النص المفهرس

صفحات 141-160

أو ملحقا به كا الوضوء والجهاد والقدرة التي يتمكن بها العبد من أداء ما لزمه، .
وهي نوعان مطلق وهو أدنى ما يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه، وهو شرط في أداء كل
ملحقا به كالزكاة، وهذا الضرب يجمع ما حسن لمعنى في عينه مع ضروبه الثلاثة، وما حسن
لغيره إذ كل واحد من الإيمان والصلاة والزكاة [والجهاد والوضوء] (١) حسن لمعنى في شرطه
(بعدما كان حسنا لعينه(٢)) أو لغيره ولا يقال بأن تخصيصه بقوله بعدما كان حسنا لمعنى في
عينه، أو ملحقا به نشير إلى أنه لا ينتظم [ما حسن لمعنى لغيره](٣) فلا يستقيم القول بأنه
يجمع القسمين؛ لأنا نقول إن القسم الثاني وهو الذي حسن لغيره لا يخلو عن أحد القسمين
الأوليين أعنى ما حسن لعينه، وما ألحق به فاتصافه بالحسن يكون بحسن (٤) أحدهما وذلك
لأن الحسن في الحقيقة لا يعدو القسمين وهذا ظاهر، والقسم الثاني حسن لمعنى في غيره،
وذلك الغير إما أن يكون حسنا لعينه أو ملحقا به، وذلك بالضرورة فاستقام قولنا إنه يجمع
القسمين.
قوله: (وهو نوعان) الذي ذلك الشرط وهو القدرة(٥) نوعان أحدهما مطلق وهو أدنى ما
يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه بدنيا كان أو ماليا وذلك أيضا نوعان، والثاني كامل فصار
هذا الشرط ثلاثة أنواع، أما أحد نوعى المطلق فما به يصير الفعل في حيز الجواز عقلا وإن كان
نادرا عادة، كما إذا صار الكافر أو الصبي أو الحائض أهلا ولم يبق من الوقت إلا ما يسع فيه
(١) في (أ، ب، ج) والوضوء والجهاد.
(٢) في (أ، ب، ج) بعدما حسن لعينه.
(٣) في (أ، ب، ج) ما حسن لغيره.
(٤) في (ب، ج) لحسن.
(٥) القدرة على نوعين: قدرة يصير الفعل بها متحقق الوجود، وهى القدرة المؤثرة المستجمعة لجميع
الشرائط فهي مع الفعل وإن كانت متقدمة بالذات، ولا يجوز أن يكون قبله لامتناع تخلف المعلول
عن علته التامة وهذه القدرة لا تكون شرطا للتكليف، وقدرة يصير الفعل بها متوهم الوجود وهى
قدرة مؤثرة عند انضمام الإرادة إليها وهى سلامة الأسباب والآلات وهى سابقة على الأداء وتلك
على نوعين: نوع يصير الفعل به غالب الوجود عادة كمن أدرك على سعة الوقت مع كونه أهلا
لأداء الصلاة يظهر أثر هذه القدرة في لزوم الأداء لعينه، وقدرة يصير الفعل بها في حيز الجواز عقلا
وإن كان يندر وقوعه، يظهر أثرها في لزوم الأداء لخلفه، شرح ابن ملك ص ٢٠٦، ٢٠٧، وانظر
فتح الغفار ٦٤/١، ٦٥.
- ١٤١ -

أمر والشرط توهمه لا حقيقته حتى إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض في
آخر الوقت لزمه الصلاة لتوهم الامتداد في آخر الوقت بوقف الشمس.
التحريمة فإنه يجب عليه(١) الأداء عندنا خلافا لزفر (٢) رحمه الله(٣) وأثر هذا الفرع في لزوم
الأداء بالقضاء حتى إنهم لا يأثمون بترك الأداء، وأما الثاني فما به يصير الفعل غالب الوجود
وأثره في لزوم الأداء وفي الإثم بتركه كما إذا صاروا أهلا وفى الوقت سعة، والثالث وهو
المسمى بالكامل ما يتغير به الواجب فيصير سمحا سهلا ويدور معه وجودا وعدما.
قوله: (والشرط توهمه) الذي شرط وجوب الأداء توهم القدرة وهي التي يصير بها الفعل
في حيز الجواز عقلا؛/ إذ في لزوم الأداء بدونه حرج لا حقيقته؛ لأن ذلك شرط/ تحقق الأداء،
وجملة ذلك أنه يشترط لنفس الوجوب السبب والأهلية فقط، ولوجوب الأداء القدرة
المتوهمة وللأداء حقيقة القدرة.
١٠/ز
٩/ج
(١) في (أ، ب، ج) عليهم.
(٢) زفر بن الهزيل بن قيس البصري كان أبو حنيفة يبجله ويعظمه ويقول: هو أقيس أصحابي وقال
الحسن بن زياد إن المقدم في مجلس الإمام كان زفر. ولد سنة ١١٠ هـ، ومات بالبصرة سنة ١٥٨
هـ. الفوائد البهية ص ٧٥، ٧٦، والفتح المبين ١١١/١، ١١٢.
(٣) قال زفر والشافعي - رحمهما اللَّه -: إذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو طهرت
الحائض في آخر الوقت بحيث لا يتمكنون من أداء الفرض فيما بقى من الوقت لا يلزمهم الأداء؟
لانعدام الشرط وهو التمكن، ولكنّ علماءنا رحمهم الله قالوا: يلزمهم الأداء استحسانا؛ لأن
السبب الموجب جزء من الوقت، وشرط وجوب الأداء كون القدرة على الأداء متوهم الوجود، لا كونه
متحقق الوجود، فإن ذلك لا يسبق الأداء، وهذا التوهم موجود ههنا، لجواز أن يظهر في ذلك الجزء من
الوقت امتداد بتوقف الشمس فيسع الأداء كما روى أن سليمان التلّئالما جلس على كرسيه عرض عليه
الصافنات الجياد فاشتغل بها وفاته صلاة العصر، فأهلك تلك الخيل بالعقل وضرب الأعناق كما قال.
تعالى -: ﴿فَطَفِقَ مَسَْخَا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ تشاؤما بها حيث شغلته عن ذكر ربه، وقهرا للنفس عن
حظها، جازاه الله - تعالى - أن أكرمه برد الشمس ليتدارك ما فاته، وبتسخير الريح بدلا عن الخيل. أصول
السرخسي ٦٦/١، ٦٧ وفتح الغفار ٦٥/١ وما بعدها وكشف الأسرار للنسفى ١٠٠/١ وما بعدها،
وشرح ابن ملك ص ٢١١، ٢١٢، وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: للحنفية قولان: أحدهما وهو
قول زفر أنه لا يجب الفرض ولا يتغير الأداء إلا إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكنه فيه أداء الفرض، والقول
الثاني للكرخي وأكثر المحققين أنه يجب الفرض ويتغير الأداء إذا بقى من الوقت مقدار ما يسع التحريمة
فقط، وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية وعند المالكية يجب الفرض إذا بقى من الوقت مقدار ركعة مع
زمن يسع الطهر، وهو قول لبعض الشافعية، وفي قول آخر للشافعية: إذا بقى مقدار ركعة فقط. الموسوعة
الفقهية ٣٣٢/٢٠.
- ١٤٢ -

وكامل وهو القدرة الميسرة للأداء ودوام هذه القدرة شرط لدوام الواجب حتى تبطل
الزكاة والعشر والخراج بهلاك المال بخلاف الأولى حتى لا يسقط الحج وصدقة الفطر
بهلاك المال وهل تثبت صفة الجواز للمأمور به إذا أتى به؟
قوله: (وكامل) وصَفَه به لأنه زائد على الأول بدرجة حيث يمكن المكلف من الفعل مع
صفة اليسر (١).
قوله: (ودوام هذه القدرة شرط لدوام الواجب)؛ لأنها لما كانت ميسرة غيرت صفة
الواجب عن أصل الإمكان إلى اليسر وذلك صفة للواجب لا شرط له؛ لأنه يوجد بأصل
القدرة بدونها والموصوف بصفة لا يبقى إلا بها، فشرط دوامها بخلاف الممكنة فإنه لا أثر لها
في التغيير بل الفعل لا يتصور بدونها فكان شرطا محضا فلم يشترط دوامها لبقاء الواجب
قوله حتى تبطل الزكاة يعنى لما شرط دوام هذه القدرة لدوام ما وجب بها تبطل الزكاة بهلاك
النصاب لكونها واجب(٢) بالقدرة الميسرة/ حيث علقت بالمال الموصوف وقد هلك.
١٠/أ
وكذا العشر يسقط بهلاك الخارج وكذا الخراج إذا اصطلم (٣) الزرع آفة لما بينا(٤).
قوله: (وهل تثبت صفة الجواز إلى آخره) وتكلموا في تفسير الجواز والإجزاء والصحة في
العبادات، فعندنا هو حصول الامتثال بإتيان المأمور به كما وجب ثم سقوط الإعادة والقضاء
بناء عليه إن لم يؤده كما وجب يجب وإلا فلا، وعندهم تفسيره سقوط القضاء عنه(٥) وذلك
(١) سمى بالكامل، لأنها زائدة على الممكنة بدرجة؛ لأنها يثبت التمكن ثم اليسر وبالممكنة لا يثبت
إلا التمكن، وليس معناه أن المأمور كان واجبا بالعسر بقدرة ممكنة، ثم تغير باشتراط هذه القدرة إلى
اليسر، بل معناه أنه لو أوجبه اللّه تعالى بقدرة ممكنة لكان جائزا كسائر العبادات الواجبة بها، فلما
توقف الوجوب في بعض الواجبات على هذه القدرة كأنه تغير من العسر إلى اليسر بواسطتها،
وهذه القدرة شرطت في أكثر الواجبات المالية دون البدنية، لأن أدائها أشق إذ المال محبوب النفس
والمفارقة عن المحبوب أمر شاق ومهروب عنه شرح ابن ملك ص ٢١٣، ٢١٤.
(٢) في (ج) واجبة.
(٣) اصطلم القوم: أَبيدوا، والاصطلام إذا أييد قوم من أصلهم قيل اصطلموا، وفي حديث الفتن:
((وتصطلمون في الثالثة))، الاصطلام افتعال من الصلم القطع. لسان العرب مادة صلم ٣٤٠/١٢، ٣٤١.
(٤) انظر نور الأنوار ١٠٣/١، والمبسوط للسرخسي ٨٣/١٠، وشرح فتح القدير ٣٨/٦، والهداية
شرح البداية ١٥٨/٢، وفتح الغفار ٦٧/١.
(٥) ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضى الإجزاء بفعل المأمور به إذا امتثل المأمور بكمال وصفه
- ١٤٣ -

١٣/ب
لا يعرف بالأمر وإنما يعرف بدليل زائد ألا يرى أن من جامع قبل الوقوف لزمه الامتثال بالمضي
مع أن القضاء لازم عليه فعلم أن بالامتثال لا يعرف سقوط القضاء ولأن النهي عن الفعل
الشرعي لا يدل على الفساد ولهذا/ لو صلى(١) على الأرض المغصوبة تقع مجزئة(٢) وإذا
كان النهي لا يدل إلى الفساد فالأمر لا يدل على الجواز قلنا: لولا الجواز على تقدير حصول
ما ذكر للزم تكليف ما ليس في الوسع، أما الحج(٣) فإذا فسد فقد انعدم الامتثال فيه؛ لأنه لم
يؤده على الوصف الذي أمر به، وأما لزوم المضي في الفاسد مع أنه يلزمه الحج الصحيح في
السنة القابلة فبأمر جديد لما أن الإحرام انعقد لازمًا شرعا فإذا أتمه فاسدًا خرج (٤) عن عهدة
هذا الأمر أيضا؛ لأنه أتى به على الوجه الذي أمر به والنهى عن الصلاة في المغصوبة(٥) متعلق
بشغل الأرض وهو ليس بصلاة ولا وصف لها ولذا(٦) لا تفسد(٧).
وشرطه، وقال بعض المتكلمين لا يقتضي الإجزاء ولا يمتنع وجوب القضاء مع حصول الامتثال
بدليل المضي في الحج الفاسد ويجب القضاء .... روضة الناظر لابن قدامة ص ٢٠٥ وانظر إرشاد
الفحول للشوكاني ص ١٨٥، والمدخل لابن بدران الدمشقي ص ١٦٤، والإحكام للآمدي١/
١٧٥، والمحصول ٤١٤/٢ وما بعدها.
(١) في (أ، ب، ج) فى.
(٢) انظر تفصيل القول في المسألة في الجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني ص ١٠٢
(٣) في (أ، ب، ج) إذا.
(٤) في (أ، ب) يخرج.
(٥) في (أ، ب، ج) في الأرض المغصوبة.
(٦) في (ج، ب) فلذا.
(٧) اختلفوا في أنه إذا أدى المأمور به مع رعاية الشرائط والأركان، فهل يجوز لنا أن نحكم بمجرد
إتيانه بالجواز أو نتوقف فيه حتى يظهر دليل خارجي يدل على طهارة الماء وسائر الشرائط فقال
بعض المتكلمين: لا نحكم به حتى نعلم من خارج أنه مستجمع للشرائط والأركان، ألا ترى أن
من أفسد حجه بالجماع قبل الوقوف فهو مأمور بالأداء شرعا بالمضي على أفعاله مع أنه لا يجوز
المؤدى إذا أداه فيقضى من قابل، والمذهب الصحيح عندنا أنه تثبت بمجرد إيجاد الفعل صفة الجواز
للمأمور به. نور الأنوار ١٠٨/١، ١١٠، وفتح الغفار ٦٩/١، وحاشية نسمات الأسحار ص ٥٣،
وجامع الأسرار. لقوام الدين الكاكي ٢١٥/١، ٢١٦، وإرشاد الفحول ص ١٠٥.
- ١٤٤ -

قال بعض المتكلمين: لا تثبت والصحيح عند الفقهاء أنه يثبت له صفة الجواز وانتفاء
الكراهة وإذا عدم صفة الوجوب للمأمور به لا تبقى صفة الجواز عندنا خلافا للشافعي.
قوله: (وانتفاء الكراهة) قال أبو بكر الرازي(١) - رحمه الله - الأمر قد يتناول ما هو مكروه
شرعًا كأداء العصر في آخر(٢) الوقت وطواف المحدث قلنا: إن الأمر أبلغ في طلب الفعل من
الإذن وبالإذن تنتفي الكراهة ولأن(٣) تنتفي بالأمر وهو أعلى أولى، وكراهة العصر والطواف
للتشبيه (٤) بعبدة الشمس ولوصف في الطائف وهو المحدث لا للصلاة والطواف(٥).
قوله: (وإذا عدم صفة الوجوب للمأمور به) كما في قوله {وَ التّ: ((من حلف على يمين ورأى
غيرها خيرا منها [فليكفر ثم] (٦) ليأت بالذي هو خير))(٧) لا ينفي صفة الجواز عندنا وعند
الشافعي ينفى؛ لأن الوجوب رفع الحرج عن الفعل مع إثباته على الترك والجواز رفع الحرج عن
(١) أحمد بن علي أبو بكر الرازي الإمام الكبير الشأن المعروف بالجصاص وهو لقب له، وكتب
الأصحاب والتواريخ مشحونة بذكره، ولد سنة خمس وثلاث مئة سكن ببغداد واخذ عنه فقهاؤها
له أحكام القرآن وشرح مختصر الطحاوي وله كتاب مفيد في أصول الفقه توفي سنة سبعين وثلاث
مئة انظر طبقات الحنفية ٨٤/١، طبقات المفسرين للأدنروي ص ٨٤.
(٢) في (ب) كأداء الصلاة في آخر الوقت.
(٣) في (ب، ج) فلأن.
(٤) في (أ، ب) للتشبه.
(٥) الأمر المطلق لا يتناول المكروه عند الحنابلة والشافعية والجرجاني من الحنفية وقال الرازي الحنفي
يتناوله وذكر أبو محمد التميمي الأول قول أحمد. القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص
١٠٧، وانظر التفصيل في أصول السرخسي ٦٤/١، وقواطع الأدلة للسمعاني ص ١٣٢، والمسودة
لآل تيمية ٤٦/١، والتبصرة للشيرازي ص ٩٣، وأحكام القرآن للجصاص ٧٦/٥.
(٦) في (١) فليكفرّ عن يمينه ثم.
(٧) الحديث أخرجه مسلم بألفاظ مختلفة في كتاب الإيمان، باب ندب من حلف على يمين فرأى
غيرها خيرًا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، عن أبى هريرة قال: أعتم رجل عند
النبي ◌َّ ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا، فأتاه أهله بطعامه فحلف لا يأكل من أجل
صبيته ثم بدا له فأكل فأتى رسول اللَّه ﴿ فذكر ذلك له فقال رسول اللَّه حل: ((من حلف على
يمينه فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمنه)). مسلم ١٢٧١/٣، وابن حبان بلفظ: ((من
حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير))، ابن حبان ١٠/
١٩٠، والدرامي نحوه ٢٤٣/٢، والنسائي ١٢٧/٣، والترمذي ١٠٧/٤ وقال حسن صحيح،
وابن ماجة ٦٨١/١، والبيهقي ٢٣٢/٩، وأحمد ٢٠٤/٢.
:
- ١٤٥ -

مبحث الأمر
والأمر نوعان: مطلق عن الوقت؛ كالزكاة وصدقة الفطر وهو على التراخي خلافا
١٠/ج
الفعل فيكون جزء الوجوب فلا ينتفي بانتفاء كله لا محالة لجواز انتفائه بانتفاء جزء آخر ولهذا
لم ينسخ جواز صوم عاشوراء بانفساخ(١) وجوبه قلنا: ما ثبت ضمنا يبطل بانتفاء ما يضمنه
وكونه جزؤه / ممنوع(٢) إذ هو رفع الحرج عن الفعل والترك ولذا خير العبد فيه وفى الوجوب
يثبت الحرج على الترك حتى إنه لم يخير فيه فيتنافيان وجواز صوم عاشوراء بناء على أن الصوم
مشروع فيه حقا للعبد كما في سائر الأيام لا بموجب ذلك الأمر(٣).
قوله: (مطلق عن الوقت)(٤) الذي لم يذكر له وقت.
قوله: (كالزكاة) الذي كأمر الزكاة [حذف المضاف وأقام](٥) المضاف إليه مقامه؛ ليعلم
أن المقصود من كون الأمر مطلقا أو مقيدًا، معرفة كيفية المأمور به.
قوله: (وهو على التراخي) معناه أنه يجب مطلقا عن الوقت والتعيين إليه، غير أنه لو مات
قبل الأداء يأثم بتركه، وكان أبو الحسن الكرخي(٦) - رحمه الله - يقول: إنه يوجب الأداء
(١) في (ب، ج) بانتساخ بالمثناة الفوقية.
(٢) إلى هنا نهاية النسخة (ج)، حيث إن بقيتها شرح آخر على المنار غير الشرح الذي نحن بصدد
تحقيقه وقد فصلنا القول في هذا في القسم الدراسي فلينظر.
(٣) هذا بحث آخر متعلق بما مر من أن موجب الأمر هو الوجوب، يعنى أنه إذا نسخ الوجوب الثابت
بالأمر فهل تبقى صفة الجواز الذي في ضمنه أم لا؟ فقال الشافعي - رحمه الله - تبقى صفة الجواز
استدلالا بصوم عاشوراء فإنه كان فرضا ثم نسخت فرضيته، وبقى استحبابه الآن، وعندنا لا تبقى
صفة الجواز الثابت في ضمن الوجوب، كما أن قطع الأعضاء الخاطئة كان واجبا على بنى إسرائيل
وقد نسخ عنا فرضيته وجوازه وهكذا القياس. نور الأنوار ١١١/١، ١١٢، وابن ملك مع حاشية
الرهاوي ص ٢٢٠، ٢٢٢، وفتح الغفار ٧٠/١، ٧١، وجامع الأسرار ٢١٨/١، ٢١٩، وأصول
السرخسي ٦٤/١، ٦٥.
(٤) لما فرغ من مباحث حسن المأمور به وملحقاته شرع في بيان تقسيمه إلى المطلق والمؤقت، فما تقدم
كان في تقسيم المأمور به باعتبار أحوال قائمة بنفسه وهذا شروع في تقسيمه باعتبار أمر غير قائم به
وهو الوقت فتقدير الكلام ما يثبته الأمر وهو المأمور به، لأن الإطلاق والتقييد وصفان للمأمور به لا
للأمر. حاشية الرهاوي ص ٢٢٢.
(٥) في (١) حذف المضاف وأقيم المضاف بالبناء للمجهول.
(٦) وهو الظاهر من مذهب الشافعي رحمه الله، وعامة أصحاب الحديث وبعض المعتزلة وبه قال
- ١٤٦ -

للكرخي كيلا يعود على موضوعه بالنقض، ومقيد به، وهو إما أن يكون الوقت ظرفا
على الفور؛ لأن الأمر بالشيء يقتضي تعلق المصلحة المختلفة باختلاف الأوقات بالأداء،
ومطلق الأمر يفيد العلم بذلك في أول أوقات إمكان الأداء، ولا يتيقن فيما بعده، ثم المتعارف
بالأمر شيئان: الوجوب والاعتقاد/. والاعتقاد يثبت بمطلق الأمر فكذا الوجوب.
١١/ز
قلنا: قول القائل لغيره أفعل الساعة مقيد وهو يوجب الائتمار على الفور، وقوله أفعل
مطلق فلو اقتضى هذا الفور لصار حكمه حكم المقيد(١)، فلم يبق المطلق مطلقا وهذا معنى
قوله كيلا يعود على موضوعه بالنقض(٢).
قوله: (وهو الذي) المقيد بالوقت، إما أن يكون الوقت ظرفا للمؤدى فيؤدى في بعض،
وشرطا للأداء فيفوت الأداء بفواته(٣)، وسببا للوجوب فيختلف الواجب باختلاف صفته،
ويفسد قبل وجوده(٤) كوقت الصلاة(٥).
محمد بن الحسن والشافعي فيما ذكره أبو سهل الزجاج أيضًا، وقيل إنه لا يدل على الفور ولا على
التراخي وإنما يدل على القدر المشترك فلا يثبت كل منهما بقرينه وبه قال الفخر الرازي. أصول
السرخسي ٢٦/١، وكشف الأسرار للنسفي ١١٤/١، وحاشية الرهاوي ٢٢٢.
(١) عبارة السرخسي ٢٧/١
(٢) قال الأزميري في حاشيته على المرآة: القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار يلزمهم القول بأنه
يقتضي الفور؛ لأن من ضرورة التكرار استغراق جميع الأوقات من وقت الأمر إلى آخر العمر
والذين قالوا: إن البراءة تحصل بالمرة اختلفوا فيه فقال: أبو منصور الماتريدي والكرخي من أصحابنا
إنه يقتضي الفور، وقال أكثر مشايخنا وبعض الشافعية وعامة المتكلمين إنه للتراخي لا للفور، وقال
القاضي الباقلاني: يقتضي أحد الأمرين: إما الفور أو العزم على الفعل في ثاني الحال إلا أن آخر
الوقت إذا بقي منه قدر ما يسع الفعل فحينئذ يتعين الفعل وقال إمام الحرمين بالوقف بمعنى أنه لا
يعلم لغة بدون القرينة أنه يقتضي الفور أو التراخي، ولكنه لو بادر المأمور وأتى المأمور به فورًا لكان
متثلًا، وقال بعضهم بالوقف وإن بادر المأمور وأتي المأمور به فورًا لم يقطع بكونه ممتثلاً بل يتوقف
فيه أيضًا كما يتوقف قبله. وقد ذكر أدلة سبعة للقائلين بالفور وأجاب عنها. انظر الأدلة والمسألة
مفصلة في حاشية الأزميري ١٩٥/١ - ١٩٧.
(٣) في (١) بفوته.
:
(٤) المراد بالظرف: أن لا يكون معيارا له بل يفضل عنه، والمراد بالشرط أن لا يصح المأمور به قبل
وجوده ويفوت بفوته، والمراد بالسبب أن لهذا الوقت تأثيرا في وجوب المأمور به وإن كان المؤثر
الحقيقي في كل شيء هو اللَّه - تعالى -... نور الأنوار لملاجيون ١١٥/١.
(٥) فإن الجزء الأول منه شرط للأداء ومطلق الوقت ظرف لها وكل الوقت سبب لوجوبها إن فات
- ١٤٧ -

للمؤدى وشرطا للأداء وسببا للوجوب؛ كوقت الصلاة وهو إما أن يضاف إلى الجزء
الأول أو إلى ما يلي ابتداء الشروع أو إلى الجزء الناقص عند ضيق الوقت أو إلى جملة
قوله: (وهو إما أن يضاف) الذي الوجوب إما أن يضاف إلى الجزء الأول؛ لأنه لما جعل الوقت
سببا للوجوب مع كونه ظرفا للأداء امتنع أن يجعل كله سببًا؛ لأن اعتبار جانب السببية فيه
يقتضى تأخير الأداء عن الظرف، واعتبار جانب الظرفية يقتضى تقديم الحكم على السبب،
وليس بعد الكل مقدار معلوم فوجب أن يجعل جزءًا منه سببًا لكونه متيقنًا، والجزء السابق
أولى به لعدم ما يزاحمه، ولصحة الأداء بعده، ولو لم يكن سببًا لما صح الأداء، ولما صار الجزء
الأول سببا أفاد الوجوب وصحة الأداء لا وجوب الأداء، إذ ذاك بالخطاب، وهذا لأن وجوب
الأداء ينفصل عن نفس الوجوب/ كما في ثمن المبيع ومهر النكاح.
١٤/ب
قوله: (أو إلى ما يلي ابتداء الشروع) يعني: إن لم يرد بعدما انقضى الجزء الأول انتقلت
السببية إلى الجزء الثاني فيضاف الوجوب إليه فإن اتصل الأداء به تقرر، وإلا/ ينتقل إلى
الثالث، وذلك لأن ما يتصل به الأداء أولى بالسببية من غيره؛ لكونه أقرب إلى المقصود ولم
يجز تقديره على ما سبق الأداء إذ هو مختلف ذاتا، ولذا(١) قلنا: تجب الصلاة على من صار
أهلًا بعد الجزء الأول، ولو تقررت في الأولى لما وجبت عليه، كما إذا صار أهلًا بعد ذهاب
الوقت.
١١/أ
قوله: (أو إلى الجزء الناقص عند ضيق الوقت) بأن لم يؤد قبله فيتعين السببية فيه ضرورة؛
إذ لم يبقى بعده ما ينتقل إليه، فتعتبر حال المكلف في الإسلام والبلوغ والعقل والجنون والسفر
والإقامة والحيض، عند ذلك الجزء مع اعتبار صفته، حتى لو كان صحيحا كما في الفجر
وجب كاملا إذا اعترض الفساد بطلوع الشمس بطل الفرض، وإن كان فاسدا انتقض
الواجب كالعصر يُستأنف. في وقت الإحمرار، فإذا غربت الشمس وهو فيها لم تتغير، فلم
تفسد، وعند زفر - رحمه الله - إذا [تضيق على](٢) وجه لا يفضل عن الأداء، يتعين السببية
فيه، لأنه ينقطع خياره ولا يسعه التأخير بعده، فتعتبر حاله فيه، قلنا: إنما لا يسعه التأخير؛ لئلا
الفرض عن وقته وإلا فالبعض سبب. ابن ملك ٢٣٢، ٢٣٣.
(١) في (أ) ولهذا.
(٢) في (١) تضيق الوقت على.
- ١٤٨ -

الوقت، فلهذا لا يتأدى عصر أمسه في الوقت الناقص بخلاف عصر يومه.
ومن حكمه اشتراط نية التعيين
يفوت، لا لأن ما بعده لا يصلح لانتقال السببية إليه(١).
قوله: (أو إلى جملة الوقت) الذي يضاف الوجوب إلى جملة الوقت إن لم يؤد في الوقت
أصلًا؛ لزوال الضرورة الداعية عن الكل إلى الجزء، فوجبت بصفة الكمال، إذ السبب وهو
الوقت كامل(٢)، وإن كان فيه جزء ناقص فلا يتأدى بالناقص في اليوم الثانى؛ لأن الأجزاء
الصحية منه ينافى جواز القضاء في الأوقات المكروهة، والجزء الناقص يجوزه فلا يجوز
بالشك.
قوله: (ومن حكمه اشتراط نية التعيين)(٣)، أما اشتراط نفس النية، فلأن صرف ما هو حقه
(١) قال ملاجيون الأصل أن كل مسبب متصل بسببه، فإن أديت الصلاة في أول الوقت يكون الجزء
السابق على التحريمة وهو الجزء الذي لا يتجزأ سببا لوجوب الصلاة، فإن لم يؤدّ في أول الوقت
تنتقل السببية إلى الأجزاء التي بعده، فيضاف الوجوب إلى كل ما يلي ابتداء الشروع من الأجزاء
الصحيحة، فإن لم يؤدى في الأجزاء الصحيحة حتى ضاق الوقت فحينئذ يضاف الوجوب إلى
الجزء الناقص عند ضيق الوقت، وهذا لا يتصور إلا في العصر، فإن في غيره من الصلاة كل الأجزاء
صحيحة وهذا الجزء الناقص مقدار ما يسع التحريمة عندنا، ومقدار ما يؤدى فيه أربع ركعات عند
زفر - رحمه الله -، فلا تنتقل السببية عنده إلى ما بعده؛ لأنه خلاف الأمر والشرع، فإن كان هذا
الجزء الأخير كاملًا كما في صلاة الفجر وجبت كاملة، فإن اعترض الفساد بالطلوع بطلت الصلاة
ويحكم بالاستئناف، وإن كان هذا الجزء ناقصا كما في صلاة العصر وجبت ناقصة فإن اعترض
الفساد بالغروب لم تفسد الصلاة لأنه أداها كما وجبت، وكان قوله إلى ما يلي ابتداء الشروع
شاملا للجزء الأول، وللجزء الناقص، لأن الجزء الأول والجزء الناقص إنما يصير سببًا لوجوب
الصلاة إذا شرع فيه، وأما إذا لم يشرع فيه لم يصر سببًا فينبغي أن يقتصر عليه، إلا أن الجزء الأول
لاهتمام شأنه عند الجمهور صرح به، حتى ذهب كل الأئمة سوى أبى حنيفة - رحمه الله - إلى
استحباب الأداء فيه، وكذا الجزء الناقص لأجل خلافية زفر - رحمه الله - فيه صرح بذكره، وهذا
كله إذا أدى الصلاة في الوقت وأما إذا فاتت الصلاة عن الوقت فحينئذ يضاف الوجوب إلى جملة
الوقت ... نور الأنوار ١١٧/١.
(٢) في (١) الكامل.
(٣) أي ومن حكم هذا النوع الذي جعل الوقت ظرفا له، قال الرهاوي عقّب هذا النوع من الوقت
بأحكام أربعة: الأول أن النية شرط، والثاني أن يعينها كذلك، الثالث أن التعين لا يسقط بضيق
الوقت، الرابع أنه لا يتعين بنفسه نصا أو قصدا وإنما يتعين ضرورة تعين الأداء كذا قاله بعض
- ١٤٩ -

ولا يسقط بضيق الوقت ولا یتعین بالتعیین إلا بالأداء کاحانث أو یکون معیارًا له و سببًا
من المنافع إلى ما عليه لا يكون إلا بالنية، وأما التعيين فلأن المشروع لما تعدّد لم يتعين بالاسم
المطلق إلا عند تعيين الوصف.
قوله: (ولا يسقط) يعنى لما وجب التعيين لم يسقط بضيق الوقت، لأنه من موجبات
التوسعة وهي أصل فلا يسقط هذا الشرط بالعوارض كالنوم والإغماء ولا بتقصير العباد؛ لأن
العارض لا يعارض الأصل(١) قوله ولا يتعين بالتعيين يعنى قصدًا بأن قال: عينت هذا الجزء،
فإنه لا يتعين، حتى يجوز الأداء بعده؛ لأن تعين السبب المطلق أو الشرط ضرب يصرف
فيه(٢)، وليس للعبد ذلك؛ لأنه يفضى إلى الشركة في وضع المشروعات، وإنما يتعين ضرورة
الأداء كالحانث فإنه مخير بين الأشياء الثلاثة، ولو عين واحدًا منها للتكفير لا يتعين ما لم يكفر
به(٣).
قوله: (أو يكون معيارًا) الذي المقيد بالوقت إما أن يكون الوقت معيارًا له، أراد بالمعيار
الوقت المثبت قدر الفعل كالمكيل فإنه مثبت قدر المكيل، والصوم قُدِّر بالوقت فيكون الوقت
معيارًا (٤) وهو سبب له؛ لأنه أضيف إليه والإضافة للاختصاص وأقوى وجوه الاختصاص في
إضافة المسبب إلى السبب، لأن المسبب حادث به شرعًا(٥).
الشارحين. حاشية الرهاوي وابن ملك ٢٤١.
(١) وفيه دفع لمن يتوهم أن الحكم ينتفي بانتفاء السبب وسبب التعيين توسعة الوقت، وإذا ضاق وزال
التوسعة ينبغي أن يسقط التعيين وأجاب بأنه لا يسقط لأن الحكم قد لا يزول بزوال السبب
كالتبختر في الطواف وعدم السقوط هنا من هذا القبيل، ويمكن أن يقال: المعنى الموجب للتعيين
عند السعة تعدد المشروع وذلك باق عند الضيق فلا يسقط التعيين. ابن ملك ٢٤٢، وفتح الغفار
٧٨/١.
(٢) عبارة ابن ملك تشبه عبارة المصنف. انظر شرح ابن ملك ٢٤٢، ٢٤٣.
(٣) قال ملاجيون أي إن عين أحد أول الوقت أو أوسطه أو آخره لا يتعين بتعيينه اللساني أو القصدي
إلا إذا أدى، ففي أي وقت أدى يكون ذلك الوقت متعينًا، وإن لم يؤد فيما عينه بل في جزء آخر لا
يسمى قضاء كالحانث في اليمين، فإنه يتخير في كفارتها بين ثلاثة أشياء: إطعام عشرة مساكين، أو
كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن عين واحدا منها باللسان أو بالقلب لا يتعين عند الله تعالى ما لم يؤده
فإذا أدى صار متعينًا، وإن أدى غير ما عينه أولًا يكون مؤديًا. نور الأنوار ١٢٢/١، ١٢٣.
(٤) في (١) معيارًا له.
(٥) قال ابن العيني: معيارًا له أي مقدارًا وسببًا لوجوبه كشهر رمضان فإن الصوم قدر بالوقت حتى
- ١٥٠ -

للوجوب كشهر رمضان فيصير غيره منفيًا، ولا يشترط نية التعيين فيصاب بمطلق الاسم
ومع الخطأ في الوصف إلا في المسافر ينوي واجبا آخر عند أبي حنيفة - رحمه الله -
١٢/ز
قوله: (فيصير غيره منفيًّا)؛ لأن الشرع أوجب شغل الوقت بالصوم والصوم واحد/ فإذا
ثبت له وصف انتفى غيره كالمكيل أو الموزون في معياره ولهذا قالا: إذا صام المسافر [يقع من
فرض](١) بكل حال كالمريض قوله ولا يشترط نية التعيين الذي قصدًا أو نصًّا وقال الشافعي
لا بد منه؛ إذ معنى القربة معتبر في الأصل والوصف، فكما شرطت النية في الأصل ليتحقق
معنى العبادة شرطت في الصفة ليصير مختارًا فيها أيضا(٢).
١٥/ب
قلنا: لما اتحد المشروع يحصل التعيين بمجرد النية فيصاب بمطلق الاسم ومع الخطأ في
الوصف كالمعين في المكان/ إلا في المسافر ينوي واجبًا آخر عند أبي حنيفة؛ لأن المرخص وهو
السفر لا ينعدم بفعل الصوم بخلاف المريض؛ إذ المرخص(٣) في حقه وهو العجز. ينعدم
بالصوم فيلحق بالصحيح، أما الفعل ففي رواية يقع عن المنوي لقيام المرخص، وفى رواية عن
الفرض، لأنه إنما رخص قضاءً لحقه، وتحقيقا (٤) عليه فيظهر فيما فيه ضرورة وذلك هو
الواجب ولا ضرورة في النفل فلا يظهر الترخص في حقه.
ازداد بازدياده ونقص بنقصانه، وأضيف إليه فقيل صوم شهر رمضان والإضافة دليل السببية. شرح
ابن العيني ٦١.
(١) في (١)، (ب) يقع عن فرض الوقت بكل.
(٢) قال الأزميري في حاشيته على المرآة: واختلفوا في النية وفي تعيينها فقال زفر: لما انتفى صحة الغير
فيه لتعين الوقت له صح بلا نية، وقال الشافعي: لا بد من تعيينها كأصلها وقال أصحابنا تعيينها
ليس بشرط بعد وجود أصل النية، بل يقع عن فرض الوقت بأي وجه كان من النية ثم وقع الخلاف
بينهم فقال أبو حنيفة: يصح صوم رمضان من الصحيح المقيم بمطلق النية ومع الخطأ في الوصف لا
من مسافر ينوى واجبًا آخر فإنه لا يقع عن رمضان بل عما نوى، ولو نوى المسافر النفل ففيه
روايتان عنه في رواية يقع عن النفل وفي أخرى عن رمضان، ولو نوى المريض في رمضان واجبًا آخر
أو نفلاً ففيه أيضًا روايتان عنه والصحيح أنه عن رمضان فرقاً بين المسافر والمريض وقال صاحباه
المسافر والمريض كالمقيم في جواز صوم رمضان بمطلق النية ومع الخطأ في الوصف. انظر تفصيل
المسألة في حاشية الأزميري ٢٣١/١ وما بعدها.
(٣) في (أ) المرض.
(٤) في (أ، ب) تخفيفا بفاءين بينهما ياء، وهو الذي يناسب المعنى.
- ١٥١ -

بخلاف المريض وفي النفل عنه روايتان، ويكون معيارًا لا سببًا كقضاء رمضان والنذر
المطلق ويشترط فيه نية التعيين ولا يحتمل الفوات بخلاف الأولين أو يكون مشكلا يشبه
المعيار والظرف كالحج ويتعين أشهر الحج من العام الأول عند أبي يوسف خلافا لمحمد
قوله: (أو يكون معيارًا لا سببًا لقضاء رمضان) ولهذا لا يتحقق قضاء يومين في يوم واحد،
وأما سببه فشهود الشهر (١).
قوله: (ويشترط نية التعيين)؛ إذ غيره مشروع فيه.
قوله: (ولا يحتمل الفوات)؛ لأن الوقت ليس بمتعين بخلاف الأولين الذي الصلاة المؤقتة
وصوم رمضان، فإنهما يحتملان الفوات لتعلقهما بوقت معين، أو يكون مشكلا يشبه المعيار
والظرف كالحج(٢)، وذلك لأن الحج فرض العمر، ووقته أشهر الحج في كل سنة، ولا يتصور
فيها إلا حجة واحدة، فعلى اعتبار إدراك السنة الثانية كان الوقت ظرفًا، وعلى اعتبار عدم
إدراكها كان معيارًا(٣).
قوله: (ويتعين أشهر الحج من العام الأول عند أبى يوسف خلافًا لمحمد)، حتى لا يسعه
التأخير ويأثم به، لأن الخطاب توجه عليه فيها فتتعين للأداء؛ إذ انعدام صفة التعيين للمزاحم،
وذلك بإدراك السنة الثانية ولم يدركها حقيقة، وكذا تقديرًا؛ إذ الموت في هذه المدة غير نادر
فلم يوجد/المزاحم (٤)، وقال محمد: لم تتعين السنة الأولى بدليل صحة النفل فيها، ولأنه لو
١/١٢
(١) هذا هو النوع الثالث من الأنواع الأربعة للمؤقت، فإن وقت القضاء معيار بلا شبهة؛ وسبب
وجوبه هو شهود الشهر السابق لا هذه الأيام، فإن سبب القضاء هو سبب الأداء ولم يعلم حال
شرطيته والظاهر العدم فإنه إذا لم يُعلم تعين الوقت فأى وقت يكون شرطه. نور الأنوار ١٣٠/١،
١٣١، وانظر ابن ملك ٢٤٩، ٢٥٠، وفتح الغفار ٨١/١.
(٢) هذا هو النوع الرابع من المؤقت.
(٣) قال النسفي في كشف الأسرار: اعلم أن وقت الحج مشكلا، لأنه يشبه وقت الصوم من حيث إنه
لا يتصور في سنة واحدة إلا حجة واحدة ويشبه وقت الصلاة من حيث إنه عبادة تتأدى بأركان
معلومة ولا يستغرق الأداء جميع الوقت. كشف الأسرار ١٣٢/١، ١٣٣.
(٤) وثمرة الاختلاف لا تظهر إلا في الاسم، فإذا لم يؤد في العام الأول يصير فاسقا مردود الشهادة
عند أبى يوسف رحمه اللَّه ثم إذا أدّاه في العام الثاني يرتفع عنه الإثم وتقبل شهادته، وهكذا في
كل عام. وعند محمد - رحمه الله - لا يأثم إلا عند الموت أو إدراك علاماته ولا يكون مردود
الشهادة ولكن كلما أدى يكون أداء عند الفريقين لا قضاء. نور الأنوار ١٣٣/١-١٣٥، وانظر
- ١٥٢ -

ويتأدى بإطلاق النية لا بنية النفل والكفار مخاطبون بالأمر بالإيمان وبالمشروع من
العقوبات وبالمعاملات وبالشرائع في حكم المؤاخذة في الآخرة بلا خلاف وأما في
تعین لصار بالتأخير مفوتًا لا مؤديا.
قوله: (ويتأدى بمطلق النية) مع أن التعيين شرط لأن الإطلاق يتعين بدلالة العرف، وذلك
لأن الإنسان في العادة لا يتحمل المشقة العظيمة للنفل وعليه حجة الإسلام، أما إذا نوى النفل
فقد جاء صريح يخالفه فتبطل به الدلالة(١).
قوله: (والكفار مخاطبون بالأمر بالإيمان)(٢) لأنه ◌َ الثّ بعث إلى الناس كافة قال الله - تعالى
-: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِىِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ... إلى قوله: ﴿فَقَامِنُواْ بِاللّهِ
وَرَسُولِهِ﴾ (٣)، فهذا(٤) يتناولهم لا محالة.
قوله: (وبالمشروع من العقوبات) الذي يخاطبون به بلا خلاف ولهذا يقام على أهل الذمة
عند تقرر أسبابها.
قوله: (وبالشرائع في حكم المؤاخذة في الآخرة بلا خلاف) الذي يخاطبون بها أيضا، لأن
موجب الأمر اعتقاد اللزوم والأداء وهم ينكرون اللزوم اعتقادًا، وذلك كفر منهم، بمنزله إنكار
التوحيد فإن صحة التصديق والإقرار بالتوحيد لا يكون مع إنكار شيء من الشرائع فيعاقب
عليه في الآخرة كما يعاقب على أصل الكفر قال اللَّه - تعالى -: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا
تفصيل النوع الرابع في كشف الأسرار للبخاري ٢٤٨/١ وما بعدها والنسفي ١٣٢/١ وما بعدها.
(١) من حكم كونه مشكلا إن أدى الحج بمطلق النية بأن يقول اللهم إنى أريد الحج، لأن ظاهر حال
المسلم الواجب عليه الحج بعد تحمل مشاق السفر أن لا ينوى النفل فتعين الفرض بدلالة الحال
فيصرف المطلق إليه ابن ملك ٢٥٣، وانظر نور الأنوار ١٣٥/١، ١٣٦.
(٢) لما فرغ من مباحث المطلق والمؤقت شرع في بيان كون الكفار مأمورين بالأمر أم لا؟ وهذه المسألة
مذكورة في آخر أصول فخر الإسلام وغيره في بيان الأهلية، وما ذكره المصنف له مناسبة في الجملة
حيث ختم مسائل الأمر بمسألة الكفار لأنها من تعلقاته. حاشية الرهاوي ٢٥٤. وعبارة المصنف
التالية هي عبارة ابن ملك ٢٥٤.
(٣) الآية ١٥٨ سورة الأعراف وهى كاملة: ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا
الَّذِى لَهُ مُلْكُ اَلسَمَنوَتِ وَالْأَرْضِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُخِ، وَيُّمِتٌ فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأَتِّيّ
الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
MON
(٤) في (أ، ب) فهذا الخطاب منه يتناولهم.
- ١٥٣ -

وجوب الأداء في أحكام الدنيا فكذلك عند البعض والصحيح أنهم لا يخاطبون بأداء ما
يحتمل السقوط من العبادات.
قَالُواْ
٤٢
يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ (١) الذي لا يقرون بها وقال اللَّه - تعالى -: ﴿مَا سَلَڪَكُمْ فِي سَقَّرَ
لَ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾(٢) قيل في التفسير: من المسلمين المعتقدين فرضية الصلاة(٣).
قوله: (وأما في وجوب الأداء)(٤) فكذلك يتناولهم الخطاب عند العراقيين من
مشايخنا(٥)؛ لأنهم لا يعاقبون على ترك الأداء إذا لم يكن الأداء واجبا عليهم، وظاهر ما تلونا
يدل على أنهم يعاقبون في الآخرة على الامتناع من الأداء في الدنيا، وهذا(٦) لأن التكليف
يعتمد القدرة من حيث الأسباب وقيام طريق الوصول إليه لا حقيقة القدرة ونظيره الجنب
والمحدث. ومشايخ ما وراء النهر (٧) على أنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من
العبادات وهو الصحيح، لأن الكافر لا يقدر على أدائها حالة الكفر شرعا لعدم شرط وهو
الإيمان ولا يمكنه الأداء بواسطة تحصيل ما هو الشرط في حق المسلم كما في [المحدث
والجنب](٨) لأن المسلم يقدر على أداء الواجب بعد رفع الحدث بخلاف الكافر ألا يرى أنه لا
(١) من الآيتين ٦، ٧ من سورة فصلت وتمامهما: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ
إِلَهُ وَحِدٌ فَأَسْتَقِيمُوْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْنُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ
هُمْ كَفِرُونَ
(٢) الآيتان ٤٢، ٤٣ من سورة المدثر.
(٣) عن ابن عباس: الذين يؤخرونها عن أوقاتها، وعن أبي العالية: لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون
ركوعها ولا سجودها. تفسير القرطبي ٢١١/٢٠، وانظر تفسير أبي السعود ٢٠٤/٩، وتفسير
الواحدي ١٢٣٥/٢، والثعالبي ٤٤٤/٤.
(٤) في (ا، ب) الأداء في أحكام الدنيا فكذلك.
(٥) وكذلك عند أكثر أصحاب الشافعي قال ملاجيون وهذه مغلطة عظيمة للقوم؛ لأن الشافعي -
رحمه الله . لما لم يقل بصحة أدائها منهم حالة الكفر ولا بوجوب قضائها بعد الإسلام فما معنى
وجوب الأداء في الدنيا؟ فلذا أولوا كلامه بأن معنى الخطاب في حقهم آمنوا ثم صلوا فيقدر
مقتضى تبعا للعبادات، وثمرته أنهم يؤاخذون عنده في الآخرة بترك فعل الصلاة، كما يعذبون بترك
اعتقادها اتفاقا، فلو لم يكونوا مخاطبين بأداء العبادات في الدنيا لما عذبوا في الآخرة بتركها. هذا
غاية ما قيل في التلويح في هذا المقام. نور الأنوار ١٣٨/١، والتلويح ٤١٠/١ وما بعدها وانظر
المستصفي ٩١/١ وحاشية البناني ٢١١/١، ومختصر المنتهى ١٢/٢، وإرشاد الفحول ٧٠/١.
(٦) في (١) وذلك.
(٧) وإليه ذهب القاضي أبو زيد وشمس الأئمة وفخر الإسلام وهو المختار عند المتأخرين. حاشية
(٨) في (ا، ب) كما في الجنب والمحدث.
الرهاوي ٢٥٧.
- ١٥٤ -

فصل في النهي
ومنه النهي وهو قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء: لا تفعل. وأنه يقتضي صفة
القبح للمنهي عنه ضرورة حكمة الناهي وهو إما أن يكون قبيحا لعينه وذلك نوعان وضعا
يجب عليه القضاء بالإجماع(١).
قوله: (ومنه النهى) الذي ومن الخاص؛ لوجود معنى الخاص فيه(٢). وحدّه قول القائل
لغيره على سبيل الاستعلاء لا تفعل، وقيوده يعرف بالتأمل/فى قيود الأمر/.
١٦/ب
١٣/ز
قوله: (وأنه يقتضي صفة القبح للمنهي عنه ضرورة حكمة الناهى) إذ الحكيم لا ينهى عن
شيء إلا لقبحه. قال الله - تعالى -: ﴿وَيَنْهَى عَنِ اٌلْفَحْشَاءِ وَالْمُكَرِ﴾(٣).
قوله: (وهو إما أن يكون قبيحا لعينه وذلك نوعان: وضعًا) كالكفر فإنَّ قبح كفران المنعم
مركوز في العقول(٤)، والمراد بالقبح لعينه أن عين الفعل(٥) الذي أضيف إليه النهي قبيح لا
لكونه فعلا، بل لكونه كفرًا. والثاني شرعا كبيع الحر فإنه ليس بمال، إذ المال غير الآدمي خلق
لمصلحة الآدمي، ويجرى فيه الشح والضنة، والشرع قصر محلية البيع في المال المتقوم،
فيكون إضافة البيع إليه إضافة إلى غير محله فيكون عبثا (٦) قبيحا (٧).
(١) ولقوله وَلّ لمعاذ ◌ُبه حين بعثة إلى اليمن إنك لتأتى قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله
إلا اللَّه وأنى رسول اللَّه فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم
وليلة. الحديث متفق عليه. وجه الاستدلال به أن ما ذكره 3/ من الشرائع بعد الإيمان مرتب على الإجابة
إلى الإيمان أما عند القائلين بأن التعليق بالشرط يدل على نفي الحكم عند عدم الشرط فظاهر، وأما عندنا
فلعدم الدليل على الفرضية لا أنه دليل على عدم الفرضية. حاشية الرهاوي وابن ملك ٢٥٧.
(٢) وإنما قدم الأمر لأنه لطلب الوجود، والنهى لطلب العدم والوجود أشرف، والعدم وإن كان سابقا
على كل ممكن إلا أنه لا حق له أيضًا مع كون الوجود أشرف، وقيل: لأن النهى مركب والأمر
مفرد غالبًا، والمفرد مقدم طبعًا فقدّم وضعا، وقيل لأن بيان موجب النهى يتوقف على بيان موجب
الأمر، والموقوف عليه يجب تقديمه على الموقوف. حاشية الرهاوي مع ابن ملك ٢٥٩.
(٣) من الآية رقم ٩٠ من سورة النحل.
(٤) نص عبارة ابن ملك ٢٥٩.
(٦) قبيحا ساقطة من (أ، ب)
(٥) في (١) الفعل ساقطة.
(٧) وكذا بيع المضامين والملاقيح واللواطة؛ فإن الوطء إنما شرع في محل قابل للتوالد بعقد شرعي أو
ملك يمين، والدبر ليس بمحل له فيكون تضييعا للمال كتبذير الحنطة في الأرض السبخة واعلم أنهم
- ١٥٥ -

وشرعًا أو لغيره وذلك نوعان: وصفا، ومجاورًا؛ كالكفر، وبيع الحر، وصوم يوم النحر،
والبيع وقت النداء، والنهي عن الأفعال الحسيه يقع عن القسم الأول
قوله: (أو لغيره وذلك نوعان): أحدهما ما يتصل به وصفا كصوم يوم النحر فإنه حسنٌ
مشروعٌ بأصله وهو الإمساك لله - تعالى - في وقته طاعة، قبيح بوصفه وهو الإعراض عن
الضيافة الموضوعة في هذا الوقت بالصوم، فيكون طاعة انضم إليها وصفٌ هو معصية(١)،
والثاني مجاورًا الذي لا يكون المعنى الموجب للقبح داخلًا في ذات المنهي عنه بل مما
يتجاوران بالاقتران(٢) لا غير كالبيع وقت النداء فإنه منهي لا باعتبار ذاته، بل باعتبار ترك
السعي الواجب وهو مجاور للبيع؛ لأن البيع مبادلة المال بالمال على سبيل التراضي، وترك
السعي [ليس في شيء منه](٣).
قوله: (والنهى عن الأفعال الحسية) الذي التي يتوقف وجودها على الحس ويعرف حقيقته
بدون الشرع كالزنا يقع على القسم الأول، الذي على ما قبح لعينه (٤).
اختلفوا في النهي عن الشيء للقبح على مذاهب، قيل: إنه يدل على عدم المشروعية شرعا لا لغة
بأصله ووضعه في العبادات والمعاملات وهو المختار عندنا وقيل بالعكس وقيل لا يدل فيهما أصلا،
وقيل: يدل شرعا في العبادات لا في المعاملات. انظر الأدلة والتفصيل في حاشية الأزميري ١/
٣١٨ - ٣٢٠.
(١) فإن قيل: إن الإعراض عن ضيافة اللَّه - تعالى - في تلك الأيام وترك الإجابة لدعوة اللَّه فيها ليس
غير الصوم في تلك الأيام بل هو عينه فيكون قبيحًا لعينه، كترك السكون فإنه عين الحركة
وبالعكس.
قلنا: إن الصوم هو الإمساك عن المفطرات في تلك الأيام من الطلوع إلى الغروب، والإعراض وترك
الإجابة ليس عينه بل لازم لوجوده الخارجي صادق عليه غير منفك عنه فيكون غيره، وفي الطريقة
المعينة أن النهى ورد عن عين الصوم في هذه الأيام فيكون قبيحًا لعينه لا لغيره، فصرفه إلى غيره،
عدول عن الحقيقة فلا يجوز إلا بدليل الأزميري على المرآة ٣٢١/١.
(٢) في (١) بالاقتراب بالباء التحتية الموحدة.
(٣) في (أ، ب) ليس منه في شيء.
(٤) الأفعال الحسية هي مالها وجود حًا من غير توقف على الشرع كالقتل والزنا، وقيل هي:
معانيها المعلومة القديمة قبل الشرع باقية على حالها لا تتغير بالشرع. انظر ابن ملك ٢٦٤، نور
الأنوار ١٤٣/١.
- ١٥٦ -

وعن الأمور الشرعية على الذي اتصل به وصفًّا؛ لأن القبح يثبت اقتضاء فلا يتحقق على
وجه يبطل به المقتضى وهو النهى، ولهذا كان الربا وسائر البيوع الفاسدة وصوم يوم
النحر مشروعًا بأصله غير مشروع بوصفه؛ لتعلق النهي بالوصف لا بالأصل والنهي عن
قوله: (وعن الأمور الشرعية) الذي التي يتوقف حصولها واعتبارها على الشرع ولا يعرف
معناها من لا يعرف الشرع كالصلاة يقع على القسم الذي اتصل به القبح وصفًا.
قوله: (لأن القبح يثبت اقتضاء) لا بصيغة النهي(١) إذ صيغته لطلب الانتهاء عن الفعل غير
متعرض للقبح لكن لا يستقيم ذلك عن الحكيم إلا عما هو قبيح؛ لاستحالة النهي عن المباح،
فيكون القبح في المنهي عنه شرطًا لصحة النهي فيثبت مقتضى به في وصف المنهي عنه لا في
أصله، وهذا لأن المنهي يوجب إعدام المنهي عنه بفعل مضاف إلى اختيار العبد، وهذا لا يمكن
إلا فيما يتصور وجوده حسًا إن كان المنهي عنه حسيًا، وشرعا إن كان [المنهي عنه](٢) شرعيا،
فلو ثبت القبح في ذاته لكان عدمه لكونه ممتنعًا أصلاً فلم يبق منهيا عنه بل يكون
منسوخًا.
١٣/أ
قوله: (لتعلق النهي بالوصف لا بالأصل) أما في عقد الربا؛ فلأن معنى البيع موجود فيه
فيكون/ مشروعًا بأصله فلم يكن الفساد فيه لخلل في ركنه، بل لانعدام شرط الجواز وهو
المساواة في القدر، فكما لا ينعدم أصل المشروع بوجود شرط مفسد لا ينعدم بانعدام شرط
مجوز، فأما بيع العبد بالخمر، فلأن الخمر مال لدخوله تحت حد المال غير متقوم؛ إذ المتقوم
[ما يجوز](٣) إبقاؤه بعينه أو يبدله وهي ليست بهذه الصفة فصلحت ثمنا من وجه دون وجه
فصار فاسدا لا باطلًا بخلاف الميتة، فإنها ليست [بمال ولا متقومة](٤) فوقع العقد بلا ثمن
وهو غير مشروع، وجلد الميتة جزؤها فيأخذ حكم كلها، وصوم يوم النحر مشروع بأصله لما
مر(٥).
(١) انظر المسألة مبسوطة في حاشية الأزميري ٣٢٢/١ وما بعدها، وابن ملك ص ٢٦٨ وما بعدها،
ونور الأنوار ١٤٤/١ وما بعدها.
(٢) في (ا، ب) المنهي عنه ساقطة.
(٣) في (ا،ب) ما يجب.
(٤) في (١) بمال متقوم.
(٥) باعتبار كونه صوما، لكنه غير مشروع باعتبار الوصف الذي هو الإعراض عن الضيافة.
- ١٥٧ -

بيع الحر والمضامين والملاقیح ونكاح المحارم مجاز عن النفي فكان نسخًا لعدم محله، وقال
الشافعي - رحمه الله -: في البابين ينصرف إلى القسم الأول قولًا بكمال القبح كما قلنا
في الحسن في الأمر؛ لأن النهي في اقتضاء صفة القبح حقيقة كالأمر في اقتضاء الحسن،
قوله: (والنهي عن بيع الحر والمضامين والملاقيح ونكاح المحارم) جواب اعتراض وهو أن
النهي عن هذه الأفعال نهي عن الأمور الشرعية ومع هذا ليست بمشروعة أصلًا.
فقال: هذا ليس بنهى حقيقة بل هو مجاز عن النفي فكان نسخًا والمضامين ما في
أصلاب الآباء والملاقيح ما في أرحام الأمهات(١).
قوله: (لأن النهي في اقتضاء القبح حقيقة) لاستحالة نفيه، إذ لا يجوز أن يقال نهي
الشارع لا يقتضي القبح، كما لا يجوز أن يقال إن أمره لا يقتضي الحسن، ثم الحقيقة في
مطلق الأمر إثبات صفة الحسن في المأمور به لعينه لا لغيره فكذا الحقيقة في النهي إثبات صفة
القبح عن المنهي عنه لعينه لا لغيره فلم يبق مشروعًا.
قوله: (ولهذا لا تثبت حرمة المصاهرة) الذي لأجل عدم شرعية المنهي عنه وقبحه؛ لأن
حرمة المصاهرة كرامة تلحق بها الأجنبية بالأمهات، والزنا حرام محض فلا يستحق به
الكرامة (٢).
(١) المضامين جع مضمون وهو ما في أصلاب الفحول. مختار الصحاح. ضمن ص ١٦١ من ضمن
الشيء يضمنه يقال ضمن كتابه كذا وكان مضمون كتابه كذا.
والملاقيح: ما في بطون النوق من الأجنة. الواحدة ملقوحة من قولهم لقحت كالمحموم من حم
والمجنون من جن. مختار الصحاح لقح ص ٢٥١، وفي الفائق جمع ملقوح يقال لقحت الناقة أي
ولدت وولدها ملقوح به إلا أنهم استعملوه بحذف الجار أ هـ وحاصله أن لقح فعل لازم فلا يجيء
اسم المفعول منه إلا موصولًا بحرف الجر، إلا أنهم استعملوه بحذف الجار. وصورة المسألة أن
يقول بعت الولد الذي سيحصل من هذا الفحل أو من هذه الناقة، وكان ذلك من عادة
العرب فنهى النبي ◌َ ◌ّ عن ذلك انظر حاشية الرهاوي على ابن ملك وحاشية عزمي زادة ص
٢٧٦.
(٢) حرمة المصاهرة عبارة عن ثبوت حرمات أربع حرمة الموطوءة على آباء الواطئ وإن علوا، وحرمته
على أبنائه وإن سفلوا وحرمة أمهاتها وإن علون، وحرمة بناتها وإن سفلن على الواطئ. حاشية
الرهاوي ص ٢٧٨.
- ١٥٨ -

ولأن المنهي عنه معصية فلا يكون مشروعًا؛ لما بينهما من التضاد ولهذا قال: لا تثبت
حرمة المصاهرة بالزنا ولا يفيد الغصب الملك ولا يكون سفر المعصية سببًا للرخصة ولا
يملك الكافر مال المسلم بالاستيلاء.
فصل في العام
وأما العام فما يتناول أفرادًا متفقة الحدود على سبيل الشمول،
قوله: (ولا يفيد الغصب) الملك إذ الملك نعمة فلا تنال بالمحظور (١).
قوله: (ولا يكون سفر المعصية) [بأن قصد](٢) قطع الطريق أو الإباق سببًا للرخصة؛ لأنها
ترفيه ونعمة فلا يتكون بما هو معصية.
قوله: (ولا يملك الكافر مال المسلم بالاستيلاء)؛ لأن ذلك عدوان محض فلا يكون
مشروعًا في نفسه فلا يصلح سببًا لحكم مشروع مرغوب فيه(٣)./
١٤/ز
قوله: (أما العام(٤) فما يتناول أفرادًا متفقة الحدود على سبيل الشمول)(٥)، قيَّده بالاتفاق
قال الشافعي - رحمه الله - لا تثبت حرمة المصاهرة بالزنا؛ لأن الزنا حرام ومعصية فلا يكون سبًا
لنعمة هي حرمة المصاهرة؛ لأنها تلحق الأجنبية بالأمهات، وقد من الله - تعالى - بها علينا حيث
قال: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَمُ نَسَبًا وَصِهْرً﴾، فلا تثبت حرمة المصاهرة إلا
بالنكاح.نور الأنوار ١٥٣/١
(١) يعني إذا غصب شيئًا وهلك وقضى بالضمان يملكه الغاصب عندنا وعند الشافعي لا. ابن ملك
ص ٢٨٠، ونور الأنوار ١٥٣/١، ١٥٤.
(٢) في (ب) بأن يكون قصد.
(٣) انظر تفصيل فروع الشافعي الأربعة في كشف الأسرار للنسفي ١٥٢/١، ونور الأنوار مع كشف
الأسرار، وابن ملك مع حاشية الرهاوي ص ٢٨٢ وما بعدها.
(٤) أخرّه عن الخاص لأنه كالجزء من العام، إذ المفرد مقدم على الجمع ابن ملك ٢٨٤.
(٥) والعام في اللغة: الشامل يقال مطر عام إذا شمل الأمكنة، وخصب عام أي شمل البلدان والأعيان.
ونخلة عميمة أي طويلة.
والقرابة إذا اتسعت انتهت إلى صفة العمومة. فالأصل الأبوة ثم البنوة ثم الأخوة ثم العمومة، ومنه
عامة الناس وهم أهل الجهل لكثرتهم، وهو كالشيء اسم عام يتناول كل موجود عندنا ولا يتناول
المعدوم، خلافا للمعتزلة ونحو قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ كشف
الأسرار للنسفي ١٥٩/١، ١٦٠، مختار الصحاح مادة عمم، ص١٩١، المعجم الوجيز مادة (عمَّ)
ص ٤٣٥.
- ١٥٩ -

وأنه يوجب الحكم فيما يتناوله قطعًا حتى يجوز نسخ الخاص به كحديث العرنيين نسخ
ليخرج المشترك، فإنه يتناول أفرادًا مختلفة الحدود والشمول كي لا يظن ظان أن المطلق داخل
فيه، لأن ما تعرض له المطلق وهو الذات لما كان موجودًا في الأفراد ويتناول الاسم كل واحد
منها حقيقة، توهم أنه شارك العام، فتعرض للشمول دفعًا لهذا التوهم، لأنه وإن احتمل كل
واحد من الأفراد، لكن لا يتناولها على سبيل(١) الشمول(٢).
قوله: (وأنه يوجب الحكم فيما يتناوله قطعًا)، وعند البعض حكمه التوقف إلى أن يظهر
المراد، لاختلاف أعداد الجمع، ومنهم من يثبتون مقدار ما يتنافى إليه الخصوص لكونه متيقنًا،
ويتوقفون فيما وراءه(٣).
(١) في (ا، ب) طريق.
(٢) قال ملاجيون وعلى سبيل الشمول احتراز عن النكرة المنفية فإنها تتناول الأفراد على سبيل البدلية،
دون الشمول وإنما اكتفي المصنف رحمه اللَّه بالتناول دون الاستغراق اتباعا لفخر الإسلام، فإنه لا
يشترط عنده في العام الاستغراق لجميع الأفراد، فالجمع المعرف والمنكر كله عام، وعند صاحب
التوضيح يشترط في العام الاستغراق فيكون الجمع المنكر واسطة بين العام والخاص. نور الأنوار ١/
١٦٠، ١٦١، وانظر شرح ابن ملك مع حاشية الرهاوي ص ٢٨٥، ٢٨٦، وشرح التلويح ٥٨/١، ٥٩
(٣) اختلف الأصوليين في العام قبل الخصوص: ذهب عامة المرجئة والأشاعرة إلى أنه يوجب التوقف
حتى يقوم دليل عمومه، أو خصوصه، وذهب البلخي، والجبائي إلى أنه يوجب الجزم بالخصوص
كالواحد في الجنس والثلاثة في الجمع والتوقف فيما فوق ذلك، وذهب جميع العلماء إلى أنه
يوجب الحكم في جميع ما يتناوله من الأفراد ولكن اختلفوا، وذهب الجمهور من أصحابنا من أهل
العراق كأبي الحسن الكرخي وأبى بكر الرازي وغيرهما من ما وراء النهر كالقاضي أبي زيد
وشمس الأئمة، وفخر الإسلام، وعامة المتأخرين والمعتزلة إلى أنه يوجب الحكم في جميع ما يشمله
قطعًا ويقينًا، إلا في عام لا يمكن إجراؤه على عمومه لعدم قبول محله ذلك كقوله - تعالى -: ﴿لَا
يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾، فإن موجبه وهو نفي المساواة من جميع الوجوه غير ممكن
لحصول المساواة في بعض الوجوه كالحدوث والإنسانية والجسمية والذكورة والأنوثة، فيكون إذ
ذلك كالمجمل فيجب التوقف فيه إلى أن يظهر المراد منه بالبيان، وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين
إلى أنه يوجب ظنًّا وهو مذهب الشافعي، ومال إليه طائفة من مشايخنا كأبي منصور الماتريدي
واختاره مشايخ سمرقند حتى قالوا بأن خبر الواحد والقياس يصلح مخصصًا له ابتداء. حاشية
الرهاوي ص ٢٨٧، وانظر فتح الغفار ٩٤/١، ٩٥، وأصول السرخسي ١٣٢/١ وما بعدها،
وكشف الأسرار للبخاري ١٩٢/١، وشرح الكوكب المنير ١١٥/٣، وحاشية البناني على المحلى
٤٠٧/١.
- ١٦٠ -