النص المفهرس

صفحات 261-280

ولا عموم له عندنا حتى إذا قال: إن أكلت فعبدي حر فنوی طعامًا دون طعام لا يصدق
عندنا، وكذا إذا قال: أنت طالق أو طلقتك ونوى الثلاث لا يصح، بخلاف قوله طلقی
بالإجماع فتعارضا فرجحنا دلالة النص(١).
٤٣/ب
قوله: (ولا عموم له عندنا) وقال الشافعي للمقتضى عموم، لأن المقتضى بمنزلة في ثبوت
الحكم به حتى كان الثابت به كالثابت بالنص لا بالقياس فكذلك في إثبات صفة العموم/ فيه
فيجعل كالمنصوص. قلنا: إنه ثابت ضرورة صحة المقتضى فلا يظهر ثبوته فيما وراء المقتضى؛
لأن الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها كأكل الميتة في حال المخمصة(٢)، فإذا قال: إن أكلت
فعبدي حر ونوى طعامًا دون طعام لا يصدق عندنا(٣)، لأن المفعول ثبت اقتضاء؛ إذ الفعل
صرف الممكن من الإمكان إلى الوجوب، وهذا لا يدل على المفعول، بل إذا كان الفعل
متعديًا يثبت المفعول مقتضى من حيث العقل؛ لأنه لا يتصور بدون محل ينفعل فيه الفعل
فكان ضروريًّا، وإنما عم الحكم في الطعام؛ لأن الفرد الثابت بطريق الضرورة وقع في موضع
النفي فعم (٤) الحكم لدلالة الضرورة ومثل هذا لا يقبل التخصيص وإنما القابل له العموم
الثابت باللفظ(٥).
قوله: (وكذا إذا قال أنت طالق)؛ لأنه نعت فرد لا يحتمل العدد، وإنما يقع الطلاق به
ضمنًا لصحة اللفظ، والتصحيح يحصل بواحد فلا يقع الأكثر وكذلك قوله طلقتك لأنه في
اللغة إخبار عن أمر سابق فيقتضي طلاقًا سابقًا ليصح اللفظ فيضمن وقوع الطلاق شرعًا
(١) المثال ذكره بعض الشارحين كابن ملك وغيره انظر شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص
٥٤٠، ٠٥٤١
(٢) انظر أصول السرخسي ٢٤٨/١، ٢٤٩، ولاحظ عبارته وعبارة المصنف.
(٣) قضاء ولا ديانة هذه نتيجة الخلاف بيننا وبين الشافعي فعنده يصدق بخلاف قوله: إن أكلت
طعامًا، حيث يصح نية التخصيص فيه، لأن النكرة وقعت في موضع النفي فعمت. انظر شرح ابن
ملك ص ٥٤٢، ٥٤٣.
(٤) في (١) فيعم.
(٥) انظر كشف الأسرار للبخاري ٢٣٧/٢ وما بعدها، وكشف الأسرار للنسفي ٤٠/١. وما بعدها،
وأصول السرخسي ٢٤٩/١، وما بعدها.
- ٢٦١ -

نفسك وأنت بائن على اختلاف التخريج.
ليصح اللفظ، والنية إنما يعمل(١) في الملفوظ لا فيما يثت ضمنًا لتصحيح(٢) الكلام(٣).
قوله: (على اختلاف التخريج) أما في الأول فلأن المصدر ثابت لغة، لأن الأمر فعل
مستقبل وضع لطلب الفعل فكان مختصرًا من الكلام على نحو سائر الأفعال فصار مذكورًا
لغة فاحتمل الكل والأقل كسائر أسماء الأجناس وأما في الثاني فلأن البينونة تتصل بالمرأة
للحال ولاتصالها وجهان: انقطاع يرجع إلى الملك وانقطاع يرجع إلى المحل فعدد المقتضى
بتعدد المقتضى على الاحتمال فصح تعيينه، وبيان الانحصار أن ما تمسك به المجتهد لا يخلو
[أما (٤) إن كان منطوقًا أو لا فإن كان فإن سيق] له الكلام فهو العبارة، وإن لم يسق فهو
الإشارة، وإن لم يكن منطوقًا فأما إن دل عليه المنطوق لغة أو عقلًا وشرعًا فالأول هو الدلالة
والثاني هو المقتضى.
(١) في (ا)، (ب) تعمل.
(٢) ليصح في (أ)، (ب).
(٣) هذا تفريع على عدم كون المقتضى عامًا وذلك لأن قوله أنت طالق أو طلقتك خبر وهو لا يصح،
إلا أن يسبق عليه طلاق من جانب الزوج ليكون هذا خبرًا عنه ولم يسبق الطلاق منه في الواقع،
فلضرورة تصحيح الكلام وصدقه قدرنا أن الزوج قد طلقها قبل ذلك وهذا إخبار منه، فكأنه قال
في الأول أنت طالق لأني طلقتك قبل هذا، والطلاق المفهوم بحسب اللغة في ضمن قوله أنت
طالق هو الطلاق الذي هو وصف المرأة لا التطليق الذي هو فعل الزوج فلا يكون هذا إلا اقتضاء،
فلا تصح فيه نية الثلاث والاثنين، وأما قوله طلقتك فهو وإن كان دالاً على التطليق الذي هو فعل
المتكلم لكنه دال على مصدر ماض لا على مصدر حاث في الحال، فالمصدر الحادث لا يثبت إلا
اقتضاء من الشرع فلم تصح فيه نية الاثنين أو الثلاث، وقال الشافعي يقع ما نوى من الثلاث أو
الاثنين؛ لأنه يدل على طلاق فتعمل نيته فيه. انظر نور الأنوار ومعه كشف الأسرار ٣٩٩/١ وما
بعدها.
(٤) في (أ) فإن كان منطوقًا فإن سيق، وفي (ب) بأن سيق.
- ٢٦٢ -

فصل في الاستدلالات الفاسدة*
التنصيص على الشيء باسمه العلم يدل على الخصوص عند البعض كقوله التعليقات:
قوله: (التنصيص على الشيء باسم العمل (١) يدل على الخصوص عند البعض)، وهم
أصحاب الحديث معناه أن النص إذا أثبت حكمًا في مسمی باسم الذات، يكون نفيًا للحكم
ما عداه، وسماه بعض أهل الأصول مفهوم اللقب وذلك مثل قوله مُحَ اللّ: ((الماء من الماء))(٢)،
أي الغسل من المنى، فقد فهم الأنصار(٣) التخصيص من ذلك، حتى استدلوا به على نفى
وجوب الاغتسال بالأكسال(٤)، وهو الإيلاج من غير إنزال فلو لم يدل على الخصوص، لما
فهموا ذلك، فهم كانوا من أهل اللسان، وهذا لأن الشارع لما نص على بعض الأعيان وخصه
بالذكر، لابد لذلك من فائدة، وليس ذلك إلا اختصاص ذلك الحكم بالمنصوص.
(٥) لما فرغ المصنف من الاستدلالات الصحيحة وهي الاستدلال بالعبارة، والإشارة، والدلالة،
والاقتضاء، شرع بعد ذلك في بيان الاستدلالات الفاسدة؛ لأنه يقع الاحتياج إلى علمه أيضًا لدفع
شبه الخصوم، وإنما قدم الاستدلالات الصحيحة لكونها مطلوبة .
(١) في (أ) و(ب) العلم.
(٢) الحديث رواه مسلم وأبو داود من حديث أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري ولفظ مسلم: (إنما الماء
من الماء). وأخرجه مسلم في قصة عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: خَرَجْتُ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ لَّيَوْمَ الِثْنَيْ إِلَى قُبَاءَ حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِيِ سَالِمٍ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِلَّ عَلَى بَابٍ عِثْبَانَ
فَصِرَخَ بِهِ، فَخَرَجَ يَجُّ إِزَارَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ))، فَقَالَ عِثْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
أَرْأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:(إِهَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ). صحيح مسلم
كتاب الحيض باب إنما الماء من الماء ٢٦٩/١، وأبو داود ٥٦/١، والدارمي عن أبي أيوب الأنصاري سنن
الدارمي ٢١٢/١، وأحمد ٢٩/٣ وقد تحدث الزيلعي عن نسخ الحديث فانظره في نصب الراية ٨١/١.
(٣) الأنصار جمع نصير كشريف وأشراف، أو جمع ناصر كصاحب وأصحاب، واللام للعهد أي
أنصار النبي ونَ﴿ واختص عرفًا بأصحاب المدينة الذين آووا ونصروا وهم المبتدئون بالبيعة على إعلان
توحيد كلمة الله - تعالى - وشريعته، فلذا كان حبهم علامة الإيمان. فتح الغفار ٥٦/٢.
(٤) الإكسال وهو عدم الإنزال لفتور الشهوة وانكسار الذكر بعد الإيلاج يقال كسل الفحل أي صار
ذا كسل كذا في الفائق، إذ المراد بالماء الأول في الحديث ماء الاغتسال وبالماء الثاني ماء المنى،
وينحل إلى أن لا غسل على سبيل الوجوب إلا من المنى. قال ابن نجيم: اعلم أن الأنصار وإن
فهموا ذلك رجعوا عنه لما أخبرتهم عائشة بالحديث الشريف: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل
أو لم ينزل)). فوافقوا المهاجرين على الوجوب فكان حديث: ((الماء من الماء))، منسوخًا ولذا أجمع
الأئمة الأربعة على الوجوب كما نقله النووي في شرح مسلم، ومنهم من حمل الحديث على
الاحتلام. حاشية الرهاوي ص ٥٤٨، ٥٤٩، وفتح الغفار ٥٦/٢.
- ٢٦٣ -

((الماء من الماء»، فهم الأنصار عدم وجوب الاغتسال بالأكسال لعدم الماء وعندنا لا
يقتضيه، سواء كان مقرونا بالعدد أو لم يكن؛ لأن النص لم يتناوله فكيف يوجب نفيا أو
قوله: (وعندنا لا يقتضيه(١) سواء كان مقرونا بالعدد)، كقوله - عليه الصلاة والسلام -:
(في خمس من الإبل شاة))(٢) أو لم يكن نحو خبر الربا، وذلك لأن النص لم يتناوله، فلا
يوجب نفيا أو إثباتا، ولأنه لإيجاب الحكم في المسمى، فكيف يوجب النفي وهو ضده، أما
(١) هنالك تفصيل لا بد من ذكره: عامة الأصوليين من أصحاب الشافعي قسموا دلالة اللفظ إلى
منطوق ومفهوم وقالوا: دلالة المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق، وجعلوا ما سميناه عبارة،
وإشارة، واقتضاء من هذا القبيل، وقالوا دلالة المفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، ثم
قسموا المفهوم إلى مفهوم موافقة، وهو أن يكون المسكوت عنه موافقا في الحكم للمنطوق به،
ويسمونه فحوى الخطاب، ولحن الخطاب أيضًا وهو الذي سميناه دلالة النص، وإلى مفهوم مخالفة
وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفًا للمنطوق به في الحكم ويسمونه دليل الخطاب وهو المعبر عنه
عندنا بتخصيص الشيء بالذكر، ثم قسموا هذا القسم من المفهوم إلى ثمانية أقسام منها: مفهوم
اللقب والصفة والشرط وغيرها وكلها عندنا من الاستدلالات الفاسدة، وقد ابتدأ المصنف بذكر ما
يسمى بمفهوم اللقب وهو يدل على الخصوص عند الشافعي والأشعرية وبعض الحنابلة وأبو بكر
الدقاق ومن وافقهم. وعند جمهور العلماء لا يدل على التخصيص ونفي الحكم عما عداه، وقد
تمسك الجمهور في ذلك بالكتاب والسنة كقوله - تعالى -: ﴿فَلَ تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي في
الأشهر الأربعة الحرم؛ وهى: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ولم يدل ذلك على إباحة
الظلم في غيرها، وقال ﴿: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة)). ثم لم
يدل ذلك على التخصيص بالجنابة دون غيرها من أسباب الاغتسال، كما أنه يلزم من كونه مفهوم
اللقب حجة الكفر في قوله محمد رسول الله﴿؛ لأنه يلزم منه أن غير محمد { ® ليس برسول الله
وفيه إنكار الأنبياء المتقدمين وكل ذلك باطل فكذا ما يؤدي إليه. انظر تفصيل الآراء والأدلة في
أصول السرخسي ٢٥٥/١ وما بعدها، وكشف الأسرار للبخاري ٣٥٣/٢ وما بعدها، وشرح ابن
ملك ص ٥٤٩ وما بعدها، والبرهان ٣٠١/١ وما بعدها، وشرح العضد ١٨٢/٢ وما بعدها،
والمحلى على جمع الجوامع ومعه حاشية البناني ٢٥٢/١، والمستصفى ٢٠٤/٢، وشرح الكوكب
المنير ٥٠٩/٣، وحاشية نسمات الأسحار ص ١٥٢.
(٢) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: (كتب رسول الله ما﴿.
كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيف فعمل به أبو بكر حتى قبض ثم
عمل به عمر حتى قبض فكان فيه: ((في خمس من الإبل شاه)) ... ). الحديث مستدرك الحاكم ١/
٥٤٩ وأبو داود ٩٨/٢، والترمذي ١٧/٣، وقال حديث حسن والعمل على هذا الحديث عند
عامة الفقهاء، وابن ماجة ٥٧٣/١.
- ٢٦٤ -

إثباتا والاستدلال منهم بحرف الاستغراق وعندنا هو كذلك فيما يتعلق بعين الماء، غير أن
الماء يثبت مرة عيانا وطورًا دلالة.
والحكم إذا أضيف إلى مسمى بوصف خاص أو علق بشرط كان دليلاً على نفيه عند
الأمر بالشيء فإنما يكون نهيًا عن ضده ليتحقق المأمور به، وتحقق المنصوص هنا لا يفتقر إلى
انتفاء غيره، ألا يرى أنه يجوز تعليل النصوص لتعدية الحكم إلى موضع آخر، ولو كان النص
نافيا لصار التعليل على مضادة النص، وأنه باطل، أما الاستدلال من الأنصار فحرف(١)
الاستغراق معناه. والله أعلم.
٤٤/ب
جميع الاغتسالات من المنى كقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((الأئمة من قريش))(٢)،
وعندنا هو كذلك فيما يتعلق بغير الماء، يعني الاستغراق ثابت في وجوب الغسل الذي يتعلق
بغير الماء/ إذ لا يمكن القول بانحصار وجوب الغسل في وجود الماء، فإن المسلمين أجمعوا
على وجوب الغسل على الحائض والنفساء فوجب القول بانحصار وجوب الغسل فيما يتعلق
بغير (٣) الماء، فكان هذا منا قولًا بموجب العلة أي نلتزم ما يلزم علينا الخصم بعلته، وهو تعلق
وجوب الغسل بالماء، غير أن الماء ثبت(٤) مرة عيانًا كالإنزال، وطورًا دلالة كالتقاء الختانين،
وفائدة التخصيص أن يتأمل المجتهد في علة النص فيثبت بها الحكم في غير المنصوص لينال
درجته.
قوله: (والحكم إذا أضيف إلى مسمى بوصف خاص) كما في قوله - تعالى -: ﴿مِّن
فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾(٥) وسمى ذلك مفهوم الصفة،/ وأصحاب الحديث سموه دليل
١/٣٤
(١) في (١) فبحرف بالباء الموحدة قبل الحاء.
(٢) الحديث أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال: إن رسول الله لم﴿ قام على باب ونحن فيه فقال:
((الأئمة من قريش إن لهم عليكم حقًّا، ولكم عليهم حقا أما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا
وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين)).
النسائي في سننه ٤٦٧/٣ والبيهقي ١٢١/٣ وأحمد ١٢٩/٣، وقال في تلخيص الحبير: وقد
جمعت طرقه في جزء مفرد عن نحو من أربعين صحابيا. تلخيص الحبير ٤٢/٤.
(٣) في (١) بعين الماء.
(٤) في (١) يثبت.
(٥) من الآية ٢٥ من سورة النساء.
- ٢٦٥ -

عدم الوصف أو الشرط عند الشافعي حتى لم يجوز نكاح الأمة عند طول الحرة ونكاح
الأمة الكتابية لفوات الشرط والوصف المذكورين في النص، وحاصله أنه ألحق الوصف
بالشرط واعتبر التعليق بالشرط عاملًا في منع الحكم دون السبب حتى أبطل تعليق
٤/ز
الخطاب، أو علق بشرط كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ
الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾(١) كان الإضافة أو التعليق دليلاً/ على نفي الحكم عند عدم الوصف
أو الشرط عند الشافعي(٢).
قوله: (وحاصله أنه ألحق الوصف بالشرط) إذ كل واحد منهما يؤخر الحكم الموجب، فإن
الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار راكبة يصير الطلاق معلقًا بالركوب كما
يصير معلقًا بالدخول، ونحن نساعده في أن الحكم في فصل الإضافة يتوقف على الصفة كما
يتوقف على الشرط في التعليق، لكن يمنع(٣) أن يكون الوصف بمعنى الشرط، فإن الوصف
قد يكون مشيرًا للحكم كما في قوله أعتق عبدي الصالح بخلاف الشرط.
قوله: (واعتبر التعليق بالشرط عاملًا في منع الحكم دون السبب) بناء على أن ألفاظ
الشريعة صريحة في إفادة أحكامها الشرعية، فيقوم اللفظ مقام معناها (٤) في كونه سبا فلا
يتصور منع السببية عنه إنما يتصور منع الحكم عن الترتب عليه كما في البيع بشرط الخيار،
وهو نظير التعليق الحسي، فإن تعليق القنديل بحبل في (٥) سماء البيت يمنع وصوله إلى الأرض
ولا يعدم ثقله، فحصل بهذا أن التعليق إنما ينعقد سببًا عنده زمان التلفظ لا زمان وجود
(١) من الآية ٢٥ من سورة النساء، وصواب الآية:
﴿ وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ
(٢) اختلف العلماء في صحة الاحتجاج بهذين المفهومين فذهب مالك وبعض أصحاب الشافعي،
وأحمد، وأبو الحسن الأشعري، وكثير الفقهاء، والمتكلمين، وأبو عبيدة اللغوي ومن وافقهم إلى أن
النص إذا أورد مقيدا بهما كان دليلاً على عدم الحكم عند عدمهما، ووافقهم على صحة
الاحتجاج بمفهوم الشرط بعض من لا يقول بصحة الاحتجاج بمفهوم الصفة كابن شريح وأبى
الحسن البصري وذهب أصحابنا إلى منع ذلك ووافقهم على ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني الغزالي
والقفال وبعض المتكلمين. حاشية الرهاوي ص ٥٥٢، وكشف الأسرار للبخاري ٢٥٦/٢ وما
بعدها.
(٣) في (١) و(ب) نمنع.
(٤) في (١) و(ب) معناه.
(٥) في (١) و(ب) من.
- ٢٦٦ -

الطلاق والعتاق بالملك وجوز التكفير بالمال قبل الحنث، وعندنا المعلق بالشرط لا ينعقد
سببًا؛ لأن الإيجاب لا يوجد إلا بركنه، ولا يثبت إلا في محله وههنا الشرط حال بينه
الشرط، وأن انعدام الحكم عند عدم الشرط ومضاف إلى عدمه، ولهذا أبطل(١) تعليق
الطلاق والعتاق بالملك، لأن التعليق لما كان سببًا في الحال عنده والمحل زمان صيرورة اللفظ
سببًا شُرط الإجماع(٢) والأجنبية ليست بمحل في الحال [لا تنعقد](٣) العلة بدون الاتصال
بالمحل، كما لا ينعقد بدون انضمام شطريهما في قوله: (أنت) بدون قوله: (طالق) فيلغوا
الكلام(٤)، وجوز التكفير بالمال قبل الحنث، لأن الكفارة في اليمين باللّه بمنزلة الجزاء في اليمين
بغير الله يذكر(٥) شرط وجزاء وهو التعليق حيث يلزم كل واحد منهما عند الحنث اليمينين،
وهو التعليق سبب الجزاء قبل الحنث عنده، فكذا الأخير يصير سببًا للكفارة جوازًا قبل الحنث
عنده فكذا الأخير يصير سببا للكفارة جوازا قبل الحنث، وإنما يجوز ذلك في المالي لا في
البدني؛ لأن المال مع الفعل يتغايران، فجازا أن يتصف المال بالوجوب، ولا يثبت الفعل وهو
وجوب الأداء كما في حقوق العباد، أما(٦) البدني فلا يحتمل الفصل بين وجوبه ووجوب
الأداء؛ لأن الفعل إذا وجبَ وجب الأداء، وإذا لم يجب الفعل لا يجب الأداء، فلما تأخر
وجوب الأداء [إلى بعد](٧) الحنث بالإجماع تأخر نفس الوجوب أيضًا ضرورة اتحادهما،
وصار كأن اليمين لم يتم سببًا فالكفارة قبل الحنث في تلك الصورة قبل نفس الوجوب فلا
يجوز.
قوله: (لأن الإيجاب لا يوجد إلا بركنه) كشطر البيع لا يوجب شيئًا لانعدام تمام الركن
[فلا يثبت](٨) إلا في محله كبيع الحر فإنه باطل لكونه مضافًا إلى غير محله، وقد وجد هنا ما
(١) في (١) بطل.
(٢) في (١) و(ب) بالإجماع.
(٣) في (١) و(ب) ولا ينعقد.
(٤) في (١) قوله وجوز.
(٥) في (١) و(ب) بذكر.
(٦) في (١) وأما.
.
(٧) في (١) و(ب) إلى ما بعد.
(٨) في (١) و(ب) ولا يثبت.
- ٢٦٧ -

وبين المحل فبقي غير مضاف إليه، وبدون الاتصال بالمحل لا ينعقد سببًا، والمطلق يحمل
على المقيد وإن كانا في حادثتين عند الشافعي - رحمه الله - مثل كفارة القتل وسائر
يمنع اتصال الإيجاب بالمحل وهو الشرط فبقى الإيجاب غير مضاف إلى المحل وبدون
الاتصال بالمحل لا ينعقد سببًا، إذ اعتبار التصرف في الشرع بثلاثة أشياء: بالأهلية والمحلية
واتصال التصرف بالمحل وعند انعدام الأهلية أو المحلية لا يصير اللفظ سببًا، فكذا إذا وجدنا
لكن الشرط حال بين اللفظ والمحل؛ لأن السبب ما يكون طريقا إلى حكمه، والسبب المعلق
يمين عقدت على البر والعقد على البر لا يصلح سببًا لما يلزم عند فواته فكان الشرط داخلًاً
على السبب فمنعه من أن ينعقد سببًا، وإنما ينعقد التعليق سببًا عند وجود الشرط بخلاف
خيار الشرط فإنه داخل على الحكم دون السبب؛ لأن البيع لا يحتمل ذلك، لما أنه يؤدى إلى
تعليق التمليك بالحظر وذلك قمار وإذا ثبت أن التعليق لم ينعقد سببًا في الحال بطل اشتراط
محل الجزاء وقت التعليق، فصح تعليق الطلاق والعتاق بالملك؛ لأنه يمين ومحله ذمة الحالف،
وامتنعت إضافة عدم الحكم إلى عدم الشرط فجاز نكاح الأمة الكتابية عند طول الحرة لقيام
الدليل وهو قوله - تعالى -: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾(١) وبطل التكفير بالمال قبل الحنث،
لكونه سابقًا على السبب(٢)، وفَرْقه بين المالي والبدني ساقط؛ لأن حق الله - تعالى - في المالي
فعل الأداء، والمال آلته وإنما يعتبر نفس المال في حقوق العباد لانتفاعهم بذلك(٣).
قوله: (والمطلق يحمل على المقيد) (٤) لأنه استحال أن يكون الشيء الواحد مطلقا ومقيدا،
فلابد أن يحمل أحدهما على الآخر، والمطلق محتمل والمقيد محكم، فوجب حمل المحتمل
(١) من الآية ٢٤ من سورة النساء.
(٢) في (أ) ففرقه بفاءين.
(٣) انظر كشف الأسرار للنسفي ٤١٢/١ وما بعده.
(٤) المطلق هو ما لم يكن موصوفًا بصفة على حدة كرقبة، وإن شئت قلت هو الدال على الماهية من
حيث هي وهو معنى قولهم: المطلق هو المتعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات، وإن
شئت فقل هو الشائع في جنسه بمعنى أنه حصة من الحقيقة محتملة لحصص كثيرة مندرجة تحت
أمر مشترك من غير شمول ولا تعيين نحو: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ﴾، والمقيد هو اللفظ الدال على الماهية
من حيث ما يشخصها وإن شئت فقل هو الذي أخرج عن الشيوع بوجه ما نحو ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَتٍ
تُؤمِنتٍ﴾. شرح ابن ملك وحاشية الرهاوي ص ٥٥٨.
- ٢٦٨ -

الكفارات لأن قيدا الإيمان زيادة وصف يجري مجرى الشرط فيوجب النفي عند عدمه
على المحكم مثل نصوص الزكاة، فإن النص المطلق عن صفة السوم(١) محمول على المقيد بها
في حكم الزكاة بالاتفاق، وكذا نصوص الشهادة فإن المطلق عن صفة العدالة محمول على
المقيد بها في اشتراط العدالة في الشهادات حتى إذا ورد في حادثة واحدة مثل قوله {وَ طّ: ((في
خمس من الإبل شاة))(٢) مع قوله مَلّ: ((في خمس من الإبل السائمة شاة))(٣) وكذلك إن
وردا في حادثتين مثل كفارة القتل/ وسائر الكفارات؛ لأن قيد الإيمان في كفارة القتل زيادة
وصف يجرى مجرى الشرط، على ما مرّ أنه ألحق الوصف بالشرط، فيتعلق الحكم به فيوجب
التعليقُ النفي عند عدم الشرط في المنصوص، وفى نظيره من الكفارات، لأنها جنس واحد
كما في الطهارة؛ فإن تقييد الأيدي بالمرافق/ في الوضوء جعل تقييدًا في نظيره وهو التيمم؛
لأن كل واحد منهما طهارة (٤).
٣٥/أ
٣٥/ز
(١) السوم: السائمة من الماشية الراعية يقال: سامت تسوم سوما وأسمتها أنا ومنه الحديث: ((السائمة
جبار))، يعني أن الدابة المرسلة في مرعاها إذا أصابت إنسانًا كانت جنايتها هدرا. النهاية في غريب
الأثر ٤٢٥/٢.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) الحديث أخرجه الحاكم عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده
عن النبي ﴿ أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وبعث مع عمرو بن
حزم ومما جاء فيه: ((وفي كل خمس من الإبل السائمة شاة ... ))، وهو حديث طويل. قال الحاكم
بعد أن أورده: هذا حديث صحيح كبير مفسر في هذا الباب يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد
العزيز. المستدرك ٥٥٢/١ ولم أجده بهذا اللفظ عند أحدٍ غير الحاكم.
(٤) قال ابن نجيم: اعلم أنه إذا ورد المطلق والمقيد لبيان الحكم فإما أن يختلف الحكم أو يتحد، فإن
اختلف فإن لم يكن أحدهما موجبًا لتقييد الآخر فلا حمل كأطعم رجلًا أو اكس رجلًا عاديًّا،
وإن أوجبه بالذات كأن عتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة أو بالواسطة كأعتق عني رقبة، ولا تملكني
رقبة كافرة حمل عليه وإن اتحد الحكم فإما منفيا أو مثبتا فلا حمل في الأول كلا تعتق رقبة ولا
تعتق رقبة كافرة لإمكان الجمع بأن لا يعتق أصلًا ولا يخفي أن هذا من العام مع الخاص لا المطلق
مع المقيد وإن كان مثبتًا فإما أن تختلف الحادثة أو تتحد، فإن اختلفت ككفارة اليمين والقتل فلا
حمل عندنا خلافا للشافعي وإن اتحدت فإما أن يكون الإطلاق والتقييد في السبب ونحوه أولا فإن
كان فلا حمل وإلا حمل كالتتابع في صوم كفارة اليمين وتمامه في التلويح، وبه علم أن محل
الاختلاف أن يردا مع اتحاد الحكم المثبت واختلاف الحادثة فعندنا لا يحمل خلافًا له وإنا نقول
بالحمل إذا اختلف الحكم وكان أحدهما موجبًا للتقييد أو اتحد الحكم مع اتخاذ الحادثة في غير
- ٢٦٩ -

في المنصوص وفي نظيره من الكفارات لأنها جنس واحد، والطعام في اليمين لم يثبت في
القتل؛ لأن التفاوت ثابت باسم العلم وهو لا يوجب إلا الوجود، وعندنا لا يحمل المطلق
على المقيد وإن كانا في حادثة لإمكان العمل بهما إلا أن يكونا في حكم واحد مثل صوم
كفارة اليمين؛ لأن الحكم وهو الصوم لا يقبل وصفين متضادين، فإذا ثبت تقييده بطل
إطلاقه،
قوله: (والطعام في اليمين لم (١) يثبت في القتل) أي لا يقال لم لا يلحق كفارة القتل
بكفارة اليمين في اشتراط الطعام وهي نظيرها؛ لأن الفرق ثابت من حيث إنه تنصيص بالاسم
العلم، وذلك لا يوجب التخصيص ونفى الحكم عما عداه وهذا مما لا نزاع فيه، وإنما الكلام
في التنصيص بالصفة التي تجري مجرى الشرط، قال(٢) ولا يلزم أن المطلق في كفارة اليمين
لم يحمل على المقيد بالتتابع في صوم كفارة الظهار والقتل، مع أن ذلك تنصيص فلا يكون
حمله على أحدهما أولى من حمله على الآخر(٣).
قوله: (لإمكان العمل بهما) لأن الكلام فيما إذا اشتملت الحادثة على الحكمين والحمل
في مثل هذا يوجب إلغاء المطلق مع وجوب العمل به، وذلك غير جائز، أما بيان أن فيه الإلغاء
فظاهر، وأما الوجوب فلأن الدليل الشرعي مهما أمكن [العمل به واجب بلا خلاف](٤) وقد
أمكن العمل/ بالمطلق هنا لكون الحكم متعددًا، وترك الواجب غير جائز بالإجماع(٥).
٤٦/ب
السبب. فتح الغفار ٦٢/٢، وانظر شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص ٥٥٨، ٥٥٩،
وحاشية نسمات الأسحار ص ١٥٦، والبرهان ٢٨٨/١، وشرح العضد ١٥٥/٢، وشرح
الكوكب المنير ٣٩٥/٣، وأثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء ص٢٥١.
(١) في (١) لا.
(٢) في (أ) قال الشافعي.
(٣) انظر أصول السرخسي ٢٦٧/١، ٢٦٨.
(٤) في (١) يجب العمل به بلا خلاف.
(٥) قال الرهاوي في حاشيته على ابن ملك: اعلم أن هذا الذي ذكره من حمل المطلق على المقيد
عندنا إنما هو على اختيار صاحب الميزان، أما على اختيار الفحول فليس هذا بتقييد للمطلق يقيد
المقيد، بل هو زيادة على النص المشهور بالمشهور وهو قراءة ابن مسعود ظه، والفرق بين المعنيين أن
التقييد لا يقتضي نسخ الأول بل يدل على أن المراد من الأول هو المراد من الثاني، والزيادة تقتضي
نسخ الأول معنى فلا يبقى الأول مرادًا كما كان، وهذا يدفع ما قيل: تقييد المطلق نسخ عندكم
- ٢٧٠ -

وفي صدقة الفطر ورد نصان في السبب ولا مزاحمة في الأسباب فوجب الجمع.
ولا نسلم أن القيد بمعنى الشرط مطلقًا،
قوله: (وفى صدقة الفطر إلى آخره) إشارة إلى الفرق بين كفارة اليمين وصدقة الفطر عما
يقال: إن قراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متابعات)(١) كالنص المطلق الذي هو مشهور،
فلماذا لم يجر كل واحد منهما على سَنِه، كما أجرى المطلق والمقيد في صدقة الفطر ووجه
الفرق أن أحد النصين جعل الرأس المطلق سببًا، والنص الآخر جعل رأس المسلم سببًا، فجعلنا
كل واحد سببًا على حدة على ما يقتضيه النصان والحكم واحد، وأما في صوم كفارة اليمين
لو جعلنا أحد النصين مثبتًا صومًا والآخر صومًا آخر، يلزم حينئذ عليه صوم ستة أيام ثلاثة
متتابعات، وثلاثة مطلقة، ولیس یلزم ذلك بالإجماع فعلم أن حکم أحد النصین ینصرف إلى
ما ينصرف إليه حكم النص الآخر، وقد ثبت تقييده في أحد النصين فلم يبق مطلقًا
ضرورة(٢).
قوله: (ولا نسلم أن القيد بمعنى الشرط) وهذا المنع بناء على أن الشرط إذا كان شرطًا
دلالة لا صريحًا لابد أن يكون معرفًا، وتحقيق هذا الكلام: أن الشرط على نوعين: شرطٌ
صريحًا وهو يدخل على العرف والمنكر كقوله: هذه المرأة عن تزوجتها، وقوله: إن تزوجت
امرأة، وشرط دلالة وهو يدخل على المنكر دون المعرف كقوله: المرأة التي أتزوج طالق فإنه
بمعنى الشرط، لوقوع الوصف في النكرة لكون المرأة غير معنية، ولو وقع في العين بأن قال:
للإطلاق وهو لا يجوز بالمشهور بل بالمتواتر فتدير. حاشية الرهاوي ص ٥٦١.
(١) مناهل العرفان ١٥/١، والإتقان ٢١٩/١، والقرطبي ٤٧/١.
(٢) وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض
باعتبار النص المطلق وهو قوله التفيها: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطورًا))، وبالتراب باعتبار النص
المقيد وهو قوله الكلية: ((التراب طهور المسلم))؛ لأن المحل مختلف وإن كان الحكم واحدًا فيستقيم
إثبات المحلية باعتبار كل نص في شيء آخر، فأما التيمم إلى المرافق فلم نشترطه يحمل المطلق على
المقيد إذ لو جاز ذلك لكان الأولى إثبات التيمم في الرأس والرجل اعتبارًا بالوضوء، وإنما عرفنا ذلك
بنص فيه وهو حديث الأسلع: (أن النبي و﴿ علمه التيمم ضربتين ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى
المرفقين)، وهو مشهور يثبت بمثله التقييد، فإذا صار مقيدًا لا يبقى ذلك الحكم بعينه مطلقًا أصول
السرخسي ٢٧٠/١.
- ٢٧١ -

ولئن كان فلا نسلم أنه يوجب النفي، ولئن كان فإنما يصح الاستدلال به على غيره أن لو
صحت المماثلة، وليس كذلك فإن القتل من أعظم الكبائر،
هذه المرأة التي أتزوج لا يكون شرطًا، ثم لو جعل المقيد شرطًا، لكان شرطًا دلالة؛ لأنه غير
صريح، وإذا جعل شرطًا دلالة وجب أن يكون معرفاً، والقيد قد لا يكون معرفًا كما في قوله .
تعالى: ﴿مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾(١)، فإن النساء معرفة بالإضافة إلينا، فلا
يكون القيد معرفًا ليجعل شرطًا، فامتنع أن يكون القيد بمعنى الشرط لا محالة.
قوله: (ولئن كان فلا نسلم أنه يوجب النفي) أي سلمنا أن القيد المذكور بمنزلة الشرط
ولكن لا نسلم بان الشرط يوجب النفي عند عدمه بناء على ما ذكرنا من امتناع إضافة عدم
الحكم إلى عدم الشرط(٢).
قوله: (ولئن كان قائمًا يصح الاستدلال به) أي سلمنا بأن القيد بمعنى الشرط، والشرط
يوجب نفي الحكم عند عدمه، لكن [لا يستقيم](٣) الاستدلال به على غيره إلا إذا كانا
مثلين، وبمجرد اسم الكفارة لا تثبت (٤) المماثلة على أنا نبين أنه لا مماثلة بينهما، لأن القتل
أعظم الكبائر حتى قرن بالكفر في قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا
يَفْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾(٥)، وقال ◌ُّ: ((خمس من الكبائر ... )) وعد
منها القتل(٦). ولا كذلك اليمين والظهار، وإذا ثبت أنه لا مماثلة بينهما امتنع أن يجعل ما يدل
على نفى الحكم في كفارة القتل دليلًا على النفي في كفارة اليمين، وأما قياسه على التيمم فلا
يصح؛ لأنا لم يشترط (٧) التيمم إلى المرافق باعتبار حمل المطلق على المقيد وإنما عرفنا ذلك
(١) من الآية ٢٣ من سورة النساء.
(٢) انظر كشف الأسرار للنسفي ٤٢٩/١، ٤٣٠.
(٣) في (١) لم يستقم.
(٤) في (١) لا يثبت.
(٥) من الآية ٦٨ من سورة الفرقان.
(٦) الحديث أخرجه البخاري عن أنس عن النبي لا قال: ((أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس،
وعقوق الوالدين، وقول الزور))، أو قال: ((وشهادة الزور)). صحيح البخاري كتاب الديات باب قوله
- تعالى -: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. ٢٥١٩/٦، ومسلم كتاب الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها ٩١/١.
(٧) في (١) نشترط.
- ٢٧٢ -

وأما قيد الإسامة والعدالة فلم يوجب النفي لكن السنة المعروفة في إبطال الزكاة عن
العوامل والحوامل أوجب نسخ الإطلاق، والأمر بالتثبيت في نبأ الفاسق أوجب نسخ
بالحدیث المشهور.
(وأما قيد الإسامة(١) والعدالة فلم يوجب النفي) جواب عما يقال إنكم جعلتم قيد
الإسامة في قوله {َطلّ: ((في خمس من الإبل السائمة شاة))(٢)، نافيا لوجوب الزكاة في غير
السائمة، وكذلك اعتبرتم قيد العدالة في النص المقيد بها مانعًا لقبول شهادة غير العدل إذ لو لم
يكن يوجب الزكاة في غير السائمة بالنص المطلق عنها، ولقبلت الشهادة بالنصوص المطلقة
العدالة، وحيث نفيتم الحكم دل أن القيد مانع عندكم(٣).
قوله: (لكن السنة المعروفة/ في إبطال الزكاة عن العوامل أوجبت نسخ الإطلاق) أي إنما
امتنع الحكم/ في غير السائمة بالسنة المعروفة وهي قوله وَلاّ: ((لا زكاة في العوامل))(٤) لا
باعتبار أن قيد الإسامة يوجب النفي، وكذا الأمر بالتثبت في نبأ الفاسق في قوله - تعالى -:
﴿ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنْبٍَ فَتَبَيَُّواْ﴾(٥) أوجب نسخ إطلاق نصوص الشهادة، لأن قيد العدالة
٤٧/ب
٣٦/أ
(١) السائمة: عن الأصمعي: كل إبل ترسل ترعى ولا تعلف في الأهل، وعن الكرخي هي الراعية إذا
كانت تكتفي بالرعي ويمونها ذلك أو كان الأغلب من شأنها الرعي. والصواب الإسامة لا السوم.
المغرب باب السين مع الواو ص ٢٤٠.
(٢) الحديث سبق تخريجه.
(٣) وحاصل هذا الجواب ما بالكم حملتم المطلق على المقيد وأنتم لا تقولون به ولو في حادثة إذا دخلا
في السبب أو الشرط؟ فأجاب أن كلا من القيدين لم يوجب نفي الحكم عما عداه بدون القيد
ولكن السنة المعروفة أوجبت نسخ الإطلاق، واعتبار قيد العدالة في قوله - تعالى -: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىّ
عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، جعل نافيًا لإطلاق قوله - تعالى -: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِیدیْنِ مِن ◌ِجَالِكُمْ﴾، شرح ابن
ملك ومعه حاشية الرهاوي ص ٥٦٦.
(٤) الحديث لم أعثر عليه بهذا اللفظ وإنما أخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
عن النبي ◌َ﴿ قال: ((ليس في الإبل العوامل صدقة)). الدارقطني ١٠٣/٢، البيهقي عن علي: ((وليس
على العوامل شيء)). سنن البيهقي ٩٩/٤، وفي لفظ البيهقي: ((ليس في الإبل العوامل ولا في البقر
العوامل صدقة)). سنن البيهقي ١١٦/٤، وابن خزيمة عن علي: ((وليس على العوامل شيء)). من
حديث طويل صحيح ابن خزيمة ٢٠/٤، وأبو داود ونحوه ٩٩/٢، وانظر تعليق ابن حجر عليه في
لسان الميزان ١٤٩/١، والزيلعي في نصب الراية ٣٦٠/٢.
(٥) من الآية ٦ من سورة الحجرات.
- ٢٧٣ -

الإطلاق. وقيل: إن القِران في النظم يوجب القِران في الحكم، فلا يجب الزكاة على
الصبي لاقترانها بالصلاة واعتبروا بالجملة الناقصة.
يوجب النفي(١).
قوله: (إن القرآن في النظم يوجب في الحكم)(٢)، وهو قول بعض الفقهاء(٣) صورته: أن
الواو متى دخل (٤) بين الجملتين التامتين فالجملة المعطوفة تشارك الجملة المعطوفة(٥) عليها في
الحكم المنوط بها عندهم، حتى تعلقوا في نفى وجوب الزكاة على الصلاة الصبي بقوله -
تعالى -: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ﴾(٦)، فقالوا إن الزكاة عطفت على الصلاة فيجب
أن تشاركها ثم لا تجب على الصبي فكذا الزكاة تحقيقا للمشاركة(٧) ووجه قولهم إن الواو
للعطف لغة ومقتضى العطف الشركة في الخبر، ولهذا إذا كان المعطوف متعديًا عن الخبر فإنه
يشارك الأول في خبره فيجب القول بالشركة مطلقًا إلا عند التعذر، وقد اعتبرتم ذلك في قوله
- تعالى -: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَدَةً أَبَدًا﴾(٨) وجعلتم رد الشهادة مشاركًا
للجلد في كونه جزاء مع أن كل واحد منهما جملة تامة(٩).
(١) في (١) و(ب) قوله وقيل إن.
(٢) هذا وجه رابع من الوجوه الفاسدة ذهب إليه مالك - رحمه الله -.
(٣) عبر السرخسي عنهم بقوله: ما قاله بعض الأحداث من الفقهاء، والنسفي بقوله: بعض أهل النظر
ممن لا تبع له.
(٤) أى حرف الواو.
(٥) في (١) و(ب) المعطوف.
(٦) من الآية ٤٣ من سورة البقرة و٨٣، ١١. من نفس السورة، و٥٦ من سورة النور، و ٢٠ من سورة
المزمل، والآية صحتها: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾.
(٧) وقد مثل السرخسي بقوله - تعالى -: ﴿فَلَاَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجُّ﴾، فإن هذه
جمل قرن بعضها ببعض بحرف النظم وهو الواو وقالوا يستوي حكمها في الحج. أصول
السرخسي ٢٧٣/١.
(٨) من الآية ٤ من سورة النور.
(٩) قال النسفي: والحاصل أن المشاركة لا تثبت بعين الواو بل باعتبار الاقتصار والقصور إما من حيث
عدم الخبر أو من حيث التعليق سواء كان تعليق تحصيل أو تعليقٍ إبطال أو غير ذلك، ولهذا قلنا في
قوله - تعالى -: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾: إن قوله:
﴿فَأَجْلِدُوهُمْ﴾ جزاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وقوله: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ﴾، وإن كان تامًّا إلا أنه من
- ٢٧٤ -

وقلنا: إن عطف الجملة على الجملة لا يوجب الشركة؛ لأن الشركة إنما وجبت في
الجملة الناقصة لافتقارها إلى ما تتم به فإذا تم بنفسه، ثم تجب الشركة إلا فيما يفتقر إليه،
قوله: (لا يوجب الشركة)؛ لأن الأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه ولا يشارك
الأول؛ لأن في إثبات الشركة جعل الكلامين كلامًا واحدًا، وأنه خلاف الحقيقة فلا يصار إليه
إلا عند الضرورة، ألا يرى أن العطف في قوله - تعالى -: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ﴾(١)، لا يوجب الشركة في الرسالة وهو أكثر في كتاب اللَّه - تعالى - من أن
يحصى.
قوله: (لأن الشركة إنما وجبت إلى آخره) معناه أن موجب الشركة هو الافتقار لا العطف
حتى وجبت في الجملة الناقصة لتحقق الافتقار، وانتفت عن الكاملة لانتفاء الافتقار، فتكون
دائرة معه وجودًا أو عموما.
قوله: (إلا فيما يفتقر إليه) كما في قول الرجل إن دخلت الدار فأنت طالق وعبدي حر،
فالعتق يتعلق بالشرط؛ لأنه في حق التعليق قاصر، فإن قيل يشكل بقوله: إن دخلت الدار
فأنت طالق وعمرة طالق، فإنه لا يتعلق طلاق عمرة بالشرط، وهو في حق التعليق قاصر.
قلنا: إنما لا يتعلق لوجود الدليل على أن المتكلم لم يقصد التعليق؛ إذ لو قصده لاقتصر على
قوله وعمرة لصلاحية خبر الأول خبر الثاني، وحيث لم يقتصر بل أفرده بالخبر، دل أن
مقصوده التنجيز فأما في مسألتنا، فالخبر الأول لا يصلح خبر الثاني، فلذا علقنا العتق
حيث إنه يصلح جزاء واحدًا مفتقرًا إلى الشرط، إذ الجزاء لا بد له من الشرط، فجعل ملحقًا بالأول
لأن قول القائل: اجلس ولا تتكلم يكون عطفًا صحيحًا، فصار رد الشهادة من تتمة الحد ألا ترى
أن الأئمة مأمورون به كالجلد، وكذلك رد الشهادة مؤلم كالجلد، بل هو أزيد عند العقلاء قال:
ولا يلتام ما جرح اللسان
جراحات السنان لها التئام
ولأن القاذف هتك ستره بالقول فجوزى وفاقا بإهدار شهادته، إلا أن اللئام لا يبالون بهذا الزجر،
والحدود شرعت زواجر فشرع الجلد أيضًا ليحصل الانزجار للوغد اللئيم، والحي الكريم، وأما قوله:
﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ فليس بخطاب للأئمة ولكنه إخبار عن صفة القاذفين فلا يصلح جزاء؛
لأن الجزاء ما يقام ابتداء بولاية الإمام، كشف الأسرار ٤٣٤/١، ٤٣٥، وانظر كشف الأسرار
للبخاري ٢٦٣/٢، وأصول السرخسي ٢٧٥/١.
(١) من الآية ٢٩ من سورة الفتح.
- ٢٧٥ -

والعام إذا خرج مخرج الجزاء أو مخرج الجواب ولم يزد علیه أو لم يستقل بنفسه يختص
بالدخول(١).
قوله: (والعام إذا خرج(٢) والجزاء إلى آخره)(٣).
اعلم أن هذا على أربعة أقسام؛ لأن العام إما أن نقل معه سببه أم لا، فالذي نقل معه سببه
فهو قسم واحد، والذي لم ينقل معه سببه فهو ثلاثة أقسام، فكان أربعة، أما الأول فما خرج
مخرج الجزاء كما روى زنى ماعز فرجم (٤)، وسها النبي ◌َّ فسجد(٥)، فهذا يختص(٦)
بالسبب بلا خلاف حتى لم يجب الرجم بدون الزنا ولا السجدة بدون السهو، والعموم فيه
باعتبار الأسباب والأحوال، لا أنه عام حقيقة؛ لأن قوله فرجم لو لم يذكر سببه معه لاحتمل
عموم الأسباب من أنه رجم لردةٍ نعوذ بالله من ذلك، أو قتل بغير حق أو سعى بفساد أو غير
ذلك، وكذا قوله فسجد عام يحتمل السهو والتلاوة والزيادة على الصلاة، وإنما يختص
بالسبب لأنه إذا نقل معه سببه صار العام حكمًا لذلك السبب، وحكم العلة مخصوص/ بها
وكما امتنع الحكم ابتداء بدون علته استحال أن يبقى بدونها مضافًا إليها، بل البقاء بدونها
٤٨/ب
(١) انظر كشف الأسرار للنسفي ٤٣٣/١، ٤٣٥، وشرح ابن ملك ص ٥٦٨، ٥٦٩.
(٢) في (١) و(ب) خرج مخرج.
(٣) هذا وجه خامس من الوجوه الفاسدة وقد أورده على خلاف الوجوه السابقة حيث أورد مذهبه
أصالة والمذهب الفاسد تبعًا.
(٤) الحديث سبق تخريجه.
(٥) أخرج ابن خزيمة عن علقمة عن عبد الله قال: (صلى بنا رسول الله ﴿ّ خمسًا فقلنا يا رسول الله
أحدث في الصلاة شيء؟ قال: لا قلنا: صليت بنا كذا وكذا قال: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون
فإذا سها أحدكم فليسجد سجدتين))، ثم تحول الرسول ﴿ فسجد سجدتين). صحيح ابن خزيمة
١٣١/١٢، وابن ماجه عن ابن عمر: (أن رسول الله و﴿ سها فسلم في الركعتين فقال له رجل
يقال له ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت أو نسيت؟ قال: ((ما قصرت وما نسيت))، قال: إذًا
فصليت ركعتين. قال: ((أكما يقول ذو اليدين؟))، قالوا: نعم. فتقدم فصلى ركعتين ثم سلم ثم
سجد سجدتي السهو). سنن ابن ماجه ٣٨٣/١، وأحمد في مسنده عن علقمة عن عبد الله ١/
٤٥٦، وأما سهوه ◌َلّ بقيامه في الركعتين الأوليين قبل أن يجلس فمضى في صلاته. متفق عليه
أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله ابن بحينة. صحيح البخاري ٢٤٥٥/٦، وصحيح مسلم ١/
٣٩٩.
(٦) في (١) و(ب) مختص.
- ٢٧٦ -

بسببه وإن زاد على قدر الجواب لا يختص بالسبب ويصير مبتدئا حتى لا تلغى الزيادة
خلافًا للبعض،
مضاف إلى علة أخرى، وأما الثاني فما خرج مخرج الجواب وليس فيه زيادة على الجواب مثل
أن يقول(١): إنك تغتسل الليلة في هذه الدار من الجنابة، فقال: إن اغتسلت فعبدي حر، فهذا
أيضًا مختص بما تقدم حتى إذا اغتسل لا عن جنابة لم يعتق عبده، لأن هذا العام وإن استقل
بنفسه، إلا أنه لما خرج جوابًا عن الأول صار بمنزلة الحكم للعلة وبعض الكلام من الجملة،
فصار مقتضيا إعادة ما في السؤال كأنه قال: إن اغتسلت عن ذلك السبب الذي قلته فعبدي
حر، وبيان أنه عام أن تقديره إن اغتسلت غسلًا، وهو نكرة في موضع النفي لما أنه وقع في
موضع الشرط، والنكرة في موضع النفي تعم، وأما الثالث فما خرج جوابًا أيضًا لكنه غير
مستقل بنفسه مثل قولك لآخر أليس لي عليك كذا فيقول: بلى، أو يقول(٢): كان كذا
فيقول نعم فهذا أيضًا يختص بالسبب حتى يجعل ذلك إقرارًا، لأنه لما لم يستقل [بنفسه
ترتبط](٣) بما قبله صار كبعض الكلام من جمله فلا يجوز تفصيله للعمل به وعموم الكلمتين
ظاهر، وهذه الثلاثة مما لا نزاع فيها وأما الرابع وهو الذي اختلف فيه فما خرج جوابًا وهو
مستقل بنفسه لكن فيه زيادة على ما يقع به الجواب فهذا عندنا لا يختص بالسبب بل يجعل
كلامًا مبتدأ، وعند البعض يختص به وصورة المسألة ما ذكر في الميزان أن الحادثة إذا وقعت
لواحد من الناس في زمن النبي وَّ فنزل نص عام في تلك الحادثة / يتناول صاحبها وغيره فإن
هذا النص عام في حق صاحب الحادثة وغيره ولا يختص به بسبب وقوع الحادثة عليه، وعند
بعض أصحاب الشافعي يختص بصاحب الحادثة، وأريد باللفظ العام الواحد مجازًا، وإنما
يثبت الحكم في حق غير صاحب الحادثة بنص آخر، أو بالقياس، وكذا إذا خرج كلام الرسول
وُّ جوابًا على العموم لسؤال السائل لا يختص تجوزًا (٤) عن إلغاء الزيادة وعندهم يختص
اعتبارًا للحال/ لكنا نقول: إن التخصيص يوجب إلغاء الزيادة مع إعمال الحال وجعله كلامًا
مبتدأ يوجب إلغاء الحال مع إعمال الزيادة وإعمال الكلام وهو ناطق مع إلغاء الحال وهو
٣٧/أ
٣٧/ز
(١) في (١) و(ب) تقول.
(٢) في (١) أو تقول.
(٣) في (١) و(ب) بنفسه حتى يرتبط.
(٤) في (١) و(ب) تحرزًا.
- ٢٧٧ -

وقيل: الكلام المذكور للمدح أو الذم لا عموم له وعندنا هذا فاسد. وقيل: الجمع المضاف
إلى جماعة حكمه حقيقية الجماعة في حق كل فرد، وعندنا يقتضي مقابلة الآحاد بالآحاد
ساكت أولى من العكس، وذلك مثل أن نقول لواحد إنك تغتسل الليلة في هذه الدار عن
جنابة فقال: إن اغتسلت الليلة فعبدي حر، أنه لا يختص بالسبب عندنا، بل يكون عامًا حتى
يعتق بأي سبب اغتسل، وأما بيان عمومه فقد مر(١).
قوله: (وقيل الكلام المذكور للمدح أو الذم لا عموم له)(٢) إذ العام عندهم يختص بما يعلم
من غرض المتكلم، لأن الكلام لإظهار الغرض، فيجب بقاء الكلام في العموم والخصوص
والحقيقة والمجاز على ما يعلم من غرض المتكلم، ويجعل ذلك الغرض كالمذكور، وإذا اختص
العام بالغرض عندهم قالوا: الكلام المذكور للمدح والذم، والثناء والاستثناء لا يكون له
عموم؛ لأنا نعلم أنه لم يكن غرض المتكلم به العموم، وعندنا هذا فاسد لأنه ترك [موجب
هذه الصيغة](٣) بنوع احتمال؛ لأن الغرض مسكوت عنه وبمثله لا يجوز ترك العمل بحقيقة
الكلام بل العمل بحقيقة الصيغة عند إمكان العمل بها واجب قد أمكن ذلك؛ لأن استعمال
الصيغة للمدح العام والذم العام من عادة أهل اللسان وكذا الثناء والاستثناء(٤).
قوله: (وقيل الجمع المضاف إلى جماعة)/ مثل قوله - تعالى -: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءُ
ذَلِكُمْ﴾(٥) حكمه حكم الجماعة في حق كل واحد ممن أضيف إليهم، وزعموا أن حقيقة
٤٩/ب
(١) انظر في الوجوه الأربعة كشف الأسرار للنسفي ٤٣٧/١ وما بعدها، فعبارة المصنف هي عبارة
النسفي بتصرف.
(٢) هذا هو الوجه السادس من الوجوه الفاسدة.
(٣) في (أ) و(ب) موجب الصيغة.
(٤) انظر أصول السرخسي ٢٧٣/١ بتصرف يسير، وعلى هذا فمثل قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى
نَحِيمٍ ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َحِيمٍ ﴾﴾ عند بعض الشافعية لا يكون مما يستدل به على حال كل
بر وفاجر بل على من نزل في حقهم فقط، والباقي يقاس عليهم أو يثبت بنص آخر، وعندنا هذا
فاسد؛ لأن اللفظ دال على العموم فلا ينافيه دلالته على المدح والذم أيضًا، فحينئذ يجوز أن
يتمسك بعموم قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ ... الآية، على وجوب
الزكاة في حلى النساء وإن كان واردًا في قوم مخصوص كنزوا الذهب والفضة، ويكون إطلاق
صيغة المذكر الذين - عليهن تغليبًا. انظر نور الأنوار ٤٤٠/١، ٤٤١.
(٥) من الآية ٢٤ من سورة النساء.
- ٢٧٨ -

حتى إذا قال لامرأتيه: إن ولدتما ولدين فأنتما طالقان فولدت كل واحدة منهما ولدا
طلقتا، وقيل: الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، والنهي عن الشيء يكون أمرًا بضده
الكلام هذا؛ وذلك لأن الإضافة لو حصلت بصيغة الفرد يثبت(١) في حق كل واحد منهم،
فكذا إذا حصلت بصيغة الجماعة، وعندنا يقتضي مقابلة الآحاد بالآحاد، لأنه هو المعلوم من
مخاطبات(٢)، فإن الرجل يقول: لبس القوم ثيابهم وحلقوا رؤوسهم وركبوا دوابهم، وإنما
يفهم من ذلك أن كل واحد لبس ثوبه وحلق رأسه وركب دابته والدليل عليه قول الشاعر:
وأنفنا بين اللحى والحواجب(٣)
وإنا نرى أقدامنا في نعالهم
والمراد ما قلنا، يؤيد ما ذكرنا قوله - تعالى -: ﴿جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِيِّ ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْ
تِيَابَهُمْ﴾(٤)، أي كل واحد منهم جعل إصبعه في أذنه واستغش ثوبه، وما زعموه فاسد؛ لأن
المنصوص عليه الصيغة مع الإضافة إلى الجماعة، ومع الإضافة إلى الجماعة يوجب(٥) الصيغة
حقيقة ليس ما ادعوا بل موجبه، ما قلنا؛ لأن ما ادعوا ثبت بدون الإضافة إلى الجماعة (٦).
قوله: (وقيل [إن ] (٧) الأمر بالشيء يقتضي النهى عن ضده) سواء كان له ضد واحدا أو
أضداد، والنهى عن الشيء یکون أمرًا بضده(٨)إن كان له ضد واحد، وإن کان له أضداد لم
(١) في (١) ثبت.
(٢) في (أ) و(ب) من مخاطبات الناس، وهذه الزيادة ثابتة عند السرخسي.
(٣) قال في ديوان الحماسة الأبيات لبعض بني عبس. ديوان الحماسة ص١٢١.
(٤) من الآية ٧ من سورة نوح.
(٥) في (١) و(ب) موجب.
(٦) أصول السرخسي باختصار دون تغيير في العبارة ٢٧٦/١، ٢٧٧.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ) و(ب).
(٨) هنالك مسألتان: إحداهما الأمر بالشيء هل يقتضي النهى عن ضده. الثانية: النهى عن الشيء هل
يكون أمرًا بضده. أما الأولى فعامة العلماء من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي وأصحاب
الحديث إلى أن الأمر بالشيء نهى عن ضده إن كان له ضد واحد كالأمر بالإيمان نهى عن الكفر
وإن كان له أضداد كالأمر بالقيام فإن له أضدادًا من القعود والركوع والسجود والاضطجاع
ونحوها يكون الأمر نهيًا عن الأضداد كلها. وقال بعضهم: يكون نهيًا عن واحد منها غير عين،
وفصل بعضهم بين أمر الإيجاب والندب فقال أمر الإيجاب يكون نهيًا عن ضد المأمور به أو
أضداده، لكونها مانعة من فعل الواجب، وأمر الندب لا يكون كذلك فكانت أضداد المندوب غير
- ٢٧٩ -

يكن أمرًا بشيء منها، وهو قول الجصاص، ووجه قوله: إن الأمر هو طلب الإيجاد للمأمور به
على أبلغ الجهات، والاشتغال بضده يعدم ذلك فكان حرامًا منهيًّا عنه بمقتضى حكم الأمر،
ولهذا استوى فيه ما يكون له ضد واحد أو أضداد، وهذا بناء على أن الأمر المطلق يوجب
منهي عنها لا نهى تحريم ولا نهى تنزيه، ومن لم يفصل جعل أمر الندب نهيًا عن ضد المأمور به نهى
ندب حتى يكون الامتناع عن ضده مندوبًا كما يكون فعله مندوبًا. وقال بعض المتكلمين
والشافعية: لا حكم للأمر في ضده أصلاً، والجصاص قال: يقتضي النهى عن ضده سواء كان له
ضد واحد أو أضداد، وقيل يوجب كراهة ضده والمختار عندنا أنه يقتضي كراهة ضده، ولا نقول
إنه يوجب ذلك أو يدل على ذلك.
وأما الثانية: فالنهي عن شيء أمر بضده إن كان له ضد واحد باتفاقهم كالنهى عن الكفر يكون أمرًا
بالإيمان، وإن كان له أضداد فعند بعض أصحابنا وبعض أصحاب الحديث يكون أمرًا بالأضداد
كلها كما في جانب الأمر، وعند عامة أصحابنا وعامة أهل الحديث يكون أمرًا بواحد من الأضداد
غير عين، وقال الشيخ أبو منصور رحمه الله: لا فرق بين الأمر والنهى في أن لكل واحد منهما
ضدًا واحدًا حقيقة وهو تركه. فأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن عين الأمر لا يكون نهيًا عن ضد
المأمور به، وكذا النهى عن الشيء لا يكون أمرًا بضد المنهي عنه لكنهم اختلفوا في أن كل واحد
منهما هل يوجب حكمًا في ضد ما أضيف إليه فذهب أبو هاشم ومن تابعه من متأخري المعتزلة
إلى أنه لا حكم له في ضده أصلاً، بل هو مسكوت عنه وإليه ذهب الغزالي وإمام الحرمين من
أصحاب الشافعي، وذهب بعضهم منهم عبد الجبار وأبو الحسين إلى أن الأمر يوجب حرمة ضده،
وقال بعضهم: يدل على حرمة ضده، وقال بعضهم يقتضي حرمة ضده، وقال عبد القاهر
البغدادي: إنما يكون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده إذا كان المأمور به مضيق الوجوب بلا بدل ولا
تخيير كالصوم وقيل: يوجب أن يكون ضده في معنى سنة يكون في القوة كالواجب، والجصاص
قال: إن كان له ضد واحد كان أمرًا به، وإن كان له أضداد لم يكن أمرًا بشيء منها. قال الشيخ
علاء الدين البخاري في الكشف بعد تحرير المذاهب في المسألة: ثم في تحقيق هذه الأقوال وترجيح
بعضها على البعض كلام طويل طوينا ذكره، ومن طلبه في مظانه ظفر به، والغرض بيان المذاهب
والتنبيه على أن ما اختار الشيخ في الكتاب خلاف اختيار العامة، وهو اختيار القاضي الإمام أبي
زيد وشمس الأئمة، وصدر الإسلام ومتابعيهم. انظر أصول السرخسي ٩٤/١ وكشف الأسرار
للبخاري ٣٢٩/٢ وكشف الأسرار للنسفي ٤٤٢/١ وميزان الأصول ص ١٤٣، والتلويح ٤٣/١.
والتقرير والتحبير ٣٢٠/١، وتيسير التحرير ٣٦٢/١، والمحصول ١٩٩/٢، وشرح العضد على ابن
الحاجب ٨٥/٢، وشرح اللمع ٢٦١/١، ٢٩٦، وحاشية العطار على شرح المحلي على جمع
الجوامع ٤٤٢/١ والمعتمد ٩٧/١، والبرهان ١٨٠/١.
- ٢٨٠ -