النص المفهرس

صفحات 281-300

وعندنا الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده، والنهي عن الشيء يقتضي أن يكون ضده في
معنى سنة واجبة، وفائدة هذا الأصل أن التحريم إذا لم يكن مقصودًا لم يعتبر إلا من
حيث يفوت الأمر، فإذا لم يفوته الأمر كان مكروهًا كالأمر بالقيام ليس بنهى عن القعود
قصدًا حتى إذا قعد ثم قام لم تفسد صلاته بنفس القعود لکنه یکره؛
الائتمار على الفور عنده، وأما بيان النهى فقد قال: إنه للتحريم ومن ضرورته فعل ضده إن
كان له ضد واحد كالحركة والسكون، فأما إذا تعدد الضد، فليس من ضرورة الكف عنه
إتيان كل أضداده، احتج بأن الفقهاء أجمعوا على أن المرأة منهية عن كتمان الحيض بقوله .
تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيَّ أَزْحَامِهِنَّ﴾(١) ثم كان ذلك أمرًا بالإظهار،
لأن الكتمان ضده واحد وهو الإظهار، وكذا اتفقوا أن المحرم منهي عن لبس المخيط ولم يكن
مأمورًا بلبس شيء معين من غير المخيط؛ لأن للمنهي عنه أضدادا هنا وبحكم النهي لا يثبت
الأمر بجميع الأضداد وليس بعضها بأولى من البعض.
قوله: ([ وعندنا الأمر بالشيء] (٢) يقتضي كراهة ضده) لأنه ساكت عن غيره وكان
ينبغي أن لا يكون له أثر في الضد أصلا إلا أنا أثبتنا حرمة الضد ضرورة، فإن الأمر بالتحرك لو
كان مطلقًا في ضده وهو السكون لا يحصل المأمور فكان من ضرورة الأمر بالشيء ضرورة
ضده منهيًّا فلا يساوى المقصود، فثبت به الأدنى وهو الكراهة، وعلى ما ذكرنا يكون النهي
مقتضيًا في ضده إثبات سنة فتكون في القوة كالواجب.
قوله: (وفائدة هذا الأصل) أي فائدة ما ذكرنا أن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده لأن
التحريم، أي تحريم ضد المأمور به لما لم يكن مقصودًا بالأمر، لأن الأمر وضع لإيجاب الفعل
على المكلف لا لتحريم الضد لم يعتبر التحريم فلم يكن مباشرة ضد المأمور به مفسدًا لأداء
المأمور به، إلا إذا كان مغوتًا للمأمور به، لأن التفويت حرام، فأما إذا لم يفوته كان مكروهًا،
لأن الثابت بالاقتضاء ثابت/ بالضرورة(٣) فيقدر بقدرها ولا ضرورة في القول بالحرمة عند
انعدام التفويت.
٣٨/أ
(١) من الآية ٢٢٨ من سورة البقرة.
(٢) في (١) وضد الأمر بالشيء.
(٣) في (أ) و(ب) ضرورة.
- ٢٨١ -

ولهذا قلنا: إن المحرم لما نهي عن لبس المخيط، كان من السنة لبس الإزار والرداء ولهذا قال
أبو يوسف - رحمه الله -: إن من سجد على مكان نجس لم تفسد صلاته؛ لأنه غير مقصود
بالنهي، إنما المأمور به فعل السجود على مكان طاهر، فإذا أعادها على مكان طاهر جاز
عنده، وقالا: الساجد على نجس بمنزلة الحامل له، والتطهير عن حمل النجاسة فرض دائم
فيصير ضده مفوتا للفرض كالصوم.
٥٠/ب
قوله: (ولهذا/ قلنا إن المحرم لما نهى عن لبس المخيط) يعني لما نهى عن ذلك كان مأمورا
بلبس الإزار والرداء اقتضاء لا قصدًا، فاعتبر موجب الأمر بقدر فوته، فكان لبس الإزار
والرداء سنة، وتعين الإزار والرداء، لأن ذلك أدنى ما يتعلق به الكفاية من غير المخيط.
قوله: (لأنه غير مقصود بالنهى) [إنما المأمور به فعل السجود على مكان طاهر](١) أي هذا
الحكم وهو حرمة السجود على مكان نجس غير مقصود/ بالنهي الذي استفيد بالأمر
بالسجود اقتضاء، إنما(٢) المأمور به فعل السجود على مكان طاهر، وهذا الحكم لا يفوت
بمباشرة الضد بالسجود على مكان نجس فلا يكون مفسدًا للصلاة، فإذا أعادها على مكان
طاهر جاز عنده.
٣٨/ز
قوله: (بمنزلة الحامل له)؛ لأن تأدّي السجود لما كان باعتبار المكان، فما يكون صفة
للمكان الذي يؤدى الفرض عليه يجعل بمنزلة الصفة له حكمًا، فيصير(٣) هو كالحامل
للنجاسة إذا سجد على مكان نجس، والكف عن حمل النجاسة مأمور به في جميع الصلاة
فيفوت ذلك بالسجود على مكان نجس كما في الصوم، فإن الكف عن اقتضاء الشهوة لما
كان مأمورًا به في جميع وقت الصوم يتحقق الفوات بالأكل في جزء من الوقت فيه (٤).
(١) ما بين القوسين ساقط من (١) و(ب).
(٢) في (١) و(ب) وإنما.
(٣) في (ب) فتصير.
(٤) انظر أصول السرخسي ٩٤/١-٩٩.
- ٢٨٢ -

فصل في المشروعات
المشروعات على نوعين: عزيمة وهو اسم لما هو أصل منها غير متعلق بالعوارض وهي
أربعة أنواع:
فريضة،
فصل في المشروعات(١)
اعلم أن [أقسام أحكام الكتاب](٢) على نوعين(٣): عزيمة ورخصة، فالعزيمة في اللغة
عبارة عن الإرادة المؤكدة قال الله - تعالى -: ﴿وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾(٤) أي لم يكن له قصد
مؤكد في العصيان، ولهذا جعل العزم في قول الرجل: أعزم أن أفعل كذا يمينًا، وسميت
الأحكام الثابتة ابتداء عزيمة، [لا من حيث كانت أصلاً](٥) كانت في نهاية التوكيد، وفى
الشريعة اسم لما هو أصل من المشروعات غير متعلق بالعوارض.
قوله: (فريضة) فالفرض في اللغة عبارة عن التقدير والقطع قال اللَّه - تعالى -: ﴿سُورَةُ
أَنزَلْتَهَا وَفَرَضْتَهَا﴾ (٦) أي قدرناها وقطعنا الأحكام فيها قطعًا، والفرائض في الشرع مقدرة لا
تحتمل زيادة ولا نقصانًا مقطوعة ثبتت بدليل موجب للعلم قطعا من الكتاب والسنة المتواترة
(١) لما فرغ المصنف من بيان الأدلة وأقسام الكتاب بلواحقها شرع في بيان شرعية المشروعات لترتبها
عليها ترتب المعلول على علته اقتداء بفخر الإسلام، وكان ينبغي أن يذكرها بعد باب القياس في
جملة بحث الأحكام الآتية كما فعل ذلك صاحب التوضيح، والمشروعات جمع مشروع وهو ما
جعله الشارع طريقًا مسلكًا يسلكونه. حاشية الرهاوي ص ٥٧٩، ونور الأنوار ٤٤٧/١.
(٢) في (1) و(ب) أحكام أقسام الكتاب.
(٣) قال ابن ملك: اعلم أن انحصارها على نوعين مذهب فخر الإسلام وتابعه المصنف ومن الأصوليين
من لم يجعلها منحصرة فيهما، وقالوا العزيمة ما لزم العباد بإيجاب الله - تعالى . كالعبادات،
والرخصة ما وسع على المكلف فعله لعذر مع قيام السبب المحرم فخرج الندب والكراهية عن العزيمة
من غير دخولهما في الرخصة وحينئذ على هذا التفسير تكون المشروعات ثلاثة أنواع: عزيمة،
ورخصة، ولا عزيمة ولا رخصة، أما على تفسير المصنف فالانحصار في النوعين ظاهر؛ لأن الكراهة
والندب داخلان في العزيمة. شرح ابن ملك وبهامشه حاشية الرهاوي ص ٥٧٩، ٥٨٠.
(٤) من الآية ١١٥ من سورة طه.
(٥) في (١) و(ب) لأنها من حيث كانت أصولًا.
(٦) من الآية الأولى من سورة النور.
- ٢٨٣ -

وهي ما لا يحتمل زيادة ولا نقصانا ثبتت بدليل لا شبهة فيه كالإيمان، والأركان الأربعة،
وحکمه اللزوم علمًا وتصديقًا بالقلب وعملًا بالبدن حتی یکفر جاحده ويفسق تار كه بلا
عذر.
وواجب، وهو ما ثبت بدليل فيه شبهة كصدقة الفطر والأضحية، وحكمه اللزوم
عملًا لا علمًا على اليقين حتى لا يكفر جاحده ويفسق تار كه إذا استخف بأخبار الآحاد،
أو الإجماع مثل الإيمان، والأركان الأربعة وهى الصلاة والزكاة والصوم والحج.
قوله: (وحكمه اللزوم) علمًا وتصديقًا بالقلب وعملًا بالبدن، فهذه أمور ثلاثة، وليس
العلم والتصديق أمرا واحدًا إذ التصديق هو الإسلام والانقياد وذا لا يوجد بنفس العلم.
قوله: (حتى يكفر جاحده ويفسق تاركه بلا عذر)، وإنما يكفر جاحد الفرض لتبدل اعتقاده
عما [يلزم المكلف اعتقاده](١) على ذلك بخلاف جحود الواجب، حيث لم يوجب الكفر،
لأن الاعتقاد ثمة غير لازم فلم يتبدل الاعتقاد ويفسق(٢) تار كه لما أنه موجب العمل بالبدن،
والعمل بالبدن طاعة فيكون تركه معصية، والمعصية فسق؛ لأن الفسق هو الخروج، سمي
الفاسق به لخروجه عن طاعة ربه قوله وواجب وهو مأخوذ من الوجوب وهو السقوط، ومعنى
السقوط فيه إما باعتبار أنه سقط لزوم اعتقاده عن المكلف، أو لأنه لما لم يفد دليله العلم مع
لزوم حكمه في حق العمل صار حكم ذلك الدليل كالساقط عليه أداؤه من غير تحمل.
قوله: (وحكمه اللزوم عملاً بمنزلة الفرض لا علمًا على اليقين) لما في دليله من الشبهة
فيفسق تاركه ولا يكفر جاحده، وأنكر الشافعي هذا القسم وألحقه بالفرض، فقلنا إن أنكر
الاسم فلا معنى له بعد إقامة الدليل على أنه يخالف اسم الفريضة، وإن أنكر الحكم بطل
إنكاره أيضًا؛ لأن الدليل نوعان: مالا شبهة فيه من الكتاب والسنة، وما / فيه شبهة وهذا أمر لا
٥١/ب
(١) في (أ) و(ب) عما يلزمه اعتقاده.
(٢) بضم الياء وتشديد السين المهملة أي ينسب إلى الفسق تاركه، أي تارك العمل به من غير عذر
واستحقاق، إذ الفسق هو الخروج عن طاعة الله - تعالى - بارتكاب المعصية، ولا يكون كافرًا لبقاء
الاعتقاد على حاله، أما إذا تركه مستخفًّا يكفر؛ لأن الاستخفاف بالشرائع كفر. حاشية الرهاوي
ص ٥٨٣.
- ٢٨٤ -

فأما متأولاً فلا.
وسنة، وهي الطريقة المسلوكة في الدين، وحكمها أن يطالب المرء بإقامتها من غير
ينكر، وإذا تفاوت الدليل لا ينكر تفاوت الحكم (١).
قوله: (وسنة هي) مأخوذة من السنن وهو (٢) الطريق، ومن قول القائل سنَّ الماء إذا صبه
(١) لا نزاع للشافعي - رحمه الله - تعالى - في تفاوت مفهومي الفرض والواجب في اللغة ولا في
تفاوت ما يثبت بدليل قطعي كمحكم الكتاب وما ثبت بدليل ظني كمحكم خبر الواحد في
الشرع فإنّ جاحد الأول كافر دون الثاني وتارك العمل بالأول مؤولا فاسق دون الثاني، وإنما يزعم
أن الفرض والواجب لفظان مترادفان منقولان من معناهما اللغوي إلى معنى واحد هو: ما يمدح
فاعله ويذم تاركه شرعًا سواء ثبت ذلك بدليل قطعي أو ظني، وهذا مجرد اصطلاح فلا معنى
للاحتجاج بأن التفاوت بين الكتاب وخبر الواحد يوجب التفاوت بين مدلوليهما، أو بأن الفرض في
اللغة التقدير والوجوب هو السقوط، فالفرض ما علم قطعًا أنه مقدر علينا، والواجب ما سقط علينا
بطريق الظن، فلا يكون المظنون مقدرًا، ولا معلوم القطعي ساقطًا علينا. ثم استعمال الفرض فيما
ثبت بدليل ظني، والواجب فيما ثبت بقطعي شائع مستفيض، كقولهم الوتر فرض، وتعديل
الأركان فرض، ونحو ذلك يسمى فرضا عمليًّا، وكقولهم الصلاة واجبة، والزكاة واجبة، ونحو
ذلك، إلا أن هذا يشكل على بعض الناس قبل التأمل على ما حكى عن يوسف بن خالد السمتي .
رحمه الله : قدمت على أبي حنيفة به فسألته عن الصلاة المفروضة كم هي: فقال خمس،
فسألته عن الوتر، فقال: واجب، فقلت لقلة تأملي كفرت - وإنما أضاف إلى نفسه تعظيمًا لأستاذه
وهذا من المعاريض - فتبسم في وجهي، ثم تأملت فعرفت أن بين = =الواجب والفريضة فرق كما
بين السماء والأرض، فيرحم الله أبا حنيفة ويجازيه خيرا على ما هداني إليه. وبيان هذا أن فرضية
القراءة في الصلوات ثابتة بدليل مقطوع به، وهو قوله - تعالى -: ﴿فَأَقْرَهُوا مَا يَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾
وتعيين الفاتحة ثابت بخبر الواحد فمن جعل ذلك فرضًا كان زائدًا على النص، ومن قال يجب
العمل به من غير أن يكون فرضًا كان مقررًا للثابت بالنص على حاله وعاملًا للدليل الآخر بحسب
موجبه، وفي القول بفرضية ما ثبت بخبر الواحد رفع للدليل الذي فيه شبهة عن درجته، أو حط
للدليل الذي لا شبهة فيه عن درجته وكل واحد منهما تقصير لا يجوز المصير إليه بعد الوقوف عليه
بالتأمل. انظر تفصيل المسألة في: أصول السرخسي١١٢/١، ١١٣، وكشف الأسرار للبخاري
٣٠١/٢، وكشف الأسرار للنسفي ٤٥٢/١، وما بعدها، والتلويح ٢٤٨/٢، ٢٤٩، وشرح المحلي
على جمع الجوامع ٨٨/١، والمستصفى ٦٦/١، والإحكام للآمدي ٩٨/١، وشرح العضد على ابن
الحاجب ٢٣٢/١، وشرح الكوكب المنير ٣٥٢/١، ٣٥٣، والإبهاج لابن السبكي وولده ١/
٥٦٠٥٢ والتمهيد للإسنوي ص ٥٨.
(٢) في (١) و(ب) وهى.
- ٢٨٥ -

افتراض ولا وجوب، إلا أن السنة قد تقع على سنة النبي الكلية وغيره من الصحابة
وقال الشافعي: مطلقها طريقة النبي التَّيْئا، وهي نوعان: سنة الهدى، وتاركها يستوجب
حتى جري في طريقه(١) والمراد به شرعًا ما سنه رسول اللَّه ◌ُصَلّ والصحابة بعده عندنا، وقال
الشافعي: مطلق السنة يتناول سنة رسول اللَّه وَطّ فقط وهذا لأنه لا يرى تقليد الصحابي،
ويقول القياس مقدم على قول الصحابي، وإنما يتبع حجته لا فعله وقوله بمنزلة من بعد
الصحابة، فإن يتبع حجتهم لا مجرد فعلهم وقولهم إذا لم يبلغوا حد الإجماع، وعندنا هي
مطلقة لا قيد فيها، فلا يقيد بلا دليل وكان السلف يقولون سنة العمرين(٢).
قوله: (وهو نوعان) أي السنن نوعان: سنة الهدى وتاركها يستوجب إساءة كالجماعة
والأذان والإقامة وصلاة العيد، حتى لو تركها قوم استوجبوا العقاب، ولو تركها أهل بلدة
وأصروا على ذلك قوتلوا ليأتوا بها.
(١) واستقام فلان على سنن واحد أي طريقة واحدة، ويقال: امض على سُنَئِك وسَنَنِك أي على
وجهك وتنح عن سنن الطريق وسُنَنَه وسننِه ثلاث لغات والسنة السيرة مختار الصحاح ١٣٣ مادة
سنن.
(٢) انظر أصول السرخسي ولاحظ عبارته ١١٣/١، ١١٤، قال النسفي في الكشف: اعلم أن مطلق
لفظ السنة لا يقتضي الاختصاص بسنة رسول الله ﴿ لأن المراد بها في عرف الشرع طريقة الدين،
إما لرسول الله الكلية بقوله أو فعله، أو الصحابة - رضي الله عنهم .. وقال الشافعي - رحمه الله -:
مطلق السنة يتناول سنة الرسول التلبيئة فقط؛ لأنه لا يرى تقليد الصحابي، ولهذا قال في قول سعيد
ابن المسيب: السنة أنها تنصرف إلى سنة الرسول 83. وقصته أن سعيدًا سئل عن قطع إصبع امرأة
ماذا يجب فيها؟ فقال: عشر من الإبل. ثم سئل عن قطع إصبعين فقال: عشرون، ثم سئل عن قطع
ثلاث أصابع منها قال: يجب ثلاثون، ثم سئل عن قطع أربع أصابع منها، قال يجب عشرون فقيل
له: كلما كثر ألمها قل عقلها. فقال: هكذا السنة، قال الشافعي رحمه الله: إنه أراد به سنة النبي التكّالة.
وكذا قال في قول عمر به: إن من السنة أن لا يقتل حر بعبد أنه أراد به سنة النبي التقليالآ. وعندنا هي
مطلقة لا قيد فيها، فلا تقيد بلا دليل. وكان السلف يطلقون اسم السنة على طريقة أبي بكر وعمر .
رضي الله عنهما -، وكانوا يأخذون البيعة من الخلفاء على سنة الرسول وسنة العمرين وقال العليا؟:
((عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء من بعدي))، فإذا كان كذلك لم يدل إطلاق السنة على أنها طريقة
النبي الكلية. كشف الأسرار ٤٥٥/١، ٤٥٦.
- ٢٨٦ -

إساءة كالجماعة والآذان والإقامة، وزوائد، وتاركها لا يستوجب إساءة كسنن النبي
الكليكلا في لباسه وقيامه وقعوده.
ونفل، وهو ما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه، والزائد على الركعتين
للمسافر نفل لهذا، وقال الشافعي: لما شرع النفل على هذا الوصف وجب أن يبقى
[قوله](١): (وزوائد وتاركها لا يستوجب إساءة(٢) إلى آخره) وعلى القسمين يخرج
الألفاظ المذكورة في باب الأذان فقوله: يكره أو أساء لسنة الهدى وقوله لا بأس به للزوائد،
وحیث قال يعيد فذلك من حكم الوجوب مثل قوله ویکره أن يؤذن وهو جنب، وإن صلى
أهل المصر جماعة بغير أذان ولا إقامة فقد أساءوا ولا بأس بأن يؤذن أحد ويقيم(٣)، ولو أذن
قبل الوقت يعاد في الوقت.
٣٩/أ
قوله: (ونفل) وهو اسم للزيادة/ في اللغة سميت الغنيمة نفلًا لأنها زيادة على ما هو
المقصود من الجهاد شرعًا وسمى ولد الولد نافلة لذلك فالنوافل من العبادات زوائد مشروعة
لنا لا علينا، وإنما جعل النفل من العزائم، لما أنه لم يتعلق بعذر، إلا أنه شرع دائمًا، وذلك يلازم
الحرج، لأن في مراعاة أركانه على التمام مع شرعيته على الدوام حرجا بينًا فلذا(٤) رخص في
وصفه حتى يؤدى قائمًا وقاعدًا وراكبًا، وكان عزيمة أصلًا ورخصة وصفا.
٣٩/ز
قوله: (والزائد على الركعتين للمسافر نفل لهذا) وهو أنه يثاب المرء/ على فعله ولا يعاقب
علی تر که.
قوله: (لما شرع النفل على هذا الوصف)(٥) وهو شرعيته على الدوام وأن يثاب على فعله
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٢) في (١) و(ب) الإساءة.
(٣) في (١) و(ب) ويقيم آخر.
(٤) في (ب) فكذا.
(٥) من شرع في النفل هل يلزمه إتمامه، ولو أفسده هل يلزمه قضاؤه سواء كان صومًا أو صلاة؟
الشافعية والحنابلة على أن النفل لا يلزم بالشروع فيه حتى لو لم يمض فيه لا يؤاخذ بالقضاء ولا
يعاقب على تركه، لأن النبي ﴿ (كان ينوي صوم التطوع ثم يفطر). رواه مسلم، ولأن حكم
النفل التخيير فيه إذا شرع فهو مخير فيما لم يأت تحقيقًا لمعنى النفلية؛ إذ النفل لا ينقلب فرضًا،
وإتمامه لا يكون إسقاطًا للواجب بل أداء النفل، ولهذا يباح الإفطار بعذر الضيافة وإذا كان مخيرًا
- ٢٨٧ -

كذلك، وقلنا: إن ما أراده وجب صيانته ولا سبيل إليه إلا بإلزام الباقي،
ولا يعاقب على تركه، وجب أن يبقي كذلك؛ لأن آخره من جنس أوله، فكما أنه مخير في
الابتداء بين أن يشرع وبين أن لا يشرع لكونه نفلًا، فكذلك يكون مخيرًا في الانتهاء، وإذا
ترك الإتمام فإنما ترك أداء النفل، وذلك لا يلزمه شيئًا كما في المظنون.
قوله: (وجب صيانته)؛ إذ المؤدى صار لله تعالي مسلمًا إليه، ولهذا لو مات في هذه الحالة
كان مثابًا على ذلك، فيجب التحرز عن إبطاله مراعاة لحق صاحب الحق، ولا سبيل إلى
صيانته إلا بالإتمام، فيجب عليه الإتمام ضرورة، وكونه مسلّمًا لا ينافي الإبطال، كالصدقة
المسلّمة تبطل بالمن والأذى، وكذا العبادات البدنية تبطل بالسمعة والرياء، فإن قبل العبادة إنما
يتم (١) قربة بآخرها لما أنها لا تتجزأ، فإذا توقف الجزء الأول على الآخر ليصير (٢) قربة لم يحرم
إبطال ما صنع قبل أن يتم قربة.
فيما لم يأت فله تركه تحقيقًا لمعنى التخيير، وحينئذ يلزم بطلان المؤدى ضمنًا وتبعًا لا قصدًا فلا
يكون إبطالا لخلوه عن القصد كمن سقى زرعه ففسد زرع الغير بالنزِّ فإنه لا يجعل إتلافًا. وذهب
الحنفية والمالكية يلزم بالشروع لوجوه:
الأول: قوله - تعالى -: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾، وفي عدم الإتمام إبطال للمؤدى.
الثاني: أن الجزء الذي أداه صار عبادة لله - تعالى - حقًّا فتجب صيانته؛ لأن التعرض لحق الغير
بالإفساد حرام، ولا طريق إلى صيانة المؤدى سوء لزوم الباقي؛ إذ لا صحة له بدون الباقي؛ لأن
الكل عبادة واحدة بتمامها يتحقق استحقاق الثواب.
الثالث: أن المنذر قد صار لله - تعالى - تسمية بمنزلة الوعد فيكون أدنى حالًا مما صار لله - تعالى.
فعلًا وهو المؤدى ثم إبقاء الشىء وصيانته عن البطلان أسهل من ابتداء وجوده، وإذا وجب أقوى
الأمرين وهو ابتداء الفعل لصيانة أدنى الشيئين وهو ما صار لله - تعالى - تسمية فلا يجب أسهل
الأمرين وهو إبقاء الفعل لصيانة أقوى الشيئين وهو ما صار لله - تعالى - فعلًا أولى. فإن قيل: فمن
مات في أثناء العبادة ينبغي أن لا يثاب لعدم تحقق شرط بقاء المؤدى عبادة؟ قلنا: الموت متمم لا
مبطل، فجعل العبادة كأنها القدر بمنزلة تمام عبادة الحي للدلائل الدالة على كونه عبادة. انظر
كشف الأسرار للبخاري ٣١٢/٢، والتلويح ٢٥٠/٢، ٢٥١، وأصول السرخسي ١١٥/١،
١١٦، وحاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع ٩٠/١، وفواتح الرحموت ١١٤/١،
وشرح الكوكب المنير ٤٠٧/١.
(١) في (ب) تتم.
(٢) في (ب) فيصير.
- ٢٨٨ -

وهو كالنذر صار للَّه - تعالى - تسمية لا فعلًا، ثم لما وجب لصيانته ابتداء الفعل فلأن يجب
لصيانة ابتداء الفعل بقاؤه أولى.
ورخصة، وهي أربعة أنواع: نوعان من الحقيقة أحدهما أحق من الآخر ونوعان من
المجاز أحدهما أتم من الآخر، أما أحق نوعي الحقيقة فما استبيح مع قيام المحرم وقيام حكمه
قلنا: إن بالشروع حصل ما يتقرب به إلى الله - تعالى-، وهو القيام والكف عن المشتهيات
في الصلاة والصوم، وذلك فعل، وإنما المعدوم ما يسمى صلاة وصومًا فيحرم إبطاله.
قوله: (وهو كالنذر صار لله - تعالى - تسمية) لأنه قصد العبادة بالنذر، وقصد العبادة
عبادة، وكما وردت به السنة ((من هم بحسنة فله أجر واحد))(١)، ثم وجب لصيانة نذره،
وهو القول/ ابتداء الفعل أي ابتداء المنذور وهو الصلاة والصوم بقاؤه أولى، وهذا لأن معنى
العبادة في الأفعال أكثر بالنسبة إلى الأقوال.
٥٢/ب
قوله: (ورخصة وهي) في اللغة عبارة عن اليسر والسهولة يقال: رخص السعر، إذا تيسرت
الإصابة لكثرة وجود الأشكال وقلة الرغائب فيها، وفى الشريعة اسم لما بنى(٢) على أعذار
العباد(٣).
قوله: (فما استبيح مع قيام المحرم وقيام حكمه) أي أعطى له حكم الإباحة، لا أن يثبت
حقيقة الإباحة، إذ لو ثبت به الإباحة والحرمة ثابتة لكان جمعًا بين الضدين وأنه محال، وهو
(١) الحديث أخرجه البخاري كتاب الرقاق باب من هم بحسنة أو سيئة، عن ابن عباس - رضي الله
عنهما - عن النبي ﴿ فيما يروي عن ربه - وَلَّ - قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم يَينَّ
ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها وعملها كتبها
الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها
كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة)). صحيح
البخاري ٢٣٨٠/٥، وانظر صحيح مسلم كتاب الإيمان باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم
بسيئة لم تكتب ١١٨/١.
(٢) في (١) و(ب) يبنى.
(٣) قيل في تعريف الرخصة اصطلاحًا هي: اسم لما شرع من الأحكام متعلقًا بالعوارض، وقيل ما تغير
من عسر إلى يسر بواسطة عذر المكلف فيها ترفيهًا، وقيل: ما استبيح مع تعذر قيام الدليل المحرم.
حاشية الرهاوي ص٥٩٣.
- ٢٨٩ -

كالمكره على إجراء كلمة الكفر، وإفطاره في رمضان، وإتلافه مال الغير، وترك الخائف
على نفسه الأمر بالمعروف وجنايته على الإحرام، وتناول المضطر مال الغير، وحكمه أن
الأخذ بالعزيمة أولى حتى لو صبر وقتل كان شهيدًا.
والثاني ما استبيح مع قيام السبب لكن الحكم تراخى عنه كالمسافر رخص له الفطر
وحكمه أن الأخذ بالعزيمة أولى لكمال سببه وتردد في الرخصة فالعزيمة تؤدي معنى
كالمكره على إجراء كلمة الكفر فإنه ترخص(١) له إجراؤها، والعزيمة في الصبر حتى يقتل؛ لأن
حرمة الكفر قائمة لوجوب حق اللَّه - تعالى - في الإيمان والوجوب ثابت عقلًا، وما كان عقليًا
لا يتبدل أصلًا، وإنما رخص لأن في الامتناع حتى يقتل تلف نفسه صورة ومعنى، وبإجراء
الكلمة لا يفوت ما هو الواجب معنى فإن التصديق باق، ولا يفوت صورة من كل وجه؛ لأن
أداء الإيمان قد صح، وليس التكرار بركن، إلا أن في الإجراء هتك حرمة حق الله - تعالى.
صورة، وفى الامتناع رعاية صورة ومعنى فكان الامتناع عزيمة، وأما حرمة إفطار المكره في
رمضان، وإتلافه مال الغير وغير ذلك وإن كانت تحتمل السقوط، إلا أن المسقط لم يوجد،
فرخص له الإقدام على ما فيه دفع الهلاك عن نفسه، وحكم هذا القسم أن الأخذ بالعزيمة
أولى، لأن حرمة هذه الأشياء باقية.
قوله: (والثاني وهو ما استبيح مع قيام السبب) المحرم موجبًا لحكمه(٢) لكن الحكم وهو
وجوب الأداء متراخ عن السبب إلى زوال وقت العذر.
قوله: (لكمال سببه) وهو شهود الشهر، فإن قوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُنّةٌ﴾(٣) عام يتناول الكل.
قوله: (وتردد في الرخصة) معناه أن التأخير إنما ثبت رخصة لليسر واليسر فيه متعارض
فالصوم يتعسر عليه من وجه بسبب السفر، لما أنه قطعة من السفر، ويخف عليه من وجه
لموافقة المسلمين، وقد أعرض الشافعي عن ذلك فجعل الرخصة أولى [اعتبارًا لظاهر](٤)
(١) في (١) يرخص.
(٢) في (١) بحكمه.
(٣) من الآية ١٨٥ من سورة البقرة.
(٤) في (١) و(ب) اعتبارا بظاهر.
- ٢٩٠ -

الرخصة من وجه، إلا أن يضعفه الصوم، وأما أتم نوعي المجاز فما وضع عنّا من الإصر
والأغلال فسمى ذلك رخصة مجازًا؛ لأن الأصل لم يبق مشروعًا.
والنوع الرابع ما سقط عن العباد مع كونه مشروعًا في الجملة كقصر الصلاة في
تراخي العزيمة (١).
[قوله](٢): (إلا أن يضعفه الصوم) فليس له أن يأخذ بالعزيمة لأنه لو صام فمات كان قتيل
الصوم، وهو المباشر لفعل الصوم، فيكون قائلًا نفسه، وعلى المرء أن يحترز عن قتل نفسه،
بخلاف ما إذا أكرهه ظالم على الفطر فلم يفطر حتى قتله، أن(٣) القتل هنا يضاف إلى فعل
الظالم، فأما هو فالامتناع عن الفطر مستديم، مظهر للطاعة من نفسه في العمل لله - تعالى-،
وذلك عمل المجاهدين(٤).
قوله: (فما وضع عنا من الإصر والأغلال) الإصر: الحمل الثقيل، والأغلال جمع الغل،
وكلاهما عبارة عن الأمور الشاقة التي كانت على الأمم الماضية، مثل وجوب التوبة بقتل
النفس، ووجوب قطع موضع النجاسة إذا أصابته وغير ذلك من الأحكام، وأنها رفعت عن
هذه الأمة أصلًا، فكان إطلاق اسم الرخصة عليها مجازًا، [إلا أن](٥) / الرخصة الحقيقية، ما
كانت العزيمة ثابتة في مقابلته، إلا أنه يصار إلى الرخصة لعذر في المكلف، وهذه العزيمة لما لم
تكن(٦) مشروعة في حقنا أصلًا لا يكون وضعها رخصة بل يكون عزيمة حقيقة، ولكن لما
كان الوضع عنا للتخفيف سميت رخصة مجازًا.
١/٤٠
قوله: (مع کونه مشروعًا في الجملة) فمن حيث إنه سقط أصلا کان مجازًا [ومن حيث
(١) فالصوم في السفر أفضل من الإفطار عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - الإفطار أفضل لقوله
التلبيئة: ((أولئك العصاة أولئك))، وقوله: ((ليس من أمبر أمصيام في أمسفر))، قلنا كان ذلك محمولًا
على حالة الجهاد. انظر: أصول السرخسي ١١٩/١، ١٢٠، وكشف الأسرار للنسفي ١/
٤٦٤ -٤٦٦ وبهامشه نور الأنوار ٤٦٥/١، ٤٦٦.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٣) في (١) و(ب) لأن.
(٤) انظر: أصول السرخسي ١٢٠/١.
(٥) في (١) و(ب) لأن.
(٦) في (١) و(ب) يكن.
- ٢٩١ -

السفر، وسقوط حرمة الخمر والميتة في حق المضطر والمكره،
٥٣/ب
٤٠/ز
بقى](١) مشروعًا في الجملة كان شبيهًا بحقيقة الرخصة/ فكان دون القسم الثالث، كقصر
الصلاة في السفر أنه رخصة إسقاط مع كون الكمال مشروعًا في حالة الإقامة، وعند الشافعي
هو رخصة تخيير كالإفطار لأن الرفق وإن تعين في الأقل إلا أن مثل هذا جائز كما في العبد
المأذون بأداء الجمعة، ونحن استدللنا/على ما قلنا بدليل الرخصة ومعناها، أما الدليل فما روي
عن عمر (٢) أنه قال: أنقصر الصلاة ونحن آمنون؟ فقال وُ لُّ: ((هذه صدقة تصدق الله -
تعالى - بها عليكم فاقبلوا صدقته))(٣)، سماه صدقة والتصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط
محض لا يحتمل الرد كالعفو عن القصاص، وأما المعنى فلأن الرخصة لطلب الرفق، والرفق
متعين في القصر فسقط الإكمال، ولأن الاختيار بين الشيئين من غير أن يفيد رفقًا في كل واحد
منهما مختار(٤) كامل لا يليق بالعبودية، بل يليق بالربوبية لأنه متعالٍ عن أن يكون له رفق فيما
يختار، قال الله - تعالى -: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارٌ﴾(٥)، بل الاختيار الثابت للعبد لا
ينفك عن معنى الرفق، ولا رفق في الإكمال فبطل الاختيار بخلاف العبد المأذون بالجمعة حيث
يجوز له أداء الظهر؛ لأن الجمعة غير الظهر حتى لا يجوز بناء أحدهما على الآخر، وعند المغايرة
يفيد التخيير، وأما ظهر المسافر والمقيم فواحد، فخلا عن فائدة التخيير(٦).
قوله: (وسقوط حرمة الخمر والميتة في حق المضطر والمكره)، فإنه لا يسعه الامتناع عن
(١) في (١) و(ب) ومن حيث إن بقى.
(٢) في (ب) عن ابن عمر.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
◌ُنَاحُ أَن نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْيِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ﴾، فقد أمن الناس. فقال: عجبت مما
عجبت منه فسألت رسول الله څ عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها علیکم فاقبلوا صدقته). صحيح
مسلم ٤٧٨/١ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب صلاة المسافرين وقصرها. وابن خزيمة ٧١/٣، وابن
حبان ٤٤٨/٦، والدارمي ٤٢٣/١، وأبو داود ٣/٢، والترمذي وقال: حسن صحيح ٢٤٢/٥.
(٤) في (أ) و(ب) اختيار.
(٥) من الآية ٦٩ من سورة القصص.
(٦) قال النسفي: اعلم أن النوع الرابع وهو الثاني من نوعى الرخصة: ما سقط عن العبادة مع كونه
مشروعًا في الجملة، فمن حيث إن السبب لم يبق موجبًا للحكم وسقط الوجوب أصلًا كان
مجازًا، ومن حيث إنه بقى مشروعًا فى الجملة كان شبيهًا بحقيقة الرخصة وذلك مثل: قصر
- ٢٩٢ -

وسقوط غسل الرجل في مدة المسح لطلب الأمر والنهي
الإقدام حتى إذا صبر صار آثمًا؛ لأن الحرمة ما تثبت(١) إلا صيانة لعقله عن الاختلاط أو
الفساد بشرب الخمر ونفسه عن ضرر الميتة، فإذا خاف به فوات نفسه، لم يستقم صيانة
البعض بفوت(٢) الكل، فسقط المحرم فبالصبر لم يكن مقيمًا حق اللَّه - تعالى-، بل مضيعًا دمه
فيأثم، فكان رخصة مجازًا؛ إلا أن حرمة هذه الأشياء مشروعة في الجملة.
قوله: (وسقوط غسل الرجل في مدة المسح) مع أنه مشروع في حال عدم التخفف، [إلا
أن](٣) الخف يمنع سراية الحدث إلى القدم حكمًا فيسقط(٤) وجوب الغسل لانعدام الحدث،
لأن الغسل يتأدى بالمسح، ولهذا شرط أن يكون اللبس على طهارة في الرجلين، وأن يكون
الحدث بعد اللبس طارًا على طهارة كاملة، فلو كان الغسل يتأدى بالمسح لما اختلف الحكم
في اللبس على الطهارة، وعدم الطهارة كما في المسح(٥) على الجبيرة، فثبت أن الخف مانع
فكان رخصة مجازًا(٦).
الصلاة في السفر فإنه إسقاط للواجب حقيقة لما لم يبق له حكم بوجه وسمى رخصة مجازًا حتى
لا يجوز للمسافر أن يصلى الظهر أربعًا ولو صلى أربعًا كان كمن صلى الفجر أربعًا؛ لأن السبب
لم يبق في حقه موجبًا إلا ركعتين فكانت الأخريان نفلًا، حتى لو لم يقعد القعدة الأولى فسدت
صلاته وقال الشافعي لا قصر إلا أن يختار العبد القصر كما لا فطر إلا أن يختار الفطر وإنما
جعلناها إسقاطًا استدلالاً بدليل الرخصة وهو الحديث المذكور، ولقول عائشة - رضي الله عنها :
(فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر). رواه البخاري. انظر كشف
الأسرار للنسفي ومعه نور الأنوار ٤٦٨/١-٤٧٠، وأصول السرخسي ١٢٢/١، ١٢٣.
(١) في (١) و(ب) ثبتت.
(٢) في (١) بفوات.
(٣) في (ب) لأن.
(٤) في (١) و(ب) فسقط.
(٥) في (١) و(ب) في مسح الجبيرة.
(٦) سقوط غسل الرجلين عمن كان متحققًا في مدة المسح رخصة إسقاط، لأن الشرع أخرج السبب
وهو الحدث عن كونه عاملًا في الرجل ما دامت مستترة بالخف وجعل الخف مانعًا من سراية
الحدث إلى القدم؛ لأنه أثبت الحدث بالرجل وأوجب غسلها ثم أناب المسح منابه ولكن بقى أصل
السبب موجبًا في الجملة نظرًا إلى حالة عدم الخف، فكانت رخصة المسح بذلك رخصة إسقاط،
ولكن لو أتى بالعزيمة بعد ما رأى جواز المسح كان أولى لأنه أسبق. حاشية الرهاوي بهامش شرح
ابن ملك ص ٦٠٤.
- ٢٩٣ -

بأقسامها الأحكام المشروعة، ولها أسباب تضاف إليها من حدوث العالم، والوقت
فصل في بيان الشرائع(١)
اعلم أن الأمر والنهي مع جميع أقسامهما لطلب الأحكام المشروعة، لما مرّ أن نفس
الوجوب بالسبب ووجوب الأداء بالخطاب وهما مفترقان؛ إذ بالأول ثبت(٢) الشغل وبالثاني
التفريغ، وأثر الأول على طريق الجبر حيث لم يتوقف على الفهم والعقل، وأثر الثاني على
طريق الاختيار فلذلك توقف على قيام الفهم والعقل.
قوله: (ولها) أي وللأحكام أسباب شرعية يضاف إليها، وإن كان الموجب في الحقيقة هو
اللَّه - سبحانه وتعالى.، لا تأثير للأسباب بأنفسها عندنا، خلافًا للمعتزلة فيكون للأسباب
أمارات حقيقية، إلا أن الإيجاب لما كان غيبًا عنا جعلها اللَّه أسبابًا؛ تيسيرًا للأمر على العباد
وليتوصل إلى معرفة الأحكام بمعرفة الأسباب الظاهرة فلابد من بيان الأسباب(٣).
قوله: (كحدث العالم إلى قوله وإنما يعرف السبب) فيه رعاية صنعة اللف والنشر فسبب
وجوب الإيمان حدث (٤) العالم، والمراد به: أن حدوث العالم سبب لوجوب التصديق الذي
هو فعل العبد، لا أن يكون سببًا لوحدانية الله - تعالى-، وسبب وجوب الصلاة الوقت، لأنها/
٥٤/ب
(١) لما فرغ عن بيان الأحكام المشروعة ذكر بعدها بيان أسبابها بهذا التقريب اقتداء بفخر الإسلام
وكان الأولى أن يذكرها بعد القياس في بحث الأسباب والعلل كما فعله صاحب التوضيح، وربما
أخرها وإن كانت متقدمة لوجود الكلام عليها؛ لأنها علامات لها وماله العلامة أهم في التقديم من
العلامة أو نقول: لما فرغ من بيان الأدلة والأحكام أولاهما بماله شبه بهما وهو الأسباب. انظر نور
الأنوار ٤٧٣،٤٧٢/١، وحاشية الرهاوي ص٦٠٥.
(٢) في (١) يثبت.
(٣) اختلف العلماء - رحمهم الله - تعالى - هل للأحكام المشروعة أسباب أم لا؟ فذهب عامة أصحابنا
وبعض أصحاب الشافعي وعامة المتكلمين إلى الإثبات مطلقًا وذهب بعضهم إلى النفي مطلقًا،
وذهب جمهور الأشعرية إلى الإثبات في العقوبات وحقوق العباد وإلى النفي في العبادات، ومما
يشهد بوضع الأسباب وجوب الصلاة على من نام وقت الصلاة كاملًا، وعلى من أغمى عليه أو
جن أقل من يوم وليلة ووجوب صوم رمضان على من جن ولم يستغرقه جنونه، ووجوب الزكاة
عندهم على الصبي ووجوب العشر وصدقة الفطر عليه عند جميع الفقهاء مع سقوط الخطاب عنه
في الجميع لعدم الأهلية. حاشية الرهاوي ص ٦٠٦، وكشف الأسرار للنسفي ٤٧٦/١
(٤) في (ب) حدوث.
- ٢٩٤ -

وملك المال وأيام شهر رمضان والرأس الذي يمونه ويلي عليه، والبيت، والأرض النامية
بالخارج تحقيقًا أو تقديرًا، والصلاة، وتعلق بقاء المقدور بالتعاطي للإيمان، والصلاة،
والزكاة، والصوم، وصدقة الفطر، والحج، والعشر، والخراج، والطهارة، والمعاملات،
وأسباب العقوبات، والحدود، والكفارات ما نسبت إليه من قتل، وزنا، وسرقة، وأمر دائر
بين الحظر، والإباحة كالقتل خطأ، والإفطار عمدًا،
نسبت إليه قال الله - تعالى -: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾(١) فالنسبة باللام أقوى وجوه
الدلالة على تعلقها بالوقت، وكذا (٢) يقال: صلاة الفجر والظهر، وكذا يتكرر الواجب(٣)
بتكرر الوقت، ويبطل الأداء قبل الوقت ويصح بعد هجومه، وسبب وجوب الزكاة ملك المال
بصفة أن يكون نصابًا ناميًا؛ لأنه أضيف إليه، ويتضاعف بتضاعف النُّصُب في وقت واحد،
لكن الوجوب بواسطة الغنى قال وُ لّ: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى))(٤) والغنى لا يحصل إلا
بمقدار وذلك هو النصاب، والوجوب بصفة اليسر، ولا يتم إلا أن يكون النصاب ناميًا(٥)،
وسبب وجوب الصوم أيام شهر رمضان قال الله - تعالى -: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمَّةٌ﴾(٦)، أي فليصمه في أيامه والوقت متى جعل سبًا كان ظرفًا صالحً للأداء، والليل
لا يصلح للأداء، فلا يجوز أن يجعل سببًا، وقال شمس الأئمة السرخسي السبب شهود
(١) من الآية ٧٨ من سورة الإسراء.
(٢) في (١) ولذا.
(٣) في (أ) و(ب) الوجوب.
(٤) الحديث أخرجه أحمد عن أبي هريرة قال: قال: رسول اللـه ◌ُ : ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى،
واليد العليا خير من اليد السفلي وابدأ بمن تعول)). مسند أحمد ٢٣٠/٢، وأخرجه البخاري عن أبي
هريرة عن النبي و﴿ّ قال: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول)). البخاري كتاب الزكاة
باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى ٥١٨/٢، وأخرجه مسلم عن حكيم بن حزام أن رسول الله لحم/ قال:
((أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلي وابدأ بمن تعول)).
صحيح مسلم كتاب الزكاة باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلي ٧١٧/٢ وذكره البخاري
تعليقًا على كتاب الوصايا باب تأويل قوله - تعالى -: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوسَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾.
البخاري ١٠١٠/٣، وانظر نصب الراية ٤١١/٢.
(٥) انظر أصول السرخسي ١٠٦/١ ولاحظ عبارته.
(٦) من الآية ١٨٥ من سورة البقرة.
- ٢٩٥ -

١/٤١
الشهر [والشهر اسم الجنس من الزمان مشتمل] (١) على الأيام والليالي، واستدل بما إذا أفاق
المجنون في جزء من رمضان فإنه يجب عليه قضاء جميع الشهر سواء كان ليلاً ونهارًا(٢)،
وسبب وجوب صدقة الفطر الرأس الذي يمونه ويلي عليه، ومؤنة الشيء ما يكون سببًا لبقاء
ذلك الشيء يقال: مانه أي قاته، وكما (٣) / أن القوت سبب للبقاء فكذلك يقال إنه في مؤنة
فلان، ومؤنته على فلان، [ويراد أن](٤) ما يحتاج إليه في بقائه من الطعام واللباس من فلان
وعلى فلان والدليل على أنه سبب قوله {وَ لّ: ((أدوا عمن تمونون))(٥) بيانه: أن كلمة عن
لانتزاع الشيء فتدل على أحد الوجهين، وهو إما أن يكون سببًا ينتزع الحكم عنه أو محلاً
يجب الحق عليه فيؤدى عنه، وقد امتنع الثاني لامتناع الوجوب على العبد والكافر والفقير
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٢) اتفق المتأخرون من مشايخنا كالقاضي أبي زيد، وشمس الأئمة، وفخر الإسلام، وصدر الإسلام،
ومن تابعهم على أن سبب وجوب صوم رمضان هو الشهر؛ لأنه يضاف إليه ويتكرر بتكرره،
ويصح الأداء بعد دخوله لا قبله لكنهم اختلفوا بعد ذلك فذهب شمس الأئمة السرخسي - رحمه
الله - إلى أن السبب مطلق شهود الشهر ليلًا كان أو نهارًا؛ لأن الشهر اسم للمجموع وسببه باعتبار
إظهار شرف الوقت، وذلك ثابت للأيام والليالي جميعًا، ولهذا وجب القضاء على من كل أهلًا ثم
جن وأفاق بعد مضى الشهر وصحة النية بعد تحقق جزء من أول ليلة منه ولم تصح قبله، ولا يلزم
صحة الصوم ليلًا؛ إذ ليس من حكم السبب جواز الأداء فيه، وذهب الأكثرون كالقاضي أبي زيد
وفخر الإسلام، وصدر الإسلام ومن وافقهم إلى أن سبب وجوب الصوم الأيام دون الليالي وكل
يوم سبب لصومه بمعنى أن الجزء الذي لا يتجزأ من أول كل يوم سبب لصومه يعنى ذلك اليوم لأن
صومه كل يوم عبادة على حدة تختص لاختصاصه بشرائط وجوده بالانتقاض بطريان نواقضه
فيجب تعلقه بسبب على حدة. حاشية الرهاوي ص ٦٠٧.
(٣) في (١) و(ب) فكما.
(٤) في (١) و(ب) ويراد به أن.
(٥) الحديث أخرجه الدارقطني عن نافع عن ابن عمر قال: (أمر رسول الله ﴿ّ بصدقة الفطر عن
الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون). وقال: رفعه القاسم وليس بالقوى والصواب موقوف.
سنن الدار قطني ١٤١/٢، والبيهقي وقال: إسناده غير قوى. سنن البيهقي ١٦١/٤، والشافعي في
المسند عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﴿ فرض زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر
والأنثى ممن تمونون. مسند الشافعي ص ٩٣، وانظر تعليق الزيلعي وابن حجر في نصب الراية ٢/
٤١٢، وتلخيص الحبير ١٨٣/٢.
- ٢٩٦ -

٤١/ز
فتعين الأول، ولهذا يتضاعف بتضاعف الرءوس أما وقت الفطر فشرطه، وإنما نسب إليه
مجازًا(١) وسبب وجوب الحج البيت؛ لأنه نسب إليه/ قال الله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
حِبُّ الْبَيْتِ﴾(٢)؛ ولهذا لا يتكرر بتكرر وقت الأداء؛ لأن ما هو السبب غير متكرر، غير أن
الأداء يشتمل على أركان بعضها يختص بوقت ومكان، وبعضها لا؛ فما اختص بشيء لا
يجوز في غيره، وما لم يختص فجائز في جميع وقت الحج، والاستطاعة شرط؛ لأن الحج
عبادة بدنية، فلا يصلح المال سببًا له(٣) وسبب وجوب العشر الأرض النامية بالخارج تحقيقًا؛
لأن العشر ينسب إلى الأرض، يقال: عشر الأرض، وإنما يتكرر العشر مع اتحاد السبب؛ لأن
الوصف الذي لأجله كان (٤) الأرض سببًا وهو النماء متجدَّد، فصار السبب بتجدد وصفه
متجددًا حكمًا، فصار كالزكاة وصدقة الفطر، وسبب وجوب الخراج الأرض النامية بالخارج
تقديرًا بالتمكن من الزارعة، يقال: خراج الأرض، وسبب وجوب الطهارة الصلاة؛ لأنها
نسبت(٥) إليها وتقوم بها أعنى تدور معها وجوبًا وسقوطًا، والحدث شرطه(٦)، وسبب
المعاملات تعلق البقاء المقدور بتعاطيها، والبقاء متعلق بالنسل والكفاية وطريقها أسباب
شرعية موضوعة للملك والاختصاص، وأما أسباب العقوبات والحدود والكفارات ما
نسب(٧) إليه كالقتل فإنه سبب للقصاص، والزنا سبب للحد، [والسرقة للقطع](٨)، واليمين
(١) انظر أصول السرخسي ١٠٧/١.
(٢) من الآية ٩٧ من سورة آل عمران.
(٣) وإنما كان البيت سببًا لوجوبها؛ لأنها عبادة هجرة وزيادة تعظيمًا لتلك البقعة فلا يصلح المال سببًا
لوجوبها ولا هو شرط لجواز الأداء أيضًا، فالأداء من الفقير صحيح وإن كان لا يملك شيئًا، وإنما
المال شرط وجوب الأداء فإن السفر الذي يوصله إلى الأداء لا يتهيأ له بدون الزاد والراحلة إلا
بحرج عظيم والحرج مرفوع. أصول السرخسي ١٠٥/١.
(٤) في (١) و(ب) صار.
(٥) في (أ) ينسب، وفي (ب) تنسب.
(٦) فتبين أن الطهارة ليست بعبادة مقصودة ولكنها شرط الصلاة، وما يكون شرطًا للشيء يتعلق به
صحته، ووجوبه بوجوب الأصل، بمنزلة استقبال القبلة فإن وجوبه بوجوب الصلاة. أصول
السرخسي ١٠٦/١.
(٧) في (ب) نسبت.
(٨) والسرقة سبب للقطع في (أ) و(ب).
- ٢٩٧ -

وإنما يعرف السبب بنسبة الحكم إليه وتعلقه به؛ لأن الأصل في إضافة الشيء إلى
الشيء أن يكون سببًا له، وإنما يضاف إلى الشرط مجازًا كصدقة الفطر وحجة الإسلام.
باب بيان أقسام السنة
الأقسام التي سبق ذكرها ثابتة في السنة، وهذا الباب لبيان ما تختص به السنن وذلك
٥٥/ب
المنتقضة بالحنث سبب للكفارة؛ لما أن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة فإنها يتأدى بالصوم
وهو عبادة بدنية، وفيها معنى العقوبة أيضًا؛ لأنها تقع (١) زاجرة عن الجناية/، وإذا كان كذلك
لابد وأن يكون السبب دائرًا بين الحظر والإباحة، ليكون المحظور سببًا للعقوبة، والمباح سببًا
للعبادة، وقد وجد هذا في اليمين المنتقضة بالحنث، فإن الانعقاد مباح مشتمل على تعظيم الله
- تعالى -، ونقضه بالحنث محظور فلذلك جعلت سببًا لها.
قوله: (بنسبة الحكم إليه)؛ لأن الأصل في إضافة الشيء إلى الشيء أن يكون سببًا له حادثًا
به؛ لأن الإضافة للاختصاص وأقوى وجوه الاختصاص فيما قلنا.
قوله: (وتعلقه به) معناه أن الحكم إذا كان لازمًا لشيء على وجه یتکرر الحکم بتكرر ذلك
الشيء كالصوم والصلاة، فذلك يدل على أن ذلك الحكم يكون حكمًا لذلك الشيء، واللّه
أعلم.
باب [في](٢) بيان أقسام السنة
السنة تطلق على الأقوال والأفعال، والحديث يختص بالقول(٣).
قوله: (الأقسام التي سبق ذكرها) وهي الأمر، والنهي، والخاص، والمشترك، والمؤول،
وغيرها فإنها ثابتة في السنة، فكانت السنة فرعًا للكتاب في بيان تلك الأقسام فلا نعيدها،
وإنما هذا الباب لبيان ما يختص(٤) به السنة وذلك أربعة أقسام: الأول: في كيفية الاتصال بنا
(١) في (١) و(ب) يقع.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (١) و(ب).
(٣) إنما اختار لفظ السنة دون لفظ الخبر كما ذكره غيره؛ لأن لفظ السنة شامل لقول الرسول
وفعله الَّة ومنطلق على طريقة الرسول والصحابة على ما مر، والشيخ قد ألحق بآخر هذا القسم
بيان أفعال النبي الكَّ وأقوال الصحابة - رضوان الله عليهم - فاختار لفظة تشمل الكل.
(٤) في (أ) و(ب) تختص.
- ٢٩٨ -

أربعة أقسام: الأول في كيفية الاتصال بنا من رسول اللَّه وَطّ وهو إما أن يكون كاملاً
كالمتواتر وهو الخبر الذي رواه قوم لا يحصى عددهم ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب،
من الرسول اللَّهِ وَ﴿ّ[والثاني: الانقطاع](١)، والثالث في بيان محل الخبر، والرابع: في بيان
نفس الخبر، القسم الأول: في كيفية الاتصال بنا من الرسول ﴿ّ، وإنما تختص كيفية
الاتصال بالسنة، لأنها تتصل بطريق ثلاثة: بالآحاد، وبالشهرة وبالتواتر، أما الكتاب فطريق
الاتصال فيه واحد وهو التواتر.
قوله: (ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب) أي توافقهم لكثرتهم وعدالتهم وتباين أماكنهم.
قوله كالعيان علمًا ضروريًا [و](٢) من الناس من أنكر العلم بطريق الخبر أصلًا وهذا رجل سفيه
لم يعرف نفسه؛ لأن كونه مخلوقًا من ماء مهين ثبت بالخبر، ولا دينه(٣)؛ لأن طريق عرفانه
الخبر، ولا دنياه(٤)؛ لأن العلم بالبلدان التي لم يعاينها [لا يحصل](٥) إلا بالخبر ولا أمه ولا
أباه؛ لأنه لا يعرفهما بدون الخبر، وقال قوم: يوجب علم طمأنينة (٦)، ومعنى الطمأنينة عندهم
(١) في (أ) و(ب) والثاني في الانقطاع.
(٢) الواو ساقطة من (ب).
(٣) أي لم يعرف دينه.
(٤) أي لم يعرف دنياه.
(٥) في (١) و(ب) لم يثبت.
(٦) مذهب جمهور العقلاء أن المتواتر يوجب علم اليقين بمنزلة العيان علمًا ضروريًا، وذهب السمنية
وهم قوم من عبدة الأصنام، والبراهمة وهم قوم من منكري الرسالة بأرض الهند إلى أن الخبر لا
يكون حجة أصلًا ولا يقع العلم به بوجه لا علم يقين ولا علم طمأنينة بل يوجب ظنًا، وذهب أبو
القاسم الكعبي، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، وأبو بكر الدقاق، وإمام الحرمين من الشافعية إلى
أنه يوجب علمًا استدلاليًّا نظريًّا متوقف حصوله على النظر في المقدمات، وذهب قوم إلى أن المتواتر
يوجب علم طمأنينة لا علم يقين، وذهب الغزالي إلى أنه يوجب علما ضروريا بمعنى عدم الحاجة
إلى الشعور بالوسائط مع حصوله على النظر في المقدمات حضورها في الذهن لا ضروريا بمعنى
استغنائه عنها؛ إذ لابد منها، وتوقف صاحب الإحكام، والضرورة قاضية بقول الجمهور على الكل؛
لأن هذا من البين لكل عاقل، أن علمه بوجود مكة ومحمد ﴿ أظهر من علمه بصحة تلك
الاستدلالات ولا يبطل بذكرها. انظر كشف الأسرار للبخاري ٣٦٢/٢، وشرح ابن ملك
وبهامشه حاشية الرهاوي ص٦١٧ وكشف الأسرار للنسفي ٦/٢ وما بعدها، والتلويح ٤/٢،
وفواتح الرحموت ١١٤/٢ والمستصفى ١٣٢/١، وشرح العضد على المختصر ٥١/٢، والبرهان ١/
- ٢٩٩ -

ويدوم هذا الحد فيكون آخره كأوله، وأوله كآخره، وأوسطه كطرفيه كنقل القرآن
والصلوات الخمس وأنه يوجب علم اليقين كالعيان علمًا ضروريًّا، أو يكون اتصالًا فيه
شبهة صورة كالمشهور وهو ما كان من الآحاد في الأصل، ثم انتشر حتى نقله قوم لا
يتوهم تواطؤهم على الكذب، وهم القرن الثاني ومن بعدهم وأنه يوجب علم طمأنينة، أو
أن يتخالجه شك أو يعتريه وهم، لأن المتواتر صار جمعًا بالآحاد، وخبر كل واحد بانفراده
محتمل في نفسه لا يوجب العلم، فعند الاجتماع لا يزول الاحتمال، والاجتماع يحتمل
التواطؤ(١). قلنا: إن العلم بوجود البلدان النائية، والملوك الماضية ثابت بطريق التواتر من غير
عيان ومشاهدة على وجه لو أراد أحد أن يشكك نفسه في ذلك لا يتشكك، وكذا العلم
للأولاد بالآباء والأمهات ثابت قطعًا بالخبر المتواتر لا طريق لهم سواه؛ ولأن الناس خلقوا على
طبائع مختلفة، وهمم متفاوتة لا يكاد يقع أمورهم إلا مختلفة، فلما وقع الاتفاق كان ذلك
لداع إليه وهو سماع أو اختراع، وبطل الاختراع؛ لأن تباين أماكنهم وخروجهم عن
الإحصاء مع العدالة يقع (٢) الاختراع فتعين الوجه الآخر(٣).
قوله: (فيه شبهة صورة / كالمشهور)؛ لأنه من حيث لم يتصل برسول اللَّه وَ لّ قطعًا، لما أنه
كان من الآحاد في الأصل أي في القرن الأول تمكنت الشبهة فيه، ومن حيث تلقته الأمة
بالقبول لا يكون فيه شبهة معنى.
١/٤٢
قوله: (وأنه يوجب علم الطمأنينة) لما أنه لا ينسخ به الكتاب، ولو كان موجبًا علمًا قطعيًا
لجاز كما في التواتر، بخلاف الزيادة به على الكتاب، لأنه ليس بنسخ من كل وجه وكذا
روی عن عیسی بن أبان: أنه یضلل جاحده ولا یکفر ولو کان قطعیًا لوجب إکفار جاحده،
٣٧٥، وشرح المحلى على جمع الجوامع ومعه حاشية البناني ١٢٢/٢، والمحصول للرازي ولاحظ
تعليق المحقق ٢٣٠/٤، وما بعدها، والأحكام للآمدي ٢٦/٢، ط دار الكتاب العربي، واللمع ص
٧١ ط دار الكتب العلمية، والمعتمد ٩٢/٢ دار الكتب العلمية، وأصول الشاشي ص ٢٧٢.
(١) قال البخاري في الكشف: ويريدون به - علم الطمأنينة - أن جانب الصدق يترجح فيه بحيث
تطمئن إليه القلوب مثل ما يثبت بالدليل الظاهر، ولكن لا ينتفي عنه توهم الكذب والغلط. كشف
الأسرار ٣٦٢/٢.
(٢) في (١) و(ب) يقطع.
(٣) انظر كشف الأسرار للبخاري ٣٦٢/٢، وكشف الأسرار للنسفي ٦/٢ وما بعدها.
- ٣٠٠ -