النص المفهرس
صفحات 201-220
إذا قال للَّه على صوم رجب ونوى به اليمين؛ لأنه نذرّ بصيغة يمين بموجبه فهو كشراء
القريب فإنه تملك بصيغته تحرير بموجبه، وطريق الاستعارة الاتصال بين الشيئين صورة أو
معنی
جمع بين الحقيقة والمجاز(١) فقال: إن هذا ليس بجمع وهو نذر بصيغة بل هو قوله علىّ إذ هو
وضع للإيجاب وهو معنى النذر يمين بموجبه وهو الوجوب، وإيجاب(٢) المباح يستلزم تحريم
المباح فإن ترك المنذور قبل النذر كان مباحا، وبعده صار حراماً وتحريم المباح يمين قال اللَّه .
تعالى -: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَّ اللّهُ﴾ .. إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ
أَيْمَنِّكُمْ﴾(٣) أي قدر اللَّه لكم ما تحللون به أيمانكم، وهي الكفارة(٤)، وإذا كان كذلك لا
يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز وهو كشراء القريب فإنه يملك بصيغته وهو الشراء تحرير بموجبه
وهو الملك؛ إذ يستحيل أن يكون الشراء الجالب للملك بجهة سالباً له من تلك الجهة، إلا أن
الشراء على الملك والملك في القريب على العتق، ويضاف العتق إلى الشراء بهذه الواسطة(٥).
٢٧/ب
قوله: (صورة أو معنى)(٦)؛ لأن كل موجود مصور يكون له صورة/ ومعنى لا ثالث
لهما، ولا يكون الاتصال إلا باعتبار الصورة أو باعتبار المعنى، والمراد بالمعنى أي المعنى اللازم
المشهور/ كما مر (٧).
٢٢/ز
بين النهار وبين مطلق الوقت فأريد ههنا معنى الوقت. انظر زيادات أخرى تتعلق بالجواب في نور
الأنوار مع كشف الأسرار ٢٤٢/١، ٢٤٣.
(١) ولهذا قيل: إنه ينبغي أن يقرأ رجب غير منون ليكون المراد رجب هذه السنة لتظهر ثمرته في
الفوات بخلاف ما إذا كان رجباً من العمر فإنه لا تظهر ثمرته إلا عند الموت بالإيصاء بالفدية. نور
الأنوار ٢٤٤/١، وانظر فتح الغفار ١٤٠/١.
(٢) في (ا، ب) لأن إيجاب.
(٣) الآيتان ١، ٢ من سورة التحريم وتمامهما ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكٌ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَّ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾َ قَدْ فَضَ اَللَّهُ لَكُرْ تِلَّةَ أَيْمَنَّكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾﴾.
(٤) لأن الرسول 383 حرم مارية والعسل على نفسه فسمى الله ذلك يمينا، فعلم أن تحريم الحلال يمين
فيكون اليمين موجبا للكلام لا مرادا بطريق المجاز. نور الأنوار ٢٤٤/١.
(٥) قال ◌َ﴾: ((من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه) نور الأنوار مع كشف الأسرار للنسفي ٢٤٥/١.
(٦) شروع من المصنف في بيان علاقات المجاز.
(٧) حصر العلماء بالاستقراء طريق الاتصال بين الشيئين في خمسة وعشرين نوعا: إطلاق اسم السبب
على المسبب وعكسه، واسم الكل على البعض وعكسه، واسم اللزوم على اللازم وعكسه، واسم
- ٢٠١ -
كما في تسمية الشجاع أسدا والمطر سماءً.
وفي الشرعيات الاتصال من حيث السببية والتعليل نظير الصورة والاتصال في المعنى
قوله: (كما في تسمية الشجاع أسدا)، وهذا نظير الاستعارة بواسطة الاتصال بينهما
معنى وهو الشجاعة فإنها وصف خاص لازم مشهور لصحة الاستعارة به، والمطر(١) سماء
نظير الاستعارة بواسطة الاتصال بينهما صورة، لأن السماء في اللغة عبارة عن كل عال،
يقال: [كل ما فوقك](٢) فهو سماء(٣)، فيكون السحاب على هذا سماء، والمطر من
السحاب فتحقق الاتصال بينهما صورة فاستعير له قال الله - تعالى -: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم
مِدْرَارًا﴾(٤) أي المطر.
قوله: (وفى الشرعيات)، اعلم أن الاستعارة لم تختص باللغة، لأن الاتصال بين اللفظين
المطلق على المقيد وعكسه، واسم العام على الخاص وعكسه، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه
مقامه أولا وعكسه، وتسمية الشيء باسم مجاوره، وتسميته باسم ما يؤول إليه، واسم المحل على
الحال وعكسه، واسم آلة الشيء عليه واسم الشيء على بدل، والنكرة في الإثبات للعموم، والمعرف
باللام، وإرادة واحد منكر، واسم أحد الضدين على الآخر والحذف والتقدير كذا في التقرير.
واختلف المحققون في ضبطها فضبطها ابن الحاجب في خمسة: الشكل والوصف والكون عليه
والأول إليه والمجاورة، وصدر الشريعة في تسعة: الكون والأول ولاستعداد والمقابلة، والجزئية
والحلول والسببية والشرطية، والوصفية، وضبطها فخر الإسلام في شيئين اتصال صورة أو معنى،
وهو أضبط مما ذكروا إذ لا يكاد يشذ عنه شيء مما ذكروا فإن كل موجود من الماديات إنما هو
بالصورة أو المعنى لا ثالث لهما فلا يتصور الاتصال بوجه ثالث كذا في التقرير، ولذا اختاره
المصنف. فتح الغفار ١٤٢/١، وانظر التمثيل للإمام فى حاشية نسمات الاسحار ١٠٧، ١٠٨.
(١) في (١)، (ب) قوله والمطر سماء.
(٢) في (ا، ب) ما علا فوقك.
(٣) السماء يذكر ويؤنث وجمعه أسمية وسماوات، والسماء كل ما علاك فأظلك ومنه قيل لسقف
البيت سماء والسماء، المطر يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. مختار الصحاح مادة سما. ص
١٣٣
(٤) في (ز) النسخة الأم: ﴿وأرسلنا السماء عليكم مدرارا﴾ وفي (١) يرسل السماء عليهم مدرارا،
وهي الآية رقم ١١ من سورة نوح، ٥٢ من سورة هود وفى (ب) وأنزلنا السماء عليكم مدرارا
وهو خطأ وصواب الآية وأرسلنا السماء عليهم مدرارا من الآية ٦ من سورة الأنعام، وقد أثبت
صواب الآية من غير الأصل على خلاف ما نهجت؛ احتراما لآيات القرآن الكريم.
- ٢٠٢ -
المشروع كيف شرع نظير المعنى والأول على نوعين أحدهما اتصال الحكم بالعلة
كاتصال الملك بالشراء وأنه يوجب الاستعارة من الطرفين. حتى إذا قال إن اشتريت
شرعا صلح طريقا للاستعارة باتفاق الفقهاء(١) وهذا لأن حكم الشرع متعلقا بلفظ شرع سببا
أو علة لا يثبت من حيث يعقل إلا واللفظ دال عليه لغة والكلام فيما يعقل، ولا استعارة فيما
لا يعقل [وإذا عرفت](٢) هذا سلكنا كلا طريقي الاستعارة في الشرعيات وكان الاتصال من
حيث السببية والتعليل، أي اتصال السبب بالمسبب، واتصال العلة بالمعلول نظير الصورة في
المحسوس فكما لا اشتراك بين السماء والمطر فكذلك لا اشتراك بين السبب والمسبب ولا بين
العلة والمعلول؛ لأن معنى السبب و(٣) هي السببية لا يوجد في المسبب، وكذا معنى العلة وهي
الموجبية لا يوجد في المعلول، فيكون الاتصال من حيث الملازمة والمجاورة، والاتصال في
المعنى المشروع كيف شرع، كاتصال الميراث بالوصية من حيث إن كل واحد منهما شرع
بعد فراغ الميت عن حوائجه(٤) نظير المعنى(٥) وأنه يوجب الاستعارة من الطرفين؛ لأن العلة
لم تشرع لذاتها، حتى لم تشرع في موضع لا يتصور الحكم فيه بأن أضاف البيع إلى الحر،
(١) فإنهم اتفقوا على جوازا استعارة لفظ العتاق للطلاق والشافعي جوز العكس أيضاً، وقد نطق النص
به وهو قوله - تعالى -: ﴿وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ فنكاح
النبي ◌ُ * انعقد بلفظ الهبة مجازا بالاتفاق؛ لأن الهبة لتمليك المال، فلا يكون عاملا بحقيقتها فيما
ليس بمال، وكان في نكاحه حكم القسم والطلاق والعدة ولم يتوقف الملك على القبض، فدل أنها
قامت مقام النكاح مجازا، ولا اختصاص للرسالة بالاستعارة، لأن جواز الاستعارة للاتصال وذا لا
يثبت في حق فرد دون فرد، بل الأنام سواء في وجوه الكلام، فدل أن هذا فصل لا خلاف فيه غير
أن الشافعي يقول: نكاح غيره لا ينعقد بهذا اللفظ وإنما ينعقد بالنكاح أو التزويج ... كشف
الأسرار للنسفي ٢٤٩/١، ٢٥٠ وانظر أصول السرخسي ١٧٩/١، ١٨٠.
(٢) في (١) و(ب) وإذا عرف بالبناء للمجهول.
(٣) الواو ساقطة من (١) و(ب).
(٤) فيجوز استعارة أحدهما للآخر كقوله - تعالى -: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ أي يورثكم، وكذا
الهبة والصدقة متصلان معنى أيضا من حيث إن كلا منهما تمليك بغير عوض، فيجوز استعارة لفظ
الهبة للصدقة فيما إذا وهب للفقير شيئا حتى لم يكن له الرجوع ولا يمنع الشيوع من الصحة فيما
إذا وهب الفقيرين، واستعارة لفظ الصدقة للهبة فيما إذا تصدق على الغني حتى صح الرجوع ومنع
الشيوع إذا تصدق على غنيين فتح الغفار ١٤٣/١.
(٥) في (١) و(ب) قوله وأنه.
- ٢٠٣ -
عبداً فهو حر ونوی به الملك أو قال إن ملکت عبدا فهو حر ونوی به الشراء يصدق فيهما
دیانة.
وإنما شرعت لحكمها فافتقرت إليه، والحكم لا يثبت إلا بعلته، فاستوى الاتصال فعمت
الاستعارة.
١/٢٢
قوله: (يصدق فيهما ديانة)(١)؛ لأن استعارة العلة للحكم والحكم للعلة وكلاهما
صحيحان وإنما قيد بالديانة، إذ فيما فيه تخفيف عليه وهو ما إذا ذكر الشراء وأراد الملك، لا
يصدق قضاء لأن في هذه الصورة إذا اشترى نصف عبد فباعه ثم اشترى النصف الآخر
يعتق/ هذا النصف وفي الملك لا يعتق، ما لم يجمع الكل في ملكه، فإذا قال: عنيت بالملك
الشراء، فقد غلظ على نفسه فيصدق قضاء، لأن الأصل أن الحالف إذا اتهم بشيء لا يصدقه
(١) هنالك تفصيل لابد من ذكره بيانه: هذا تفريغ على جواز الاستعارة من الطرفين، وبيانه مسبوق
بمعرفة حكم المسألتين وهو أن نصف العبد يعتق في صورة الشراء الصحيح قيدنا به، لأن العبد لا
يعتق إذا اشتراه فاسداً، لأن شرط الحنث وجد في الفاسد قبل القبض ولا ملك له فيه قبله فينحل
اليمين ولم يقع الجزاء لعدم المحل، وفي صورة الملك لا يعتق حتى يجتمع الكل في ملكه؛ لأن
المقصود من الشراء ليس الغنى لأنه لا يستلزم الملك، ولهذا يتحقق من الوكيل ولا ملك له ويحنث
بشرائه وكيلا في قوله إن اشتريت عبدا فامرأتي طالق، فصار مقصوده مطلق الشراء فيحنث على
أي وجه كان مجتمعا أو متفرقا وفي قوله إن ملكت عبدا مقصوده في العرف الاستغناء بملك العبد
وذا إنما يكون بصفة الاجتماع. حكي أن أبا بكر الإسكاف كان من كبار أئمة بلخ كان يقول
لخادمه وقت درس هذه المسألة هل ملكت مئتي درهم؟ فكان يقول لا ثم يقول: هل اشتريت بمثتي
درهم؟ يقول نعم. فيوضح على أصحابه العرف وإذا نوى من الشراء الملك أو من الملك الشراء
يصدق فيهما ديانة وكان الخادم يقال له إسحاق ولهذا تسمى هذه المسألة بالإسحاقية قيد به لأن
في الصورة الأولى لا يصدق قضاء لكونه متهما بالتخفيف عليه، وفي الصورة الثانية يصدق قضاء
وديانة؛ لأن في هذه الإرادة تشديدا عليه حيث يعتق عبده، والمراد بالديانة: أنه إذا استفتى فقيها
يجيبه على ما نوى، ولكن القاضي لا يلتفت إلى نيته إذا كان فيما نوى تخفيف عليه هذا إذا لم
يشر إلى عبد بعينه، ولو أشار إليه يحنث كقوله إن اشتريت هذا العبد ونوى به الملك أو إن ملكت
هذا العبد ونوى به الشراء فاشترى نصفه ثم باعه ثم اشترى النصف الآخر يعتق النصف الباقي في
الفصلين، لأن الاجتماع صفة مرغوبة فيعتبر في غير المعين ولا يعتبر في المعين، لأن الصفة في
الحاضر لغو، كمن حلف لا يدخل هذه الدار لا يعتبر فيها صفة العمران وتعتبر في غير المعينة. ابن
ملك ومعه حاشية الرهاوي ص٤٠٣ - ٤٠٥ وانظر أصول السرخسي ١٨١/١، ١٨٢، وفتح
الغفار ١٤٤/١، ١٤٥، ١٤٦.
- ٢٠٤ -
والثاني اتصال السبب بالمسبب كاتصال زوال ملك المتعة بزوال ملك الرقبة فيصح
استعارة السبب للحكم دون عكسه.
القاضي، وإذا ادعى التخفيف فقد ادعى حقا لنفسه فكان منهما.
قوله: (اتصال السبب)، أي السبب(١) المحض وهو ما يكون مفضيا إلى الحكم في الجملة
بدون أن يكون موضوعا له مثل البيع فإنه يفضي إلى ثبوت ملك المتعة إذا صارت الجواري
خالية عما يمنع الاستمتاع بهن وإن لم يكن موضوعا له.
قوله: ( كاتصال زوال ملك المتعة بزوال ملك الرقبة)؛ لأن زوال ملك الرقبة مفضٍ إلى
زوال ملك المتعة فكان سببا له فجاز استعارة ألفاظ العتق للطلاق(٢).
قوله: (دون عكسه)، أي لا يجوز استعارة المسبب للسبب لأن الاتصال بينهما إنما يكون
بالنظر إلى الحكم لكونه مفتقرا إلى السبب، فأما بالنظر إلى السبب فلا، لاستغنائه عن الحكم،
كعطف الجملة الناقصة على الكاملة فإن يوجب الاتصال بينهما وذلك لافتقار الناقصة، وإلا
فالكاملة مستغنية عنها، فلا يجوز استعارة الطلاق للعتق لعدم المجوز وهو الاتصال، وهذا لأن
ملك الرقبة مستغن عن ملك المتعة لوجوده بلا ملك المتعة فكان ملك المتعة في حق ملك الرقبة
بمنزلة العدم، فجواز استعارة الطلاق للعتق يؤدي إلى استعارة المعدوم للموجود وقال
الشافعي: يجوز استعارة الطلاق للعتق، إذ كل واحد منهما إسقاط مبني على السراية
واللزوم. قلنا: ما تقع به الاستعارة من المعنى لابد وأن يكون وصفا خاصا، إذ الاستعارة بكل
(١) المراد بالسبب: ما لا يكون علة أضيف إليها الحكم، وفي الاصطلاح ما يكون طريقا إلى الحكم ولا
يضاف إليه وجوب ولا وجود، ولا تعقل فيه معاني العلل، لكن يتخلل بينه وبين الحكم علة يضاف
إليها. نور الأنوار ٢٥٣/١. وانظر حاشية ابن الحلبي بهامش شرح ابن ملك ص ٤٠٦.
(٢) فإذا قال لأمته أنت حرة يزول به ملك الرقبة وبواسطة زواله يزول به ملك المتعة تبعا ولا يحل
الاستمتاع إلا بالنكاح فكان قوله أنت حرة سببا لزوال ملك المتعة لكونه مفضيا لا علة، لتخلل
الواسطة وهي زوال ملك الرقبة، وإذا ثبت الاتصال بين المعنيين جازت استعارة لفظ أحدهما للآخر
بالشرط الآتي فلا حاجة إلى ما في بعض الشروح من تقدير مضاف في كلام المصنف تقديره
بألفاظ زوال ملك الرقبة فيصح استعارة السبب للحكم فيقع الطلاق بلفظ العتق إطلاقا لاسم
السبب وهو العتق على المسبب وهو زوال الملك وهو العتق على المسبب وهو زوال ملك المتعة
بشرط النية؛ لأن المحل غير متعين للمجاز، بل هو محلُ لحقيقة الوصف بالحرية. فتح الغفار ١/
١٤٥، وانظر شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي وعزمي زاده ص ٤٠٦، ٤٠٧.
- ٢٠٥ -
:
وإذا كانت الحقيقة متعذرة أو مهجورة صير إلى المجاز بالإجماع كما إذا حلف لا
يأكل من هذه النخلة أو لا يضع قدمه في دار فلان والمهجور شرعا كالمهجور عادة حتى
ينصرف التوكيل بالخصومة إلى الجواب مطلقا وإذا حلف لا يكلم هذا الصبي ...
٢٨/ب
وصف/ يصير الموجودات متناسبة في الأحكام، ولا مشابهة بينهما من هذا الوجه، فإن
الطلاق رفع القيد ومحله النكاح، وهو قيد لا أثر له في سلب المالكية والإعتاق وإثبات القوة
الشرعية ومحله الرق، وهو يسقط سلطان المالكية وليس بين رفع القيد ليعمل القوة الشرعية
القائمة عملها وبين إثباتها بعد العدم مشابهة (١).
قوله: (وإذا كانت الحقيقة متعذرة أو مهجورة)(٢)، المتعذرة ما لا يتوصل إليه بالمشقة
كأكل النخلة، والمهجور ما يتيسر الوصول إليه لكن الناس هجروه كوضع القدم وفي كلا
الفصلين يصار إلى المجاز لزوال مزاحمة الحقيقة(٣).
قوله: (حتى ينصرف التوكيل بالخصومة إلى الجواب مطلقا) إذ الخصومة عبارة عن المنازعة
وهي حرام بقوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ﴾(٤) وكانت الخصومة مهجورة شرعا والمهجور
(١) كقوله - تعالى - إخباراً: ﴿إِنّ أَرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي عنبا استعير المسبب وهو الخمر للسبب
وهو العنب، لاختصاص الخمر بالعنب، هذا ما ذكره الشراح، لكن الشيح الرهاوى رده في حاشية
على ابن ملك فقال:هذه الآية عند أهل البيان من قبيل المجاز المرسل لا الاستعارة قال بعض شراح
الأصول: لا نسلم الاستعارة في الآية بل، المراد فيها الحقيقة؛ لأن أهل اللغة قالوا: الخمر بلغة أهل
عمان اسم للعنب وحكى الأصمعي عن المعتمر بن سليمان أنه قال: لقيت أعرابيا معه عنب فقلت
له ما معك قال: خمر قال ابن عرفة قوله ﴿إِنَّ أَرَئِنِّ أَعْصِرُ خمًا﴾ أي استخرجه خمرا فعلى
هذا تكون استعارة السبب للمسبب؛ لأن العصر سبب لاستخراج الماء الذي يكون خمرا، وحينئذ
لا تكون الآية من قبيل اختصاص المسبب بالسبب قيل ومن أمثلته قوله - تعالى -: ﴿وَيُنَزِّكُ لَكُمْ
مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقًا﴾ أي مطرا؛ إذ هو سبب للرزق وقولهم أمطرت السماء نباتا أي مطراً؛ إذ هو
سبب للنبات. شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص ٤٠٨، ٤٠٩ وانظر نور الأنوار ١/
٢٥٦،٢٥٥ وفتح الغفار ١٤٦/١، ١٤٧.
(٢) بعد ما فرغ المصنف من بيان علاقات المجاز شرع يبين في أي موضع تترك الحقيقة وفي أي موضع
يترك المجاز.
(٣) وقيل المتعذر ما لا يتعلق به حكم وإن تحقق والمهجور قد يثبت به الحكم إذا كان فردا من أفراد
المجاز كذا في الكشف. حاشية عزمي زاده بهامش شرح ابن ملك ص٤١٠.
(٤) من الآية ٤٦ من سورة الأنفال.
- ٢٠٦ -
لم يتقید بزمان صباه.
شرعا كالمهجور عادة؛ لأن العقل والدين يمنعان عن ارتكاب ما هو محظور ومهجور شرعا
فيصار إلى مجازه وهو الجواب المطلق، إذ الخصومة جزء الجواب، وذكر الجزء وإرادة الكل
جائز شرعا كذا ذكره الشيخ - رحمه الله - ثم مطلق الجواب قد يكون بنعم وقد يكون بلا(١).
قوله: (لم يتقيد بزمان صباه)، معناه ينصرف إلى الذات لأن الصبا لا يصلح داعيا إلى
اليمين شرعا، إذ هجران الصبي حرام لقوله { 39: ((من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا
فليس منا))(٢) علق الوعيد بترك الترحم وفي ترك التكلم ترك الترحم فيصير إلى المجاز وهو
الذات؛ لأنه جزء المذكور، وذكر الكل/ وإرادة الجزء شائع في الكلام فإن قيل: يشكل بما إذا
حلف لا يكلم صبيا حيث يتقيد بزمان صباه قلنا: إن صفة الصبا صارت مقصودة ثمة كما
في الحلف على الزنا أو شرب الخمر أنه يتقيد به، وهذا لأن اليمن متى عقدت على الذات
الموصوف بصفة هي مهجورة، وفي الكلام ما يكون أقوى من الصفة في التعريف وله مجاز
صالح يصار إليه، وإن لم يكن كذلك يعمل بالحقيقة ثم في قوله لا يكلم هذا الصبي، وجدت
الإشارة وهي أقوى من الصفة في التعريف؛ لأنها بمنزلة وضع اليد على المعرف وللكلام مجاز
٢٣/ز
(١) إذا وكل رجلا بالخصومة مطلقا فأقر على موكله في القياس لا يجوز إقراره وهو قول أبي يوسف
الأول وزفر والشافعي، لأنه وكله بالخصومة وهي المنازعة والمشاجرة، والإقرار مسالمة وموافقة، فكان
ضد ما أمر به والتوكيل بالشيء لا يتضمن ضده. وفي الاستحسان يجوز إقراره وهو قول علمائنا
الثلاثة رحمهم الله، لأنا تركنا هذه الحقيقة وجعلنا كلامه توكيلا بالجواب مجازا، إطلاقا لاسم
السبب على المسبب، لأن الخصومة سبب الجواب، أو إطلاقا لاسم الجزء على الكل، لأن الإنكار
الذي ينشأ منه الخصومة بعض الجواب فيدخل في عمومه الإنكار والإقرار كشف الأسرار للبخاري
٠٨٨/٢
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عمر بلفظ: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق
كبيرنا)) وقال صحيح على شرط مسلم المستدرك ١٣١/١، والترمذي عن انس بلفظ ((جاء شيخ
يريد النبي ◌َ ◌ّ فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي و﴿ل: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر
كبيرنا)) وقال غريب سنن الترمذي ٣٢١/٤، وأخرجه الترمذي أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول
الله ◌َ ◌ّ: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر)) وقال حسن
غريب الترمذي ٣٢٢/٤، وأحمد في مسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ١٨٥/٢،
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: ((ليس منا من لم يرحم
صغيرنا ويوقر كبيرنا)) الأدب المفرد ص ١٣٠، وانظر نصب الراية ٢٦/٤.
- ٢٠٧ -
وإذا كانت الحقيقة مستعملة والمجاز متعارفاً فهي أولى عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا
لهما.
صالح وهو الذات فصرنا إليه كأنه قال لا أكلم هذا الذات، وفي لا يكلم صبيا لم يوجد
معرف آخر غير صفة الصبا فاعتبرناها وقيدنا اليمين بها، والفقه فيه أن المعرف بالإشارة دخل
الذات بيقين المعرف للمحلوف عليه وهو الصبا فلا يمكن إلغاؤه؛ لأنه حينئذ يبطل بيمينه
نظيره الحلف على الدار المعرف والمنكر، وإنما يتقيد اليمين بالوصف إذا صلح داعيا إلى اليمين
كالحلف على الرطب يتقيد بالرطوبة وأما إذا لم يصلح كما إذا حلف لا يكلم صاحب هذا
الطيلسان(١) لا يتقيد بالصفة، والصبا يصلح داعيا إلى اليمين؛ لأن الصبي لسفاهته وقلة أدبه
يهجر عادة.
قوله: (وإن كانت مستعملة)، أي غير مهجورة لا شرعا ولا عادة ولكن قل استعماله
بالنسبة إلى المجاز والمجاز متعارفا بأن كثر استعماله فيما بين الناس، فالحقيقة أولى عند أبي
حنيفة رُه؛ لأن الأولوية للحقيقة(٢) باعتبار الأصالة وللمجاز باعتبار غلبة الاستعمال فمتى
تعارض ضربا ترجيح، كان رعاية/ الحقيقة أولى لأن الأصل وإن قل يستتبع الفرع وإن جل
وهما اعتبر العرف كما إذا حلف لا يأكل رأسا يتصرف إلى ما هو المتعارف، وهو رأس الغنم
والبقر والغنم خاصة، وانحصار الرأس عليهما ليس بحقيقة، ولكن العرف قضى(٣) بصرف
الكلام إليه (٤).
١/٢٣
(١) الطيلسان: ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف، أو يحيط بالبدن، خال من التفصيل والخياطة،
أو هو ما يعرف في العامية المصرية بالشال. والجمع طيالس وطيالسه. المعجم الوجيز باب الطاء مادة
طلس. ص ٣٩٣.
(٢) اعلم أن الحقيقة إذا كانت غير مستعملة فالمجاز أولى بالاتفاق، وإذا كانت مستعملة والمجاز غير
مستعمل أو كانا في الاستعمال سواء، أو يكون الحقيقة أكثر استعمالا فالعبرة للحقيقة بالاتفاق
أيضا، وإن كان المجاز أغلب استعمالا منها وهي مسألة الكتاب فعند أبي حنيفة رحمه الله العبرة
للحقيقة وعندهما العبرة للمجاز؛ لأن المرجوح في مقابلة الراجح ساقط كالمجهور في مقابلة
المستعمل فيترك به بالضرورة، قلنا غلبة استعمال المجاز لا يجعل الحقيقة مرجوحة؛ لأن العلة لا
تترجح بالزيادة من جنسها، فيكون الاستعمال في حد التعارض. حاشية الرهاوي ص٤١٣.
(٣) في (ب) خصه.
(٤) وعلى هذين الأصليين اختلف أبو حنيفة رحمه الله وصاحباه في قوله - تعالى -: ﴿فَاقْرَهُوأَ مَا تَّنَسَّرَ
- ٢٠٨ -
كما إذا حلف لا يأكل من هذه الحنطة أو لا يشرب من الفرات.
وهذا بناء على أن الخلفية في التكلم عنده وعندهما في الحكم ويظهر الخلاف في
قوله: (كما إذا حلف لا يأكل من هذه الحنطة أو لا يشرب من الفرات) أنه يقع على عين
الحنطة دون ما يتخذ منها وعلى الكرع عند أبي حنيفة وعندهما يقع على مضمونهما، وعلى
شرب ماء يجاور الفرات وهذا لأن الحقيقة أن يأكل/ الحنطة قضما ويشرب الماء كرعا(١)
وهذه الحقيقة مستعملة؛ لأنها تغلى وتقلى وتؤكل في بعض الأوقات وروي أن النبي ◌ُ ◌ّ: قال
((هل عندكم من ماء في شن وإلا كرعنا))(٢) والمجاز ما قالاه، وهو متعارف فحنثناه بأكل
الحنطة والخبز وشرب الماء كرعا واغترافا.
٢٩/ب
قوله: (وهذا بناء على أن الخلفية في التكلم عنده وعندهما في الحكم)، اعلم أنا احتجنا هنا
إلى بيان ثلاث مقدمات ليسهل إلينا بعد معرفتها، وهي معرفة نفس الخلافة وكيفيتها
مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ فإن له حقيقة مستعملة وهو ما يطلق عليه اسم القراءة، ومجازا متعارفا وهو ما يسمى
قراءة عرفا، فجوز أبو حنيفة القراءة في الصلاة بآية قصيرة، وجوزاها بآية طويلة. شرح ابن ملك ص
٤١٤، ٤١٥. وانظر كشف الأسرار للبخاري ٩٤/٢.
(١) الكرع هو أن يتناول الماء بفيه من موضعه يقال: كرع في الماء إذا أدخل فيه أكارعه بالخوض فيه
ليشرب، وأصل ذلك في الدابة لا يكاد تشرب إلا بإدخال أكارعها في الماء ثم قيل للإنسان كرع
في الماء إذا شرب الماء بفيه خاض أو لم يخض، والفرات كغراب الماء العذب جدا، أو نهر بالكوفة
وهو المراد ههنا. حاشيتا الرهاوي وعزمي زاده ص ٤١٤، ٤١٥، وانظر كشف الأسرار للبخاري
٩٥/٢.
(٢) الحديث أخرجه البخاري عن جابر كتاب الأشربة باب شرب اللبن بالماء، ولفظه عن جابر - رضي
الله تعالى عنهما- أن النبي ﴿ دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له فسلم النبي ◌َ﴾ّ
وصاحبه فرد الرجل فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي وهي ساعة حارة وهو يحول في حائط له
يعنى الماء فقال النبي ◌ُ ◌ّ: إن كان عندك ماء بات في شنة وإلا كرعنا والرجل يحول الماء في حائط
فقال الرجل: يا رسول الله: عندي ماء بات في شنة فانطلق إلى العريش فسكب في قدح ماء ثم
حلب عليه من داجن له فشرب النبي {38 ثم أعاد فشرب الرجل الذي جاء معه. صحيح البخاري
٢١٣١/٥، وابن حبان عن جابر ١٣٤/١٢، والدارمي عن جابر بلفظ ((أتى النبيصلُ﴿وّ رجلا من
الأنصار يعوده وجدول يجري فقال: إن كان عندكم ماء بات في الشن وإلا كرعنا)) سنن الدارمي
١٦١/٢، وأبو داود عن جابر ٣٣٧/٣، وابن ماجة عن جابر ١١٣٥/٢، وأحمد عن جابر ٣/
٣٢٨، والشنان: الأسقية الخلقة، وأحدها شن وشنة وهي اشد تبريدا للماء من الجدد، ومنه حديث
((فقام إلى شنٍ معلقة)) أي قربة. النهاية في غريب الأثر ٥٠٦/٢.
- ٢٠٩ -
وشرطيتها أما نفس الخلافة فهو أن المجاز خلف عن الحقيقة وذلك بالإجماع وأما كيفيتها فهي
أن المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم عند أبي حنيفة رضي؛ أي التكلم بلفظ المجاز خلف عن
التكلم بلفظ الحقيقة لإثبات الحكم بيانه: أن التكلم باللفظ إذا أريد به موضوعه الأصلي
أصل، والتكلم به إذا أريد به غير الموضوع خلف فيكون هذا اللفظ أصلا باعتبار خلفا باعتبار؛
إذ هو الحقيقة والمجاز بعينه لكن بالإضافة إلى محلين في زمانين وذلك لأن الحقيقة والمجاز
وصفا اللفظ بلا خلاف فكان اعتبار الخلفية والأصالة في اللفظ أولى، على أن المعاني لا يمكن
اتصافها بهما لكونها غير قابلة للنقل من محل إلى محل، وعندهما المجاز خلف عن الحقيقة
في حق الحكم؛ أي الحكم الثابت لمجاز هذا اللفظ خلف عن الحكم الثابت بحقيقةٍ وذلك بأن
يتعذر حكم الحقيقة بعارض فيصار إلى المجاز لإثبات حكم الحقيقة؛ لأن المقصود هو الحكم
فجعله خلفا فيما هو المقصود أولى. وأما شرطها فهو أن ما صار المجاز خلفا عنه لابد وان
يكون متصور الوجود حتى يصح المجاز وهذا أيضا بالإجماع لكن لما صار المجاز خلفا عن
الحقيقة من حيث التكلم عنده يشترط صحتها في حق التكلم حتى يصير المجاز مجازا عنه
وعندهما لما صار خلفا من حيث الحكم يشترط توهم حكم الحقيقة حتى يصير المجاز مجازا
عن الحقيقة في الحكم ويظهر هذا فيما إذا قال لعبده وهو أكبر سنا منه هذا ابني، أنه يعتق عند
أبي حنيفة؛ لأن الخلفية في حكم التكلم، فيشترط صحته لغة بأن يكون مبتدأ وخبراً مثلا،
وقد وجد (١) غير أنه امتنع موجبه الأصلي وهو البنوة فجعل مجازا عن الحرية فصار قوله هذا
(١) قال ملاجيون: وليس معنى كونه صحيحا استقامة العربية فقط كما ظنه علماؤنا؛ لأن أبا حنيفة
قال في قول الرجل لعبده: أعتقك قبل أن تخلق أو اخلق، أنه كلام باطل لا يصح تكلمه، مع أنه
بحسب العربية صحيح أيضا، بل معناه أن يكون صحيحا بعبارته، وتستقيم الترجمة المفهومة منه
لغة أيضا ولم يمتنع عقلا، فقوله أعتقتك قبل أن تخلق أو أخلق ليس كذلك، بخلاف قوله هذا
ابني؛ لأنه صحيح مع ترجمته، وإنما الاستحالة جاءت من أجل أن المشار إليه أكبر من القائل، ولهذا
لو قال: العبد الأكبر مني ابني، لغا هذا الكلام فإذا كان قوله هذا ابني صحيحا من حيث العربية
والترجمة، وكان المعنى الحقيقي محالا بالنظر إلى الخارج صير إلى المجاز لئلا يلغو الكلام، وهو
العتق من حين ملكه؛ لأن الابن يكون حرا على الأب دائما وعندهما لما كانت الخلفية في الحكم
وكان إمكان المعنى الحقيقي شرطا لصحة المجاز، لغا هذا الكلام لأن البنوة من الأصغر سنا لا يمكن
حتى يحمل على المجاز الذي هو العتق. نور الأنوار ٢٦٣/١، ٢٦٤.
- ٢١٠ -
قوله لعبده وهو أكبر سناً منه هذا ابني وقد تتعذر الحقيقة والمجاز معا إذا كان الحكم ممتنعا
كما في قوله لامرأته هذه بنتي وهي معروفة النسب وتولد لمثله أو أكبر سنا منه حتى لا تقع
الحرمة بذلك أبدا.
ابني مجازا عن لازم قوله هذا ابني من غير نظير إلى أنه صالح لحكمه الأصلي أم لا؟ لأن المجاز
وهو قوله هذا ابني لإثبات العتق خلف عن قوله هذا ابني لم ينعقد لما وضع له وهو إثبات البنوة
وهو الحكم الأصلي فصار لغوا لما ذكرنا أن الأصل عندهما هو حكم هذا التكلم، وهو
مستحيل فلم ينعقد هذا اللفظ مجازا لإثبات حكم الحكم، وإذا عرفت هذه المقدمات فالبناء
ظاهر، وذلك لأنه لما كانت الخلفية في التكلم عنده، فاللفظ إذا كانت له حقيقة مستعملة،
ومجاز متعارف، كما إذا حلف لا يأكل من هذه الحنطة ولا يشرب من الفرات، كانت
الحقيقة المستعملة أولى لكونها أصلا وعندهما لما كانت الخلفية بين الحكمين وفيما يرجع إلى
الحكم، لا رجحان للحقيقة على المجاز بل المجاز راجح لاشتماله على حكم الحقيقة أو للعرف
كان المجاز أولى.
قوله: (إذا كان الحكم ممتعا)، يعنى إذا امتنع إثبات حكم الحقيقة مجازا بعدما تعذر العمل
بالحقيقة، وذلك لأن المقصود من الكلام إما بمعناه أو الحكم الذي تعلق معناه فبطل إذا
استحال كل واحد منهما (١) حتى لا يقع الحرمة بذلك أبداً وفيه خلاف الشافعي أما باعتبار
الحقيقة فظاهر؛ لأن اشتهار ثبوت النسب من غيره يمنع ثبوته منه بطريق الحقيقة، وأما / باعتبار
المجاز فلأن حكم الحقيقة انتفاء المحلية والحرمة المؤبدة فيكون منافيا وجود النكاح، فلو استعير
اللفظ لتغير حكم الحقيقة؛ لأن الحرمة / الثابتة بتفريق الزوج يعتمد وجود صحة النكاح، وأثر
الاستعارة في تغيير اللفظ دون الحكم فامتنعت إذا أفضت إليه.
٢٤/ز
٣٠/ب
(١) في (١) و(ب) قوله حتى.
- ٢١١ -
القرائن الصارفة للحقيقة إلى المجاز(١)
والحقيقة تترك بدلالة العادة كالنذر بالصلاة والحج وبدلالة اللفظ نفسه، كما إذا
حلف لا يأكل لحما، وقوله: كل مملوك لي حر، لا يتناول المكاتب، وعكسه الحلف بأكل
قوله: (والحقيقة يترك: بدلالة العادة)(٢)؛ لأن الكلام موضوع لاستعمال الناس وحاجتهم
فيصير المجاز باستعمالهم كالحقيقة مثل النذر بالصلاة والحج، فالصلاة في اللغة الدعاء ثم
صارت مجازا عن عبادة معلومة لما أنها شرعت للذكر والحج هو القصد وصار اسما للعبادة
المعلومة مجازا لما فيها/ من قوة العزيمة والقصد لقطع المسافة(٣).
٢٤/أ
قوله: (وبدلالة اللفظ في نفسه) بيانه: أن اللفظ الموضوع لمسمى إذا كان مبنيا عن كمال
صفة في مسماه لغة، وفى بعض أفراد ذلك المسمى نوع قصور لم يتناول اللفظ ذلك القاصر
عند الإطلاق كاللحم لا يتناول السمك؛ لأن اللحم ينبئ عن الشدة، يقال: التحم الحرب أي
اشتد، واشتداده بالدم یکون فیما لا دم له قاصر من وجه، فكان الاسم كاملا والمسمى قاصرا
ولو كان على العكس بأن كان اللفظ مبنيا عن القصور في مسماه لغة، وفى بعض ذلك
المسمى نوع كمال وجهة أصالة فاللفظ عند الإطلاق لا يتناول ذلك الكامل، كما إذا حلف
(١) العنوان من الباحث.
(٢) لما فرغ من بيان الحقيقة والمجاز شرع فيما يترك به الحقيقة وذلك خمسة بالاستقراء وهذا عند أبي
حنيفة - رحمه الله - وأما عندها فيترك أيضا بمعارضته المجاز المتعارف. حاشية عزمي زاده ص ٤٢٣.
والعادة عبارة عن ما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة عند الطبائع السليمة وهي: عرفية
وشرعية، أما العرفية سواء كانت عامة أو خاصة فهي أن يصير اللفظ مستعملا عند الجمهور في
معنى بحيث لا يتبادر إلى أذهانهم عند سماع غير ذلك المعنى ولا يستعملونه إلا فيه، لشهرته
عندهم وكثرة استعماله فيه بحيث إن الحقيقة قد صارت مهجورة به فيما بينهم، وأما الشرعية فهي
أن يصير اللفظ مستعملا في معنى لا يستعمل إلا فيه بحيث تصير الحقيقة اللغوية مهجورة. حاشية
الرهاوي ص ٤٢٣.
(٣) الصلاة في اللغة الدعاء كما في قوله - تعالى -: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾، وقوله الَّيْلّ:
((وإذا كان صائما فليصل))، أي ليدع فإن قال أحد لله على أن أصلى تجب عليه الصلاة لا الدعاء
وكذا الحج فلو قال: لله عليَّ أن أحج تجب عليه العبادة المعهودة. نور الأنوار ٢٦٧/١، ٢٦٨، وفي
المغرب الصلاة فعالة من صلى كالزكاة من زكى واشتقاقه من الصلا وهو العظم الذي عليه الإتيان؛
لأن المصلى يحرك صلويه في الركوع والسجود، وقيل: الثاني من خيل السباق المصلى؛ لأن رأسه
يلي صلوى السابق، وسمي الدعاء صلاة لأنه منهما. المغرب مادة صلو ص ٢٧١.
- ٢١٢ -
الفاكهة وبدلالة سياق النظم، كقوله: طلق امرأتي إن كنت رجلا، وبدلالة المعنى يرجع
إلى المتكلم كما في يمين الفور،
لا يأكل فاكهة، [لا يحنث] (١) بأكل الرمان والرطب والعنب عند أبي حنيفة؛ لأنها يصلح
للغداء أو الدواء كما يصلح للتفكه، والفاكهة اسم للتابع، فيكون الاسم قاصرا والمسمى
كاملا وإذا ترك عموم اللفظ صار مخصوصا، وللمخصوص شبه بالمجاز(٢).
قوله: (إن كنت رجلا) أنه لم يكن توكيلًا وكذلك إذا قال اصنع في مالي ما شئت إن
كنت رجلا لم يكن توكيلًا، ولو قال لغيره: لي عليك ألف درهم فقال الآخر: لك عليّ ألف
درهم ما أبعدك لم يكن إقرارا، وصار الكلام للتوبيخ بدلالة سياق النظم (٣).
قوله: (كما في يمين الفور) كامرأة قامت لتخرج فقال لها زوجها: إن خرجت فأنت طالق
أنه يقع على الفور حتى لو خرجت بعد ذلك اليوم لا تطلق (٤).
(١) في (1) و(ب) أنه لا يحنث.
(٢) قال الإمام مالك - رحمه الله -: إنه لا يحنث بأكل السمك وتمسك بقوله - تعالى -: ﴿لِتَأْكُلُواْ
مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، ونحن نقول: لا يحنث به لأجل مأخذ اللفظ ولأن بائعه لا يسمى في العرف
بائع اللحم، ولفظ مملوك في قوله كل مملوك لي حر لا يتناول المكاتب؛ لأنه ما كان مملوكا كاملا
من جميع الوجوه يدا ورقبة، فيتناول المدبر وأم الولد ولا يتناول المكاتب، لأنه مملوكُ رقبةٌ حر يدا
فكان ناقصا في معنى المملوكية. وعكس ما ذكر من المسألتين: من حلف لا يأكل الفاكهة فأكل
الرمان والرطب والعنب لا يحنث عند أبي حنيفة؛ لأن في هذه الثلاثة كمالا في معنى التفكه؛ لأن
الفاكهة اسم لما يتنعم ويتلذذ زيادة على ما يقع به قوام البدن فيكون الفاكهة اسما لما هو تابع،
وهذه الثلاثة يحصل بها قوام البدن، فيكون فيها وصف زائد ولا يدخل في الفاكهة وعندهما
يحنث وهو قول الشافعي، لأن الفاكهة اسم لما يؤكل على سبيل التنعم، وهذه الأشياء أكمل ما
يكون في ذلك فينصرف الاسم إليها إذ المطلق ينصرف إلى الكمال. نور الأنوار ٢٦٨/١، وشرح
ابن ملك مع حاشية الرهاوي ص ٤٢٦. وانظر بدائع الصنائع ٦١،٦٠/٣، والعناية شرح الهداية
١٢٩،١٢٨/٥، ومواهب الجليل ٢٩٦/٣ ط دار الفكر.
(٣) هذا الكلام في النوع الثالث وهو دلالة سياق النظم أي سوق الكلام يعني بترك الحقيقة بقرينة
لفظية التحقت به سابقة أو متأخرة، إلا أن السياق بالياء المنقوطة بثنتين من تحت أكثر استعمالا في
المتأخرة شرح ابن ملك ص ٤٢٧ والمثال الذي ذكره المؤلف هنا ذكره البزدوي بنصه، فانظره
بهامش كشف الأسرار ١٠٢/٢.
(٤) يمين الفور: هو الأصل مصدر فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة ثم سميت به الحالة التي لا
ريث فيها ولا لبث فقيل جاء فلان من فوره أي من ساعته كذا في المغرب شبهت هذه اليمين به لما
- ٢١٣ -
وبدلالة في محل الكلام كقوله الكلية: ((إنما الأعمال بالنيات))، وقوله التَّقالا: ((رفع عن
أمتي الخطأ والنسيان)).
قوله: (- عليه الصلاة والسلام -: ((الأعمال بالنيات))(١)؛ لأن المحل لا يحتمله من قبل أن
العمل يوجد حقيقة بدون النية، وحقيقة الكلام يقتضي أن لا يوجد بدونها؛ لما أن الباء
للإلصاق، وكذلك عين الخطأ(٢) غير مرفوع حقيقة فصار ذكر العمل والخطأ مجازا عن
موجبه وموجبه نوعان: أحدهما الثواب على العمل الذي هو عبادة، والإثم بالعمل الذي هو
محرم والثاني الجواز والفساد وهما مختلفان، فالأول يتعلق بالأركان والشرائط والثاني ينبني
على صحة العزيمة فصار الاسم بعد صيرورته مجازا مشتركا فسقط العمل به حتى يقوم
الدليل على أحد الوجهين فيصير مؤولا(٣).
فيها من سرعة البر حيث يتحقق بمجرد اجتناب الأمر المخصوص الذي تقيدت به ونظيره قوله: والله
لا أتغدى. جوابا لمن دعاه إلى الغداء وهو بفتح الغين طعام يؤكل في الغداة والتغدى عبارة عن أكل
مترادف يقصد به الشبع ولهذا لا يحنث في يمينه لا يتغدى حتى يأكل أكثر من نصف شبعة، فإن
حقيقة قوله لا أتغدى العموم، إلا أنها تركت بدلالة حال المتكلم لأنه أخرج لكلام مخرج جواب
الداعي فإنه دعاه إلى الغداء الذي بين يديه فيتقيد به. وقد اختص أبو حنيفة - رحمه الله - باستنباط
هذا النوع من اليمين ولم يسبق به وكانوا يقولون قبل ذلك اليمين مؤبدة كقوله لا أفعل كذا،
ومؤقتة كقوله لا أفعل اليوم كذا فزاد أبو حنيفة - رحمه الله - قسما آخر وهو ما يكون مؤبدا لفظا
ومؤقتا معنى وأخذه من حديث جابر - رحمه الله - وابنه حيث دعيا إلى نصر على فحلفا أن لا
ينصراه ثم نصراه بعد ذلك ولم يحنث. شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي وعزمي زاده ص ٤٢٨.
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب كتاب بدء الوحي باب كيف كان
بدء الوحي إلى رسول الله﴿ صحيح البخاري٣/١ واللفظ في البخاري: ((إنما الأعمال بالنيات
وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته ما هاجر
إليه)). وأخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب كتاب الإمارة باب قوله إنما الأعمال بالنية بلفظ: ((إنما
الأعمال بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله
ورسوله ....... )) مسلم ١٥١٥/٣.
(٢) أي في قوله {َله: ((تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). أخرجه الحاكم في
المستدرك عن ابن عباس وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، الحاكم في المستدرك ٢/
٢١٦، وابن ماجة عن أبي ذر الغفاري ٦٥٩/١، والدارقطني عن ابن عباس ١٧٠/٤.
(٣) انظر كشف الأسرار للنسفي ٢٧٤/١، ٢٧٥، وشرح ابن العيني ص ١٢٩، وكشف الأسرار
للبخاري ١٠٤/٢، ١٠٥.
- ٢١٤ -
والتحريم المضاف إلى الأعيان كالمحارم والخمر حقيقة عندنا خلافا للبعض.
فصل في حروف المعاني
ويتصل بما ذكرنا حروف المعاني،
قوله: (حقيقة عندنا) وقال البعض: إن ذلك مجاز؛ إذ التحريم من صفات الفعل؛ لأن
المحرمات مما يبتلى به العباد، والعباد إنما يبتلون بتحصيل الأفعال أو الانتهاء عنها لا بتحصيل
الأجسام؛ إذ ليس في وسعهم ذلك، وقلنا إن التحريم إذا أضيف إلى العين كان ذلك أمارة
لزومه وتحققه، وإذا كانت الحرمة لازمة، لا يكون مجازا، إذ الفارق بين الحقيقة والمجاز أن
تكون لازمه الحقيقة والمجاز لا(١).
قوله: (ومتصل بما ذكرنا) أي بالحقيقة والمجاز لأن الحروف تنقسم إلى حقيقة ومجاز(٢).
قوله: (حروف المعاني) أي الحروف التي لها معان، فإن من الحروف ما لا معنى له، وإنما
سميت حروف المعاني؛ لأنها يوصل معاني الأفعال إلى الأسماء، مثل قولك خرجت من
الكوفة إلى البصرة يفهم من هذا الكلام أن ابتداء الخروج من الكوفة وانتهاؤه إلى البصرة،
(١) قال النسفي في الكشف: اعلم أن بعض الناس ومنهم المعتزلة قالوا: التحريم المضاف إلى الأعيان
كقوله - تعالى -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ﴾، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾، وقوله التَّيَّ:
((حرمت الخمر لعينها))، مجاز بدلالة محل الكلام؛ إذ التحريم هو المنع، وبالتحريم يصير المكلف
ممنوعا عما في مقدوره والفعل مقدوره. فأما الأعيان فليست بمقدورة لنا إذا كانت معدومة فكيف
وهي موجودة، فدل أن المراد تحريم الفعل أي نكاح أمهاتكم وأكل الميتة وشرب الخمر. وقال
الكرخي بأنه مجمل لا يصح التعلق بظاهره لأنه لما ثبت أن المراد تحريم فعل من الأفعال المتعلقة
بتلك الأعيان، وذلك الفعل غير مذكور، وليس إضمار البعض أولى من البعض فإما أن يضمر الكل
وهو محال؛ لأن الإضمار بلا حاجة لا يصح، أو يتوقف في الكل وهو المطلوب ولنا أن التحريم إذا
أضيف إلى عين كان ذلك أمارة لزومه وتحققه فأنى يكون مجازا؟ إذ الفارق بين الحقيقة والمجاز أن
تكون الحقيقة لازمة فلا تنقى، والمجاز غير لازم وينفى. فلو جعلنا التحريم متعلقا بالفعل لم يكن
العين حراما. كشف الأسرار ٢٧٦/١، ٢٧٧.
(٢) فإن (في) إذا كانت بمعنى الظرفية تكون حقيقة، وإن كانت بمعنى(على) تكون مجازا، وعلى هذا
القياس، واحترز بها عن حروف المباني أعنى حروف الهجاء الموضوعة لغرض التركيب لا للمعنى،
وقد ذكر هذا البحث صاحب المنتخب الحسامى ونحوه في خاتمة الكتاب، وما فعله المصنف اتباعًا
للجمهور أولى، ولكن إطلاق الحروف على ما ذُكر ههنا تغليب؛ لأن كلمات الشرط والظرف
أسماء. نور الأنوار ٢٧٩/١.
- ٢١٥ -
فالواو لمطلق العطف من غير تعرض لمقارنة ولا ترتيب.
ولولا الحرفان لما فهم هذا، وإنما قدَّم حروف العطف لأنها أكثر وقوعًا (١).
قوله: (فالواو لمطلق العطف من غير تعرض لمقارنة(٢) ولا ترتيب) وهو قول أكثر أهل
اللغة(٣)، وقال بعض أصحاب الشافعي إنها توجب الترتيب (٤) حتى قالوا في قوله - تعالى -:
(١) انظر كشف الأسرار للنسفي ولاحظ عبارته ٢٧٩/١.
(٢) ومعية وهي الاجتماع في الزمان كما نقل عن مالك ونسبه بعض أصحابنا إلى أبي يوسف
ومحمد. شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص ٤٣٢.
(٣) قال النسفى: وبه قال سيبويه وجميع نحاة البصرة والكوفة، وقال الرهاوي في حاشيته: لنا ما نقله
أبو على الفارسي من إجماع أهل البلدين على أنها لمطلق الجمع، وكذا ذكره سيبويه في سبعة عشر
موضعا في كتابه وكفي بمثل هذا النقل حجة فى المباحث اللغوية فلا يلتفت معه إلى ما عداه من
الأدلة فإنها مزيفة لا يثبت بمثلها المطلوب. كشف الأسرار ٢٧٩/١، وحاشية الرهاوي ص
٤٣٢، ٤٣٣. وإليك كلام النحويين في دلالة الواو: اختلف العلماء في الواو العاطفة على ماذا تدل
ولهم في ذلك أقوال:
الأول: أنها تدل على مطلق الجمع من غير إشعار بخصوصية المعية أو الترتيب ومعنى ذلك أنها تدل
على التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي أسند إليهما. وهذا قول الجمهور من
أئمة العربية والأصول والفقه ونص عليه سيبويه في بضعة عشر موضعا من كتابه، ونقل أبو على
الفارسي اتفاق أئمة العربية عليه.
الثاني: أنها للترتيب مطلقًا وهو قول بعض الكوفيين منهم ثعلب وابن درستويه حكاه عنهم جماعة
من النحاة وعزاه جماعة إلى الإمام الشافعي - رحمه الله -، وذكر بعض الحنفية أنه نص عليه في
كتاب أحكام القرآن.
الثالث: أن الواو للجمع بقيد المعية، فإذا استعملت في غير ذلك يكون مجازًا، ويعزى هذا إلى
بعض الحنفية، وأنكره عنهم إمام الحرمين وغيره، وبعضهم ينسب هذا القول إلى محمد بن الحسن
وأبي يوسف، وهو أيضا مذهب أحمد وبعض المالكية.
الرابع: أن الواو للترتيب حيث يستحيل الجمع كقوله - تعالى -: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ وهو
مذهب الفراء. انظر الآراء وأدلتها في: الفصول المفيدة في الواو المزيدة للعلائي ص ٦٧ وما بعدها.
(٤) نَسَب هذا القول: أنها للترتيب إلى أصحاب الشافعي ابن السبكي في الإبهاج حكى ذلك عن إمام
الحرمين. الإبهاج ٣٨٣/١، وانظر البرهان ١٣٧/١ حيث قال: واشتهر من مذهب الشافعي .
رحمه الله - المصير إلى أنها للترتيب، وفي فواتح الرحموت واشتهر عن الشافعية ونسب الشافعي
لكن الإمام فخر الدين الرازي شديد النكير عليه. فواتح الرحموت ٢٢٩/١، وانظر التقرير
والتحبیر ٤٠/٢.
- ٢١٦ -
﴿فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾(١) يوجب الترتيب واحتجوا بأن النبي ◌َّ بدأ بالصفا في السعي
وقال: ابدءوا بما بدأ الله به(٢) يريد قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾(٣)،
وما وجب ترتيب السجود على الركوع إلا بقوله: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾(٤)، لكنا
نقول: هذا من باب اللسان وطريق معرفته التأمل في كلامهم ثم قولهم: جاء في زيد وعمرو
يفهم مجيئهما من غير مقارنة ولا ترتيب وكذا قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.
وقول الشاعر:
٣١/ب
عار عليك إذا فعلت عظيم(٥)
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
دليل على ما قلنا أي لا يجمع بينهما، ولأنهم استعملوها فيما لا ترتيب فيه كقولهم
اشترك زيد وعمرو في هذا العين، ولم يقل إحداهما مجاز وأما الترتيب في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ
(١) من الآية ٦ من سورة المائدة.
(٢) الحديث أخرجه مسلم كتاب الحجج باب في المتعة بالحج والعمرة عن جابر وهو حديث طويل،
وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والدارمي والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح والعمل على
هذا عند أهل العلم. انظر صحيح مسلم ٨٨٦/٢، وابن خزيمة ١٧٠/٤، وابن حبان ٢٥٠/٩،
والدارمي ٦٧/٢، والنسائي ٢٣٥/٥، والترمذي ٢١٦/٣، ونصب الراية ٥٤/٣.
(٣) من الآية ١٥٨ من سورة البقرة.
(٤) من الآية ٧٧ من سورة الحج وهي: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾.
(٥) هذا البيت نسبه أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني، وأبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال، وأبو
عبيد البكري في كتابه فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، وياقوت الحموي في معجم البلدان إلى
المتوكل الليثي وهو بيت من قصيدة مطلعها:
فببطن مكة عهدهن قديم
للغانيات بذي المجاز رسوم
بينما نسبه ابن منظوز في لسان العرب إلى كل من المتوكل الليثي وأبي الأسود الدؤلي بقوله: قال
المتوكل الليثي ويروى لأبي الأسود الدؤلي. ونسبه أبو الفتح الموصلي في المثل السائر إلى الأخطل
وكذا القلقشندي في صبح الأعشى، بينما نسبه الشاطبي في الموافقات إلى أبي الأسود الدؤلي من
قصيدة مطلعها:
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
ابدأ بنفسك فأنهها عن غيها
ونسبها الزمخشري في المستصفى في أمثال العرب إلى المتوكل الكناني، انظر الأغاني ١٨٨/١٢،
وجمهرة الأمثال ٣٨/٢، وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال ص ١٩٣، ومعجم البلدان ٥٥/٥،
ولسان العرب ٤٤٧/٧، والمثل السائر ٣٧١/٢، وصبح الأعشى ٣٤٠/٢، والموافقات ٢٥٧/٤،
- ٢١٧ -
وفي قوله لغير الموطوءة: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق، إنما تطلق واحدة
عند أبى حنيفة - رحمه الله -؛ لأن موجب هذا الكلام الافتراق فلا يتغير بالواو، وقالا:
موجبه الاجتماع فلا يتغير بالواو.
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾(١)، فبفعل النبي ◌َّ وترتيب السجود على الركوع في الصلاة لكون
الركوع وسيلة إلى السجود فاعتبر هذا في الصلاة مع الوضوء على أنه معارض بقوله - تعالى -:
﴿ وَأَسْجُدِى وَأَزْكَعِى﴾ (٢)(٣).
قوله: (وفى قوله لغير الموطوءة) (٤) ظن(٥) أصحابنا أن الواو للترتيب عنده وللمقارنة
عندها واستدلوا بهذه المسألة فقال: إنما يطلق(٦) واحدة عنده؛ لأنهم اختلفوا في ذكر
الطلقات متعاقبة على وجه يتصل الأول بالشرط ثم الثاني ثم الثالث فقال أبو حنيفة موجب
هذا الكلام، الافتراق؛ لأن الثاني اتصل بالشرط بواسطة، والثالث بواسطتين، والأول بلا
واسطة، فلا يتغير هذا الأصل بالواو؛ لأنه لا يتعرض للقران، وقالا موجبه الاجتماع لأن
الثاني / جملة ناقصة فشاركت الأولى فيما ليس فيها، وإذا كان / كذلك كان الخبر المذكور
في الجملة التامة كالمعاد في الناقصة، فيتعلق كل تطليقة بالدخول بلا واسطة وعند الدخول
ينزلن جملة كما لو أخر الشرط.
٢٥/ز
٢٥/أ
والمستقصى ٢٦. وقال الشيخ عبد السلام هارون وردت النسبة في كتاب سيبويه للأخطل
والمشهور أنه لأبى الأسود الدؤلي ملحقات ديوانه ص ١٣٠، ونسبه إلى غير ما ذكرنا. انظر
الكتاب لسيبويه ت عبد السلام هارون ٤١/٣، ٤٢.
(١) من الآية ١٥٨ من سورة البقرة.
(٢) من الآية ٤٣ من سورة آل عمران.
(٣) انظر أصول السرخسي ٢٠٠/١، ٢٠١، وكشف الأسرار للنسفي ٢٧٩/١-٢٨٢.
(٤) هذا جواب سؤال مقدر يرد علنا، وهو أنه إذا قال أحد لامرأته الغير الموطوءة: إن دخلت الدار
فأنت طالق وطالق وطالق، فعند أبي حنيفة - رحمه الله - تقع واحدة، وعندهما ثلاث، فعلم أن
الواو للترتيب عنده فيقع الأول منفردا، ولم يبق المحل الثاني والثالث، وللمقارنة عندهما فيقع الكل
دفعة واحدة ... نور الأنوار ٢٨٣/١.
(٥) في (1) و(ب) ظن بعض أصحابنا.
(٦) في (ب) تطلق بالمثناة الفوقية.
- ٢١٨ -
وإذا قال لغير الموطوءة: أنت طالق وطالق وطالق، إنما تبين بواحدة لأن الأولى وقع
قبل التكلم بالثاني فسقطت ولايته لفوات محل التصرف.
وإذا زوج أمتين من رجل بغير إذن مولاهما وبغير إذن الزوج، ثم قال المولى: هذه حرة
قوله: (وإذا قال لغير الموطوءة إلى آخره) يعني لا يقال إن الواو للترتيب استدلالا بهذه
المسألة، لأنا نقول: إن الأول وقع قبل التكلم بالثاني لما لم يكن الكلام نصا على المقارنة ولم
يتوقف على التكلم بالثاني فسقطت ولايته لفوات محل التصرف لا للخلل في العبارة (١).
قوله: (وإذا زوج أمتين إلى آخره) أي لا يدل هذا على أن الواو للترتيب، لأن عتق الأولى
يبطل محلية الوقف في حق الثانية لقوله وُ لّ: ((لا تنكح الأمة على الحرة))(٢) .....
(١) هذه المسألة أيضا توهم أن الواو للترتيب عند علمائنا وألا تقع الثلاث كما ذهب إليه الشافعي في
القديم ومالك، واحمد، والليث، وربيعة، وابن أبي ليلي؛ لأن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ
الجمع فأزال الوهم بقوله لأن الأول وقع قبل التكلم يعنى الأول من هذا الكلام وهو أنت طالق كلام
تام صدر من أهله مضاف إلى محله فلا يتوقف على آخره لعدم اتصاله بما يوجب توقفه فينزل به
الطلاق في المحل القابل قبل التلفظ بما بعده ويرتفع المحلية لعدم العدة فلا يلحقها شيء بعد بخلاف ما
لو قال لها أنت طالق ثلاثا؛ لأن الكل كلام واحد، وبخلاف ما لو ألحق بآخر كلامه شرطا لتوقف أوله
إذ ذاك على آخره غير أن أبا يوسف ومحمدا: قد اختلفا في وقت وقوع هذا الطلاق عليها فقال أبو
يوسف: وقع عليها قبل الفراغ من التكلم بالثاني الذي هو قوله وطالق، وقال محمد: وقع عند الفراغ
من الثاني لجواز أن يلحق بآخر كلامه ما يغير أوله من شرط أو نحوه. وما قاله أبو يوسف أولى فإنه لو
لم يقع عليها الطلاق لما سقطت ولايته على إلحاق الطلاق بها ثانيا وثالثا ولو وقع الطلاق الثلاث كما
قال والأمر بخلافه فماذا إلا لسقوط الولاية لفوات محل التصرف وهو الزوجية حقيقة وهو ظاهر، أو
تقديرا وهو حال قيام العدة وهذا ظاهر إن أراد محمد أن وقوع الأول حقيقة إنما يتحقق بعد الفراغ من
التكلم بالثاني كما هو الظاهر وإن لم يرده، وأراد أن العلم بوقوع الأول قبل التكلم بالثاني إنما يحصل
بعد الفراغ من التلفظ بالثاني فليس بظاهر، فكان ينبغي على هذا أن يقال بعد الفراغ من التكلم
بالثالث لأن الكلام إنما ينتهي بآخره فيظهر عند ذلك أن الأول واقع عند الفراغ منه قبل التكلم
بمجموع ما بعده. انظر حاشية الرهاوي ومعها شرح ابن ملك ص ٤٣٤، ٤٣٥.
(٢) الحديث أخرجه البيهقي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: (لا تنكح الأمة على الحرة
وتنكح الحرة على الأمة ومن وجد صداق حرة فلا ينكحن أمة أبدا). وقال: هذا إسناد صحيح.
سنن البيهقي ١٧٥/٧، ومالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول لا تنكح الأمة على
الحرة إلا أن تشاء الحرة فإن طاعت الحرة فلها الثلثان من القسم الموطأ ٥٣٦/٢، وانظر تلخيص
الحبير ١٧١/٣.
- ٢١٩ -
وهذه، متصلا، إنما يبطل نكاح الثانية؛ لأن عتق الأولى يبطل محلية الوقف في حق الثانية،
فبطل الثاني قبل التكلم بعتقها وإذا زوج رجلا أختين في عقدين من غير إذن الزوج فبلغه
فقال: أجزت نكاح هذه وهذه، بطلا، كما إذا أجازهما معا، وإن أجازهما متفرقا بطل
الثاني بل لأن صدر الكلام يتوقف على آخره إذا كان في آخره ما يغير أوله كما في
الشرط والاستثناء.
وقد تكون الواو للحال كقوله لعبده: أدٌّ إلىّ ألفا وأنت حر حتى لا يعتق إلا بالأداء
وكما(١) لا ينعقد نكاح الأمة مع الحرة لا يتوقف نكاحها مع نكاح الحرة؛ لأن ما كان راجعا
إلى المحل فالابتداء والبقاء فيه سواء، فبطل الثاني قبل التكلم بعتقها(٢).
قوله: (وإذا زوج رجلا أختين) أي لا يقال إن الواو للمقارنة في هذه المسألة؛ لأن أول
الكلام [يتوقف على آخره](٣) إذا كان في آخره ما يغير أوله بيانه: أن الكلام المشتمل على
الجمل المعطوفة بعضها على بعض يتوقف أوله على آخره إذا كان في آخره ما يغير أوله كما في
الشرط والاستثناء في قول الرجل أنت طالق إن شاء الله، فأما إذا لم يكن فلا يتوقف، وفيما
نحن بصدده نكاح الثانية يوجب بطلان نكاح الأولى؛ لأنه لا يصلح نكاحهما معا فيتوقف
أول الكلام على آخره فصار كأنه قال: أجزت نكاحهما بخلاف مسألة الأمتين، فإن عتق
الثانية لا يغير عتق الأولى، فلا يتوقف صدر الكلام على آخره فتعتق الأولى قبل إعتاق الثانية
فلم يبق نكاح الثانية موقوفا (٤).
قوله: (وقد تكون الواو للحال)(٥) لأن الحال يجامع ذا الحال وهذا معنى يناسب معنى
(١) في (١) و(ب) فكما.
(٢) يعني أن هذا الترتيب أيضا لم يجئ من الواو بل من الكلام؛ لأن نكاح الأمتين كان موقوفا على
إجازة المولى وإجازة الزوج جميعا فإذا أعتق المولى الأولى أولا كانت الثانية موقوفة والأولى نافذة
فلزم أن يتوقف نكاح الأمة على الحرة وهو غير جائز، كما أن نكاحها على الحرة غير جائز، فلم يبق
للثانية محل توقف إلى أن يتكلم بعتقها ويقول وهذه، وهذا كله إذا قبل فضولي آخر من جانب
الزوج؛ لأن الفضولي الواحد لا يتولى طرفي النكاح. نور الأنوار ٢٨٦/١.
(٣) في (١) يتوقف له على آخره.
(٤) انظر كشف الأسرار للبخاري ١١٦/٢، ١١٧، والنسفي ٢٨٧/١، ٢٨٨.
(٥) لما فرغ من بيان موضوع الواو، وأجاب عما كان يرد عليه شرع في بيان ما استعملت فيه مجازا
- ٢٢٠ -