكامل وإنما شرط الضبط لقبول الخبر؛
لأن قبول الخبر باعتبار معنى الصدق فيه ولا يتحقق ذلك إلا بحسن ضبط الراوي من حين
يسمع(٣) إلى أن يروى(٤).
٥٨/ب
قوله: (والعدالة) وهى نوعان كاملة وهى ما لا يعرف إلا بالنظر في معاملات المرء وهذا
النوع هو المعتبر في قبول الخبر لكن لما تعذر الوقوف على نهاية ذلك لأنها بتقدير الله - تعالى.
ومشيئته يتفاوت، اعتبر في ذلك ما لا يؤدى إلى الحرج(٥) ويضيع(٦) حدود الشريعة، وهو
رجحان جهة الدين والعقل على طريق الهوى والشهوة دون القاصر أي ولم يعتبر النوع
القاصر من العدالة وهي التي تثبت(٧) بظاهر الإسلام والعقل على معنى أن من أصابهما فهو
(١) في (١) و(ب) كلام.
(٢) في (ب) لأنه.
(٣) في (أ) و(ب) سمع.
(٤) هذا التقسيم للضبط هو ما ذكره النسفي في الكشف بينما ذكر السرخسي أن الضبط على
نوعين: ظاهر وباطن فالظاهر منه بمعرفة صيغة المسموع والوقوف على معناه لغة، والباطن منه
بالوقوف على معنى الصيغة فيما يبتنى عليه أحكام الشرع وهو الفقه، ولا فرق بين التقسيمين. انظر
أصول السرخسي ٣٤٨/١ وكشف الأسرار ٣٣/٢.
(٥) في (ب) الجرح.
(٦) في (١) و(ب) وتضييع.
(٧) في (١) يثبت.
- ٣٠٩ -

طريق الهوى والشهوة حتى إذا ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة سقطت عدالته دون
القاصر وهو ما ثبت بظاهر الإسلام واعتدال العقل.
والإسلام: وهو التصديق والإقرار بالله - تعالى - كما هو واقع بأسمائه، وصفاته،
وقبول أحكامه، وشرائعه والشرط فيه البيان إجمالا كما ذكرنا، فلهذا لا يقبل خبر
عدل ظاهرا(١)، لكونهما يحملانه على الاستقامة؛ لأنه لا يفارقه هوىّ يضله، وإنما شرطت
العدالة، لأن الصدق في خبر من هو غير معصوم عن الكذب لا يثبت ضرورة، بل
بالاستدلال وذلك بالعدالة(٢).
قوله: (والإسلام) وهو نوعان: ظاهر وباطن، فالظاهر يكون بالميلاد بين المسلمين والنشوء
على طريقتهم شهادة وعبادة، والباطن أن يستوصف فيصف الله - تعالى - كما هو بصفاته
وأسمائه ويقر بملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره من الله - تعالى .
ويقبل أحكامه وشرائعه، والمطلق منه يقع على هذا النوع لما أنه كامل إلا أن هذا كمال يتعذر
شرطه؛ لأن معرفة الخلق بأوصافه على التفسير متفاوتة فشرط الكمال بما لا حرج فيه وهو أن
يثبت التصديق والإقرار بما قلنا إجمالا ثم الإسلام ليس بشرط لثبوت الصدق؛ لأن الكفر لا
ينافي الصدق لكن الأمر لما كان من باب الدين، والكافر ساع لهدم الدين ألحق بإدخال ما
ليس منه فيه أوجب الكفر شبهة وجب بها رد خبره.
قوله: (فلهذا) أي فلأجل ما ذكرنا من الشرائط لا يقبل خبر الكافر لأنه لا إسلام فيه ولا
خبر الفاسق لفوات العدالة، ولا خبر الصبي والمعتوه لعدم العقل ولا خبر الذي اشتدت غفلته
(١) في (ب) ظاهر.
(٢) وإنما شرطنا العدالة؛ لأن الكلام وقع في خبر من هو غير معصوم عن الكذب، فلا يثبت جهة
الصدق في خبره إلا بالاستدلال، وذلك بالعدالة، لأن الكذب محظور دينه، فيستدل بانزجاره عن
محظورات دينه على انزجاره عن الكذب الذي يعتقده محظورا، وكمالها لأن المطلق من كل
شيء يقع على كماله، فلهذا لم يجعل خبر الفاسق، والمستور: وهو من لا يعرف ارتكابه الكبائر
ولا احترازه عنها حجة، وقال الشافعي رحمه الله: لما لم يكن خبر المستور حجة مع أنه اعتاد رواية
الحديث، لأنه لم تعرف عدالته، فخبر المجهول وهو غير المعروف بالعدالة والرواية أولى، وقلنا
المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل النبي الكلية إياه، فخبره يكون حجة على الشرط الذي
بيناه. كشف الأسرار للنسفي ٣٦/٢.
- ٣١٠ -

الكافر، والفاسق، والصبي، والمعتوه، والذي اشتدت غفلته.
والثاني في الانقطاع وهو نوعان ظاهر، وباطن، أما الظاهر فالمرسل من الأخبار وهو
إن کان من الصحابي مقبول بالإجماع،
خلقة أو مسامحة لفقد الضبط (١).
فصل في الانقطاع(٣)
:
قوله: (فالمرسل من الأخبار) الإرسال الإطلاق يقال: أرسل البعير أي أطلقه والمرسل من
الحديث هو ما ليس فيه إسناد بأن أطلق الرواية، وقال: قال رسول اللَّه ... ٢(٣).
قوله: (وهو إن كان من الصحابي يقبل بالإجماع)(٤) وهذا لأن من الصحابة من كان من
(١) الإسلام ليس بشرط لثبوت الصدق؛ إذا الكفر لا ينافي الصدق؛ لأن الكافر إذا كان مترهبًا عدلا
في دينه معتقدًا لحرمة الكذب تقع الثقة بخبره، كما لو أخبر عن أمر من أمور الدنيا بخلاف الفاسق
فإن جرأته على فعل المحرمات مع اعتقاد تحريمها تزيل الثقة عن خبره ولكن اشتراط الإسلام باعتبار
أن الكفر يورث تهمة زائدة في خبره يدل على كذبه؛ لأن الكلام في الأخبار التي تثبت بها أحكام
الشرع وهم يعادوننا في الدين أشد العداوة فتحملهم المعاداة على السعي في هدم أركان الدين
بإدخال ما ليس منه فيه وإليه أشار الله - تعالى. ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، أي لا يقصرون في الإفساد
عليكم، فلهذا شرطنا الإسلام في الراوي فتبين بهذا أن رد خبر الكافر ليس لعين الكفر بل لمعنى
زائد تمكن تهمة الكذب في خبره وهو المعاداة بمنزلة شهادة الأب لولده فإنها لا تقبل لمعنى زائد
تمكن تهمة الكذب في شهادته وهو الشفقة والميل إلى الولد طبعا. انظر كشف الأسرار للبخاري
٣٩٢/٢، ٣٩٣.
(٢) في (أ) و(ب) القسم الثاني في الانقطاع.
(٣) المرسل في اصطلاح المحدثين: ما ترك التابعي الواسطة فيه بينه وبين الرسول و﴿3 بأن دفعه التابعي
سواء كان صغيرًا أو كبيرًا بأن قال: قال رسول الله﴿ كذا أو فعل كذا أو بحضرته كذا أو نحو
ذلك، وبعضهم يخصه برفع التابعي الكبير وهو من أي جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم .
وجالسهم كسعيد بن المسيب، أما إذا انقطع الإسناد قبل الوصول إلى التابعي بأن كان فيه راو لم
يسمع من المذكورين فوقه فليس بمرسل عند الحاكم وغيره من أهل الحديث، بل يسمى منقطعا إن
كان الساقط من واحد فحسب، وإن كان أكثر سمي مفصلا ومنقطعا أيضا معلقًا إن كان السقط
من مبادئ السند، وأما عند أهل الأصول والفقه فكل ذلك يسمى مرسلا، وذهب إليه من المحدثين
الخطيب وقطع وقال ابن عبد البر المرسل مختص بالتابعين والمنقطع شامل له ولغيره وهو عنده كلى
ما لم يتصل إسناده سواء عزى إلى النبي ## أو إلى غيره. انظر حاشية الرهاوي ص ٦٤٣، ٦٤٤.
(٤) في (ب) بإجماع.
- ٣١١ -

ومن القرن الثاني، والثالث فكذلك عندنا، وإرسال مَنْ دون هؤلاء كذلك عند الکرخي
خلافا لابن أبان،
الفتيان قلَّتْ صحبته فكان(١) يروى عن غيره من الصحابة، فإذا أطلق الرواية فقال: قال
رسول اللّه وَ لّ كان ذلك منه مقبولا، وإن احتمل الإرسال؛ لأن من ثبتت صحبته لم يحمل
حديثه إلا على سماعه بنفسه إلا أن يصرح بالرواية عن غيره.
١/٤٤
٤٤/ز
٥٩/ب
قوله: (ومن القرن/ الثاني والثالث كذلك) أي يقبل ويجعل حجة عندنا، وقال الشافعي:
لا يكون حجة إلا إذا تأيد بآية أو سنة مشهورة، أو اشتهر العمل به من السلف أو اتصل من
وجه آخر قال: ولهذا/ قبلت مراسيل سعيد بن المسيب(٢)؛ لأني وجدتها مسانيد وهذا لأن
الجهل بالراوي جهل بصفاته التي بها يصح روايته قلنا: المعتاد من الأمر أن العدل إذا لم يتضح
له الأمر نسبه إلى من سمعه؛ لتحمله ما تحمل عنه وحيث طوى الأمر دل على أنه وضح/ له
الطريق واستبان له الإسناد، فإن قيل له: الإنسان قد يكون عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا
عند غيره بأن يقف منه على ما كان الآخر لا يقف عليه فلابد من البيان لينكشف الحال قلنا:
إن الراوي إذا عرف عدالته يسقط عن السامع النظر في عدالة من أخبر عنه الراوي، ولهذا لو
أثنی علی من أسنده إليه خبرًا ولم يعرفه مما يقع لنا العلم به صحت روايته فكذلك هذا وقال
عيسى بن أبان: المرسل أقوى من المسند لما ذكرنا إلا أنا أخرناه مع هذا عن المشهور؛ لأن [في
هذا] (٣) ضرب مزية ثبت بالاجتهاد فلم يجز النسخ بمثله ولا الزيادة(٤) على كتاب الله .
تعالى ؛ لأن فيه شبهة الزيادة على كتاب الله - تعالى - بالاجتهاد وذلك لا يجوز(٥).
قوله: (وإرسال من دون هؤلاء كذلك عند الكرخي) فعنده يقبل إرسال كل عدل لما
(١) في (١) وكان.
(٢) سعيد بن المسيب هو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن حزن بن أبي وهب المخزومي
ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر وتوفي بالمدينة سنة إحدى أو اثنتين وتسعين وقال الواقدي سنة
أربع وتسعين وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها من الفقهاء وهو من فقهاء
المدينة انظر طبقات الفقهاء ٣٩/١ وشذرات الذهب ١٠٢/١، ووفيات الأعيان ٣٧٥/٢.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٤) في (١) و(ب) الزيادة به.
(٥) انظر كشف الأسرار للنسفي ٤٢/٢-٤٤.
- ٣١٢ -

والذي أرسل من وجه وأسند من وجه مقبول عند العامة.
وأما الباطن فإن كان لنقصان في الناقل فهو على ما ذكرنا وإن كان بالعرض بأن
ذكرناه(١) من المعنى وعند ابن أبان لا يقبل؛ لأن الزمان زمان فسق فلابد(٢) من البيان إلا أن
يروى الثقات مرسله كما رووا مسنده، فيقبل مثل إرسال محمد بن الحسن وأمثاله لأن نقل
الثقات عنه تعديل منهم إياه(٣).
قوله: (والذي أرسل من وجه وأسند من وجه)، اختلف أصحاب الحديث فيه فمنهم من
قال سقط اعتبار الاتصال فيه؛ بالانقطاع من وجه آخر وكأن هذا القائل جعل الانقطاع
لسكوت راوي الفرع عن تسمية راوي الأصل دليل الجرح فيه، وإذا استوى الموجب للعدالة
والموجب للجرح يغلب الجرح وعامتهم على أن الانقطاع يجعل عفوا بالاتصال من وجه
آخر؛ لأن ذلك الطريق ساكت عن الراوي وحاله أصلا، وفي الطريق المتصل بيان له ولا
معارضة بين الساكت والناطق(٤).
قوله: (وأما الباطن) أي الانقطاع الباطن وهو نوعان: أحدهما النقصان في الناقل كخبر
الفاسق والصبي وأمثالهما على ما مر، والثاني بالعرض على الأصول وذلك إما أن خالف
الكتاب مثل حديث فاطمة بنت قيس(٥) أن لا نفقة للمبتوتة (٦) أنه يخالف الكتاب وهو قوله
(١) في (١) و(ب) لما ذكرنا.
(٢) في (ب) لابد.
(٣) وقيل: في إرسال العدل في كل عصر غير القرن الثاني والثالث الصحيح أن مرسل من كان من
القرون الثلاثة حجة ما لم يعرف منه الرواية عمن ليس بعدل ثقة، ومرسل من كان بعدهم لا يكون
حجة إلا إذا اشتهر بأنه لا يروى إلا عن عدل ثقة. كشف الأسرار للنسفي ٤٥/٢.
(٤) مثل حديث: ((لا نكاح إلا بولي)). رواه إسرائيل بن يونس مسندًا وشعبة مرسلًا وقال بعض لا
يقبل؛ لأن سكوت الراوي عن ذكر المروى عنه بمنزلة الجرح فيه وإسناد الآخر بمنزلة التعديل وإذا
اجتمع الجرح والتعديل يغلب الجرح. انظر شرح ابن ملك ص ٦٤٦.
(٥) في (أ) و(ب) في أن لا.
(٦) الحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري فأخرجه مسلم عن الشعبي قال: (دخلت على فاطمة بنت
قيس فسألتها عن قضاء رسول الله و﴿ عليها فقالت طلقها زوجها البتة فقالت فخاصمته إلى رسول
الله﴿ في السكنى والنفقة قالت فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة وأمرني أن اعتد في بيت ابن أم
مكتوم). صحيح مسلم كتاب الطلاق باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ١١١٧/٢، وابن حبان ١٠٪
- ٣١٣ -

خالف الكتاب أو السنة المعروفة، أو الحادثة المشهورة، أو أعرض عنه الأئمة من الصدر
الأول كان مردودًا منقطعًا أيضًا.
- تعالى -: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾(١) معناه وأنفقوا عليهن من وجد كم؛ لأن
الآية وردت في المطلقات(٢) أو السنة المعروفة مثل حديث الشاهد واليمين(٣) فإنه يخالف
المشهور وهو قوله وّ: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر))(٤)، والحادثة بأن ورد فيما
اشتهر من الحوادث وعم به البلوى مثل حديث الجهر بالتسمية أو أعرض عنه الأئمة من
أصحاب النبي ◌ُّ مثل قوله وُّ: ((ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا كي لا تأكلها الزكاة))(٥)،
٦٤، والحاكم في المستدرك عن عبدالرحمن بن عاصم بن ثابت بلفظ آخر ٦١/٤، والدارمي عن
أبي سليم في قصة طويلة ١٨٢/٢، وكذا أبو داود في سننه ٢٨٧/٢، والترمذي عن الشعبي بلفظ
مسلم وقال حسن صحيح ٤٨٤/٣، وانظر نصب الراية ٢٧٢/٣، والمبتوتة المطلقة طلاقًا بائنا من
البت وهو القطع المستأصل. لسان العرب مادة بتت ٧،٦/٢.
(١) من الآية ٦ من سورة الطلاق.
(٢) انظر تفسير البيضاوي ٣٥٢/٥، والقرطبي ١٦٦/١٨، وابن كثير ٣٨٤/٤، والطبري ١٤٥/٢٨.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في كتاب الأقضية باب القضاء باليمين والشاهد ١٣٣٧/٣ عن ابن عباس
(أن رسول الله ﴿ قضى بيمين وشاهد). وأبو داود ٣٠٨/٣، والبيهقي عن زيد بن ثابت ١٠/
١٧٢ وأحمد ٣٢٣/١ وابن ماجه عن جابر ٧٩٣/٢ وانظر عرض آراء الحنفية ومخالفيهم
ومناقشتها في أثر الاختلاف ص ٢٨٧ وما بعدها.
(٤) الحديث أخرجه البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى
رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر)). سنن البيهقي ٢٥٢/١٠
وأخرجه الدارقطني عن أبي هريرة ◌ُه بلفظ: ((البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا
القسامة)). سنن الدارقطني ١١/٣. وأخرجه البخاري ومسلم وابن حبان والنسائي والترمذي بلفظ
آخر عن ابن أبي ملكية عن ابن عباس في جزء من حديث طويل: ((اليمين على المدعى عليه)). انظر
صحيح البخاري كتاب التفسير باب: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم. ١٦٥٦/٤، ومسلم
كتاب الأقضية باب اليمين على المدعى عليه ١٣٣٦/٣، وابن حبان ٤٧٦/١١، والنسائي ٨/
٢٤٨، والترمذي ٦٢٦/٣، وانظر نصب الراية ٩٥/٤.
(٥) الحديث أخرجه البيهقي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ه قال: (ابتغوا في أموال
اليتامى لا تأكلها الصدقة). وقال هذا إسناد صحيح وله شواهد عن عمر به، وذكره الشافعي في
مسنده عن عمر بن الخطاب - رضي الله - تعالى - عنه: (ابتغوا في أموال اليتامى لا تستهلكها
الزكاة). وأورده الدارقطني في علله، وقال في تلخيص الحبير: هو مرسل، ولكن أكده الشافعي
بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة مطلقًا. وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس بن
- ٣١٤ -

والثالث في بيان محل الخبر وهو الذي جعل فيه حجة فإن كان من حقوق الله تعالى
يكون خبر الواحد فيه حجة خلافا للكرخي في العقوبات،
فقد اختلفوا في زكاة الصبي ولم يرجعوا إلى هذا الحديث فكل خبر خالف أحد هذه الأربعة
كان مردودًا منقطعًا؛ لأن الكتاب ثابت باليقين فلا يترك بما فيه شبهة وكذا السنة المشهورة
فوق خبر الواحد فلا يجوز أن تنسخ به وإذا اشتهرت الحادثة استحال أن يخفى عليهم ما
يثبت(١) به حكم الحادثة فكان الخفاء دلالة على السهو وإعراض الأئمة عن الاحتجاج [به مع
مساس)(٢) الحاجة إليه دليل على انقطاعه وانتساخه(٣).
فصل في بيان ما جعل الخبر فيه حجة (٤)
قوله: (فإن كان من حقوق الله - تعالى-) مثل عامة شرائع العبادات، وما شاكلها من بناء
الرباط ووضع القنطرة فخبر الواحد العدل حجة فيها لإيجاب العمل [من غير اشتراط/ زيادة
العدد](٥).
٦٠/ب
قوله: (خلافا للكرخي - رحمه الله - في العقوبات)(٦)، وقد روى عن أبي يوسف - رحمه
مالك قال: قال رسول الله وَل: ((اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة)). وقال: لا يروى هذا
الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد. انظر سنن البيهقي ١٠٧/٤، ومسند الشافعي ص٢٠٤، والعلل
للدار قطني ١٥٦/٢، والطبراني في الأوسط ٢٦٤/٤، وتلخيص الحبير ١٥٨/٢، ونصب الراية ٢/
٣٣٢.
(١) في (١) ثبت.
(٢) في (١) و(ب) من بعد مساس.
(٣) انظر أصول السرخسي ٣٦٤/١ وما بعدها، وكشف الأسرار للنسفي وما بعدها ٤٦/٢.
(٤) في (١) و(ب) القسم الثالث في بيان ... إلخ.
(٥) في (أ) و(ب) من غير اشتراط عدد ولا تعيين لفظ؛ لأن الصحابة #به الله عنهم كانوا يقبلون في
مثل هذا خبر الواحد الإيجاب العمل من غير اشتراط زيادة العدد.
(٦) ذهب جمهور العلماء وأكثر أصحابنا إلى أن إثبات الحدود بأخبار الآحاد جائز وهو المنقول عن
أبي يوسف في الأمالي، واختيار الجصاص وتبعه المصنف، وذهب الكرخي إلى أنه لا يجوز وإليه
مال فخر الإسلام وشمس الأئمة وصاحب التنقيح. انظر أصول السرخسي ٣٣٣/١، وكشف
الأسرار للبخاري ٢٨/٣، وكشف الأسرار للنسفي ٥٦/٢، وفواتح الرحموت ١٣٦/٢، وحاشية
الرهاوي ص ٦٤٩، والعضد على ابن الحاجب ٧٢/٢، وشرح المحلى على جمع الجوامع ١٣٣/٢.
- ٣١٥ -

فإن كان من حقوق العباد مما فيه إلزام محض يشترط فيه سائر شرائط الأخبار مع العدد،
ولفظ الشهادة والولاية، وإن كان لا إلزام فيه أصلا يثبت بأخبار الآحاد بشرط التمييز
الله - أنه يجوز إثبات العقوبات بالآحاد وهو اختيار الجصاص؛ لأن المعتبر في خبر الواحد
لیکون حجة ترجح جانب الصدق وعند ذلك يكون العمل به واجبا فيما يندرئ بالشبهات
وفيما يثبت بالشبهات كما في البينات، ولو كان مجرد الاحتمال مانعًا للعمل فيما يندرئ
بالشبهات لم يجز العمل فيه بالنية ووجه قول الكرخي أن ما يندرئ بالشبهات لا يجوز إثباته
بما فيه شبهة، ولهذا لا يثبت بالقياس وإنما جوزنا إثباته بالشهادة بالنص وما ثبت بالنص
بخلاف القياس لا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه وخبر الواحد ليس في معنى
الشهادة من كل وجه؛ لأنه يشترط فيها لفظ الشهادة والعدد ولا يشترط في الخبر شيء من
ذلك.
قوله: (وإن كان من حقوق العباد مما فيه إلزام محض يشترط فيه سائر شرائط الأخبار) من
العقل والعدالة والضبط والإسلام مع العدد ولفظة الشهادة والولاية بالحرية فلا يثبت عند
الإمكان إلا بلفظ الشهادة والعدد وعند عدم الإمكان وذلك فيما لا يستطيع الرجال النظر
إليه مثل البكارة وغيرها / يقبل شهادة النساء، وهذا لأن الخصومات إنما يقع(١) باعتبار الهمم
المختلفة/ للناس والمصير إلى التزوير والاشتغال بالحيل فيها ظاهر فجعله الشرع حجة بشرط
زيادة العدد وتعيين لفظ الشهادة تقليلا لمعنى الحيل والتزوير(٢) بحسب وسع القضاة وذلك
مثل البيوع والشربة والأملاك المرسلة والشهادة بهلال الفطر من هذا القسم؛ لأن الفطر منفعة
لهم لكن يلزمهم الكف البتة فيكون فيه إلزاما محضا.
١/٤٥
٤٥/ز
قوله: (وإن كان لا إلزام فيه أصلا) مثل الوكالة والمضاربات والرسالات في الهدايا والإذن
في التجارات ثبت بأخبار الآحاد بشرط التمييز دون العدالة، فيقبل فيه خبر الصبي والكافر
وذلك لوجهين: أحدهما عموم الضرورة الداعية إلى سقوط شرط العدالة والثاني: أن الخبر
غير ملزم فلم يشترط شرط الإلزام.
٠
(١) في (ب) تقع.
(٢) في (١) و(ب) والتزوير فيها.
- ٣١٦ -

دون العدالة، وإن كان فيه إلزام بوجه دون وجه يشترط فيه أحد شطري الشهادة عند أبى
حنيفة.
والقسم الرابع في بيان نفس الخبر، وهو أربعة أقسام قسم يحيط العلم بصدقه كخبر
الرسل - عليهم السلام -، وقسم يحيط العلم بكذبه كدعوى فرعون الربوبية، وقسم
يحتملهما على السواء كخبر الفاسق،
قوله: (وإن كان فيه إلزاما بوجه دون وجه)(١)، مثل عزل الوكيل وحجر المأذون ووقوع
العلم بفسخ الشركة والمضاربة ووقوع العلم للبكر البالغة بإنكاح وليها إذا سكتت يشترط فيه
أحد شطري الشهادة إما العدد أو العدالة عند أبي حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد رحمهم
اللَّه هذا نظير ما شرط، والشرط فيه أن يكون المخبر مميزا عدلا كان أو غير عدل؛ لأنه من باب
المعاملات ووجه قوله إنه من جنس الحقوق اللازمة لأنه يلزمه الكف عن التصرف إذا أخبره
بالحجر أو العزل ويشبه سائر المعاملات؛ لأن الذي يفسخ يتصرف في حقه بالفسخ، كما
يتصرف في حقه بالتوكيل والإذن فشرطنا أحد شطري الشهادة(٢).
فصل في بيان متن الخبر(٣)
قوله: (يحيط العلم بصدقه كخبر الرسل - عليهم السلام -) فإن جهة الصدق فيه متعين
لقيام الدلالة على أنهم معصومون عن الكذب وحكم هذا النوع اعتقاد الحقيقة فيه والائتمار
بحسب الطاقة قال الله - تعالى -: (٤) ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنَهُواْ﴾.
قوله: (يحيط العلم بكذبه) كدعوى فرعون الربوبية مع قيام آيات الحدث فيه ظاهرًا
وحكمه اعتقاد البطلان فيه، ثم الاشتغال برده باللسان واليد بحسب ما / تقع(٥) به الحاجات
إليه في دفع الفتنة.
٦١/ب
قوله: (يحتملهما على السواء كخبر الفاسق) ففيه احتمال الصدق باعتبار دينه وعقله،
(١) في (ب) من وجه دون وجه.
(٢) انظر أصول السرخسي ٣٣٤/١ - ٣٣٨.
(٣) في (أ) و(ب) القسم الرابع في بيان الخبر.
(٤) من الآية ٧ من سورة الحشر.
(٥) في (١) و(ب) يقع.
- ٣١٧ -

وقسم يترجح أحد احتماليه على الآخر كخبر العدل المستجمع لشرائط الرواية.
ولهذا النوع أطراف ثلاثة: طرف السماع وذلك إما أن يكون عزيمة وهو ما يكون من
واحتمال الكذب باعتبار تعاطيه واستوى الجانبان في الاحتمال فالحكم فيه التوقف إلى أن
يظهر ما يترجح به [من] (١) أحد الجانبين عملا بقوله - تعالى -: ﴿فَتَّبِيِّنُواْ﴾(٢).
قوله: (كخبر العدل المستجمع لشرائط الرواية) في باب الدين فإنه يرجح(٣) جانب
الصدق فيه، بوجود دليل شرعي موجب للعمل به وهو صالح للترجيح والمقصود هذا النوع.
قوله: (ولهذا النوع) أي الأخير وهو الذي يرجح أحد احتماليه على الآخر أطراف ثلاثة:
طرف السماع، وطرف الحفظ، وطرف الأداء، ثم طرف السماع نوعان: عزيمة ورخصة
فالعزيمة ما يكون من جنس الاستماع وهو أربعة أوجه: وجهان من ذلك حقيقة وأحدهما (٤)
أحق من الآخر، ووجهان من ذلك عزيمة لها شبه الرخصة، فالوجهان الأولان قراءتك على
المحدث من كتاب أو حفظ وهو يسمع فيقول نعم، وقراءة المحدث عليك من كتاب أو حفظ
وأنت تسمع(٥).
قال عامة أهل الحديث: إن القسم الثاني أحق لأنه طريق رسول اللَّه و﴿ وروى عن أبي
حنيفة أن الأول أولى؛ لأن رعاية الطالب أشد عادة وطبيعة، وأما الثاني فإن ذلك كان أحق
من رسول اللّه صَ لّ لكونه مأمونا عن السهو(٦) وما كان يكتب، وكلامنا فيمن يجرى عليه
السهو ويقرأ عن كتاب حتى إذا كان يروى عن حفظ لا عن كتاب فقراءته أقوى والمختار في
هذين القسمين أن يقول السامع: حدثني؛ لأن ذلك يستعمل في المشافهة، وأما الوجهان
(١) ما بين القوسين ساقط من (١) و(ب).
(٢) من الآية ٦ من سورة الحجرات.
(٣) في (١) و(ب) يترجح.
(٤) في (أ) و(ب) وإحديهما.
(٥) وهذا هو النوع الأول وهما مستويان في الرتبة لا مزية لأحدهما على الآخر كما هو منقول عن
مالك وأشياخه من علماء المدينة، ومعظم علماء الكوفة، والحجاز، وقال المحدثون الثاني أعلى
المراتب مطلقا وهو مذهب الجمهور أهل المشرق ونقل عن أبي حنيفة وابن أبي ذئيب ومالك في
رواية عنه ترجيح الأول وبالجملة هما أرفع مما بعدهما. حاشية الرهاوي ص٦٥٤.
(٦) في (ب) السهو والغلط.
- ٣١٨ -

جنس السماع كأن تقرأ على المحدث، أو يقرأ عليك، أو يكتب إليك كتابا على رسم
الكتب وذكر فيه حدثني فلان عن فلان إلخ، ثم يقول إذا بلغك كتابي هذا وفهمته
فحدث به عنى فهذا عن الغائب كالخطاب وكذلك الرسالة على هذا الوجه فيكونان
حجتين إذا ثبتا بالحجة، أو يكون رخصة وهو الذي لا سماع فيه كالإجازة، والمناولة
الآخران فالكتابة والرسالة، أما الكتابة فإن المحدث إذا كتب إلى غيره على رسم الكتب، وقد
عرف في كتاب القاضي إلى القاضي وذكر في كتابه كذا وكذا، فهذا من الغائب بمنزلة
الخطاب، ألا يري أن رسول اللَّه ◌ُّ كان يرى الكتابة تبليغا يقوم به الحجة، وكتاب الله .
تعالى . أصل الدين.
وأما الرسالة فهو أن يرسل إليه رسولًا يبلغه على هذه الصفة فإن رسول اللَّه وَالثّ كان
مأمورا بتبليغ الرسالة، وبلغ إلى قومٍ مشافهة، وإلى قومٍ(١) بالكتاب والرسالة، وذلك بعد أن
ثبت الكتاب والرسالة بالحجة أنهما من فلان(٢)، والمختار في هذين القسمين أن يقول أخبرني
لأن الكتابة(٣) والرسالة (٤) ليستا بمشافهة ألا يرى أنا نقول أخبرنا الله - تعالى - وأنبأنا ونبأنا
بالكتاب والرسالة، ولا نقول حدثنا ولا كلمنا إنما ذلك خاص لموسى العليا(٥).
قوله: (كالإجازة والمناولة) صورة الإجازة(٦) أن يقول المحدث حدثني فلان ابن فلان
بالحديث الذي في هذا الكتاب، فإذا فهمته فأجزت لك روايته ولم يعط الكتاب له أو كان
(١) في (١) وإلى أخرى، وفي (ب) وإلى آخرین.
(٢) وأما كيفية أداء هذه الأنواع فهو أن يقول: في أداء القسمين الأولين حدثني، وقيل هو مذهب
معظم الحجازيين والكوفيين وعليه الزهري، ومالك، وسفيان، ويحي بن سعيد القطان، وهو مذهب
البخاري وجماعة من أهل الحديث، وذهب آخرون إلى أن يقول في الأول أخبرني دون حدثني
وعليه الشافعي، ومسلم، وجمهور المشارقة، وذهب بعضهم. إلى أنه يقول: قرأ عليه وأنا أسمع فأقرأته
دون حدثني وبه قال ابن المبارك ويحيى التميمي، وأحمد بن حنبل، والنسائي، وغيرهم، ويقول في
القسمين الآخرين أخبرني دون حدثني هو المختار. حاشية الرهاوي مع شرح ابن ملك ٦٥٥.
(٣) في (١) و(ب) الكتاب.
(٤) في (١) ليسا.
(٥) انظر فيما سبق أصول السرخسي ولاحظ عبارته ٣٧٤/١-٣٧٧.
(٦) في (ب) أن يقول حدثني.
- ٣١٩ -

٦٢/ب
٤٦/ز
والمجاز له إن كان عالما به تصح الإجازة وإلا فلا. وطرف الحفظ والعزيمة فيه أن يحفظ
المسموع إلى وقت الأداء. والرخصة أن يعتمد الكتاب فإن نظر فیه وتذکر یکون حجة
٤٦/أ
الكتاب له/ أما (١) المناولة فإعطاء الكتاب مع الإجازة بأن يقول حدثني فلان عن فلان بما في
هذا الكتاب فإذا علمت ما فيه فحدث به عنى والأولى في ذلك أن يقول: أجاز لي ويجوز
أخبرني، لأن ذلك دون المشافهة، وفى المشافهة يقول حدثني(٢) ففيما كان دونه ينبغي أن
يقول أجاز لي، ولكن يجوز أن يقول حدثني وأخبرني باعتبار وجودهما في الإجازة(٣).
قوله: (فالمجاز له إن كان عالما به يصح (٤) الإجازة له وإلا فلا) وعلى قياس قول أبي يوسف
يصح(٥) وأصل ذلك في كتاب القاضي، إلى القاضي والرسائل/ إن علم ما فيها شرط لصحة
الإشهاد عندهما خلافًا لأبي يوسف/.
قوله: (أن يحفظ المسموع) يعني من وقت السماع والفهم إلى وقت الأداء، وكان
هذا مذهب أبى حنيفة في الأخبار والشهادات جميعًا، ولهذا قلت روايته وهو طريق
صَلى الله
رسول الله
فيما بينّه للناس.
قوله: (فإن نظر فيه وتذكر يكون حجة) سواء كان حفظه أو حفظ رجل معروف أو
(١) في (١) وأما.
(٢) في (١) حدثني وأخبرني.
(٣) وللمناولة صور منها: ١ - أن يرفع الشيخ إليه أصل السماع أو قرأ مقابلا به، ويقول هذا سماعي أو
روايتي عن فلان فاروه عنى، أو أجزت لك روايته عني ثم ملكه إياه، أو يقول له خذه وانسخه
وقابل به ثم رده إلي. ٢- ومنها أن يجئ الطالب بالكتاب إلى الشيخ أو بجزء من حديثه فيعرض
عليه فيتأمله الشيخ وهو عارف مستيقظ ثم يعيده إليه ويقول له: وقفت على ما فيه وهو حدثني عن
فلان، أو روايتي عن شيوخي فاروه عني وأجزت لك روايته عني، وهذه الإجازة يقسمها حالة
محل السماع عند بعضهم، وبه قال مالك، أو غير حالة محله عند آخرين وصححه ابن الصلاح،
وقال: إنها منحطة عن درجة التحديث لفظًا والإخبار قراءة. ٣- وقد تكون المناولة مجردة عن
الإجازة بأن يناوله الكتاب ولا يقال له: أروه عني، ولا أجزت لك روايته عني وهي صحيحة
معمول بها عند أهل العلم، ومردودة عند الآخرين وهو الظاهر؛ لأن المناولة زيادة تكلف حدها
بعض المحدثين زيادة تأكيد الإجازة فكانت المناولة قسما من الإجازة. شرح ابن ملك ومعه حاشية
الرهاوي ص٦٥٦، وكشف الأسرار للبخاري ٤٦/٣.
(٤) في (أ) تصح.
(٥) في (١) أنه يصح.
- ٣٢٠ -