النص المفهرس

صفحات 241-260

وذلك لا يستوعب الكل عادة فصار المراد به أكثر اليد فصار التبعيض مرادا بهذا
الطريق.
وعلى للإلزام فقوله له عليّ ألف درهم يكون دينا إلا أن يصل به الوديعة فإن دخلت
في المعاوضات المحضة كانت بمعنى الباء،
المشهورة وهو ما روى أن النبي ◌ُّ قال: ((فيه ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين))(١).
قوله: (وذلك لا يستوعب الكل عادة)؛ لأن وضع كل اليد إما متعذر أو متعسر وهما
منتفيان فصار المراد به أكثر اليد، والأصل في اليد إنما هو الأصابع، ولهذا يجب تمام الدية
بقطع جميع الأصابع، والثلاثة أكثرها فيكتفي بوضعها(٢).
قوله: (وعلى للإلزام)؛ لأنها في اللغة للتعلي والارتفاع، وهذا المعني موجود في الواجب؛
لأن الواجب علا من لزمه ووجب عليه، فجعلت في الشرع للإلزام فقوله: له على ألف(٣)
يكون دينا؛ لأن حقيقية اللزوم في الدين، إذ الوديعة لا تكون عليه من كل وجه إلا أن يصل
بكلامه وديعة، لأن على تحتملها من حيث لزوم الحفظ (٤).
قوله: (فإن دخلت في المعاوضات المحضة) بأن قال: بعت منك هذا الشيء على ألف
(١) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك والدارقطني في السنن عن جابر عن النبي و﴿ّ قال: ((التيمم
ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين)). قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وقال
الدارقطني رجاله كلهم ثقات. انظر المستدرك على الصحيحين ٢٨٧/١، وسنن الدار قطني ١/
١٨١، والبيهقي عن جابر ٢٠٧/١، وانظر نصب الراية ١٥١/١، وتلخيص الحبير١٥١/١.
(٢) انظر أصول السرخسي ٢٢٩/١، وكشف الأسرار للنسفي ٣٣٨/١، وشرح ابن ملك ص ٤٨٨،
٤٨٩.
(٣) في (١) ألف درهم.
(٤) على في اللغة حرف موضوع للاستعلاء الحسي نحو زيد على الفرس، أو الحكمي نحو فلان أمير
على قوم، وفي الشريعة للإلزام في الذمم؛ لأن الدين يعلو من هو عليه ويركبه على ما لصاحب الدين
من العلو على من هو عليه، ومن ثمة قيل إن لصاحب الحق يدا ومقالا. حاشية الرهاوي ص ٤٨٩
وقال في اللباب: وأما على وتكون حرف جر، وحقيقتها للدلالة على الاستعلاء كقولك زيد على
الفرس، فتكون مجازا فيما يغلب الإنسان كقولك عليه كآبة، أي تغلبه وتظهر عليه، وعليه دين أي
لزمه الانقياد بسببه، كانقياد المركوب لراكبه، وهو معنى قول الفقهاء على للإيجاب. اللباب في
علل البناء والإعراب ص ٣٥٩.
- ٢٤١ -

وكذا إذا استعملت في الطلاق عندهما وعند أبي حنيفة للشرط.
ومن للتبعيض، فإذا قال: من شئت من عبيدي عتقه فأعتقه له أن يعتقهم إلا واحدا
منهم عند أبي حنيفة - رحمه الله -.
درهم، أو آجرتك شهرا على ألف درهم كانت بمعنى الباء؛ لأنه تعذر حملها على حقيقتها لما
فيها من معنى الشرط، والمعاوضات لا تحتمل التعليق بالشرط، لكن اللزوم تناسب الإلصاق
فاستعيد له تصحيحا للكلام.
قوله: (وكذا إذا استعملت في الطلاق) بأن قالت امرأة لزوجها: طلقني ثلاثا على ألف
درهم فطلقها واحدة يجب ثلث الألف عندهما بمنزلة ما لو قالت بألف درهم، لأن الخلع
عقد معارضة، وعنده لا شيء عليها، ويكون الواقع رجعيا، لأن الطلاق وإن دخله المال
يحتمل التعليق بالشرط، ولهذا كان بمنزلة اليمين حتى لا يملك الرجوع عنه قبل قبولها،
وحقيقة الكلمة للشرط، فإذا استعملت فيما يحتمل معنى الشرط يحمل عليه دون المجاز،
وعلى اعتبار ذلك لا يلزمها شيء؛ لأنها شرطت إيقاع الثلاث، ليتم رضاها بالتزام المال،
والشرط يقابل المشروط جملة ولا يقابله أجزاء(١).
قوله: (إلا واحدا منهم)؛ لأنه جمع بين كلمة العموم والتبعيض فصار الأمر متناولا بعضا
عاما، فإذا قصر عن الكل بواحد كان عملا بهما، وهذا حقيقة التبعيض لأنه إذا كان العبيد
عشرة مثلا، وقد كان له ولاية إعتاق التسعة كان هذا عملا بها لأن التسعة بعض العشرة،
وعندهما له أن يعتقهم جميعا، لأن كلمة من تعم (٢) العبيد ومن لتمييز هذا الجنس من غيره
مثل قوله - تعالى -: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الْرّحْسَ مِنَ اُلْأَوْثَنِ﴾(٣).
(١) وقد يكون على بمعنى من، قال - تعالى -: ﴿إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾، أي: من الناس.
أصول السرخسي ٢٢٢/١.
(٢) في (١) يعم.
(٣) [الحج: ٣٠]، قال ابن نجيم: و(من) - بكسر الميم - موضوعة للتبعيض ظاهر في أنه المعنى الحقيقي
لها فقط، وفي المغنى أنها تأتى على خمسة عشر وجها: أحدهما: ابتداء الغاية وهو الغالب عليها
حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وفي الحديث:
((مطرنا من الجمعة إلى الجمعة))، الثانى: التبعيض وعلامته إمكان سد بعض مسدها، الثالث: بيان
الجنس نحو: (من الأوثان)، الرابع: التعليل: ﴿مِّمَّا خَطِيَّنِهِمْ﴾ الخامس: البدل نحو: ﴿أَرَضِيتُم
- ٢٤٢ -

وإلى لانتهاء الغاية فإن كانت قائمة بنفسها، كقوله له: من هذا الحائط إلى هذا
قوله: (وإلى لانتهاء الغاية) أي ما دخلت عليه ينتهي به حكم صدور الكلام، ولهذا
تستعمل(١) في آجال الديون قال الله - تعالى -: ﴿إِلَى أَجَلٍ نُسَنَّى﴾(٢).
قوله: (فإن كانت قائمة بنفسها)(٣) أي لا يفتقر في وجودها واستحقاق اسمها إلى محل
آخر لا يدخل الغايتان وهو الأصل، لأن الغاية حد المغيا، والحد لا يدخل في المحدود، كحدود
الدار، وإن لم تكن قائمة بنفسها على هذا التفسير، فإن كان صدور الكلام متناولا للغاية كما
في/ المرافق(٤)، لما أن اسم اليد عند الإطلاق يتناول الجارحة إلى الإبط، كان ذكر الغاية
لإخراج ما وراءها فيدخل الغاية تحت حكم المغيا، وإن كان صدور الكلام لا يتناول الغاية
كما في قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَنِعُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾(٥)؛ لأن الصوم عبارة عن الإمساك،
٣٨/ب
بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾، السادس: مرادفة (عن) نحو: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ
اللّهِ﴾ السابع مرادفة الباء نحو ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾، الثامن: مرادفة في نحو: ﴿أَرُونِ مَاذَا
خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، التاسع مرادفة عند نحو: ﴿لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ
شَيْئًا﴾، العاشر: مرادفة رب إذا اتصلت بما نحو: (وإنا لمما نضرب الكبش ضربة) الحادي عشر:
مرادفة، على نحو: ﴿وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾، الثاني عشر: الفصل نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
اُلْمُصْلِحْ﴾ الثالث عشر: الغاية: نحو: (ما رأيت من ذلك الموضع)، الرابع عشر: التنصيص على
العموم وهي الزائدة في نحو: (ما جاءني من رجل)، الخامس عشر: توكيد العموم وهي الزائدة في
نحو: (ما جاءني من أحد). فتح الغفار ٣١/٢، وانظر أصول السرخسي ٢٢٢/١، ٢٢٣.
(١) في (١) و(ب) استعمل بالبناء للمجهول.
(٢) من الآية ٢٨٢ من سورة البقرة وهي مراد المصنف، ومن الآية ٣ من سورة هود ومن الآية ١. من
سورة إبراهيم، ومن الآية ٦١ من سورة النحل، ومن الآية ٥ من سورة الحج، ومن الآية ٣٣ من
سورة الحج، ومن الآية ٢٩ من سورة لقمان، ومن الآية ٤٥ من سورة فاطر، ومن الآية ٤٢ من
سورة الزمر، ومن الآية ١٤ من سورة الشورى، ومن الآية ٤ من سورة نوح.
(٣) هذا شروع في بيان الضابط في أن الغاية متى تدخل في حكم المغيا؟ لأنها قد تدخل فيه كما في:
حفظت القرآن من أوله إلى آخره، وقد لا تدخل كقوله - تعالى -: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَوْ﴾. انظر
شرح ابن ملك وبهامشه حاشية الرهاوي ص ٤٩٢.
(٤) في قوله - تعالى -: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فإن اليد اسم للمجموع إلى الإبط، وذكر الغاية
لإسقاط ما وراءها فيكون قوله - تعالى -: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، متعلقا بقوله: (اغسلوا) وغاية له، لكن
لأجل إسقاط ما وراء المرافق عن حكم الغسل. ابن ملك ص ٤٩٣.
(٥) من الآية ١٨٧ من سورة البقرة.
- ٢٤٣ -

الحائط لا تدخل الغايتان وإن لم تكن، فإن كان أصل الكلام متناولا للغاية کان ذكرها
لإخراج ما وراءها فتدخل كما في المرافق، وإن لم يتناولها أو كان فيه شك فذكرها لمد
الحكم إليها فلا تدخل كالليل في الصوم.
وفي للظرف لكنهم اختلفوا في حذفه وإثباته في ظروف الزمان فقالا هما سواء وفرق
ومطلقه لا يتناول إلا ساعة أو كان فيه شك كما في الآجال والإجارات؛ إذ المطلق لا يقتضي
التأبيد، وفي تأخير المطالبة وتمليك المنفعة في موضع الغاية شك لا يدخل الغاية(١)، فإن قيل
الليل قائم بنفسه؛ لأنه لا يفتقر في وجوده إلى غيره، ولهذا أورده فخر الإسلام في القسم
الثاني الذي هو قائم بنفسه فكيف يستقيم ذكره في القسم الذي هو غير قائم بنفسه، قلنا: إنه
يفتقر في استحقاق اسمه إلى محل آخر فلا يكون قائما بنفسه ولهذا ذكره شمس الأئمة
السرخسي في القسم الذي هو غير قائم بنفسه(٢).
٣٠/أ
قوله: (لكنهم اختلفوا في حذفه وإثباته في ظروف الزمان)(٣)، وهو أن تقول: أنت طالق
غدًا أو في غد فقال: أبو يوسف ومحمد/ هما سواء لأن الظرف هو الغد في الحقيقة، فلا
يختلف بحذف حرفه وإثباته كقولهم دخلت الدار وفى الدار، وفرق أبو حنيفة بين الحذف
والإثبات فقال: إن حرف الظرف إذا سقط اتصل الطلاق بالغد بلا واسطة، فيكون جميع
(١) انظر أصول السرخسي ٢٢٠/١، ٢٢١، ولاحظ عبارته.
(٢) الاعتراض وجوابه ذكره الشيخ يحيى الرهاوي في حاشيته على ابن ملك ونصه: واعترض بأن
الليل قائم بنفسه؛ لأنه لا يفتقر في وجوده إلى غيره، ولهذا أورده فخر الإسلام في القسم الذي هو
قائم بنفسه، فكيف يستقيم ذكره في القسم الذي هو غير قائم بنفسه؟ وأجيب بأنه يفتقر في
استحقاق اسمه إلى محل آخر فلا يكون قائما بنفسه ولهذا ذكره شمس الأئمة في القسم الذي هو
غير قائم بنفسه وفيه نظر لأنه إن أريد بالمحل الآخر مقابلا لانتهاء الغاية، فلا نسلم أن الليل كذلك
لأنه زمان ليس في مقابلته محل وإن أريد مطلق المحل فلا نسلم أن مثل الحائط والبنيان قائم بنفسه
مع أنه يحتاج في وجوده إلى محل. حاشية الرهاوي ص ٤٩٥.
(٣) معنى أنّ (في) للظرف أي بأن يشتمل المجرور على ما قبلها اشتمالا مكانيا أو زمانيا إما تحقيقا نحو
زيد في الدار، أو تقديرا نحو نظرت في الكتاب، وتفكر في العلم وأنا في حاجتك، لكون الكتاب
والعلم والحاجة شاغلة للنظر والتفكر والمتكلم مشتملة عليها اشتمال الظرف على المظروف فكأنها
محيطة بها من جوانبها كذا ذكره الرضى وفي المغنى ذكر لها معاني عشرة ردها المحقق الرضى في
الظرفية. فتح الغفار ٣٥/٢.
- ٢٤٤ -

أبو حنيفة بينهما فيما إذا نوى آخر النهار.
وإن أضيف إلى مكان يقع في الحال إلا أن يضمر الفعل فيصير بمعنى الشرط
ومع للمقارنة وقيل للتقديم
٣٠/ز
الغد مفعولا، وإذا لم يسقط يكون المفعول جزء الغد وذلك مبهم فإليه التعيين؛ لأن الإبهام
جاء/ من قبله فيصدق القاضي إلا أنه إذا لم يكن له نية يقع في الجزء الأول من الغد لعدم
المزاحم واستدل بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَبَوْمَ
يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ @﴾ (١)، فإنه لا استيعاب فيما فيه الحرف وهو ثابت فيما لا حرف فيه.
قوله: (وإذا أضيف إلى مكان) مثل أن يقول: أنت طالق في الدار أو في الكوفة [تقع
للحال](٢) حيث ما تكون؛ لأن المكان لا يصلح ظرفا للطلاق؛ إذ الواقع في مكان واقع في
الأمكنة كلها، وهي إذا اتصفت بالطلاق في مكان يتصف به في الأمكنة كلها(٣).
قوله: (فيصير بمعنى الشرط) لمناسبة بين الظرف والشرط من حيث المقارنة أو من حيث
تعلق الجزاء بالشرط بمنزلة قيام(٤) المظروف بالظرف.
قوله: (ومع للمقارنة) أي حقيقة وإن كان قد تستعمل بمعنى بعد قال الله - تعالى -: ﴿فَإِنَّ
مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾﴾، وعلى اعتبار الحقيقة قلنا: إذا قال لامرأته أنت طالق واحدة مع واحدة
أو معها واحدة تطلق ثنتين دخل بها أو لم يدخل.
قوله: (وقبل للتقديم)(٥) حتى لو قال لامرأته أنت طالق قبل دخولك الدار طلقت للحال،
(١) الآية ٥١ من سورة غافر.
(٢) في (١) و(ب) تقع في الحال.
(٣) إلا أن يقول عنيت إذا دخلت الدار فحينئذ لا يقع الطلاق ما لم تدخل باعتبار أنه كنى بالمكان عن
الفعل الموجود فيه، أو أضمر الفعل في كلامه فكأنه قال: أنت طالق في دخولك الدار، وهذا هو
ظرف في الفعل، على معنى أن الفعل لا يصلح ظرفا للطلاق حقيقة، ولكن بين الظرف والشرط
مناسبة من حيث المقارنة أو من حيث تعلق الجزاء بالشرط بمنزلة قوام المظروف بالظرف فتصير
الكلمة بمعنى الشرط مجازا. أصول السرخسي ٢٢٤/١ انظر المسألة بأكملها ولاحظ العبارة، ونظر
العناية شرح الهداية ٢٤/٤، والجوهرة النيرة ٤٤/٢، وفتح القدير ٢٤/٤.
(٤) في (١) و(ب) قوام. ويلاحظ أن قوام وقيام وردا في نسختين من كتاب الأصول للسرخسي كما
في الهامش السابق.
(٥) أي لسبق ما وصف بها على ما أضيفت إليه، حتى لو قال لها وقت الضحو: أنت طالق قبل
- ٢٤٥ -

وبعد للتأخير وحکمها في الطلاق ضد حکم قبل وإذا قید بالكنایة کان صفة لما بعده وإن
لم يقيد كان صفة لما قبله.
ولو قال لغير المدخل بها أنت طالق واحدة قبل واحدة تطلق واحدة، ولو قال قبلها واحدة
تطلق ثنتين.
قوله: (وحكمها في الطلاق ضد حكم قبل) (١) فإذا قال لغير المدخول بها أنت طالق
واحدة بعد واحدة تطلق ثنتين فلو (٢) قال بعدها واحدة تطلق واحدة لأن الظرف إذا قيد
بالكناية كان صفة لما بعده، [وإذا لم](٣) يقيد كان صفة لما قبله. قوله وعند للحضرة ولهذا إذا
قال لامرأته أنت طالق عند كل يوم تطلق كل يوم واحدة حتی تبین بثلاث، وكذا لو قال في
كل يوم أو مع كل يوم، ولو قال أنت طالق كل يوم طلقت واحدة (٤) وكذا لو قال أنت علي
كظهر أمي عند كل يوم، أو مع كل يوم، أو في كل يوم يتجدد الظهار بمجيء كل يوم، ولو
قال كل يوم فهو ظهار واحد، وهذا لأنه إذا حذف [حرف العطف/](٥) كان الكل ظرفا
واحدا، وإذا ثبت صار كل فرد بانفراده ظرفا(٦).
٣٩/ب
غروب الشمس طلقت في الحال، ولا يتوقف على وجود ما بعده. شرح ابن ملك ص ٤٩٧.
(١) بعد للتأخير أي لتأخير ما وصف بها عما أضيفت إليه. السابق.
(٢) في (ا) و(ب) ولو.
(٣) في (أ) و(ب) وإن لم.
(٤) ولم يكن له نية طلقت واحدة عندنا خلافا لزفر، إذ قال تطلق ثلاثًا في ثلاثة أيام؛ لأن قوله أنت
طالق إيقاع، وكلمة كل تجمع الأسماء فقد جعل نفسه موقعا للطلاق عليها في كل يوم وذلك
بتجدد الوقوع حتى تطلق ثلاثا، ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق في كل يوم، طلقت ثلاثا في كل
يوم واحدة، ولكنا نقول كلامه صفة، وقد وصفها بالطلاق في كل يوم وهي بالتطليقة الواحدة
تتصف به في الأيام كلها، وإنما جعلنا كلامه إيقاعا لضرورة تحقيق الوصف، وهذه الضرورة ترتفع
بالواحدة ألا ترى أنه لو قال أنت طالق أبدا لم تطلق إلا واحدة، بخلاف قوله في كل يوم؛ لأن
حرف (في) للظرف والزمان ظرف للطلاق من حيث الوقوع، فما يكون اليوم ظرفا له، لا يصلح
الغد ظرفا له فيتجدد الإيقاع ما اقتضاه حرف (في) المبسوط السرخسي ١٤٢/٦، وفتح القدير ٤/
٢٧.
(٥) في (١) و(ب) اسم الظرف.
(٦) كشف الأسرار للنسفي ٣٥٢/١، ٣٥٣.
- ٢٤٦ -

وعند للحضرة فإذا قال لغيره لك عندي ألف درهم كان وديعة لأن الحضرة تدل
على الحفظ دون اللزوم وغير تستعمل صفة للنكرة ويستعمل استثناء كقوله: له عليّ
درهم غيرُ دانق، بالرفع يلزمه درهم تام، ولو قال بالنصب كان استثناء فيلزمه درهم إلا
دانقا، وسوی مثل غیر.
ومنها حروف الشرط فإن أصل فيها وإنما تدخل على أمر معدوم على خطر ليس
بكائن لا محالة فإذا قال إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثا لم تطلق حتى يموت أحدهما وإذا
عند نحاة الكوفة تصلح للوقت والشرط على السواء فيجازى بها مرة وقد لا يجازى بها
أخرى وإذا جوزي بها يسقط الوقت عنها كأنها حرف شرط وهو قول أبي حنيفة وعند
قوله: (ومنها حروف(١) الشرط) أي كلمات الشرط؛ لأن فيها أسماء وإنما سماها لأن
(أن) حرف وهو أصلها؛ إذ ليس له معنى آخر سوى الشرط وغيره ملحق به، لما أنه يذكر بمعنى
آخر.
قوله: (ليس بكائن لا محالة) بل جاز أن يوجد وجاز أن لا يوجد يقول إن زرتني أكرمتك،
ولا يجوز أن تقول: إن جاء غد أكرمتك لأنه للمنع وذلك إنما يتحقق في المعدوم الذي هو
على الحظر، أما الذي هو كائن لا محالة لا يتصور منعه، لأنه في حكم الثابت، ومنع الثابت
محال، وحكم الشرط امتناع ثبوت الحكم بالعلة أصلا ما لم تبطل(٢) التعليق بوجود الشرط.
قوله: (حتى يموت أحدهما)؛ إذ عدم التطليق لا يتحقق إلا بقرب موت أحدهما.
قوله: (فيجازى بها مرة ولا يجازى بها أخرى) يعني يستعمل للشرط مرة ولا يستعمل له
أخري، وإنما قال يجازى بها؛ لأن (٣) الجزاء لازم للشرط، ولأن المقصود من الشرط جزاؤه
فسمی استعمال الشرط باسم ما يقصد به.
قوله: (وقد تستعمل للشرط من غير سقوط الوقت عنها) ولا يقال فيه جمع بين الحقيقة
والمجاز؛ لأن المانع من الجمع إنما هو المنافاة، ولا منافاة بين الشرط والوقت، لأن الوقت جاز أن
(١) أي من حروف المعاني.
(٢) في (١) و(ب) يبطل بالمثناة التحتية.
(٣) في (١) و(ب) ولأن.
- ٢٤٧ -

نحاة البصرة هي للوقت.
وقد تستعمل للشرط من غير سقوط الوقت عنها مثل متى فإنها للوقت لا يسقط عنها
ذلك بحال وهو قولهما: حتى إذا قال لامرأته إذا لم أطلقك فأنت طالق لا يقع الطلاق
عنده ما لم يمت أحدهما، وقالا يقع كما فرغ مثل متى لم أطلقك وروى عنهما إذا قال
أنت طالق لو دخلت الدار أنه بمنزلة إن دخلت الدار وكيف سؤال عن الحال إن استقام
وإلا بطل، ولذلك قال أبو حنيفة في قوله أنت حر كيف شئت أنه إيقاع، وفي الطلاق يقع
واحدة ويبقى الفضل في الوصف والقدر مفوضا إليها بشرط نية الزوج،
يكون شرطا مثل (متى) فإنه للوقت والشرط معا بالإجماع(١).
قوله: (إذا لم أطلقك فأنت طالق إلى آخره) وهذا الخلاف فيما إذا لم يكن للزوج نية، أما
إذا نوى الوقت يقع في الحال ولو نوى الشرط يقع في آخر العمر لأن اللفظ يحتملهما.
قوله: (أنه إيقاع) لأنه لا يستقيم حملها على السؤال عن الحال لما أن الحرية ليس لها حال
بل هي حكم شرعي يثبت(٢) بدون الوصف فلا يتعلق بمشيئته.
قوله: (٣) (أنت طالق كيف شئت وينفى الفضل في الوصف والقدر من البينونة وزيادة
العدد مفوضا إليها)؛ لأنه بمنزلة الحال من حيث إنه زيادة على الأصل، وموقع الواحد له أن
یثلث الواحد ویجعل الرجعي بائنا عنده فإذا كان الزوج مالکا لذلك صح تفويضه إليها ولكن
بشرط نية الزوج، لأنه فوض إليها حالا وهو مشترك بين القدر والوصف فلا يتعين أحدهما
(١) كلمة إذا مشتركة بين الظرف والشرط، فتستعمل تارة على استعمال كلم المجازاة من جعل الأول
سببا والثاني مسببا ومن جزم المضارع بعدها ودخول الفاء في جزائها، وتارة على استعمال كلمات
الظروف من غير جزم، ودخول فاء فيما بعدها، وإن كان المذكور بعدها كلمتين على نمط الشرط
والجزاء مثال الأول:
واستغن ما أغناك ربك بالغنى
وإذا تصبك خصاصة فتجمل
ومثال الثاني:
وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
نور الأنوار ٣٥٦/١، ٣٥٧، وانظر حاشية الرهاوي ص ٥٠١، ٥٠٢.
وإذا تكون كريهة أدعى لها
(٢) في (١) تثبت بالمثناة الفوقية.
(٣) في (أ) و(ب) قوله: ويبقى الفضل.
- ٢٤٨ -

وقالا: ما لا يقبل الإشارة فحاله ووصفه بمنزلة أصله فيتعلق الأصل بتعليقه وكم اسم
للعدد الواقع، فإذا قال: أنت طالق كم شئت لم تطلق ما لم تشأ وحيث وأين اسمان
للمكان فإذا قال: أنت طالق حيث أو أين شئت أنه لا يقع ما لم تشأ، وتتوقف مشيئتها
على المجلس بخلاف إذا ومتى الجمع المذكور بعلامة الذكور عندنا يتناول الذكور
بدون النية.
قوله: (ما لا يقبل الإشارة) بأن يكون حكما شرعيا كالنكاح والطلاق فحاله ووصفه
بمنزلة أصله، لأن أصله لا يعرف بنفسه لكونه غير محسوس وقوعا، وإنما يعرف بأوصافه
وآثاره فإن الطلاق أينما وجد فإما أن يكون معقبا للرجعة أو غير معقب وكلاهما وصف، وقد
تعلق الوصف بمشيئتها فيتعلق الأصل بها أيضا.
قوله: (لم تطلق ما لم تشأ)؛ لأن الزوج فوض إليها أي عدد شاءت فلا تطلق ما لم تشأ وإذا
قامت من المجلس بطل، وإن ردت الأمر كان ردا(١).
٣١/أ
قوله: (ويتوقف مشيئتها على المجلس) لأنه ليس فيها معنى الوقت ليعم الأوقات/ كلها
بخلاف إذا شئت ومتى شئت.
قوله: (الجمع المذكور بعلامة الذكور)، وإنما ذكره في قسم الحروف لأن الكلام في علامته
وذلك حروف، قوله يتناول الذكور والإناث وعند بعض أصحاب الشافعي/ لا يتناول
الإناث إلا إذا دل الدليل؛ لأن كل علامة تختص بفريق وضعا، والكلام عند الإطلاق
محمول على حقيقته، ولو تناول الإناث أيضا للزم الجمع بين الحقيقة والمجاز قلنا: تغليب
علامة الذكور عند الاختلاط من عادة أهل اللسان، وما فيه عرف ظاهر فهو بمنزلة الحقيقة،
فلا يكون هذا جمعا بين الحقيقة والمجاز في كلام واحد/(٢).
٣١/ز
٤٠/ب
(١) إذا قال: أنت طالق كم شئت لم تطلق ما لم تشأ، لأن كم شئت تفويض لما هو الواقع إلى مشيئتها
وهو عام، فلها أن تطلق ما شاءت من العدد بشرط نية الزوج ويتقيد بالمجلس؛ لأنه تمليك،
والتمليكات تقتصر على المجالس وكم هذه ليست باستفهامية ولا خبرية؛ لأنها للتكثير وهو ليس
بمراد بل بمعنى الشرط مجازا فكأنه قال: أنت طالق على أي عدد شئت، فلو صرح بها لكان
للشرط فكذا ما في معناها. شرح ابن ملك ص ٥٠٩، ٥١٠، وانظر العناية شرح الهداية ١٠٨/٤
وبدائع الصنائع ١٢٠/٣، والمبسوط ٢٠٧/٦.
(٢) واستدل أصحاب الشافعي أيضا بلزوم التكرار في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾،
- ٢٤٩ -

والإناث عند الاختلاط ولا يتناول الإناث المفردات، وإن ذكر بعلامة التأنيث يتناول
الإناث خاصة حتى قال محمد في السير الكبير إذا قال المستأمن: آمنوني على بنيَّ وله
بنون وبنات أن الأمان يتناول الفريقين، ولو قال: آمنوني على بناتي لا يتناول الذكور من
أولاده، ولو قال: على بني، وليس له سوى البنات لا يثبت الأمان لهن.
فصل في الصريح والكناية
وأما الصريح فما ظهر المراد به ظهوراً بيّنًا حقيقة كان أو مجازاً كقوله: أنت حر،
وأنت طالق. وحكمه تعلق الحكم بعين الكلام وقيامه مقام معناه حتى استغنى عن العزيمة
قوله: (ظهورًا بينًا) أي بينًا بانضمام كثرة الاستعمال إليه بحيث يسبق مراده إلى أفهام
السامعين سواء أضيف إلى المحل بطريق النداء أو الوصف أو الخبر مثل: يا طالق، وأنت طالق،
وطلقتك وبهذا القيد امتاز عن الظاهر، والنص، والمفسر والمحكم(١).
قوله: (وحكمه تعليق (٢) الحكم بعين الكلام) أي من غير احتياج إلى النية أو قرينة تدل على
المراد، وقيامه مقام معناه أي قيام الكلام مقام معناه في إثبات المراد من غير أن ينظر أن معناه
وقلنا ردا عليهم: نزول الآية في حقهن لتطييب قلوبهن حيث قلن: ما بالنا لم نذكر في القرآن
صريحا واستقلالا فنزلت الآية في حقهن لأجل هذا، لا أنهن لم يدخلن في الجمع المذكر،
والتغليب باب واسع في القرآن الكريم. نور الأنوار ٣٦٤/١.
(١) الصريح هو كل لفظ مكشوف المعنى والمراد حقيقة كان أو مجازًا، يقال: فلان صرح بكذا، أي
أظهر ما في قلبه لغيره من محبوب أو مكروه بأبلغ ما أمكنه من العبارة، ومنه سمي القصر صرحًا،
قال - تعالى -: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا﴾، أصول السرخسي ١٨٧/١، وانظر كشف
الأسرار للنسفي ٣٦٥/١، وقال في الموسوعة الفقهية: الصريح في اللغة هو الذي خلص من
تعليقات غيره، وهو مأخوذ من صلح الشيء بالضم صراحة وصروحة، والعربي الصريح هو خالص
النسب، والجمع صرحاء، ويطلق الصريح أيضا على كل خالص، ومنه القول الصريح وهو الذي لا
يفتقر إلى إضمار أو تأويل، وصرح بما في نفسه أخلصه للمعنى المراد أو أذهب عنه احتمالات المجاز
والتأويل، وأما الصريح في الاصطلاح فهو اسم لكلام مكشوف المراد به بسبب كثرة الاستعمال
حقيقة كان أو مجازا وذكر صاحب العناية أن الصريح ما ظهر المراد به ظهورا بينا بكثرة
الاستعمال، وذكر السيوطي في الأشباه أن الصريح هو اللفظ الموضوع لمعنى لا يفهم منه غيره عند
الإطلاق. الموسوعة الفقهية ٨/٢٧، وانظر البحر المحيط للزركشي ١٣٤/٣.
(٢) في (أ)، (ب): تعلق.
- ٢٥٠ -

وأما الكناية فما استتر المراد به ولا يفهم إلا بقرينة حقيقة كان أو مجازاً مثل ألفاظ
الضمير.
وحكمها أن لا يجب العمل بها إلا بالنية، وكنايات الطلاق سميت بها مجازاً حتى
اللغوي هل وجد أم لا؟ كما أقيم السفر مقام المشقة في إثبات الرخصة، ولم يلتفت إلى
المشقة، بل المنظور إليه نفس السفر.
قوله: (مثل ألفاظ الضمير) كهاء الغائبة وأنا وأنت ونحوها والفرق بين الكناية والمجاز، أنه
لا جواز للمجاز بدون الاتصال بخلاف الكناية فإن العرب تكنى عن الحبشي بأبي البيضاء،
وعن الضرير بأبي العيناء وليس بينها اتصال، ولأن الحقيقة مرادة في موضع الكناية مع ما كنى
له، ولا تجوز إرادة الحقيقة في صورة المجاز، وأما الفرق بين الكناية والخفي، فإن الخفي ما خفي
المراد بعارض غير الصيغة، فأما اللفظ فمعلوم المراد، وأما لفظ الكناية فغير معلوم المراد ابتداء ما
لم ينضم(١) إليه قرينة، ولا تدرك بالتأمل فيه بخلاف الخفي والمشكل.
قوله: (وحكمها أن لا يجب العمل بها إلا بالنية)؛ لأن في المراد بلفظ الكناية معنى التردد
فلا تكون(٢) موجبةً للحكم ما لم يزل ذلك ذلك التردد بالنية أو بدلالة الحال كاعتدى في
حال مذاكرة الطلاق.
قوله: (وكنايات الطلاق سميت بها مجازًا) يعني إطلاق اسم الكناية على هذه الألفاظ
بطريق المجاز لا بطريق الحقيقة، لأن الكناية ما يراد بها غيرها يقال فلان كثير الرماد یکنی بها
عن ملزومه وهو الجود، لأن عنده يكثر عليه الأضياف فيكثر الطبخ وبه يكثر الرماد، فصار
كثرة الرماد لازمة الجود وهذه الألفاظ عوامل في حقائقها، ولهذا يوجب(٣) البينونة وصريح
الطلاق لا يوجب ذلك فلو كانت التسمية بطريق الحقيقة لكان الواقع بها رجعيًا، فإن قيل:
فعلى ما ذكرتم ينبغي أن يقع الطلاق بغير النية. قلنا: إنما لا يقع بغير النية لتزاحم جهات
البينونة في المحل.
(١) في (١): تنضم.
(٢) في (١)، (ب): يكون.
(٣) في (١)، (ب): توجب.
- ٢٥١ -

کانت بوائن إلا اعتدي، واستبرئي رحمك،
قوله: (إلا اعتدى) فإنه يقع به الرجعي لأن حقيقته للحساب، ولا أثر له في قطع النكاح،
وهو يحتمل أن يراد به ما يعد من غير الأقراء، فإذا نوى الأقراء وجب به(١) الطلاق بعد
الدخول اقتضاء تصحيحًا للأمر بالاعتداء؛ إذا اعتداد الأقراء غير واجب عليها، ومطلق الأمر
للوجوب فوجب صرفه إلى حالة يجب عليها اعتداد الأقراء فيها وذلك بعد وقوع الطلاق(٢)
وقبل الدخول يجعل مستعارًا محضًا عن الطلاق، لأنه سببه فاستعير الحكم لسببه فيجعل
اعتدى مستعارًا عن قوله كوني طالقًا، فإن قيل: إن الطلاق قبل الدخول ليس بسبب للعدة
فانعدم معنى الاستعارة قلنا: إن الطلاق على ما عليه الأصل يوجب العدة، والطلاق قبل
الدخول من العوارض وهي غير داخلة في القواعد ولئن قال سلمنا أنه سبب، لكن استعارة
الحكم للسبب(٣) غير جائز لما مر، قلنا: إنما لا يجوز ذلك إذا كان للحكم أسباب، أما إذا كان
له سبب واحد يكون الحكم مختصًّا به فيصير بمنزلة العلة، من حيث إنه لم يشرع إلا لهذا
الحكم فجاز استعارة الحكم(٤).
قوله: (استبرئي رحمك)، أي: اطلبي براءة رحمك من كل وجه وهو يحتمل أن يكون
ذلك للوطء أو/ للتمكن من التزوج بزوج آخر، أو للطلاق، فإذا نوى الطلاق يقع بها إما
٤١/ب
(١) في (١)، (ب): بها.
(٢) وإن كان قبل الدخول يقع الطلاق به عند النية أنه لفظ مستعار للطلاق شرعًا؛ فإن النبي ◌ُ ◌ّ قال
السودة: ((اعتدى))، ثم راجعها، وقال لحفصة: ((اعتدى))، ثم راجعها. أصول السرخسي ١٨٩/١
قال في المبسوط: إذ قال: اعتدى فهذا اللفظ كناية لأنه محتمل يحتمل أن يكون مراده اعتدى نعم
الله أو نعمى عليك، أو اعتدى من النكاح، فإذا نوى به الطلاق وقعت تطليقة رجعية؛ لأن وقوع
الطلاق ليس بحقيقة اللفظ فإن حقيقته في الحساب، فلا تأثير له في إزالة الملك، والعدة تجامع
النكاح ابتداء وبقاءً، ولكن من ضرورة عدتها من النكاح تقدم الطلاق، فكان وقوع الطلاق بطريق
الإضمار في كلامه فكأنه قال: طلقتك فاعتدى، ولهذا قلنا: إنه وإن تكلم بهذا اللفظ قبل الدخول
تعمل نيته في الطلاق، ولا عدة عليها قبل الدخول، فعرفنا أن اللفظ غير عامل في حقيقته، ولكن
الطلاق فيه مضمر يظهر عند نيته عرفنا ذلك بالنص وهو قوله { ل: لسوده حين أراد أن يطلقها
اعتدي. المبسوط ٧٣/٦.
(٣) في (١) للتسبب.
(٤) انظر كشف الأسرار للنسفي ٣٦٨/١ وما بعدها، وشرح ابن ملك ص ٥١٧ وما بعدها.
- ٢٥٢ -

وأنت واحدة.
والأصل في الكلام الصريح
اقتضاء أو مجازًا [كما ذكرنا](١) (٢).
قوله: (وأنت واحدة) أنه يحمل نعتًا للطلقة المحذوفة معناه أنت طالق طلقة واحدة،
ويحتمل صفة للمرأة أي أنت واحدة عند قومك أو منفردة عندي ليس معكي غيرك، أو
منفردة في الجمال، فإذا أزال(٣) الإبهام بالنية كان دلالة على الصريح؛ إذ ذكر الصفة دليل
على ذكر الموصوف لا عاملًا بموجبه وهو التوحد لأنه لا ينبئ على الوقوع فإن قيل لِم جعلتم
موصوفها صريح الطلاق ولم تجعلوه بائنا قلنا: لأن الأصل في الكلام الصريح وحمل الكلام
على الأصل أولى (٤).
قوله: (والأصل في الكلام الصريح) لأن الكلام وضع للإفهام وفى الكناية ضرب قصور
لتوقفه على النية (٥).
(١) في (أ) كما مر.
(٢) يعني أن ألفاظ الكنايات كلها بوائن إلا هذه الألفاظ الثلاثة فإنها رجعية لأجل وجود لفظ الطلاق
فيها تقديرًا، ففي قوله: استبرئي رحمك؛ لأنه يحتمل أن يكون طلب براءة الرحم لأجل الولد، أو
النكاح زوج آخر، فإذا نوى هذا يقع الطلاق الرجعى، فإن كانت مدخولا بها فكأنه قال: كوني
طالق ثم استبرئي رحمك، وإن لم تكن مدخولا بها يكون قوله: استبرئي رحمك، مستعارا من
قوله: كوني طلقا. انظر نور الأنوار مع كشف الأسرار ٣٧٠/١، ٣٧١
(٣) في (١)، (ب) زال.
(٤) وفي قوله أنت واحدة، قال بعضهم: إنه إن قرئ واحدة بالرفع لم تطلق قط؛ لأن معناها منفردة
عن قومك، وإن قرئ واحدة بالنصب يقع الطلاق البتة لأن معناها أنت طالق طلقة واحدة، وإن
قرئ بالوقف فحينئذ يحتاج إلى النية، فإن نوى تقع الرجعية عندنا، ولا تقع عند الشافعي - رحمه
الله -، ولكن الأصح أن لا اعتبار للإعراب، لأن العوام لا يميزون عن وجوه الإعراب، فعلى كل
حال يحتاج إلى النية، أما في الوقف والنصب فظاهر أنه يصح معنى الطلاق بالنية ما وأما في الرفع
فلأنه يحتمل أن يكون معناه: أنت طالق ذات طلقة واحدة ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه
مقامه. نور الأنوار ٣٧١/١، ٣٧٢، وانظر المبسوط ٧٣/٦، وبدائع الصنائع ١٠٥/٣.
(٥) لكن البلغاء أجمعوا على أن الكناية والمجاز أبلغ من الصريح والحقيقة؛ لأن الانتقال فيهما من الملزوم
إلى اللازم فهو كدعوى الشيء ببينة، فإن وجود الملزوم يقتضى وجود اللازم لامتناع وجود الملزوم
بدون اللازم. حاشية الرهاوي ص ٥١٩.
- ٢٥٣ -

وفي الكناية ضرب قصور فظهر هذا التفاوت فيما يندرئ بالشبهات.
فصل في معرفة(١) وجوه الوقوف على المراد
وأما الاستدلال بعبارة النص فهو العمل بظاهر ما سيق الكلام له، وأما الاستدلال
٣٢/أ
قوله: (فظهر (٢) هذا التفاوت فيما يدرأ بالشبهات)، فلا يجب حد القذف إلا بتصريح
الزنا حتى إن من قذف رجلا فقال له آخر: صدقت، لم يحد المصدق، وكذلك/ إذا قال
لست بزاني يريد التعريض بالمخاطب، بخلاف من قذف رجلًا بالزنا فقال آخر: هو كما
قلت، فإنه يحد هذا الرجل، لأنه بمنزلة الصريح (٣)، وبيان الانحصار: أن اللفظ الذي استعمله
المتكلم لا يخلو إما إن كان مستتر المراد أو لا، فإن كان فهو الكناية وإن لم يكن فإن كثر
استعماله فهو الصريح وإن لم يكثر فإن تجاوز عن موضوعه الأصلي/ فهو المجاز وإلا فهو
الحقيقة.
٣٢/ز
اعلم أن الاستدلال بالنصوص على وجهين صحيح وفاسد فالصحيح الاستدلال بالعبارة
والإشارة، والدلالة، والاقتضاء، وما سوى ذلك فهو فاسد.
قوله: (وأما الاستدلال بعبارة النص) العبارة هي النظم المعنوي المسوق له الكلام، سميت
عبارة لأن المستدل يعبر من النظم إلى المعنى، والمتكلم من المعنى إلى النظم فكانت هي موضع
العبور، وإذا عمل بموجب الكلام من الأمر والفحص سمي (٤) استدلالًا بعبارة النص(٥).
.......
(١) في (أ)، (ب) القسم الرابع في معرفة وجوه
(٢) في (١)، (ب): وظهر.
(٣) فإن قيل: أليس أنه لو قذف رجل رجلًا بالزنا فقال آخر هو كما قلت فإن الثاني يستوجب الحد
وهذا تعريض محتمل أيضا؟ قلنا: نعم ولكن كاف التشبيه توجب العموم عندنا في المحل الذي
يحتمله، ولهذا قلنا في قول علي : (إنما أعطيناهم الذمة وبذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا
وأموالهم كأموالنا)، إنه مجرى على العموم فيما يندرئ بالشبهات، وما يثبت مع الشبهات، فهذا
الكاف أيضًا موجبه العموم، لأنه حصل في محل يحتمله، فيكون نسبته إلى الزنا قطعًا بمنزلة كلام
الأول على ما هو موجب العام عندنا. أصول السرخسي ١/ ١٩٠، وشرح ابن ملك ص ٥١٩.
(٤) في (١)، (ب) يسمى.
(٥) يقال عبرت الرؤيا إذا فسرتها سميت الألفاظ الدالة على المعاني عبارات لأنها تفسر ما في الضمير
الذي هو مستور، والنص قد يطلق على كل ملفوظ مفهوم المعنى من الكتاب والسنة سواء كان
ظاهرًا أو مفسرًا أو خفيًّا أو خاصًّا أو عامًا أو صريحًا أو كناية، فيكون إثبات الحكم بهذه الألفاظ
- ٢٥٤ -

بإشارة النص فهو العمل بما ثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سبق له النص وليس
بظاهر من كل وجه هذا كقوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، سيق الكلام
لإثبات النفقة وفيه إشارة إلى أن النسب إلى الآباء وهما سواء في إيجاب الحكم إلا أن
الأول أحق عند التعارض، وللإشارة عموم كما للعبارة.
قوله: (وليس بظاهر من كل) حتى يحتاج فيه إلى ضرب تأمل(١) وفيه إشارة إلى أن
النسب إلى الآباء، لأنه نسب إليه بلام الملك فيلزم أن يكون مخصوصًا.
قوله: (إلا أن الأول أحق عند التعارض) لكونه مقصودًا نظير التعارض بينهما قوله - تعالى -:
﴿وَصَلّ عَلَّهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَرٌ لَُّمْ﴾(٢)، سيق الكلام لبيان إيجاب صلاة الجنازة في حق
الأموات على العموم قال الله - تعالى -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ
أَحْيَاءُ﴾(٣) يشير إلى أنه لا يصلى على الشهيد لأن اللَّه - تعالى - سماهم أحياء، ولا يصلى
على الحي فرجحنا العبارة فإن قيل: ما الفرق بين العبارة والنص وهما اشتركا في السوق وبين
الإشارة والظاهر وهما استويا في عدم السوق؟ قلنا: إن النص والظاهر من أقسام النظم
والعبارة والإشارة من أقسام المعنى(٤).
استدلالًا بعبارة النص، وإنما أطلق النص على كل ما كان من الكتاب والسنة اعتبارًا للغالب، فإن
غالب ما ورد منهما نص، وهذا هو المراد هنا لا النص المتقدم وهو ما ازداد وضوحًا على الظاهر.
شرح ابن ملك ص ٥٢٠.
(١) في (أ)، (ب) قوله وفيه.
(٢) من الآية ١٠٣ من سورة التوبة.
(٣) من الآية ١٦٩ من سورة ال عمران.
(٤) مثل ابن ملك وملاجيون وابن نجيم للتعارض بين الإشارة والعبارة بالمثال الآتي: قوله {﴿ في حق
النساء: ((إنهن ناقصات عقل ودين))، قلن: وما نقصان عقلنا وديننا؟ قال الشّفة: ((أليس شهادة النساء
مثل نصف شهادة الرجال؟)) قلن: بلى، قال اللِّ: ((فذلك من نقصان عقلها))، ثم قال التليفالا: ((تقعد
إحداكن شطر دهرها في قعر بيتها لا تصوم ولا تصلي))، قلن: بلى، قال الكَلّها: ((فذلك من نقصان
دينها))، فالحديث وإن كان مسوقًا لنقصان دينهن لكنه يفهم منه إشارة أن أكثر الحيض خمسة عشر
يومًا، لأن لفظ الشطر موضوع للنصف في أصل اللغة، وبه تمسك الشافعي - رحمه الله - في أن
أكثر الحيض خمسة عشر يومًا ولكنه معارض بما روى أنه التطبيما قال: ((أقل الحيض للجارية البكر
والثيب ثلاثة أيام ولياليهن، وأكثره عشرة أيام))؛ لأنه عبارة في هذا المعنى فرجحت على الإشارة
لكن الشيخ الرهاوي قال في حاشيته على ابن ملك: قوله ﴿: ((تقعد إحداكن في قعر بيتها شطر
- ٢٥٥ -

وأما الثابت بدلالة النص فما ثبت بمعنى النص لغة وجه(١) لا اجتهادًا كالنهى
عن التأفيف يوقف به على حرمة الضرب بدون الاجتهاد والثابت به كالثابت
قوله: (وأما الثابت بدلالة النص(٢) فما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهادًا)، ومعنى قوله لغة
أي يعرفه كل من يعرف هذا اللسان بمجرد سماع اللفظ من غير تأمل حتى استوى فيه الفقيه
وغيره، كالضرب فإن له معنى لغويًا وهو استعمال آلة التأديب في محل صالح له، وهذا المعنى
يفضى إلى الإيلام [الذي هو المقصود من الضرب فيكون الإيلام] (٣) مستفادًا من المعنى
اللغوي.
قوله: (كالنهي عن التأفيف يوقف به على حرمة [الضرب والشتم] (٤) بدون الاجتهاد)؛
لأن التأفيف(٥) اسم لفعل بصورة معقولة ومعنى مقصود لأجله ثبتت الحرمة وهو الأذى حتى
إن من لا يعرف هذا المعنى من هذا اللفظ، أو كان من قوم هذا في لغتهم إكرام لم تثبت
الحرمة، وإذا عرف(٦) أن النهى عن التأفيف باعتبار/ الأذى توقف به على حرمة سائر الأنواع
٤٢/ب
عمرها لا تصوم ولا تصلى)). قال ابن الجوزي في التحقيق هذا الحديث لا يعرف، وقال البيهقي: لم
أجده في شيء من كتب الحديث، وقال ابن المنذر: لا يثبت هذا من وجه من الوجوه عن النبي { #. انظر
شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص ٥٢٤، ٥٢٥، ونور الأنوار ٣٨٢/١ وفتح الغفار ٤٩/٢.
(١) قال ابن ملك: ليس هذا من تمام التعريف بل ابتداء كلام يعني أنه ظاهر من وجه دون وجه، ثم إن
كان الغموض فيه بحيث يزول بأدنى تأمل يقال هذه إشارة ظاهرة، وإن كان يحتاج إلى زيادة فكر
يقال هذه إشارة غامضة، وإنما سمي إشارة النص لأنه لما لم يكن النص مسوقًا له لم يكن ظاهرًا من
كل وجه بل فيه خفاء ولا يدرك صحيحًا بل إشارة كما إذا قصد بالنظر إلى شيئ يقابله رآه ورأى
مع ذلك غيره يمنة ويسرة بأطراف العين من غير قصد فما يقابله فهو المقصود بالنظر وما وقع عليه
أطراف فهو مرأي بطريق الإشارة تبعًا لا قصدًا. شرح ابن ملك ص ٥٢٢، ٥٢٣، وانظر كشف
الأسرار للنسفي ٣٧٥/١، وفتح الغفار ٤٨/٢.
(٢) وهى المسماة بمفهوم الموافقة وفحوى الخطاب.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٤) ما بين القوسين ساقط من (١) وفي (ب) والشتم ساقطة.
(٥) التأفيف: أف معناه الاستقذار لما شم، وقيل معناه الاحتقار والاستقلال، وهي صوت إذا صوت به
الإنسان علم أنه متضجر متكره، وقيل أصل الأف من وسخ الإصبع إذا فتل، وقد أفقت بفلان
تأفيفًا، وأفف به إذا قلت له أف لك. النهاية في غريب الحديث ٥٥/١.
(٦) في (١) ثبت.
- ٢٥٦ -

بالإشارة إلا عند التعارض؛
التي فيها الأذى كالضرب وغيره بدون الاجتهاد(١).
قوله: (إلا عند التعارض) لأن في الإشارة النظم والمعنى اللغوي، وفى الدلالة المعنى اللغوي
فقط فترجحت الإشارة بالنظم، وأما بيان التعارض بين الإشارة والدلالة فكما قال الشافعي
في صدقة الفطر إن هذه من الواجبات المالية فلا يشترط فيها الغنى كما في الكفارة؛ لأن
صدقة الفطر تجب بالقدرة الممكنة والكفارة [تجب بالميسرة](٢)، فلما لم يشترط الغنى في
الكفارة فلأن لا تشترط في الفطر بالطريق الأولى فعلم بهذا [أن دلالة النص وهو قوله .
تعالى.](٣): ﴿فَكَفَّارَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾(٤) دلت على عدم اشتراط النصاب في
صدقة الفطر وقلنا إن عبارة قوله الكلية: ((أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم))(٥)،
يوجب(٦) الأداء في يوم العيد والثابت بإشارته أنها لا تجب إلا على الغني؛ لأن الإغناء إنما يتحقق
من الغنى، والغنى الشرعي مقدر بملك النصاب والثابت بالإشارة أولى من الثابت بالدلالة(٧).
(١) في المثال مسامحة، والأولى أن يقول: كحرمة الضرب الذي يوقف عليه من النهي عن التأفيف،
والمقصود واضح، يعنى أن قوله - تعالى -: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَا أُنٍ﴾، معناه الموضوع له النهى عن
التكلم بأف فقط، وهو ثابت بعبارة النص ومعناه اللازم الذي هو الإيلام دلالة النص، وما ثبت منه
هو حرمة الضرب والشتم. والأمثلة الشرعية التي ذكرها القوم مذكورة في المطولات. نور الأنوار
٣٨٣/١، ٣٨٤، كشف الأسرار للبخاري ٢١٩/٢ وما بعدها.
(٢) في (١) تجب بالقدرة الميسرة.
(٣) في (١) أن دلالة نص قوله تعالى.
(٤) من الآية ٨٩ من سورة المائدة.
(٥) الحديث: قال الزيلعي غريب بهذا اللفظ وأخرجه الدارقطني في سننه عن أبي معشر عن نافع عن
ابن عمر قال: (فرض رسول الله وَ زكاة الفطر وقال: ((أغنوهم في هذا اليوم)). ورواه ابن عدى في
الكامل وأعله بأبي معشر نجيح ولفظه: وقال: ((أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم)). وأسند تضعيف
أبي معشر عن البخاري والنسائي وابن معين. انظر نصب الراية ٤٣٢/٢، وأخرجه البيهقي عن ابن
عمر، سنن البيهقي ١٧٥/٤، وانظر الكامل في الضعفاء لابن عدى ٥٢/٧، وانظر سنن الدار قطني
١٥٢/٢.
(٦) في (١) توجب بالمثناة الفوقية.
(٧) مثل ابن ملك للتعارض بين الإشارة والدلالة فقال: مثال تعارضهما ما قاله الشافعي: تجب الكفارة
في القتل العمد؛ لأنها لما وجبت في القتل الخطأ مع قيام العذر، فلأن تجب في العمد كان أولى،
- ٢٥٧ -

ولهذا صح إثبات الحدود والكفارات بدلالات النصوص دون القياس،
قوله: (ولهذا صح إثبات الحدود والكفارات)، مثال الحد(١) ما روى أن ماعزّا زنا وهو
محصن فرجم(٢)، فرجمه ثابت بالنص، والموجب للرجم في حقه هو الزنا بعد الإحصان
وذلك يعمه وغيره، فيلحق الغير به بدلالة النص(٣)، ومثال الكفارة ما روى أن النبي تَّ
أوجب الكفارة على الأعرابي باعتبار جنايته في صوم رمضان(٤)، فيجب(٥) على غيره بدلالة
النص قوله دون القياس لأنه ثابت بمعنى مستنبط بالرأي نظرًا لا لغة حتى اختص بالقياس
الفقهاء، واستوى أهل اللغة كلهم في دلالات الكلام(٦).
لكن هذه الدلالة عارضتها إشارة قوله - تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ
جَهَنَّمُ﴾، فإنه يشير إلى عدم وجوب الكفارة في العمد؛ لأن الجزاء اسم للكامل التام على ما
سبق فلو أوجبنا الكفارة لكان جهنم بعض الجزاء لا كله فرجحنا الإشارة. انظر شرح ابن ملك ص
٥٢٩، ونور الأنوار ٣٨٥/١، ٣٨٦.
(١) الحد ساقطة من (١).
(٢) الحديث روى من عدة طرق منها ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة قال: أتى رجل من
المسلمين رسول الله ﴿ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول إني زنيت، فأعرض عنه فتنحى تلقاء
وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت. فأعرض عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات، فلما شهد على
نفسه أربع شهادات دعا رسول الله ﴿ فقال: ((أبك جنون؟)) قال: لا. قال: ((فهل أحصنت؟))،
قال: نعم. فقال رسول اللـه ◌َ﴿: ((اذهبوا به فارجموه))، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلفته الحجارة هرب
فأدركناه بالحرة فرجمناه). انظر صحيح البخاري كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة باب لا
يرجم المجنون والمجنونة ٢٤٩٩/٦، وصحيح مسلم كتاب الحدود باب رجم الثيب في الزنا ٣/
١٣١٨، وانظر نصب الراية ٣/ ٣١٢.
(٣) انظر كشف الأسرار للنسفي ٣٨٥/١ وما بعدها.
(٤) الحديث في الصحيحين عن أبي هريرة به قال: جاء رجل إلى النبي لو﴿ فقال: هلكت يا رسول
الله، قال: ((وما أهلكك؟))، قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: ((هل تجد ما تعتق رقبة؟))
قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟))، قال: لا. قال: ((فهل تجد ما تطعم ستين
مسكينا؟))، قال: لا قال: ثم جلس فأتى النبي ﴿ّ بعرق فيه تمر فقال: ((تصدق بهذا)). قال: أفقر
منا! فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ◌ُ## حتى بدت أنيابه ثم قال: ((اذهب
فأطعمه أهلك)). صحيح البخاري كتاب الصوم باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة
إذا كانوا محاويج ٦٨٤/٢، ومسلم كتاب الصيام باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان ٧٨٢/٢.
(٥) في (١) فتجب.
(٦) انظر فتح الغفار ٥٠/٢، ٥١.
- ٢٥٨ -

والثابت به لا يحتمل التخصيص لأنه لا عموم له. وأما الثابت باقتضاء النص فما لم يعمل
النص إلا بشرط تقدمه عليه، فإن ذلك أمر اقتضاه النص لصحة ما يتناوله فصار هذا
مضافًا إلى النص بواسطة المقتضى فكان كالثابت بالنص، وعلامته أن يصح به المذكور
ولا یلغی عند ظهوره بخلاف المحذوف. ومثاله الأمر بالتحرير للتکفیر مقتض للملك ولم
يذكره، والثابت به كالثابت بدلالة النص إلا عند المعارضة،
قوله: (لا يحتمل التخصيص) لأنه يستدعى سبق العموم ولا عموم في الدلالة، إذ العموم
من أوصاف اللفظ، ولا لفظ في الدلالة(١).
قوله: (وأما الثابت باقتضاء النص إلى آخره) أي أما الثابت باقتضاء(٢) النص فشيء لم
يعمل النص بدون تقدم ذلك الشيء على النص فإن ذلك أمر اقتضاه النص(٣)، ليكون متناوله
صحيحًا فصار متناول النص مضافًا إلى النص بواسطة المقتضى؛ إذ لو لم يكن المقتضى لما
صح ما تناوله النص، وإذا لم يصح لا يكون مضافًا إلى النص فكان كالثابت بالنص أي فكان
المقتضى كالثابت بالنص.
قوله: (والثابت كالثابت بدلاله النص إلا عند المعارضة) فيعمل بدلالة النص نظيره ما إذا
(١) قال النسفي في الكشف: اعلم أن الثابت بدلالة النص لا يحتمل التخصيص، أما عند من يقول:
بأن المعاني لا عموم لها؛ لأن المعنى واحد وإنما كثرت محاله. فظاهر، لأن الثابت بدلالة النص
ثابت بمعنى النص، والتخصيص يستدعى سبق العموم. وأما على قول من يقول: إن المعاني لها
عموم وهو الجصاص وغيره، فلأن معنى النص إذا ثبت عله لم يحتمل أن يكون غير علة وفي
التخصيص ذلك. بيانه: أن من قال: الموجب لحرمة التأفيف في موضع النص هو الأذى فقد قال:
بأن الشرع جعله علة الحرمة أينما وجد، حتى يمكنه التعدية، فمتى وجد هذا الوصف ولا حكم له
فلم تكن علة الحرمة، فكأنه قال: هو علة وليس بعلة وهو تناقض. كشف الأسرار ٣٩٢/١، ٣٩٣
وحاشية نسمات الأسحار ص ١٤٧.
(٢) في (١)، (ب) بطلب.
(٣) النص إذا كان بحيث لا يصح معناه إلا بشرط فلا شك أنه يقتضيه فهناك أمور أربعة: المقتضى
وهو النص وقال بعضهم المقتضى بالكسر هو الحامل على الزيادة وهو صيانة الكلام، وبالفتح هو
المزيد والمقتضى وهو ذلك الشرط، والاقتضاء - وهو دلالة الشرع على أن هذا الكلام لا يصح إلا
بالزيادة - وحكم المقتضى وهو المراد من الثابت هنا. شرح ابن ملك ومعه حاشية عزمي زاده
ص٥٣٣، ٠٥٣٤
- ٢٥٩ -

١/٣٣
باع الرجل [عبد الآخر](١) بألفي درهم ولم ينفذ المشترى الثمن حتى قال البائع للمشترى:
اعتق عبدك هذا عنى بألف درهم/ فأعتقه، فدلالة النص الذي ورد في حق زيد بن أرقم (٢)
حين جاءت امرأة إلى عائشة وقالت إني اشتريت من زيد بن أرقم جارية بثمان مئة درهم إلى
أجل ثم بعتها منه بست مئة فقالت عائشة بئس ما اشتريت وبئس ما شریت أبلغي زيد بن أرقم
أن اللَّه - تعالى - أبطل جهاده مع رسول اللَّهُ و ◌َّ: ((إن لم يتب))(٣)، يقتضي(٤) عدم جواز
البيع؛ لأن تنصيص / زيد بن أرقم باعتبار وجود شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن وهذا
المعنى موجود في غيره فيلحق به، والمقتضى يقتضي الجواز؛ إذ البيع في مثله جائز اقتضاء
٣٣/ز
(١) في (١)، (ب) عبدًا من آخر.
(٢) زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن نعمان بن مالك بن الخزرج مختلف في كنيته قيل: أبو عمرو،
وقيل: أبو عامر استصغر يوم أحد وأول مشاهده الخندق وقيل: المريسيع، غزا مع النبي صل﴿® سبع
عشرة غزوة، وله حديث كثير، له قصة في نزول سورة المنافقين مات بالكوفة أيام المختار سنة ٦٦ هـ
وقيل ٦٨ هـ. الإصابة في تمييز الصحابة ٨٩/٢، ومشاهير علماء الأمصار ٤٧/١.
(٣) الحديث أخرجه البيهقي عن العالية قالت: (كنت قاعدة عند عائشة ظ ◌ُبه الله عنه الله - تعالى - عنها
فأتتها أم محبة فقالت لها: يا أم المؤمنين أكنت تعرفين زيد بن أرقم قالت: نعم. قالت: فإني بعته
جارية إلى عطائه بثمان مئة نسيئة، وإنه أراد بيعها فاشتريت منه بست مئة نقدًا. فقالت: لها بئس ما
اشتريت، وبئس ما أشترى، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﴿ إن لم يتب). سنن
البيهقي ٣٣٠/٥، وأخرجه الدارقطني عن العالية بزيادة فقالت لها: أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس
مالي قالت: ﴿فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّهِ، فَأَنْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾. قال الشيخ أم محبة والعالية
مجهولتان لا يحتج بهما. سنن الدارقطني ٥٢/٣، وقال الزيلعي في نصب الراية أخرجه عبد الرزاق
في مصنفه أخبرنا معمر والثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة ثم
ذكر الحديث، قال وأخرجه أحمد في مسنده من نفس الطريق، قال: قال في التنقيح هذا إسناد
جيد وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة وكذلك الدارقطني قال في العالية مجهولة لا
يحتج بها فيه نظر، فقد خالفه غيره، ولولا أن عند أم المؤمنين علمًا من رسول الله ﴿ أن هذا محرم
لم تستجر أن تقوله مثل هذا الكلام بالاجتهاد، وقال ابن الجوزي: قالوا: العالية امرأة مجهولة لا
يقبل خبرها. قلنا: بل هي امرأة معروفة جليلة القدر ذكرها ابن سعد في الطبقات فقال: العالية امرأة
أبي إسحاق السبيعي سمعت من عائشة. اهـ. انظر نصب الراية ١٥/٤ ومصنف عبد الرزاق باب
الرجل يبيع السلعة ثم يريد اشترائها منها بنقد ٨ / ١٨٤ لكنى لم أقف عليه في مسند أحمد.
(٤) في (أ)، (ب) تقتضي.
- ٢٦٠ -