النص المفهرس
صفحات 181-200
وأما المحكم فما أحكم المراد به على احتمال النسخ والتبديل، وحكمه وجوب العمل به من غير احتمال النسخ والتبديل كقوله - تعالى - ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَواْ﴾، وقوله- تعالى -: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ وَاهـ انسد به باب التخصيص(١). قوله: (وأما المحكم فما أحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل) مأخوذ من إحكام البناء، يقال: بناء محكم أي مأمون الانتقاض لا وهاء فيه ولا خلل(٢)، مثال الظاهر والنص قوله - تعالى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَواْ﴾(٣)/ أن الآية ظاهرة في إحلال البيع ٢١/ب وتحريم الربا، لأن ذلك للسامع بنفس الصيغة من غير قرينة نص في الفرق بينهم؛ إذ الكلام سيق لأجله، فإن الكفار ادّعوا المماثلة كما أخبر الله - تعالى - عنهم بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرّبَواْ﴾(٤)، فرد دعواهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ اُلْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرَّواْ﴾(٥) أراد به الفرق بينهما. ومثال المفسر قوله - تعالى -: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ فإن الملائكة عام يحتمل(٧) التخصيص فذكر الكل لينقطع ذلك ثم بقي فيه احتمال التأويل وهو التفرق فقطع بقوله أجمعون فصار مفسرًا فإن قيل المفسر يقبل النسخ وهذه الآية لا يقبله فكيف يستقيم إيرادها في نظيره(٨) قلنا: عدم قبول الآية النسخ باعتبار كونه أخبارًا لا لأنها مفسر، وهو إنما يحتمل النسخ من حيث إنه مفسر(٩)، (١) وهو المسمى ببيان التقرير. (٢) قال ابن نجيم: من أحكمت الشيء أتقنته، وبناء محكم مصون عن الانتقاض، وقيل من أحكمت فلاناً منعته، فالمعنى ما امتنع معناه عن النسخ يعني في زمانه عليه الصلاة والسلام وأما لفظه فإنه يحتمل النسخ في زمانه بأن لا يتعلق به جواز الصلاة ولا حرمة للقراءة على الجنب والحائض. فتح الغفار ١٢٥/١. (٣) من الآية ٢٧٥ من سورة البقرة. (٤) من الآية ٢٧٥ من سورة البقرة. (٥) من الآية ٢٧٥ من سورة البقرة. (٦) من الآية ٣٠ من سورة الحجر، ومن الآية ٧٣ من سورة ص. (٧) في (أ، ب) وهو يحتمل. (٨) في (١) في تفسيره. (٩) قال ملاجيون: ولهذا قال في التوضيح إن الأولى في مثال المفسر هو قوله - تعالى -: ﴿وَقَئِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾ لأنه من أحكام الشرع، بخلاف قوله - تعالى -: ﴿فَسَجَدَ اُلْمَلَتِكَةُ﴾ فإنه من الأخبار والقصص. نور الأنوار ٣١٠/١. - ١٨١ - وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ مثال المحكم قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾(١) فقد علم أن هذا وصف دائم، لا يحتمل السقوط بحال(٢) قوله، ويظهر التفاوت عند التعارض يعني هذه الأربعة توجب الحكم(٣) حتى تثبت الحدود والعقوبات بكل واحد منها وأما التفاوت بينها من حيث ازدياد الوضوح، فإنما يظهر أثر ذلك عند التعارض، فإنه يرجح ما ازداد وضوحًا ويؤخذ به ويترك العمل بما يقابله(٤)، أما تعارض الظاهر مع النص فقوله - تعالى -: ﴿وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾(٥) مع قوله - تعالى -: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُ تَلَثُونَ شَهْرًا﴾ (٦) فالأول نص في الإرضاع، والثاني ظاهر فيه، إذ سوقه / لبيان منة الوالدة على الولد، فلهذا أخذ أبو يوسف ومحمد بالأول، وأبو حنيفة حمله على استحقاق الأجرة بدلالة ظاهر الآية، والنص يحتمل ذلك، فإنهم أجمعوا على أن المطلّقة إذا طلبت أجرة الرضاع بعد حولين لا يجبر الزوج على ذلك(٧) ونظيره من المسائل ما إذا قال الرجل لامرأته(٨): طلقي نفسك فقالت: أبنت نفسي ١/١٧ (١) من الآية ١١٥ من سورة التوبة، ومن الآية ٧ من سورة المجادلة. (٢) أورد الشيخ يحيى الرهاوي في حاشيته على شرح ابن ملك مناقشات وردت على التمثيل للمفسر والمحكم بالمثالين المذكورين والجواب عنها ثم قال: على أن المناقشة في المثال ليس من دأب المحصلين، وغرض المصنف ليس إلا مجرد التمثيل، قيل هذه الآية تصلح أن تكون مثالاً للأقسام الأربعة أعني الظاهر وأخواته، فإن الملائكة جمع ظاهر في العموم، وبقوله كلهم أزداد وضوحاً فصار نصاً، وبقوله أجمعون انقطع احتمال التخصيص فصار مفسراً، وقوله فسجد إخبار لا يحتمل النسخ فيكون محكماً. انظر حاشية الرهاوي ص ٣٥٦. (٣) في (ا، ب) الحكم قطعاً. (٤) لا يظهر التفاوت بين هذه الأربعة في الظنية والقطعية؛ لأن كلها قطعية، وإنما يظهر التفاوت عند التعارض فيعمل بالأعلى دون الأدنى، فإذا تعارض بين الظاهر والنص يعمل بالنص، وإذا تعارض بين النص والمفسر يعمل بالمفسر، وإذا تعارض بين المفسر والمحكم يعمل بالمحكم، ولكن هذا التعارض إنما هو التعارض الصوري لا الحقيقي؛ لأن التعارض الحقيقي هو التضاد بين الحجتين على السواء لا مزيد لأحدهما وههنا ليس كذلك. نور الأنوار ٢١١/١، وفتح الغفار ١٢٦/١. (٥) من الآية ٢٣٣ من سورة البقرة. (٦) من الآية ١٥ من سورة الأحقاف. (٧) انظر كشف الأسرار للنسفي ولاحظ عبارته. الكشف ٢١١/١، ٢١٢. (٨) في (ا، ب) الزوج. - ١٨٢ - تقع طلقة رجعية، لأن قولها: أبنت ظاهرٌ في الإبانة نصّ في إرادة الطلاق؛ إذ سياق كلام الزوج للطلاق وكلامها خرج جوابًا لقوله، والجواب يتضمن إعادة ما في السؤال وفي السؤال الطلاق صريح وهو رجعي، أما تعارض النص مع المفسر قوله وسلطات: ((المستحاضة تتوضأ لكل صلاة))(١) مع قوله وَطّ: ((المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)(٢) سيق الأول الإيجاب الوضوء لكل صلاة مع كونه محتملًا للتأويل؛ إذ اللام تستعار للوقت فكان نصًّا والثاني غير محتمل للتأويل وقد سيق لإيجاب الوضوء لوقت كل صلاة فكان مفسرًا، فرجحنا الثاني على الأول(٣)، ونظيره من المسائل(٤): إذا تزوج امرأة إلى شهر كان(٥) ذلك متعة لا نكاح؛ لأن قوله تزوجت نصّ في النكاح (١) الحديث رواه ابن ماجة عن عدي بن ثابت عن أمية عن جده عن النبي ﴿ قال المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصوم وتصلي ((سنن ابن ماجة ٢٠٤/١، والترمذي باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة بنحو ما في ابن ماجة، سنن الترمذي ١/ ٢٢٠، وأبو داود نحوه ٨٠/١، والدرامي عن عائشة قالت المستحاضة تجلس أيام أقرائها ثم تغتسل غسلا واحداً وتتوضأ لكل صلاة .. سنن الدرامي ٢٢٤/١ والبيهقي عن جابر أن النبي ◌َّ أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة ((وقال تفرد به أبو يوسف عن عبد الله بن علي أبي أيوب الأفريقي وأبو يوسف ثقة إذا كان يروي عن ثقة. سنن البيهقي ٣٤٧/١، وقد ذكر أبو داود أن أحاديث المستحاضة كلها ضعيفة إلا حديث قمير، وحديث عمار مولى بني هاشم وحديث هشام بن عروة عن أبيه والمعروف عن ابن عباس الغسل. قال الزيلعي في نصب الراية وللحديث شواهد منها حديث أخرجه أبو داود، وابن ماجة عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي 8* فذكر خبرها وقال ثم اغتسلي ثم توضئي لكل صلاة وصلي انتهى بلفظ أبي داود وزاد ابن ماجة ((وإن قطر الدم على الحصير)) نصب الراية ٢٠٢/١. (٢) قال الزيلعي: غريب جداً قال الطحاوي في شرح الآثار: ومذهبنا قوي من جهة النظر؛ وذلك أنا عهدنا الأحداث إما خروج خارج أو خروج وقت، فخروج الخارج معروف، وخروج الوقت حدث في المسح على الخفين فرجعنا في هذا الحدث المختلف فيه فجعلناه كالحدث الذي أجمع عليه ووجد له أصل، ولم نجعله كما لم يجمع عليه، ولم نجد له أصلاً؛ لأنا لم نعهد الفراغ من الصلاة حدثاً قط. نصب الراية ٢٠٤/١، وشرح معاني الآثار للطحاوي ١٠٦/١. (٣) انظر أمثلة أخرى في كشف الأسرار للنسفي ٢١٢/١، ٢١٣. (٤) في (أ، ب) ما إذا. (٥) في (١، ب) أن. - ١٨٣ - ويظهر التفاوت عند التعارض ليصير الأدنى متروكا بالأعلى حتى قلنا إنه إذا تزوج امرأة إلى شهر أنه متعة. ١٨/ز [ولكن فيه احتمال النفي قائم](١) / وقوله: (إلى شهر) مفسر في المتعة ليس فيه احتمال النكاح الشرعي فقلنا: إنه متعة، وأما تعارض المفسر مع المحكم فقوله - تعالى -: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ (٢) مع قوله - تعالى -: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهْدَةً أَبَدًا﴾(٣) فالأول مفسر في قبول شهادة العدول ولا يحتمل معنى آخر غير أنه يحتمل النسخ، وقوله - تعالى -: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ غير قابل للنسخ فقلنا لا تقبل شهادة المحدود في القذف وإن تاب (٤). وبيان الانحصار: أن ما ظهر المراد منه للسامع إن تجرد عن قصد المتكلم بيان ذلك المراد فهو الظاهر، وإن لم يتجرد بل هو مقرون به فإن احتمل التغيير عما عليه من تخصيص ومجاز وتأويل فهو النص، وإن لم يحتمل ذلك فإن قبل النسخ فهو المفسر، وإن لم يقبل فهو المحكم. فصل: اعلم أن لهذه الأسامي(٥) التي مر ذكرها (٦) أضداد، فضد الظاهر الخفي، وضد النص المشكل، وضد المفسر المجمل، وضد المحكم المتشابه والضدان صفتان وجوديتان تتعاقبان على موضوع واحد، ويستحيل اجتماعهما (٧) بعارض(٨) غير الصيغة إنما يعرض هذا (١) في (ا، ب) ولكن احتمال المتعة فيه قائم. (٢) من الآية ٢ من سورة الطلاق. (٣) من الآية ٤ من سورة النور. (٤) انظر كشف الأسرار للبخاري ٣٤/٢، ٣٥، ونور الأنوار ٢١٣/٢، وشرح ابن ملك مع حاشية الرهاوي ص ٣٥٨، ٣٥٩. (٥) في (١) الأسماء. (٦) في (ا، ب) ذكرها الآن. (٧) في (ا، ب) قوله بعارض. (٨) الضدان هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان كالقعود والقيام، فإنهما لا يجتمعان في شخص واحد في وقت واحد وقد يرتفعان ويأتي بدلهما الاضطجاع مثلا. حاشية العطار على شرح الجلال المحلى ٢٦٧/٢ الأمران وقال ابن نجيم: وقد أطلق بعضهم اسم الضد عليه بناءً على اصطلاح الأصوليين إنه ما يقابل الشيء ويكون بينهما نهاية الخلاف، سواء كانا وجوديين أو أحدهما وجودي والآخر عدمي، لا على اصطلاح أهل المعقول من أنهما الأمران الوجوديان المتعاقبان على موضوع واحد كما ذكره الهندي فتح الغفار ١٢٧/١، وانظر حاشية نسمات الأسحار ص ٩٢. - ١٨٤ - وأما الخفي فما خفي مراده بعارض غير الصيغة لا ينال إلا بالطلب وحكمه النظر فيه ليعلم أن اختفاءه لمزية أو نقصان فيظهر المراد به كآية السرقة في حق الطرآر والنتاش. تحقيقاً للمضادة، فإن الظاهر ظهوره من حيث الصيغة فحسب، فيكون ضد (١) الخفاء الوارد في غير الصيغة. فإن قيل: وجب أن يكون الخفاء في الخفي من جهة اعتبر الظهور في الظاهر من تلك الجهة/ وهي الصيغة فقلنا: الظاهر والخفي من الأسماء الإضافية كالأب والابن والذي يكون كذلك يستحيل فيه اتحاد الجهة بل يلزمه الاختلاف؛ إذ من المحال أن يكون الشخص أبا الآخر بالجهة التي كان بها ابناً له، ولأن الخفاء لو كان من حيث الصيغة لكان مجملاً، وحينئذ كان الخفاء فيه زائداً من الظهور في الظاهر(٢). ٢٢/ب قوله: (كآية السرقة فإنها صارت خفية في حق الطرار والنباش) بعارض غير الصيغة(٣) وهو اختصاص صاحبها باسم آخر؛ إذا تغير الأسامي دليل على تغاير المعاني، ثم اشتبه الأمر أنَّ ذلك الاختصاص لنقصان في معنى السرقة أو لمزية فيه. فلا بد من النظر ليعلم أنهما دخلا تحت النص أو لم يدخلا، أو افترقا، فإذا نظرنا فيهما وجدنا الطرار داخلا والنباش خارجاً خلافاً لأبي يوسف؛ بيان ذلك: السرقة أخذ مال الغير على وجه المسارقة عن عين الحافظ الذي قصد حفظه لكن انقطع حفظه بعارض. الطر(٤) اسم لقطع الشيء عن اليقظان بضرب غفلة يعتريه(٥) فتكون مسارقة الطرار في نهاية الكمال، واختصاصه به لمزية في جنايته وفي حداقة في فعله، والتعدية بمثل هذا لإثبات الحدود والعقوبات في غاية الصحة والسداد، (١) في (أ، ب) ضده. (٢) قال ابن ملك: والغرض من ذكر هذه الأقسام توضيح الأقسام المذكورة ولهذا قال فيما سبق القسم الثاني في وجوه البيان وهي أربعة ولم يقل ثمانية. شرح ابن ملك ص ٣٥٩. (٣) يلاحظ عبارة النسفي في الأسرار ٢١٥/١، ٢١٦. (٤) في (ا، ب) والطر یاثبات الواو. (٥) الطر الشق، ومنه سمي الطرار لأنه يشق الثوب، وهو الآخذ لمال مخصوص من الغير ظلماً وهو يقظان حاضر قاصد لحفظه بضرب غفلة منه، وفى المغرب الطرار الذى يطر الهمايين: أي يشقهما ويقطعهما ا. هـ وفى الفقه وإن طر صرة خارجة من الكم لا يقطع، وإن طر صرة داخله فيه قطع وحل الرباط على العكس، وظاهر كلام الأصوليين أن الطرار يقطع مطلقاً. فتح الغفار ١٢٧/١، وحاشية نسمات الأسحار ص ٩٣ وانظر طلبة الطلبة مادة نبش ص ٧٨ والمغرب مادة طرر ص ٢٨٩، ومفتاح الصحاح مادة طرر ص ١٦٤، ولسان العرب مادة طرر ص ٤٩٩/٤. - ١٨٥ - والنباش(١) هو الآخذ الذي يسارق عين من لعله يهجم عليه، وهو لذلك غير حافظ ولا قاصد فيكون معنى السرقة فيه قاصراً والتعديه بمثله باطل خصوصاً فيما يندرئ بالشبهات، ولأن معنى الاسم يدل على حظر المأخوذ لأنه مشتق من السرقة وهي قطعة من الحرير والذي يدل عليه اسم النباش في غاية الهوان والقصور؛ إذ هو مشتق من النبش وهو تحت التراب، وشرع المزاجر لسد باب العدوان الذي تميل النفس إلى ارتكابه غالباً، وما تميل النفس إليه غالباً هو المال الخطير لا الكفن الحقير، والجواب عما تعلق به أبو يوسف وهو قوله مضاد: ((سارق أمواتنا كسارق أحيائنا(٢)) إنه كلام التشبيه ولا عموم له، فيكون الاستواء في الإثم وإطلاق اسم السارق عليه بطريق المجاز، بدليل صحة النفي يقال: نبش وما سرق(٣). (١) النباش هو سارق الكفن بعد الدفن. ابن ملك ص ٣٦٢، وفتح الغفار ١٢٧/١. (٢) أخرجه ابن حجر في الدراية بعد ذكره من نبش قطعناه حيث قال: وأخرج البيهقي من حديث عائشة قالت: ((سارق أمواتنا كسارق أحيائنا)). الدراية في تخريج أحاديث الهداية ١١٠/٢، والزيلعى في نصب الراية ٣٦٦/٣، وانظر المغنى ٩/ ١١٤، ومصنف ابن أبى شيبة ٥٢٣/٥. والذي في سنن البيهقي عن عامر الشعبي أنه قال: ((يقطع في أمواتنا كما يقطع في أحيائنا)) وعن حرملة ابن عمران التجيبى قال: كتب أيوب بن شرحبيل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن نباش القبور فكتب إليه عمر: ((لعمري ليحسب سارق الأموات أن يعاقب بما يعاقب به سارق الأحياء)). سنن البيهقي ٢٦٩/٨. (٣) في المسألة تفصيل لابد من ذكره: قوله - تعالى -: ((السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)) ظاهر في حق وجوب قطع اليد لكل سارق، خفيّ في حق الطرآر والنباش، لأنهما اختصا باسم آخر غير السارق في عرف أهل اللسان، فطلبنا فوجدنا معنى السرقة كاملاً في الطر ناقصاً في النبش فأثبتنا حكم السرقة في الأول دون الثانى؛ لأن الحكم إذا ثبت في الأدنى ثبت في الأعلى بطريق الأولى، ونقصان فعل السرقة في النبش صار شبهة، والحد يسقط بالشبهة، ولو كان القبر في بيت مقفل اختلف فيه المشايخ، والأصح أنه لا يقطع سواءً نبش الكفن فيه أو سرق مالا آخر، لأن بوضع القبر في البيت اختل صفة الحرزية فيه. اعلم أن النباش يقطع عند أبى يوسف، والشافعى في الجديد، ومالك وأحمد، وأبى ثور، والحسن، والشعبي، والنخعى، وقتادة وحماد، وعمر بن عبد العزيز، ولا يقطع عند أبى حنيفة، ومحمد، والشافعي في القديم، وابن عباس، والثوري والأوزاعى ومكحول والزهري، واستدل من قال بالقطع بقوله اللّمن نبش قطعناه، ولنا ما روي أن النبي ﴿ قال: لا قطع على المختفى " وهو النباش بلغة أهل المدينة، وما روياه محمول على السياسة توفيقاً بين الحديثين. شرح ابن ملك مع حاشية الرهاوى ٣٦١-٣٦٣، ونور الأنوار ٢١٥/١، ٢١٦. - ١٨٦ - والمشكل فهو الداخل في أشكاله، وحكمه اعتقاد الحقيّة فيما هو المراد ثم الإقبال على الطلب والتأمل فيه إلى أن يتبين المراد. قوله: (وهو الداخل في أشكاله) أي أمثاله وأشباهه مأخوذ من قولهم أشكل أي صار ذا إشكال كما يقال: أحرم أي دخل في الحرم وصار ذا حرمة (١)، ثم دخوله في إشكاله(٢) قد يكون لغموض(٣) في المعنى وقد يكون لاستعارة بديعة، أما الغموض(٤) في المعنى فمثل قوله. تعالى -: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾(٥) أن الأمر يوجب تطهير جميع البدن غير أن ما كان باطناً منه صار مستثنى للضرورة، وكذا ما فيه حرج من الظاهر والفم والأنف ظاهران من وجه دون وجه، فلو كان حكم الأمر متعلقاً بما هو ظاهر مطلقاً، لا يجب غسلهما، وإن كان تعلقه بما هو ظاهر في الجملة يجب غسلهما، فأشكل حكم الأمر فيهما، لدخولهما في الشكلين أعني الظاهر مطلقا، والظاهر من وجه فتأملنا في معنى النص وقلنا بوجوب غسلهما في الجنابة، لإمكان تطهيرهما من غير حرج(٦)، وأما الاستعارة فمثل قوله - تعالى -: ﴿قَوَارِيْرَاْ قَوَارِيْرًا مِن فِضَّةٍ﴾(٧) إنه مشكل في أواني الجنة (١) قال ابن نجيم وأما المشكل فهو الداخل في أشكاله بفتح الهمز بمعنى الأمثال، والمراد به ما فوق الواحد فهو مأخوذ من أشكل علىّ كذا إذا دخل في أشكاله وأمثاله بحيث لا يعرف إلا بدليل يتميز به. وقال ابن عابدين في حاشيته نسمات الأسحار: دخل في أشكاله: يعنى ما أشكل على السامع طريق الوصول إلى معناه في نفسه لا بعارض، فكان خفاؤه فوق الخفي الذى بعارض؛ لأنه لا ينال إلا بالطلب والتأمل إلى أن يتبين المراد، بخلاف الخفى فإنه ينال بمجرد الطلب، فالخفى بمنزلة رجل اختفى عن غيره في بيت فيوقف عليه بمجرد الطلب، والمشكل بمنزلة من اختفى في بيت بين أمثاله ونظائره فلا يوقف عليه إلا بالطلب لمكان اختفى فيه، ثم التأمل ليتميز عن أشباهه وأمثاله. ولم يقل أما المشكل فهو الكلام الداخل الخ كما قال في الظاهر: إنه اسم لكلام ظهر المراد منه الخ اختصاراً لدلالة القرينة عليه. فتح الغفار ١٢٧/١، وحاشية نسمات الأسحار ص ٩٤، وحاشية الرهاوى ص٣٦٣. (٢) في (ا، ب) في الإشكال. (٣) في (١) لغرض. (٤) في (١) الغرض. (٥) من الآية ٦ من سورة المائدة. (٦) انظر حاشية الأزميرى على المرآة ٤٠٨/١، ٤٠٩. (٧) من الآيتين ١٥، ١٦ من سورة الإنسان. - ١٨٧ - وأما المجمل فما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباها لا يدرك بنفس العبارة بل بالرجوع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل وحكمه اعتقاد الحقية فيما هو المراد [لاستحالة القارورة](١) من الفضة والإشكال هي الفضة والزجاج، فإذا تأملنا علمنا أن تلك الأواني لا تكون من الزجاج ولا الفضة بل لها حظ منهما؛ إذ القارورة تستعار للصفاء والفضة للبياض، فكانت الأواني في صفاء القارورة وبياض الفضة. ٢٣/ب ١٩/ز قوله: (وأما المجمل فما ازدحمت فيه المعاني) أي تدافعت أي يدفع كل واحد منهما غيره. قوله: (ثم الطلب ثم التأمل)، أي الطلب في بيان المتكلم / وكذا التأمل فيه وهذا إذا لم يكن البيان شافياً، أما إذا كان قاطعاً لا يجب الطلب والتأمل مثاله قوله - تعالى - ﴿وَحَرَّمَ الرَّوْأَ﴾(٢) فالربا مجمل؛ لأنه عبارة عن الفضل في أصل الوضع ولذا لم يصلح مراداً به؛ إذ البيع مشروع، ولو جعل هو مراداً لانسدَّ بابه؛ لأنه ما شرع إلا للاسترباح / فثبت أنه مجمل وقوله : ((الحنطة بالحنطة))(٣) الحديث تفسير له لكنه غير قاطع؛ إذ لم يعلم به إلا حرمة الفضل خال عن عوض مشروط في العقد في الأشياء المعوضة وبقي الخفاء فيما وراءها فبعد هذا البيان صار بمنزلة المشكل وحكم المشكل الطلب ثم التأمل فيطلب المراد في الحديث أنه [لأي معنى حرم الربا فوجدناه القدر والجنس ثم يتأمل فيه هل هو صالح لتعليق الحكم به؟ وسيأتي تمام هذا في القياس(٤). (١) في (أ، ب) لاستحالة اتخاذ القارورة. (٢) من الآية ٢٧٥ من سورة البقرة. (٣) الحديث أخرجه مسلم كتاب المساقاة باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً ولفظه عن أبى هريرة قال قال وُلّ: ((التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه)) صحيح مسلم ١٢١١/٣، وأخرجه أحمد في مسنده بتقديم الحنطة وزيادة كيلاً بكيل ووزناً بوزن عن أبى هريرة مسند أحمد ٢٣٢/٢، والبيهقى ٥٪ ٢٨٢، وأبو يعلى في مسنده ٤٩٢/١٠ وانظر نصب الراية ٣٥/٤. (٤) قال في نور الأنوار: ازدحام المعانى عبارة عن اجتماعها على اللفظ من غير رجحان لأحدها، كما إذا انسد باب الترجيح في المشترك، أو يكون باعتبار غرابة اللفظ كلفظ الهلوع المذكور في قوله . تعالى - " إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جذوعا وإذا مسه الخير منوعا " فإنه قيل بيانه . تعالى - كان مجملا لم يعلم مراده أصلا فبينه بقوله - تعالى. " إذا مسه الشر " الآية ... فالمجمل يحتاج إلى ثلاثة طلبات: الأول الاستفسار عن المجمل، ثم الطلب للأوصاف بعده، ثم التأمل - ١٨٨ - والتوقف فيه إلى أن يتبين ببيان المجمل كالصلاة والزكاة. وأما المتشابه فهو اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه وحكمه اعتقاد الحقية قبل الإصابة وهذه كالمقطّعات في أوائل السور. قوله: (كالصلاة والزكاة) فالصلاة في اللغة الدعاء وذلك غير مراد وقد بينها النبي تُخَّ بالفعل فيطلب المعنى الذي جعلت الصلاة لأجله صلاة أهو التواضع والخشوع أو للأركان المعهودة؟ ثم يتأمل أيتعدى إلى صلاة الجنازة فيمن حلف لا يصلى أم لا؟ وأما الزكاة فهي النماء لكنه غير مراد فقد قال وَلّ: ((ليس عليك في الذهب شيء))(١) الحديث(٢) فيطلب المعنى الذي وجبت الزكاة لأجله، أهو ملك نصاب كامل فارغ عن الدين أو مشغول به؟ ثم يتأمل فيه للتعدية. قوله: (قبل الإصابة)، وإنما قال ذلك لأن المتشابهات ينكشف يوم القيامة، وانقطاع رجاء المعرفة لحكمة بالغة فيه لا لأنه مستحيل ذلك(٣) وبيان الانحصار أن اللفظ الذي خفي المراد للتعيين. نور الأنوار ٢١٨/١، ٢١٩. (١) رواه علي بن أبى طالب كرم الله وجهه مرفوعا " إذا كان لك مئة درهم حال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً " الحديث رواه بطوله أبو داود من رواية الحارث الأعور عن على والحارث كذاب وله طريق آخر أجود من هذا. خلاصة البدر المنير ٣٠٥/١، وفى تلخيص الحبير " ليس عليكم في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالاً "١٨٢/٢ وانظر نصب الراية ٣٦٩/٢ واستدل به في المغنى ٣٣١/٢، وانظر سنن أبى داود ٢/ ١٠٠. (٢) ويقول ◌َطّ هاتوا ربع عشر أموالكم " رواه أبو داود والدارقطني حاشية الرهاوى على ابن ملك ص٣٦٧ ونور الأنوار ٢١٩/١ (٣) لأن إنزال المتشابه للابتلاء ولا ابتلاء في الآخرة، قال فخر الإسلام هذا في حقنا؛ لأن المتشابهات كانت معلومة للنبي ◌ّ وانقطاع رجاء بيان المتشابه مذهب عامة السلف من الصحابة والتابعين والمتقدمين من أصحابنا وأصحاب الشافعي والوقف عندهم واجب على الله في قوله - تعالى - " وما يعلم تأويله إلا الله " بدليل قراءة ابن مسعود " إن تأويله إلا عند الله " ولا يمكن عطف والراسخون عليه، لأنه مجرور لفظا ومحلاً وبأن الله - تعالى - من اتبع ذم المتشابه ابتغاء التأويل كما ذم من اتبعه ابتغاء الفتنة، ومدح الراسخين بقولهم " كل من عند ربنا" وقال أكثر المتأخرين وعامة المعتزلة وأئمة التفسير أن الراسخ يعلم تأويله، والوقف على الله غير واجب؛ لأن الراسخ لو لم يعلم تأويل المتشابه لم يكن له فضل على الجهال، ولم يزل المفسرون إلى يومنا هذا يفسرون المتشابه، ولأن إنزال القرآن لانتفاع العباد، فلو لم يعلمه غير الله - تعالى - لطعن فيه الطاعنون. قيل لا اختلاف في هذه المسألة - ١٨٩ - القسم الثالث: في وجوه استعمال ذلك النظم وأما الحقيقة فاسم لكل لفظ أريد به ما وضع له وحكمها وجود ما وضع له خاصاً كان أو عاماً، وأما المجاز فاسم لما أريد به غير ما وضع له، لمناسبة بينهما، وحكمه وجود ما منه للسامع لا يخلو إما أن يكون الخفاء فيه لمعنى يرجع إلى غير الصيغة أو لمعني يرجع إليها فإن كان الأول فهو الخفي وإن كان الثاني فإما أمكن دركه بالتأمل أو لا؟ فإن أمكن فهو المشكل، وإن لم يمكن فإن كان مرجوّ البيان من جهة المتكلم فهو المجمل وإلا فهو المتشابه. القسم الثالث: في وجوه استعمال ذلك النظم قوله: (وأما الحقيقة فاسم لكل لفظ أريد به ما وضع له) فالحقيقة فعيلة من حق الشيء إذا ثبت بمعنى فاعله أي حقيق أن يراد به ما وضع له، أو من حققت الشيء أي أتقنته فهي فعيلة بمعنى مفعولة أي متيقن فيه فالتاء فيها لمعنى الاسمية كما في العلامة لا للتأنيث(١). قوله: (وأما المجاز فاسم لما أريد به غير ما وضع)؛ أي المجاز اسم لكل لفظ أريد به معنى لم يوضع له اللفظ وهو مفعل من جاز يجوز بمعنى فاعل كالمولى بمعنى الوالي، أي متعد عن . محل الحقيقة إلى محل المجاز بطريقه، فالحقيقة والمجاز صفتا اللفظ يقال: لفظ حقيقة ولفظ مجاز(٢). قوله: (لمناسبة بينهما)؛ أي بین ما وضع له اللفظ وبين غيره الذي أريد به وبه خرج الهزل؛ في الحقيقة، لأن من قال بأن الراسخ في العلم يعلم تأويله أراد به أنه يعلمه ظاهراً، ومن قال أنه لا يعلم أراد به أنه لا يعلمه حقيقة وإنما ذلك إليه تعالى. شرح ابن ملك مع حاشية الرهاوى ص٣٦٧، ٣٦٨، وانظر تفصيل المسألة في كشف الأسرار للنسفي ٢٢١/١ وما بعدها، كشف الأسرار للبخاري ٥٥/١ وما بعدها، وحاشية الأزميرى على المرآة ٤١٢/١ وما بعدها. (١) قال صاحب المرآة : الحقيقة وهى إما فعيل بمعنى فاعل من حق الشيء إذا ثبت، وإما بمعنى مفعول من حققت الشيء إذا أثبته فيكون معناها الثابتة أو المثبتة في موضعها الأصلي، والتاء على هذا للنقل من الوصفية إلى الاسمية وعند صاحب المفتاح للتأنيث، لأنها صفة غير جارية على موصو فها، والتقدير كلمة حقيقة، وإنما يستوي المذكر والمؤنث في فعيل بمعنى مفعول إذا كان جارياً على موصوفه لا مطلقاً مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول ٤١٧/١، ٤١٨ وانظر حاشية الرهاوى ٣٧٢، ٣٧٣. (٢) سمى مجازاً لتعديه عن الموضع الذي وضع في الأصل له إلى غيره، ومنه قول الرجل لغيره حبك إياي مجازى أي هو باللسان دون القلب الذي هو موضع الحب في الأصل، وهذا الوعد منك مجاز أي القصد منه الترويج دون التحقيق على ما عليه وضع الوعد في الأصل، ولهذا يسمى - ١٩٠ - استغير له خاصاً كان أو عاما، وقال الشافعي رحمه اللَّه لا عموم للمجاز لأنه ضروري. : لأن الهزل هو أن يراد بالشيء غير ما وضع له بلا مناسبة بينه وبين ما وضع له كإرادة إهمال اللفظ به عن إفادة الغرض المطلوب منه، فإن إرادة بطلان اللفظ من اللفظ إرادة غير ما وضع له وغير ما يصح إرادته، ولا كذلك المجاز فإنه وإن لم يرد به ما وضع له اللفظ فقد أريد به ما صلح له اللفظ لمناسبة بينهما معنى أو ذاتا(١) ثم(٢) مثال المجاز من الحقيقة مثال القياس من النصي؛ إذ الحقيقة لا يعرف إلا بالتوقيف كالنص، ويشترط التأمل للمجاز في محل الحقيقة في المعاني المشهورة اللازمة للحقيقة كما يشترط التأمل للقياس في المنصوص عليه في المعاني المؤثرة في استدعاء الحكم، وكما يفتقر القياس إلى / القائس، والمقيس، والمقيس عليه، والقياس، والعلة، والحكم، كذلك المجاز يفتقر إلى المستعير، والمستعار عنه، والمستعار له، والاستعارة، والمستعار، وما يقع به الاستعارة، لكن المجاز تعدية اللفظ بالمعاني اللغوية والقياس تعدية الحكم بالمعاني الشرعية(٣). ١/١٩ قوله: (لأنه ضروري) إذ لا يصار إليه/ عند إمكان العمل بالحقيقة لكونها أصلاً؛ إذ المقصود من وضع الألفاظ تحصيل الأغراض المتعلقة بمعانيها، وذلك إنما يحصل إذا أريد ٢٤/ب مستعاراً لأن المتكلم به استعارة وبالاستعمال فيما هو مراده بمنزلة من استعار ثوباً للبس ولبسه، وكل واحد من النوعين موجود في كلام الله - تعالى - وكلام النبي ◌ُّ وكلام الناس في الخطب والأشعار وغير ذلك، حتى كاد المجاز يغلب الحقيقة لكثرة الاستعمال، وبه اتسع اللسان وحسن مخاطبات الناس بينهم. أصول السرخسي ١٧٠/١، ١٧١. (١) احترز بقوله لمناسبة بينهما عما لا مناسبة بينهما كاستعمال الأرض في السماء، لا يقال المناسبة بينهما هي التقابل فإن الأرض في غاية الانحطاط، والسماء في غاية الارتفاع لأن ذلك غير مشهور، وعن الهزل أيضاً، لأن إرادة عدم الدلالة على شيء وكونه لغواً إرادة أيضاً، وهو غير ما وضع له ولكن ليس بمجاز لعدم المناسبة، وما قيل في بعض الشروح إنه ليس باحتراز عن الهزل لعدم دخوله في التعريف ليس بقوى لما ذكرنا من وجه دخوله فإنه أريد به غير ما وضع له في الجملة ولا مناسبة بينه وبين ما وضع له. شرح ابن ملك مع حاشية الرهاوى ص ٣٧١، ٣٧٢، وانظر التلويح على التوضيح ص ١٣١، وتيسير التحرير ٤/٢ وما بعدها، ونور الأنوار ٢٢٦/٢ وما بعدها وحاشية نسمات الأسحار ص ٩٨ وما بعدها، وفتح الغفار ١٣٠/١ وما بعدها . (٢) ثم ساقطة من (ا، ب). (٣) انظر كشف الأسرار للنسفي ٢٢٦/١، ٢٢٧، ٢٢٨. - ١٩١ - وأنا نقول : إن عموم الحقيقة لم یکن لكونه حقيقة بل لدلالة زائدة على ذلك، و کیف باللفظ ما وضع له والمجاز يخل به فكانت الحقيقة أصلاً، وإنما يصار إلى المجاز عند تعذر العمل بالأصل كيلا يتعطل الكلام عن الإفادة، ومثله لا يعم كالمقتضى فإنه لما ثبت ضرورة تصحيح الكلام لا يتعمم على مذهبكم كذا هذا(١)، ولهذا احتج بعموم قوله توَطّ: [(«لا تبيعوا الطعام بالطعام](٢) (٣) وأبى أن يعارضه النهي عن بيع الصاع بالصاعين (٤) لما أنه مجاز، وبيان المعارضة أن النص الأول هو المحرم على العموم حقيقة وهذا مجاز؛ إذ حقيقة الصاع(٥) الخشبة المنقورة وهي غير مراد بالإجماع، وإنما أريد به المصوع وهو مخصوص بالوصف، وتخصيص الشيء بوصف يدل على نفي الحكم عند عدمه على مذهبه. قوله: (أن عموم الحقيقة لم يكن لكونه حقيقة)، ومعنى هذا الكلام أن الحقيقة قد تعم (١) قال ابن نجيم: واعلم أن المصنف نسب هذا القول للشافعي، وفى بعض كتب الحنفية نسب إلى بعض أصحابه، ونسبه ابن السبكى إلى بعض الحنفية وضعفه وصحح القول بعمومه وبهذا ظهر أن الأصح في المذهبين القول بعمومه، وقال عزمي زاده: والعجب أن المصنف رحمه الله نسبه في الشرح إلى بعض أصحاب الشافعى وكأنه فاز بحقيقة الحال بعدما رتب المتن وشيوع نسخه، وفى التلويح أن القول بعدم عموم الجاز مما لم نجده في كتب الشافعية فتح الغفار ١٣٢/١، وحاشية عزمي زاده بهامش شرح ابن ملك ص ٣٧٣ وانظر الإبهاج لابن السبكي ٣١٥/١، ٣١٦ وشرح ابن ملك ص٣٧٣ وما بعدها، وحاشية الأسحار ص ٩٩، ١٠٠ والتلويح ١٦٤/١. (٢) في (١) لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء. (٣) الحديث أخرجه الطحاوي عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص قال: كتب أبو بكر الصديق إلى أمراء الأجناد حين قدم الشام أما بعد، فإنكم قد هبطتم أرض الربا فلا تتبايعون الذهب بالذهب إلا وزناً بوزن ولا الورق بالورق إلا وزناً بوزن ولا الطعام بالطعام إلا كيلا بكيل " قال أبو قيس قرأت كتابه شرح معاني الآثار ٧٠/٤ (٤) وهو حديث ابن عمر " لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين " والحديث الأول عام يقتضي تحريم القليل والكثير منه إلا حالة المساواة وهو حقيقة فترجح على الثانى. كشف الأسرار للنسفي ٢٢٨/١، وفتح الغفار ١٣٣/١. (٥) الصاع: هو مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد، يذكر ويؤنث. فمن أنث قال: ثلاث أصوع مثل ثلاث أدور، ومن ذكره قال أصواع مثل أثواب، وصاع النبي الذي بالمدينة أربعة أمداد بمدهم المعروف عندهم . لسان العرب مادة صوع ٢١٤/٨. وفى المغرب: الصاع ثمانية أرطال عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث وجمعه أصوع وصيعان، وأما آصع فقلب أصوع بالهمزة لضمة الواو كآدر في أدور جمع دار عن أبى على الفارسي. المغرب ص ٢٧٤ مادة صوع. - ١٩٢ - . يقال أنه ضروري وقد كثر في كتاب الله تعالى. فكذا المجاز؛ إذ العموم للحقيقة ليس باعتبار أنها حقيقة إذ ذلك يقتضي نفي وجود الخاص أصلاً، أو لأن العموم فيها لو كان باعتبار كونها حقيقة للزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، حيث يراد باللفظ ما وضع له اللفظ وهو الفرد الواحد مع ما لم يوضع له اللفظ وهو العموم وذلك باطل، فعلم أن العموم فيها ليس باعتبار کونها حقيقة بل باعتبار دلالة زائدة على ذلك نحو دخول الألف واللام على (١) النكرة، أو التحاق الوصف العام بها أو وقوعها في موضوع النفي وغيرها / فإذا وجدت إحدى هذه الدلالات في المجاز يعمل عملها كما في الحقيقة [بخلاف ما هو المقتضي](٢) لأنه غير ملفوظ فكيف تتحقق فيه ما هو من خصائص اللفظ، ولأن المقصود به تصحيح المنطوق فثبت أدنى ما تتحقق به الصحة. ٢٠/ز قوله: (وقد كثر في كتاب الله - تعالى)؛ كقوله - تعالى - ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾(٣) وقوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا حِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ﴾(٤) وقوله: ﴿فَأَيْنَ أَنْ يَحْيِلْنَها﴾(٥) والله - تعالى - غني عن أن يلحقه العجز والضرورة، ولا يلزم أن المقتضى ضروري ومع ذلك يوجد في كتاب الله، لأن ضرورته في حق الكلام دون المتكلم به، وذا لا يدل على أن التكلم به يكون ضرورياً، فإن وجود المخبر به شرط لصحة الخبر، ولا يدل على أن كون التكلم بالخبر ضرورياً، ولأن المقتضى من باب الاستدلال فكانت الضرورة فيه راجعة إلى المتكلم(٦). أما المجاز فمن قسم استعمال النظم في البيان وهو يتعلق بالمتكلم فكانت الضرورة فيه راجعة إلى المتكلم(٧). (١) في (أ، ب) في (٢) في (ا، ب) بخلاف المقتضي. (٣) من الآية ٣١ من سورة الأعراف. (٤) من الآية ٧٧ من سورة الكهف (٥) من الآية ٧٢ من سورة الأحزاب (٦) في (ا، ب) المستدل (٧) انظر كشف الأسرار للنسفي مع نور الأنوار ٢٢٩/١، ٢٣٠ وشرح ابن ملك مع حاشية الرهاوي ٣٧٤، ٣٧٥. وفتح الغفار ١٣٢/١، ١٣٣. - ١٩٣ - ولهذا جعلنا لفظ الصاع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عاما فيما يحل، والحقيقة لا تسقط عن المسمى ومتى أمكن العمل بها سقط المجاز فيكون العقد لما ينعقد دون العزم قوله: (ولهذا جعلنا لفظ الصاع في حديث ابن عمر عاما)؛ لوجود دلالة التعميم وهي اقتران الألف واللام بصاع نكرة ليس في جنسها معهود، والذي استعير له اللفظ وهو ما يجوز به الصاع قابل لصفة العموم فتعم. قوله: (والحقيقة لا يسقط عن المسمى)، أي لا يسقط الاسم عن المسمى مادام المسمى باقياً معناه، يستحق المسمى إطلاق هذا اللفظ عليه بيانه: أن الأب اسم للوالد حقيقة وللجد مجازا فمن نفي اسم الأب عن الوالد وقال: إنه ليس بأب فقد يخطأ، لأن في صحة النفي إبطال الوضع أما إذا نفي اسم الأب عن الجد فقال: إنه جده وليس بأبيه لا يخطأ لأنه مستعار فكان(١) الحقيقة والمجاز بمنزلة الملك والعارية(٢). قوله: (ومتى أمكن العمل بها قط المجاز)؛ لأن المجاز خلف والخلف لا يوجد مع وجود الأصل. قوله: (فيكون العقد لما ينعقد دون العزم)، أي حمل لفظ العقد على ما ينعقد أليق وأولى من حمله على العزم والقصد، إذ العقد(٣) في الأصل الشد والربط ثم يستعار للبيع وغيره، لما أن فيه ربط الإيجاب بالقبول على وجه ينعقد أحدهما بالآخر فيسمى عقدا ثم يستعار لما يكون سبباً لهذا الربط وهي عزيمة القلب وإذا عرف هذا حملنا العقد المذكور / في قوله . تعالى -: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ (٤) على اليمين لأن العقد لما ينعقد من ٢٥/ب (١) في (١) فكانت (٢) هذه علامة لمعرفة الحقيقة والمجاز، والمراد أن المعني الحقيقي لا يسقط ولا ينتفي عما صدق عليه بخلاف المعنى المجازى فإنه يصح أن يصدق عليه، ويصح أن ينفي عنه فالهيكل المعلوم يصح أن يقال عليه أنه أسد، ولا ينفي عنه بأن يقال إنه ليس بأسد بخلاف الرجل الشجاع فإنه يصح أن يقال إنه أسد وأن يقال إنه ليس بأسد. نور الأنوار، وانظر كشف الأسرار للنسفي ٢٣٠/١، ٢٣١. (٣) العقد نقيض الحل، والعقد العهد والجمع عقود وهو أوكد العهود، وإذا قلت عاقدت فلانا أو عقدت عليه فتأويله: أنك ألزمته ذلك باستيثاق. وتعاقد القوم: تعاهدوا. لسان العرب ٢٩٧/٣ مادة عقد. (٤) من الآية ٨٩ من سورة المائدة. - ١٩٤ - والنكاح للوطء دون العقد. اليمين أقرب إلى الحقيقة، لما فيه من ربط المقسم به بالمقسم عليه فكان أولى، فلا تجب الكفارة في الغموس، إذ هو غير منعقد وقال الشافعي(١) إنه عبارة عن القصد أي بما عزمتم وكسبتم لأنه - تعالى - في آية أخرى ﴿بِّ كَسَبَتْ قُلُوبُّكُمْ﴾ (٢) فعلم أن العقد في الآية الأولى العزم والكسب ولهذا سميت العزيمة عقيدة فتجب الكفارة في الغموس لوجود العزم. قوله: (والنكاح للوطء دون العقد)؛ أي حمل لفظ النكاح على الوطء أولى من الحمل على العقد، لأن/ النكاح في أصل الوضع الضم، وحقيقة الضم في الوطء لا في العقد، وسمي العقد(٣) لما أنه سبب يتوصل به إلى ذلك الضم فكان الوطء أحق به إلا في موضع تعذر حمله عليه فحينئذ يحمل على العقد، والخصم حَمَله على العقد، حتى لا يوجب حرمة المصاهرة بالزنا لعدم العقد (٤). ٢١/أ (١) تحقيق ذلك: أن اليمين ثلاث: لغو، وغموس، ومنعقدة، فاللغو أن يحلف على فعل ماض كاذبا ظاناً أنه حق ولا إثم فيه ولا كفارة، والغموس أن يحلف على فعل ماض كاذبا عمداً وفيه الإثم دون الكفارة عندنا، وعند الشافعي رحمه الله فيه الكفارة أيضاً، والمنعقدة أن يحلف على فعل آت فإن حنث فيه يجب الإثم والكفارة جميعاً بالاتفاق، وذلك لأن الله - تعالى - ذكر هذه المسألة في موضعين فقال في سورة البقرة " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " وقال في سورة المائدة عوضه: " ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته " الآية فالشافعي رحمه الله يقول: بأن قوله بما عقدتم الأيمان معناه ومعني بما كسبت قلوبكم واحد، فيشمل كلا الآيتين الغموس والمنعقدة جميعاً والمؤاخذة في المائدة مقيدة بالكفارة فتحمل عليها المؤاخذة المطلقة المذكورة في البقرة فيكون الإثم والكفارة في كليهما فيطبق بين الآيتين بهذا النمط، ونحن نقول: إن معني العزم والكسب مجاز في قوله - تعالى - " بما عقدتم الأيمان " والحقيقة هو المنعقدة فقط فآية المائدة تدل على أن الكفارة في المنعقدة فقط بخلاف ما كسبت قلوبكم في البقرة فإنه عام للغموس والمنعقدة جميعاً، والمؤاخذة فيها مطلقة فتصرف إلى الفرد الكامل وهو المؤاخذة الأخروية، فيكون الإثم في الغموس والمنعقدة جميعاً. نور الأنوار بهامش كشف الأسرار للنسفي ٢٣٢/١، ٢٣٣. (٢) من الآية ٢٢٥ من سورة البقرة. (٣) في (ا، ب) العقد به. (٤) قال ابن ملك: يعني حمل النكاح المذكور في قوله - تعالى - "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم" على الوطء أولى من حمله على العقد كما ذهب إليه الشافعي، لأن النكاح مستعمل في الوطء كما قال التَُّّ"ناكح اليد ملعون" - لم يوجد في كتب الحديث وإنما روته الفقهاء - وفي العقد أيضا كما قال - ١٩٥ - ويستحيل اجتماعهما مرادين بلفظ واحد، كما استحال أن يكون الثوب الواحد على اللابس ملكا وعارية في زمان واحد حتى قلنا إن الوصية للموالي لا تتناول موالي الموالي، وإذا كان له معتق واحد يستحق النصف. لے قوله: (ويستحيل اجتماعهما مرادين بلفظ واحد) قيده بمرادين؛ لأنه يجوز اجتماعهما من حيث التناول ظاهراً كالاستئمان على الأبناء أنه يتناول الحقيقة والمجاز أي البنين وبني البنين، وإنما استحيل الاجتماع لأن الحقيقة ما استقر في محله الأصلي والمجاز ما انتقل عنه، ومن المحال أن يكون الشيء الواحد مستقرا في محله منتقلا عنه في زمان واحد، كما استحال أن يكون الثوب الواحد على اللابس ملكا وعارية معا. فإن قيل: إذا استعار الراهن الثوب المرهون فلبسه يكون ملكا وعارية. قلنا ذلك ليس بعارية حقيقة، إذ العارية تمليك المنافع بغير عوض والمرتهن غير مالك لها فلا يتصور التمليك منه(١). قوله: (يستحق النصف)؛ أي نصف الثلث وإنما استحق النصف، لأن المثنى له حكم الجمع في الميراث والوصية، ولم يستحق النصف الباقي [موالي الموالي](٢). الله - تعالى -: "فانكحوا ما طاب لكم" إلا أن استعماله في الوطء حقيقة، لأنه موضوع للضم وهو موجود في الوطء دون العقد. هذا مختار المصنف متابعا لفخر الإسلام، لكن عامة المشايخ وجمهور المفسرين على أن النكاح المذكور في الآية هو العقد. شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص٣٧٨،٣٧٧، وانظر أصول البزدوي بهامش كشف الأسرار للبخاري ٨٦،٨٥/٢، وحاشية نسمات الأسحار ص ١٠١، وأحكام القرآن للجصاص ٥١/٣، والمبدع ٦٠/٧. (١) يعني أن اللفظ للمعنى بمنزلة اللباس للشخص والمجاز كالثوب المستعار والحقيقة كالثوب المملوك، فكما أن استعمال الثوب الواحد فى حالة واحدة بطريق الملك والعارية جميعا محال، كذلك استعمال اللفظ الواحد بطريق الحقيقة والمجاز محال، والأوضح في المثال أن يقول كما استحال أن يلبس الثوب الواحد اللابسان أحدهما بطريق الملك والآخر بطريق العارية ليكون اللفظ بمنزلة اللباس والمعنيان بمنزلة اللابسين، والحقيقة والمجاز بمنزلة الملك والعارية، ولا يقال: إن الراهن إذا استعار الثوب المرهون من المرتهن ولبسه يصدق عليه أنه لبسه بطريق الملك والعارية جميعا، لأنا نقول إنّ لبسه هذا ليس بطريق العارية لأن المرتهن لم يتملك الثوب حتى يعيره الراهن ولكنه بطريق الملك لأن حق المرتهن كان مانعا، فإذا أزاله عاد حق المالك إلى أصله ويمكن أن يكون بطريق العارية فقط؛ لأنه لا تظهر ثمرة الملك فيه من البيع والهبة وغيره. نور الأنوار ٢٣٦/١. (٢) في (أ) مولى الموالاة. - ١٩٦ - ولا يلحق غیر الخمر بالخمر، ولا یراد بنو بنيه بالوصية لأبنائه ولا یراد المس باليد في قوله - تعالى -: ﴿أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَآءَ﴾؛ لأنهم وإن نسبوا إليه أيضا لكن لا بطريق الحقيقة بل بطريق المجاز، وهذا لأنه لما أعتق الأول فقد أثبت له مالكية الإعتاق فصار بذلك سببا لإعتاقهم فنسبوا إليه بحكم السببية مجازا(١). قوله: (ولا يلحق غير الخمر بالخمر) أي لا يلحق الأشربة المسكرة بالخمر في إيجاب الحد، لأن النص الوارد في تحريم الخمر وإيجاب الحد بشربه لا يتناول سائر الأشربة المسكرة حتى لا يجب الحد ما لم يسكر منها لأن الاسم للنيئ من ماء العنب المشتد حقيقة ولسائر الأشربة مجازا(٢). قوله: (ولا یراد بنو بنیه بالوصية لأبنائه)، أي إذا أوصى لأولاد فلان ولأبنائه وله بنون وبنو بنين أن الوصية لأبنائه دون بنى بنيه(٣). قوله: (ولا يراد المس باليد)، أي في حق انتقاض الطهارة؛ لأن المجاز وهو الوطء مراد بالإجماع حتى يجوز التيمم للجنب بهذا النص(٤). (١) هذا هو التفريع الأول على المسألة السابقة - استحالة اجتماعهما مرادين بلفظ واحد - أي إذا أوصى حر الأصل لمواليه بثلث ماله وله معتق واحد وموالي مولى كان نصف الثلث لمولاه ... انظر: كشف الأسرار للنسفي ولاحظ عبارته ٢٣٦/١، ٢٣٧. (٢) هذا تفريع ثان وعطف على قوله أن الوصية .... فلا يلحق غير الخمر من أخواتها وهي الطلاء ونقيع التمر ونقيع الزبيب ونحوه من سائر المسكرات بالخمر من حيث الحرمة وإيجاب الحد فإن في الخمر يجب الحد بشرب قطرة منها وتحرم قطرة منها من غير أن يصل إلى حد السكر وغيرها لا يحرم ولا يستوجب الحد ما لم يسكر، والشافعي - رحمه الله - يسمي كلها خمراً باعتبار أنه مشتق من مخامرة لعقل وهو يعم الكل. نور الأنوار ٢٣٧/١، ٢٣٨ وشرح ابن ملك ص ٣٨٣، ٣٨٤. (٣) عطف على ما سبق وتفريع ثالث، وهذا لأن اسم الابن حقيقة في الصلبي، ومجاز في بني بنيه والمجاز لا يزاحم الحقيقة وهذا قول أبي حنيفة، وقالا يدخل بنو بنيه في الوصية، لأن اسم البنين يتناول الفريقين عرفا فيتناولهم عموم المجاز. شرح ابن ملك ص٣٨٤، ٣٨٥. والتلويح على التوضيح ١٦٧/١، ١٦٨. (٤) عطف على ما قبله وتفريع رابع، لأن لامستم حقيقة في اللمس باليد ومجاز في الجماع فالشافعي رحمه الله يقول: إن كليهما مراد ههنا لأن الله - تعالى - قال: ﴿أَوْ لَمَسْؤُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّعُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فإن كان اللمس باليد فالتيمم فيه لأجل الحدث، فيكون لمس النساء ناقضا للوضوء، وإن كان اللمس بالجماع فالتيمم فيه لأجل الجنابة فيحل تيمم الجنب بهذه الآية، ونحن - ١٩٧ - لأن الحقيقة فيما سوى الأخير، والمجاز فيه مراد، فلم يبق الآخر مرادا وفي الاستئمان على الأبناء والموالي يدخل الفروع لأن ظاهر الاسم صار شبهة. ٢١/ز قوله: ( لأن الحقيقة فيما سوى الأخير)، أي الحقيقة في الفصول الثلاثة وهو الوصية للموالى والخمر والوصية لأبنائه، والمجاز فيه أي في الأخير وهو المس باليد مراد / فلم يبق الآخر وهو المجاز في الفصول الثلاثة والحقيقة في الفصل الرابع مراد، لاستحالة اجتماعهما بلفظ واحد. قوله: (وفي الاستثمان) جواب إشكال مقدر وهو أن يقال: إنكم جمعتم بين الحقيقة والمجاز فيما إذا طلب الأمان على الأبناء والموالي يدخل فيه البنون وبنو البنين، وكذلك فيه الموالي وموالي الموالي(١) فقال: إنما يدخل الفروع لأن ظاهر الاسم صار شبهة، وتحقيق هذا الكلام أن اسم الأبناء والموالى كما يقع على الابن والمعتق يقع على ابن الابن ومعتق المعتق أيضا قال الله - تعالى -: ﴿يَبَنِّ ءَدَمَ﴾(٢) ويقال هم موالي بنى هاشم، فكان الاسم بظاهره دليلا على دخولهم تحت الأمان، لكن يبطل العمل بذلك الظاهر في حكم لا يثبت بالشبهة كالوصية وما يضاهيها لتقدم الحقيقة لأنها حقيقة بأن يراد فبقى ظاهر الاسم شبهة؛ لأن الشبهة ما شبه الثابت ولیس بثابت، ومن حيث إن هذا تناول اللفظ یشبه الثابت لكنه ليس بثابت؛ إذ هو غير مراد باللفظ والأمان مما يثبت بالشبهات لما فيه من حقن الدماء/ ولهذا ثبت ٢٦/ب نقول إن المجاز ههنا مراد بالإجماع بيننا وبينكم فلا يجوز أن تراد الحقيقة أيضا لاستحالة الجمع بينهما، فلا يكون اللمس باليد ناقضا للوضوء حتى يكون التيمم خلفا عنه بل إنما هو خلف عن الجنابة فقط. وقال الرهاوي في حاشيته ومما يبعد إثبات نقض الوضوء من الآية بطريق الجمع بين الحقيقة والمجاز ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﴿ ورجل أي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجل أي فإذا أقام بسطتهما، وما أخرجه الدارقطني قالت: ((لقد كان رسول الله ﴿ يقبلني إذا خرج إلى الصلاة ولا يتوضأ)) وغيره من الأحاديث الدالة على عدم النقض بالمس باليد، وعدم ورود ما ينافيها. انظر نور الأنوار ١/ ٢٣٨، وكشف الأسرار معه ٢٣٨/١، ٢٣٩، وشرح ابن ملك ص ٣٨٥، ٣٨٦. (١) وكذا أن يقال: لو كان تناول الاسم ظاهرا شبهة في إثبات الأمان لثبت الأمان للأجداد والجدات فيما إذا قان الكافر آمنونا على آبائنا وأمهاتنا ولكنه لم يثبت، وفي ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز ابن ملك ص ٣٨٦. (٢) من الآيات: ٢٦، ٣١،٢٧، ٣٥، من سورة الأعراف، ٦٠ من سورة يس. - ١٩٨ - بخلاف الاستئمان على الآباء والأمهات حيث لا يدخل الأجداد والجدات لأن ذاك بطريق التبعية فيليق بالفروع دون الأصول. وإنما يقع على الملك والإجارة والدخول حافيا أو متتعلاً فيما إذا حلف لا يضع قدمه بمجرد الإشارة وأنها صورة المسألة لا حقيقتها، فاعتبرنا الشبهة في صيانة دمائهم وألحقناهم بأصولهم بناءً عليها(١). قوله: (بخلاف الاستئمان)، هذا جواب إشكال يرد على الجواب، وهو أنكم تركتم اعتبار هذه الشبهة في الاستئمان على الآباء والأمهات في الأجداد والجدات فقال: إنما ترك ذلك في الأجداد والجدات، لأن ثبوت الحكم باعتبار التناول الظاهري يكون بطريق التبعية، وذلك يليق بالفروع وهم أبناء الأبناء وموالي الموالي دون الأصول وهم الأجداد والجدات، لأن فيه جعل الأصل تبعا والتبع أصلا، وذلك نقض الأصول وعكس المعقول(٢). فإن قيل: يشكل بقوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ﴾(٣) وقد (٤) أريد بهذا النص الأم والجدات أيضا مع انعدام التبعية. قلنا: إن الأم هي الأصل لغة يقال لمكة أم القرى فيتناول النص لهن حقيقة أو يقول حرمتهن تثبت بالإجماع أو بدلالة النص، ووجه ذلك أنه لما ثبت حرمة العمات وهن أخوات الأب والاتصال بينهما اتصال مجاورة، فلأن تثبت حرمة أم الأب وبينهما اتصال جزئية بطريق أولى وكذا هذا في أم الأم(٥). قوله: (وإنما تقع) جواب عما أورد على الأصل وهو أن الحقيقة والمجاز لا يجتمعان فقيل إنهما اجتمعا فيما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان في موضعين أحدهما في النسبة؛ إذ حقيقتها/ الملك والنسبة إليه بالإجارة مجاز وقد يحنث في الصورتين والثاني في الفعل، فإن حقيقة وضع القدم هو أن يضعها حافياً، أما وضعها متنعلا، فليس بوضع إياها حقيقة، ومع ١/٢١ (١) انظر: كشف الأسرار للنسفي ولاحظ عبارته ٢٣٩/١، ٢٤٠، وانظر أصول السرخسي ١٧٣/١، والتلويح ١٦٧/١، ١٦٨. (٢) كشف الأسرار للنسفي ٢٤٠/١. (٣) من الآية ٢٣ من سورة النساء. (٤) في (ا، ب)فقد. (٥) انظر: شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ٣٨٧، ٣٨٨، وفتح الغفار ١٣٨/١. - ١٩٩ - في دار فلان باعتبار عموم المجاز وهو الدخول ونسبة السكنی، وإنما يحنث إذا قدم ليلا أو نهارا في قوله عبده حر يوم يقدم فلان لأن المراد باليوم الوقت وهو عام. وإنما أريد النذر واليمين ذلك يحنث في الوجهين يعنى في الدخول حافيا ومتنعلا، فقال إنما يقع على الملك والإجازة في النسبة وعلى الدخول صافيا ومتنعلا في الفعل باعتبار عموم المجاز، أما في النسبة فلأن يراد بها نسبة السكنى لا نسبة الملك، لأن الحامل على اليمين هو الغيظ الذي يلحقه من صاحب الدار لا معنى في الدار، ولهذا لو دخل داراً هي مملوكة لفلان لكنه غير ساكن فيها لا يحنث لكونها غير منسوبة إليه بالسكنى، وفى نسبة السكنى الملك والعارية سواء، وأما في الفعل فلأن وضع القدم هنا مجاز عن الدخول عرفا فكان مراد الحالف من هذا اليمين المنع عن الدخول بطريق بطريق إطلاق اسم السبب عن المسبب لا عن نفس الوضع، ولهذا لو وضع القدم ولم يدخل لا يحنث، والدخول عام يوجد في كل واحد من الحالتين فيتعمم الحنث لعموم الدخول. قوله: (لأن المراد باليوم الوقت)؛ لأن اليوم متى قرن بفعل ممتد وهو ما يقبل ضرب المدة كاللبس يراد به بياض النهار، لأن كل واحد ممتد فيتناسبان. قال الله تعالى: ﴿إِذَا تُوِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾(١)، وإذا قرن بفعل لا يمتد، كالقدوم يراد به مطلق الوقت، لأن الوقت غير ممتد فيناسب الفعل الذي هو غير ممتد قال الله - تعالى -: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَیِذٍ دُبُرَهُ﴾ (٢) الآية. قيل من فر من الزحف ليلا أو نهارا يلحقه هذا الوعيد(٣). قوله: (وإنما أريد النذر واليمين)، جواب عما قيل على قول أبى حنيفة ومحمد أنهما جعلا هذا القول عند إرادة اليمين نذرا ويمينا حتى أوجبا القضاء والكفارة عند فوات الأداء فيه، وفيه (١) من الآية ٩ من سورة الجمعة. (٢) من الآية ١٦ من سورة الأنفال. (٣) هذا جواب سؤال آخر تقريره: أنه إذا حلف أحد فقال عبدي حر يوم يقدم فلان فاليوم حقيقة في النهار ومجاز في الليل وأنتم جمعتم بينهما وقلتم بأنه إن قدم فلان ليلا أو نهارا يعتق العبد فأجاب بأنه إنما يحنث في هذا المثال بالقدوم ليلا أو نهارا لأن المراد باليوم الوقت وهو عام أي الوقت معني مجازى شامل للنهار والليل فيحنث باعتبار عموم المجاز لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز وقيل هو مشترك - ٢٠٠ -