النص المفهرس

صفحات 121-140

وكذا دلالة الإجماع والمعقول وإن أريد به الإباحة أو الندب فقيل إنه حقيقة لأنه بعضه
قوله: (وكذا دلالة الإجماع) فإن الأمة قد أجمعت(١) على وجوب طاعة الله ورسوله ولا
شك أن ذلك في الأمر بإتيان المأمور به، فيجب عند وجود الأمر إلا أن يقوم الدليل على
غيره(٢).
قوله: (والمعقول) وهو أن الأمر أحد تصاريف الفعل وسائر هذا من الماضي والمستقبل
وغيرهما إذا كان على وجه الصدق يقتضي وجود الفعل لا محالة فكذا هذا(٣). وأما من
قال: إن الأمر بعد الحظر للإباحة فقد استدل بقوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ
ج
فَأَنْتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ﴾(٤) وبقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا حَلُْمْ فَاصْطَادُواْ﴾(٥)، وهذا لأنه لإزالة
الحظر، ومن ضرورته الإباحة فقط قلنا: إباحة البيع بعد الفراغ من الجمعة بقوله - تعالى -:
﴿وَأَحَلَ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾(٦) لا بالأمر، وكذا إباحة الاصطياد الحلال بقوله - تعالى -: ﴿قُلْ أُحِلَّ
لَكُمُ الطَِّبَتُ﴾(٧) لا بالأمر وصيغة الأمر ليست لإزالة الحظر بل لطلب المأمور به وإزالة
الحظر من ضرورة هذا الطلب(٨).
قوله: (لأنه بعضه)(٩) أي الإباحة والندب بعض الوجوب؛ إذ الوجوب ينتظمهما فكان
(١) في (ج) قد اجتمعت.
(٢) وأيضا أجمع أهل العرف واللغة على أن من يريد طلب الفعل مع المنع من تركه يطلبه بصيغة افعل
فيدل على أنه يطلب الفعل جزما وهو الوجوب، وأيضا لم يزل العلماء يستدلون بصيغة الأمر على
الوجوب من غير نكير، وهذا القدر كافٍ في إثبات مدلولات الألفاظ. حاشية الرهاوي ص ١٢٦.
(٣) قال ابن ملك: فإن قلت هذا إثبات اللغة بالقياس وهو باطل، قلت: القياس لإثبات عدم أصالة
المشترك لا لإثبات اللغة، وقيل المعقول: هو أن السيد إذا أمر غلامه بفعل ولم يفعل استحق العقاب،
ولو لا أن الأمر للوجوب لما حسن ذلك. شرح ابن مالك ص ١٢٩.
(٤) من الآية ١٠ من سورة الجمعة.
(٥) من الآية ٢ من سورة المائدة.
(٦) من الآية ٢٧٥ من سورة البقرة.
(٧) من الآية ٤ من سورة المائدة.
(٨) انظر أصول السرخسي ١٩/١، وفواتح الرحموت ٣٧٩/١، ٣٨٠، والبرهان ١٨٧/١.
(٩) لمّ بينَّ أن موجب الأمر هو الوجوب وقد كان يطلق على الندب والإباحة شرع في بيان وجه ذلك
الإطلاق.
- ١٢١ -

وقيل: لا؛ لأنه جاز أصله.
الأمر حقيقة لهما كما للوجوب مثل المستثنى منه فإنه حقيقة لما بقي بالإجماع، واللفظ قبل
الاستثناء كان حقيقة للكل(١).
قوله: (لأنه جاز أصله) الذي انتقل عن أصله وهو الوجوب إذ الأصل في الأمر أن يكون
للوجوب لما مر فإذا أريد به الإباحة أو الندب فقد أريد به غير ما هو الأصل به فجاز أصله(٢).
(١) هذا مختار فخر الإسلام، والخلاف فيما إذا أريد به الندب أنه حقيقة فيه أم مجاز؟ فذهب عامة
أصحابنا وجمهور عامة الفقهاء والمحققون من أصحاب الشافعي وشمس الأئمة وصدر الإسلام إلى
أنه مجاز، وذهب أصحاب الشافعي وفخر الإسلام وجمهور المحدثين إلى أنه حقيقة فيه. حاشية
الرهاوي ص ١٣٢
(٢) انظر التفصيل والترجيح في حاشية الرهاوي ص ١٣٣ - ١٣٦.
- ١٢٢ -

فصل في موجب الأمر في حكم التكرار
ولا يقتضي التكرار ولا يحتمله
قوله: (ولا يقتضي التكرار)(١)، وقيل: يقتضيه(٢) بحديث الأقرع بن حابس(٣) حيث
سأل رسول اللّه وَ لَّ حين أمرهم بالحج أفي كل عام أم مرة؟ فقال: ((بل مرة))(٤)، ولو لم يكن
قوله: ((حجوا)) يوجب ذلك لما أشكل على من يعرف اللسان ولا يقال: لو كان اللفظ يوجب
ذلك لما أشكل عليه أيضا؛ لأنه إنما أشكل عليه لوقوع التعارض في التكرار، فالأمر يوجبه(٥)
مع أن فيه حرجا وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾(٦) ينفي ذلك فاشتبه
الأمر عليه، ولأن التكرار في أوامر الشرع بالعبادات يدل على أن مطلقه للتكرار(٧).
قوله: (ولا يحتمله)(٨) وعند الشافعي
(١) لما فرغ من بيان اختصاص الأمر بالوجوب وعكسه أراد أن يبين أن هذا الاختصاص هل يوجب
التكرار بلا قرينه أو لا؟ وإن لم يوجب هل يحتمله أو لا، والتكرار أن تفعل فعلا ثم تعود إليه. شرح
ابن ملك ص ١٣٦. وعدم اقتضائه التكرار مذهب الآمدي وابن الحاجب والجويني والبيضاوي قال
السبكي: وأراه رأي أكثر أصحابنا يعني الشافعية، واختاره أيضًا المعتزلة وأبو الحسين البصري، وأبو
الحسن الكرخي. إرشاد الفحول ص ٩٧.
(٢) حكى هذا عن المزني من أصحاب الشافعية وهو اختيار أبي إسحاق الإسفراييني من الشافعية،
وعبد القاهر البغدادي من المحدثين وبه قال مالك. وكذا أبو حاتم القزوينى. حاشية الرهاوي ص
١٣٦، ١٣٧، والمحلى على جمع الجوامع ٣٨٠/١، وإرشاد الفحول ص ٩٧.
(٣) هو الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشعي الدرامي وفد على النبي لة *
وشهد فتح مكة وحنينا والطائف، وهو من المؤلفة قلوبهم. الإصابة ١٠١/١ مات في خلافة عمر
رَّه لقب بالأقرع لقرع في رأسه، هو الذي نادى من وراء الحجرات: يا محمد إن مدحي زين
وذمي شين. البداية والنهاية ١٤١/٧، والطبقات لخليفة ٤١/١.
(٤) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك، وأبو داود، وابن ماجة، وأحمد، والزيلعي في نصب الراية
عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل رسول اللَّه : ﴿ فقال: يا رسول الحج في كل سنة أو مرة
واحدة؟ قال: ((لا بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع))، وقال الحاكم في المستدرك: صحيح
الإسناد. انظر المستدرك ٣٢٢/٢، وسنن أبى داود ١٣٩/٢، وسن ابن ماجة ٩٦٣/٢، ومسند
أحمد ٣٥٢، ونصب الراية ١/٣.
(٥) في (١) فإن الأمر.
(٦) من الآية ٧٨ من سورة الحج.
(٧) انظر: أصول السرخسي ٢٠/١ وما بعدها، وكشف الأسرار للبخاري ١٢٢/١ وما بعدها.
(٨) هذا مذهب سائر مشايخ الحنفية، وهذا قول المحققين من أصحاب الشافعي، وهو اختيار أبى
- ١٢٣ -

سواء كان معلقا بالشرط أو مخصوصًا بالوصف أو لم يكن لكنه يقع على أقل جنسه
ويحتمل كله حتى إذا قال لها طلقي نفسك أنه يقع على الواحدة إلا أن ينوي الثلاث ولا
تعمل نية الثنيتين إلا أن يكون المرأة أمة؛ لأن صيغة الأمر مختصرة من طلب الفعل بالمصدر
الذي هو فرد ومعنى التوحد مراعى في ألفاظ الوحدان، وذلك بالفردية والجنسية والمثنى
٧/ب
يحتمله(١) لأنه لولا ذلك لأنكر رسول اللَّه وَل السؤال على الأقرع بن حابس/ عما ليس من
محتملات اللفظ، ولأن صيغة الأمر تقتضي مصدرا منكرًا لكونه متيقنًا، والنكرة في موضع
الإثبات توجب الخصوص على احتمال العموم، ولهذا يلحقه التفسير يقال: طلق امرأتي ثنتين
أو مرتين ويكون نصبا على التفسير.
قوله: (سواء كان معلقا بالشرط) مثل قوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمّةٌ﴾ (٢) أو مخصوصا بالوصف كقوله - تعالى -: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾(٣)
وعند بعض مشايخنا يتكرر بتكرر الشرط والصفة كما في أوامر العبادات والعقوبات (٤).
قوله: (لأن صيغة الأمر مختصرة من طلب الفعل بالمصدر الباء) في بالمصدر متعلقة بالفعل
الذي مختصر من طلب فعل يذكر هو بلفظ المصدر كقوله: (اسقنى) مختصر من افعل فعل
السقى، والسقى مصدر(٥).
قوله: (وذلك بالفردية والجنسية) الذي رعاية التوحد في ألفاظ الوحدان إما أن يكون
بالفردية بأن يكون اللفظ فردا حقيقيا فيكون موجبه واحدا، أو بالجنسية بأن يكون اللفظ فردا
الحسين وكثير من الأصوليين، ونقل هذا القول عن مالك والشافعي وهو اختيار جمهور الفقهاء.
الإحكام للآمدي ١٥/٢، والمستصفي ٧/٢، ٨، وكشف الأسرار للبخاري ١٢٣/١ وما بعدها،
وأصول السرخسي ٢٠/١ .
(١) وهو اختيار الآمدي في الإحكام ١٥/٢.
(٢) من الآية ١٨٥ من سورة البقرة.
(٣) من الآية ٧٨ من سورة الإسراء.
(٤) انظر أصول السرخسي ٢٠/١.
(٥) هذا دليل المذهب المختار وهو أن الأمر لا يوجب التكرار.
وقد أورد الرهاوي في حاشيته اعتراضين وأجاب عنهما وذلك على عبارة المصنف: (لأن صيغة
الأمر مختصرة ...... ). انظر حاشية الرهاوي ص ١٤٢.
- ١٢٤ -

بمعزل منها، وما تكرر من العبادات فبأسبابها لا بالأوامر وعند الشافعي لما احتمل التكرار
تملك أن تطلق نفسها ثنتين إذا نوى الزوج بهما وكذا اسم الفاعل يدل على المصدر ولا
اعتباريا فيقع على الواحد عند الإطلاق، وعلى الكل عند قيام الدليل على معنى أنه واحد أما
المثني فبمعزل من الواحد الحقيقي والاعتباري فلا يحتمله اللفظ المفرد، فإن قيل: الصيغة لما
اختصرت من مطول هو مشتمل على الجزأين لا ينتفى الاحتمال عنها ما لم ينف عن الجزأين،
فنفى الاحتمال عن المصدر لا يقتضي خلو الصيغة عنه؛ لجواز أن يكون ذلك في الجزء الآخر
قلنا: لما ثبت أن المصدر وهو المأمور به لا يحتمله سقط اعتبار الاحتمال في الغير؛ لأن ذلك لا
يفيد إلا أن يقبله المأمور به وهو لا يقبله لما بينا وأما قوله إنه يلحقه التفسير قلنا: التفسير يقرر
الحكم ولا يغايره / وهذا الاقتران يغير مقتضى الصيغة فقوله أنت طالق ثلاثا لا يحتمل ثنتين
ولا التأخير إلى الوقت ولو/ قرن به إلا واحدة أو إلى شهر كان صحيحا فعلم أنه مغير، ولهذا
قلنا إن العدد متى قرن بالطلاق كان الوقوع بلفظ العدد لا بالطلاق لما أنه مغير وما كان مغيرًا
لمقتضى صيغةٍ لا يكون من محتملاتها(١).
١/٦
٦/ز
قوله: (وما تكرر من العبادات) الذي لا يلزم على ما ذكرنا تكرار العبادات(٢)؛ لأنها إنما
تتكرر بتكرار أسبابها حتى لا يتكرر الحج لعدم تكرر سببه وإنما سأل الأقرع ابن حابس؛ لأنه
اشتبه عليه أن هذا مما يتكرر سببه، فيتكرر كالصوم والصلاة أو لا يتكرر سببه فلا يتكرر كغير
العبادات لا باعتبار أنه يوجب التكرار(٣).
قوله: (وكذا اسم الفاعل يدل على المصدر (٤) ولا يحتمل العدد) كما يدل عليه الأمر ولا
يحتمل ذلك(٥) ولذا قلنا لا يراد بآية السرقة إلا سرقة واحدة؛ إذ الكل ليس بشرط للقطع
(١) انظر أصول السرخسي ٢٣/١، ٢٤، والتلويح ٣٠٧/١، ٣٠٨، وتيسير التحرير ٣٥٥/١، ٣٥٦.
(٢) جواب سؤال يرد علينا وهو: أن الأمر إذا لم يقتض التكرار ولم يحتمله، فبأي وجه تتكرر العبادات
مثل الصيام والصلاة وغير ذلك؟
(٣) وعند الشافعي لما احتمل كل أمر التكرار سواء كان أمر الشارع أو غيره، تملك المرأة في قوله:
طلقي نفسك أن تطلق نفسها ثنتين إذا نوى الزوج ذلك، وإن لم ينو أو نوى واحدة فلها أن تطلق
نفسها واحدة. نور الأنوار ٦٢/١ وابن ملك ص ١٤٦.
.
(٤) في (ا، ب، ج) فلا.
(٥) قال الرهاوي: لا نسلم أن كل اسم فاعل يدل على المصدر فإن اسم الفاعل إذا جُعل علمًا
- ١٢٥ -

يحتمل العدد حتى لا يراد بآية السرقة إلا سرقة واحدة وبالفعل الواحد لا تقطع إلا يد
واحدة. وحكم الأمر، نوعان أداء وهو تسليم عين الواجب بالأمر، وقضاء وهو تسليم
بالإجماع فتعينت الواحدة، ثم بالسرقة الواحدة لا يقطع إلا يد واحدة وقد تعين اليمنى بقراءة
ابن مسعود(١) وبالإجماع فاستحال أن يقطع اليسرى بالآية كما قال الشافعي في المرة
الثالثة(٢) .
قوله: (وهو / تسليم نفس الواجب بالأمر) الباء في بالأمر متعلقة بالواجب الذي الثابت
بالأمر وهو أفعال الجوارح لا ما في الذمة قبل الأمر، فإن ذلك بسبب آخر وإنما لم يذكر إلى
٦/ج
كحارث وقاسم لا يدل على المصدر وتأويله، وكذا أي، وكالأمر اسم الفاعل الذي دل على
مصدره، ولم يحتمل مصدره العدد فاللام عوض عن المضاف إليه، وضمير لا يحتمل لمصدره وبه
يحصل الربط ويصح الكلام، والحاصل أن المصدر الذي يدل عليه اسم الفاعل لا يحتمل العدد
بمنزلة المصدر الذي يدل عليه الأمر. حاشية الرهاوي ص١٤٧.
(١) وهي: (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم)، تفسير أبى السعود ٣٥/٣، وقيل هي: (والسارق
والسارقة فاقطعوا أيمانهما)، معاني القرآن ٣٠٥/٢، والبرهان في علوم القرآن ٣٣٦/١، وقال ابن
كثير: هذه قراءة شاذة وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقا لها، لا بها، بل هو مستفاد من
دليل آخر. تفسير ابن كثير ٥٦/٢، وانظر تفسير القرطبي ١٦٧/٦، وقال أبو عبيد في فضائل
القرآن: المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها كقراءة ابن مسعود:
(فاقطعوا أيمانهما) الإتقان ٢١٩/١، وانظر الإجماع لابن حزم ص ١٣٥.
(٢) إذا سرقَ منْ قُطعت يده اليمنى في السرقة فإنهم اختلفوا في ذلك فقال أهل الحجاز والعراق تقطع
رجله اليسرى بعد اليد اليمنى، وقال بعض أهل الظاهر، وبعض التابعين تقطع اليد اليسرى بعد
اليمنى ولا يقطع منه غير ذلك، واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة بعد اتفاقهم على قطع الرجل
اليسرى بعد اليد اليمنى هل يقف القطع إن سرق ثالثة أم لا؟ فقال سفيان وأبو حنيفة يقف القطع
ويحبس حتى يتوب، وقال الشافعي ومالك: إن سرق ثالثة قطعت يده اليسرى ثم إن سرق رابعة
قطعت رجله اليمنى وكلا القولين مروي عن عمر وأبى بكر. استدل الشافعي ومالك بما رواه أبو
هريرة أن رسول اللَّه مج لّ قال في السارق: ((إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن
سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله))، وتمسك أئمة الحنفية بأن مصدر السارق والسارقة
لا يحتمل العدد حتى لا يراد بآية السرقة إلا سرقة واحدة؛ لأنه لو أراد كل السرقات لم يجب
القطع إلا بعدها، وذلك لا يعرف إلا بموت السارق وذلك منتف بالإجماع، وبالفعل الواحد لا
تقطع إلا يد واحدة وهى اليمنى بالسنة قولا وفعلا، وبقراءة ابن مسعود (أيمانهما)، مكان (أيديهما)
وبالإجماع فلم تبق اليسرى مرادة ولم يمكن هنا تكرر القطع بتكرر السرقة لفوات المحل وهو اليمنى
- ١٢٦ -

مثل الواجب به ويستعمل أحدهما مكان الآخر مجازًا حتى يجوز الأداء بنية القضاء،
مستحقه وقد ذكره شمس الأئمة السرخسي(١) لأنه استفيد بالمذكور؛ إذ الواجب
بالأمر تسليم نفس الحق إلى مستحقه كما في الأمانات قال الله - تعالى - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ
أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾(٢)، وقد ذكر أن الأداء تسليم نفس الواجب بالأمر فيلزم أن
یکون عبارة عن تسلیم ذلك إلى مستحقه وحيث وقع ذ کره فذلك للإيضاح(٣)، فإن قيل:
فإذا لا حاجة إلى ذكر التسليم أيضا قلنا: بل إليه حاجة؛ إذ الثابت بالأمر وجوب تسليم
الأفعال لا نفس التسليم الذي هو فعل المكلف، فيكون هذا غير ذلك فاحتيج إلى ذكره في
الأداء(٤) ولا ينتقض بالفعل؛ لأن إطلاق الأداء عليه بطريق التوسع عندنا(٥).
بخلاف تكرر الجلد بتكرر الزنا؛ لأن المحل وهو البدن باق، والجواب عن الشافعي أن قراءة ابن
مسعود مشهورة يجوز تقييد المطلق بها. بداية المجتهد ص ٣٣٩، وشرح فتح القدير ٣٩٥/٥،
والمبسوط للسرخسي ١٦٦/٩، وإعانة الطالبين ١٦٣/٤، والإقناع للشربيني ٥٤٠/٢، وبدائع
الصنائع ٨٧/٧، وشرح ابن ملك ص ١٤٧، ١٤٨.
(١) السرخسي هو محمد بن أحمد بن أبى سهل أبو بكر شمس الأئمة السرخسي، كان إمامًا علامة
حجة متكلمًا مناظرًا أصوليًّا مجتهدًا أخذ عن عبد العزيز الحلواني، أملى كتاب المبسوط وهو في
السجن، كان مسجونًا بسبب كلمةٍ نصح بها الخاقان، وكان يملي من خاطره من غير مطالعة
كتاب، له كتاب في أصول الفقه، وشرح السير الكبير، والسرخسي نسبة إلى سرخس بفتح السين
والراء وسكون الخاء، بلدة قديمة من بلاد خراسان قيل: توفي سنة ٤٩٠ وقيل سنة ٥٠٠ هـ الفوائد
البهية ص ١٥٨، والفتح المبين ص ٢٧٧/١، ٢٧٨.
(٢) من الآية ٥٨ من سورة النساء.
(٣) انظر أصول السرخسي ٤٤/١.
(٤) ما ذكره الإمام النسفي من تعريف الأداء اختيار فخر الإسلام وعبارته تسليم نفس الواجب بالأمر،
وقال شمس الأئمة: الأداء اسم لتسليم عين الواجب بسببه إلى مستحقه. قيل والتعريفان متقاربان؛
لأن النفس هي العين والواجب مستلزم لسببه، لأن الواجب لا يكون واجبا إلا بسببه، والتسليم هو
الدفع إلى من يستحق المدفوع. قال الرهاوى: بينهما فرق كثير؛ لأن المراد بنفس الواجب في عبارة
فخر الإسلام أفعال الجوارح لاما في الذمة، ويعين الواجب في عبارة شمس الأئمة نفس الوجوب
الشاغل للذمة، لأنه هو الذمة الثابت، وزاد صاحب المنتخب: إلى مستحقه في الأداء والقضاء،
وزاد بعض قيدًا آخر، وهو في وقته، لأن التسليم في غيره لا يكون أداء. أصول السرخسي ٤٤/١،
وأصول البزدوي بهامش كشف الأسرار ١٣٤/١، وشرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص
١٥١، ١٥٢.
(٥) لم يذكر المصنف تعريف القضاء وهو: تسليم مثل الواجب به أي بالأمر، وعرفه شمس الأئمة
- ١٢٧ -

وبالعكس في الصحيح لوجود تسليم الواجب فيهما.
والقضاء یجب بما يجب به الأداء خلافا للبعض وفیما إذا نذر أن یعتکف شهر
٨/ب
قوله: (ويستعمل أحدهما مكان الآخر) قال - تعالى -: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ﴾(١) الذي
أديت / يقال فلان أدى دينه الذي قضاه؛ لأن الدين وصف شرعي في الذمة، والمؤدى عين
والعين لا يكون نفس الوصف غير أن القضاء لفظ متسع؛ لأن معناه الإتمام والإلزام،
والإحكام والإسقاط، وهذه المعاني موجودة في الأداء فيجوز بنية القضاء مطلقا أما الأداء
فيستعمل في القضاء مقيدا بقرينة كما ذكرناه وهذا لأن للأداء(٢) خصوصا بتسليم نفس
الواجب.
قوله: (والقضاء يجب بما يجب به الأداء) وعند بعض مشايخنا يجب بدليل آخر(٣)؛ لأن
العبادة عرفت عبادة في وقتها فعند(٤) فواتها لا تعرف عبادة إلا بنص آخر، لكنا نقول: إن
الواجب متى ثبت في الذمة لا يسقط إلا بأدائه، وإن فات فيإسقاطه بمثل من عنده هو حقه
كما في حقوق العباد، وهذا الحق له مثل عند المفوت من النفل فيضمن به، والعبادة معقولة
أصلًا غير معقولة وصفًا فاحتاجت إلى الدليل ابتداء واستغنت عنه بقاء(٥).
السرخسي بقوله: إسقاط الواجب بمثل من عند المأمور هو حقه. أصول السرخسي ٤٤/١.
(١) من الآية ١٠ من سورة الجمعة.
(٢) في (ج): لأن الأداء.
(٣) اتفق العلماء على أن القضاء بمثل غير معقول إنما يكون بأمر جديد أي بنص مبتدأ مغاير للنص
الوارد بوجوب الأداء واختلفوا في القضاء بمثل معقول فقال المحققون من أصحابنا وبعض أصحاب
الشافعي والحنابلة وعامة أصحاب الحديث أنه يجب بالأمر الأول، وعليه أبو بكر الرازي من
الحنفية، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري، وقال العراقيون من أصحابنا: وصدر الإسلام،
وصاحب الميزان وعامة أصحاب الشافعي وعامة المعتزلة لا يجب بالأمر الأول بل بأمر جديد.
حاشية الرهاوي ص ١٥٥، ١٥٦، وشرح المحلى على جمع الجوامع ٣٨٢/١، ٣٨٣، وإرشاد
الفحول ص ١٠٦، ١٠٧ والتمهيد للإسنوي ٦٨، ٦٩.
(٤) في (١) فواته.
(٥) وهذا أشبه بأصول علمائنا رحمهم اللَّه فإنهم قالوا: لو أن قوما فاتتهم صلاة من صلوات الليل
فقضوها بالنهار جماعة جهر إمامهم بالقراءة، ومن فاتته صلاة في السفر فقضاها بعد الإقامة، صلى
ركعتين، ولو فاتته حين كان مقيمًا فقضاها في السفر صلى أربعًا، وهذا لأن الأداء صار مستحقا
بالأمر في الوقت. أصول السرخسي ٤٦/١.
- ١٢٨ -

رمضان فصام ولم يعتكف إنما وجب القضاء بصوم مقصود لعود شرطه إلى الكمال لا
قوله: (وفیما إذا نذر أن یعتكف شهر رمضان) هذا بیان ما يورد عليه، وهو أن يقال: إن
وجوب القضاء لو كان بما يجب به الأداء لكان الموجب لأداء المنذور، وهو الأمر بالوفاء
بالنذر هو الموجب للقضاء، فوجب أن يصح الاعتكاف في رمضان الثاني فيما إذا نذر أن
يعتكف شهر رمضان فصامه ولم يعتكف(١)؛ لأن الثاني مثل الأول في كون الصوم مشروعًا
فيه مستحقًا عليه، وحيث لم يجز دلّ أنه(٢) وجب بدليل آخر وهو التفويت؛ لأنه فعله
فصلح(٣) موجبا كالنذر، والتفويت سبب مطلق عن الوقت فصار كالنذر المطلق في الوقت
وذلك لا يتأدى بصوم رمضان فكذا هذا.
قوله: (إنما وجب القضاء بصوم مقصود لعود شرطه إلى الكمال [الأصلي ] (٤) لا لأن
القضاء وجب بسب آخر)، بيان هذا أن النذر بالاعتكاف نذر بالصوم، لأنه شرطه كالنذر
بالصلاة نذر بالوضوء، لكن [الشرط يراعى](٥) وجودها في نفسها فإذا وجد الصوم بإيجاب
الشرع وقع الاستغناء عن صوم آخر كمن نذر بالصلاة وهو متوضئ لا يجب عليه وضوء آخر
ثم إذا انفصل الاعتكاف عن الصوم صار ذلك النذر بعينه موجبًا للصوم كما إذا لم يؤدى
تلك الصلاة حتى انتقض وضوءه، يجب عليه بذلك النذر وضوء آخر، وإذا وجب الصوم لا
يتأدى بصوم رمضان آخر؛ لأنه عاد الشرط إلى الكمال فصار كما إذا نذر باعتكاف شعبان
وذلك لا يتأدى بصوم رمضان فكذا هذا ووجوب القضاء بالفوات بأن مرض أو أغمى عليه
الشهر كله دليل على أن التفويت ليس بسبب؛ / إذ لا فعل منه فيه يضاف الحكم إليه ولا
١/ز
(١) أئمة الحنفية - رحمهم اللَّه . يشترطون الصوم في الاعتكاف المنذور أما الاعتكاف النفل فالصيام
ليس بشرط فيه في ظاهر الرواية، ثم إنهم يستدلون على اشتراط في المنذور بقوله م38: ((لا اعتكاف
إلا بصوم)). أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث عائشة وهذا عام يشمل المنذور والنفل فما وجه
تخصيصه بالمنذور ولهذا رجح بعض المحققين رواية الحسن في اشترط الصوم في اعتكاف النفل
أيضا، لإطلاق الحديث. انظر حاشية الرهاوي ص ١٦١، ١٦٢، والمبسوط للسرخسي ١١٥/٣،
٠١١٦
(٢) في (١) على أنه.
(٣) في (ب) يصلح.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ج).
(٥) في (ا، ب، ج) الشروط تراعى، وهو الصواب.
- ١٢٩ -

لأن القضاء وجب بسب آخر.
مبحث الأداء أنواع
والأداء أنواع كامل وقاصر وما هو شبيه بالقضاء كالصلاة بجماعة والصلاة منفردًا
وجود لغيره سوى السبب السابق، فإذا(١) ثبت القضاء في الفوات يثبت(٢) في التفويت(٣).
قوله: (والأداء أنواع) الذي الأداء أنواع ثلاثة (٤) كامل وهو الأداء المشروع بصفته مثل
أداء الصلاة المكتوبة بالجماعة(٥). وقاصر وهو ما يتمكن النقصان في صفته كأداء الصلاة
منفردًا / فإنه قاصر لنقصان في صفته لما أنه أمرنا بالجماعة (٦)، وما هو شبيه بالقضاء كفعل
اللاحق بعد فراغ الإمام(٧) فإنه أداء من حيث إن الوقت باق حتى قلنا إنه لا يقرأ ولا يسجد
للسهو، ويفسد صلاته بالمحاذاة شبية بالقضاء باعتبار أنه يتدارك ما فاته مع الإمام ولهذا لا
٧/أ
(١) في (ب) وإذا.
(٢) في (ب، ج) ثبت.
(٣) انظر كشف الأسرار للبخاري ١٤٣/١ وما بعدها، وأصول السرخسي ٤٧/١، ٤٨، وابن ملك
ص ١٦١ وما بعدها، والتلويح ٣١٣/١ وما بعدها، وفتح الغفار ٤٦/١، ٤٧، ونور الأنوار ١/
٦٨، ٠٦٩
(٤) ينقسم الأداء أولا إلى نوعين: أداء محض وهو ما لم يكن فيه شبهة القضاء، وأداء يشبه القضاء،
ثم المحض ينقسم إلى نوعين كامل وقاصر وهذه الأنواع الثلاثة كما تتحقق في حقوق اللّه تعالى
تتحقق في حقوق العباد فتكون الأقسام بالنظر إلى المعينَّ ستة. حاشية الرهاوي ص ١٦٥، ١٦٦.
(٥) قال ابن ملك: الكامل هو الذي يؤديه الإنسان مع توفير حقه من الواجبات والسنن والآداب. قال
الرهاوي والأولى أن يقال في تعريف الكامل: هو ما يؤديه الإنسان على الوجه الذي أمر، كما قال
شمس الأئمة السرخسي الكامل هو: أداء المشروع بصفة كما أمر به، والتحقيق أن كل أداء ترك
فيه شيء من الواجبات فهو قاصر وإلا فهو كامل كما ذكر بعض المحققين. شرح ابن ملك ومعه
حاشية الرهاوي ١٦٦، وأصول السرخسي ٤٨/١.
(٦) تعريف شمس الأئمة وتمثيله. أصول السرخسي ٤٨/١٠.
(٧) اللاحق بعد فراغ الإمام هو من فاته بعد ما دخل مع الإمام بعض الصلاة، أي صلاة الإمام لنوم أو
سبق حدث أو غير ذلك. الرهاوي ص ١٦٦، فإن قيل: كيف جعلت المسبوق مؤديًا، وقد جعله
صاحب الشرع قاضيا حيث قال رَ﴿: ((وما فاتكم فاقضوه)). رواه أحمد في مسنده وابن حبان في
صحيحه من حديث أبى هريرة. قلنا: سماه قاضيا مجازا، لما فيه من إسقاط الواجب، أو سماه
قاضيًا باعتبار حال الإمام، ونحن جعلناه مؤديا باعتبار الوقت. ابن ملك ص ١٦٧، وانظر حاشية
الطهطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٨٥، ٢٨٦، التعريفات للجرجانى ص ٢٩.
- ١٣٠ -

وفعل اللاحق بعد فراغ الإمام حتى لا يتغير فرضه بنية الإقامة، ومنها رد عين المغصوب.
ورده مشغولا بالجناية وإمهار عبد غيره وتسليمه بعد الشراء حتى تجبر على القبول
يتغير فرضه بنية الإقامة.
قوله: (ومنها) الذي ومن أنواع الأداء لما فرغ من بيان أقسام الأداء في حقوق الله - تعالى.
شرع في بيانها في حقوق العباد(١) فرد عين المغصوب إلى المالك كما غصب أداء كامل؛ لأنه
أداه بصفته كما وجب عليه ورده مشغولا بالجناية أو الدين بسبب كان عند [الغاصب
أداء](٢) قاصر؛ لأنه لم يكن على الوجه/ الذي استحق عليه أداؤه فإذا هلك في يد المالك قبل
الدفع إلى ولي الجناية برئ الغاصب لوجود أصل الأداء، وإذا دفع إلى ولى الجناية أو بيع في
الدين رجع على الغاصب بقيمته لقصور في الصفة.
٩/ب
قوله: (وإمهار عبد غيره وتسليمه بعد الشراء)(٣) أداء شبيه بالقضاء أما بيان أنه أداء فلأنه
عينّ حقها فيلزم تسليمه إليها وتجبر المرأة على القبول، وأما كونه قضاء فلأن تبدل الملك
أوجب(٤) تبدلا في الصفة ألا يرى أن العين كان حرام الانتفاع على المشترى جائز الانتفاع
للبائع والآن قد انعكس الأمر وبتبدل الصفة يتبدل الذات حکما کاخمر إذا تخلل فكان غير
الأول فينفذ إعتاقه قبل التسليم دون إعتاقها ولو كان العبد أب المرأة لم يعتق عليهما كما
ذكرنا(٥).
(١) قدم حقوق اللَّه - تعالى-؛ لأنها أولى بالتقديم، وقدم الأداء على القضاء؛ لأن الأداء أصل والقضاء
خلف عنه.
(٢) في (ب، ج) الغاصب لوجود أصل أداء.
(٣) قال ابن نجيم: في عبارته تساهل، فإن الإمهار ليس من الأداء أصلًا وإنما التسليم هو الأداء، فلو
قال: وتسليم عبد غيره المسمى مهرًا بعد شرائه لكان أولى، وكذا لو قال بعد ملكه لكان أولى؛ لأنه
لا فرق بين الشراء والهبة والميراث. فتح الغفار ٥١/١.
(٤) في (ج) يوجب.
(٥) وحاصل هذه المسألة أنه إذا تزوج الرجل امرأة على عبد له هو أبو المرأة فعتق الأب لتملك المرأة
بنفس العقد، فإن استحق العبد بقضاء القاضي بطل ملكها وعتقه، ووجب على الزوج قيمة العبد
للمرأة؛ لأنه سمى مالا وعجز عن تسليمه، فإن لم يقض القاضي بالقيمة إلى أن ملك الزوج ذلك
العبد ثانيا بشراء أو هبة أو ميراث أو نحو ذلك، لزم الزوج تسليم العبد إلى المرأة فهذا التسليم أداء،
من حيث إن العبد عينّ حق المرأة، لأنه الذي استحقته بالتسمية، لكنه يشبه القضاء، من حيث إن
- ١٣١ -

وینفذ إعتاقه فیه دون إعتاقها.
مبحث أنواع القضاء
قوله: (والقضاء أنواع أيضًا) الذي ينقسم [على] (١) ثلاثة أقسام كالأداء قوله بمثل معقول
كقضاء الصوم بالصوم والصلاة بالصلاة، وهذا ظاهر.
٧/ج
قوله: (وبمثل غير معقول) أراد به ما لا يدركه العقل لا لأن العقل يأبى لأنه من حجج الله.
تعالى - وحججه لا تتناقض إذ هو من أمارات العجز والسفه/ - تعالى - اللَّه عن ذلك، وذلك
مثل الفدية بالصوم في حق الشيخ الفاني، وهذا لأنه لا يعقل المماثلة بين الصوم والفدية لا
صورة ولا معنى، أما صورة فلأن الصوم إمساك والفدية إعطاء، وأما معنى فلأن الصوم شيء
يفضي إلى قهر النفس وإتعابه بالمجاعة، والفدية شيء يفضي إلى إشباع النفس وهما متضادان
وإنما جاز بقوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾(٢) معناه لا يطيقونه(٣).
قوله: (وما هو في معنى الأداء) كقضاء تكبيرات العيد في الركوع بأن موضعها القيام وقد
فات عنه، فكان قضاء وهو غير قادر على مثل من عنده قربة، فكان ينبغي أن لا يقضي، إلا أن
الركوع يشبه القيام حقيقة؛ لأن الفارق بين القيام والقعود انتصاب الشق السفل وذلك
تبدل الملك يوجب تبدل العين بدليل السنة وهو ما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل على
بريرة فأتت بتمر والقدر كان يغلي باللحم فقال ﴿: ((ألا تجملين لنا من اللحم نصيبا!)) فقالت: هو
لحم تصدق به علينا يا رسول اللّه فقال التكلّئها: ((هي لك صدقة ولنا هدية)). متفق عليه من رواية
عائشة وبريرة - رضي اللَّه عنهما -، وهى مولاة عائشة، وعائشة من بني تميم ولا تحرم الصدقة على
مواليها، بل على موالي بني هاشم على أنها كانت صدقة التطوع ولا تحرم إلا على النبي ﴿ّ فقد
جعل تبدل الملك موجبًا لتبدل الذات حكمًا والعين واحدة. التلويح ٢٢٣/١-٢٢٥، وشرح ابن
ملك ص ١٧١ وما بعدها، وفتح الغفار ٥١/١، ٥٢.
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب، ج).
(٢) من الآية ١٨٤ من سورة البقرة.
(٣) معناه لا تطيقونه قاله فخر الإسلام وفي قراءة حفصة وعلى الذين لا يطيقونه، وقيل: هو الشيخ
الفاني فعلى هذا لا يكون منسوخًا، فإنه حكم ثابت مجمع عليه. قال في المبسوط: وقيل: حرف
لا مضمر فيه معناه وعلى الذين لا يطيقونه قال الله - تعالى -: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾
[النساء: ١٧٦]، أي: لئلا تضلوا، ﴿وَأَلْقَى فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النمل: ١٥]،
أي: لئلا تميد بكم. انظر كشف الأسرار للبخاري وبهامشه أصول البزدوي ١٥١/١، والمبسوط
السرخسي ١٠٠/٣، وبدائع الصنائع للكاساني ٩٧/٢، وفتح الباري ١٨٠/٨.
- ١٣٢ -

والقضاء أنواع أيضا بمثل معقول وبمثل غير معقول وما هو بمعنى الأداء كالصوم
للصوم والفدية له وقضاء تكبيرات العيد في الركوع ووجوب الفدية في الصلاة
موجود وكذا حكما؛ لأن من أدرك الإمام في الركوع يصير مدر كا لتلك الركعة، فبالنظر إلى
هذا يكون أداء من وجه، وقد شرع من جنس هذه التكبيرات في حالة الانحطاط وهو تكبيرة
الركوع فيؤتى بها احتياطا(١).
قوله: (ووجوب الفدية في الصلاة للاحتياط) جواب عما يقال: إن الفدية لما ثبتت نصا
غير معقول فكيف عديتموها إلى الصلاة قياسا، وشرطه كون الحكم في الأصل معقولًا فقال:
إنما أوجبناها للاحتياط لا بالقياس(٢)، بيانه: أن ثبوت الفدية عن الصوم يحتمل أن يكون
معلولا بعلة العجز والصلاة نظير الصوم بل أهم منه لكونها حسنة لمعنىّ في نفسها، فإنها
تتأدى بأفعال وأقوال وضعت للتعظيم. والصوم حسن لمعنى قهر النفس الأمارة بالسوء كى
ترتاض فصار وسيلة إلى العبادات، ولا شك أن المقصود أحق بالرعاية والحفظ مما هو وسيلة
فتجب الفدية في الصلاة على هذا التقدير، ويحتمل أن لا يكون معلولا فلا يجب فلما
احتمل الوجهين أمرناه بها احتياطا، ثم إن كان واجبا فقد أدّاه، وإلا يكون برا ابتداء ليس به
بأس، ولهذا لا نقول إنها جائزة عن الصلاة قطعا كما نقول في الصوم فقد قال محمد في
(١) هذا نظير للقضاء الذي هو شبيه بالأداء، يعنى أن من أدرك الإمام في صلاة العيد في الركوع
وفاتت عنه التكبيرات الواجبة فإنه يكبر في الركوع عندنا من غير رفع يد، لأن الركوع فرض
والتكبيرات واجبة، فيراعى حالهما على حسب ما يمكن، وأما رفع اليد في التكبيرات ووضعهما
على الركبتين في الركوع فكلاهما سنة، فلا يترك أحدهما بالآخر، وهذا قضاء من حيث الذات؛
لأن محلها القيام قبل الركوع وقد فات، لكنه شبيه بالأداء. كما ذكر المصنف - وعند أبي يوسف
- رحمه الله - في رواية لا يقضي هذه التكبيرات في الركوع، لأنه قد فات محلها، كما لا تقضى
القراءة والقنوت فيه. نور الأنوار ٧٨/١، ٧٩، ويجب سجود السهو بترك التكبير في صلاة العيدين
عند الحنفية ومن وافقهم انظر بدائع الصنائع ١٦٧/١، وحاشية الطهطاوي على مراقي الفلاح ص
١٦٨، وفتاوى السغدي ٩٨/١، والهداية ٧٤/١، والمدونة الكبرى ٣٩٥/٢.
(٢) هذا جواب سؤال مقدر تقديره: إن الفدية في الصوم للشيخ الفاني لما كانت ثابتة بنص غير معقول
ينبغي أن تقتصروا عليه، ولم تقيسوا عليه من مات وعليه صلاة مع أنكم قلتم: إنه إذا مات وعليه
صلاة وأوصى بالفدية يجب على الوارث أن يفدى بعوض كل صلاة ما يفدى لكل صوم على
الأصح ... نور الأنوار ٧٩/١.
- ١٣٣ -

للاحتياط كالتصدق بالقيمة عند فوات أيام التضحية
الزيادات يجزيه إن شاء اللَّه تعالى(١).
٨/ز
١٠/ب
قوله: (كالتصدق بالقيمة عند فوات أيام التضحية) هذا(٢) لدفع الاستبعاد وليس بمقيس
عليه الذي وجوب الفدية للاحتياط بناء على احتمال التعليل نظير التصدق بالقيمة في كونه.
واجبا للاحتياط بناء على احتمال الأصالة(٣) / بيانه: أن التضحية عبادة مالية ولهذا يشترط
لها الغنى والمشروع المعهود في ذلك التصدق بالعين/ كما في الزكاة وغيرها وهذا لأن شكر
كل نعمة إنما يجب بجنسها كشكر سلامة الأعضاء بالخدمة وشكر المال بدفع بعضه،
فاحتمل أن يكون الأصل هو التصدق لكن الحكم انتقل إلى الإراقة في أيامها تطبيبا لطعام
الضيافة، فإذا فات ذلك عاد إلى الأصل ويحتمل أن يكون الأصل هو التضحية، لأن النص
ورد بها فيسقط بفوات وقتها لا إلى خلف، إذ لا يعقل وجه القربة فيها فلم يعتبر احتمال
الأصالة في أيام النحر في مقابلة المنصوص المتيقن وعملنا به إذا فات المنصوص بفوات وقته
احتياطا في باب العبادات (٤) وليس بطريق الخلافة؛ إذلو كان كذلك لعاد الحكم إلى التضحية في
العام القابل؛ لكون الإراقة مشروعة فيه نفلا حقاله وحيث / لم يعد، دل أن طريقه(٥) ما ذكرنا(٦).
١/٨
(١) نسب هذا القول إلى محمد في الزيادات النسفيُّ في الكشف وملاجيون في نور الأنوار ٨٠/١،
وابن ملك ص١٧٨، وابن نجيم في فتح الغفار ٥٣/١، والسرخسي في أصوله ٥١/١.
(٢) في (١) وهذا.
(٣) هذا تشبيه بالمسألة المتقدمة وجواب عن سؤال مقدر تقريره: إن ما لا يعقل شرعا لا يكون له قضاء
وخلف عند الفوات، والتضحية أي إراقة الدم في أيام النحر غير معقولة، لأنه إتلاف الحيوان فينبغي
أن لا يجوز قضائها بالتصدق بعين الشاة أو بالقيمة بعد فوات أيامها. نور الأنوار ٨٠/١، ٨١.
(٤) في (ا، ب، ج) العبادة.
(٥) والحاصل أن المعنية بالنذر للأضحية إذا فات وقتها يتعين التصدق بعينها حية، فإن استهلكها
فبقيمتها غنيا كان أو فقيرًا المعنية بالشراء لها كذلك غنيا كان أو فقيرًا على الصحيح كما في
البدائع ... وأشار بالقيمة إلى أن الإراقة بعد أيامها لا تكفيه، فلو وجب عليه التصدق بعين الشاة،
فلم يتصدق بها ولكن ذبحها يتصدق بلحمها ويجزيه ذلك إن لم ينقصها اللحم، وإن نقصها
تصدق باللحم وقيمة النقصان، ولا يأكل منها فإن أكل تصدق بقيمته، وأشار بوجوب القيمة إلى
أن عليه الإيصاء بالقيمة من ثلث ماله كما في الزكاة كذا في البدائع. فتح الغفار ٥٤/١.
(٦) في (١) ما ذكرناه.
- ١٣٤ -

ومنها ضمان المغصوب بالمثل وهو السابق أو بالقيمة وضمان النفس والأطراف بالمال
قوله: (ومنها ضمان المغصوب بالمثل وهو السابق)(١) الذي من أنواع القضاء في حقوق
العباد فإن القضاء ينقسم فيها انقسامه في حقوق الله - تعالى-، فضمان المغصوب بالمثل قضاء
بمثل معقول لاستوائهما في الصورة، والمعنى وهذا المثل سابق على المثل معنى لا صورة وهو
القيمة في ضمان العدوان؛ إذ فيه جبر حق المالك في كل وجه.
قوله: (أو بالقيمة) وذلك فيما له مثل(٢) لكن انقطع عن(٣) أيدي الناس كالعددي
المتقارب وفيما لا مثل له كالمتفاوت فهذا قضاء بمثل معقول؛ لتحقق المماثلة بينهما فيما هو
المقصود منهما وهو المالية غير أن حق المالك لما كان متعلقا بالصورة والمعنى كان هذا قاصرا،
فما أمكن رعايته فيهما لا يصار إليه.
قوله: (وضمان النفس والأطراف بالمال) الذي هو قضاء بمثل غير معقول؛ إذ المال لا يماثل
النفس لا صورة ولا معنى، لأن الآدمي مبتذِل لما سواه والمال مبتذَل فانعدمت المماثلة صورة،
وهو مالك وهذا مملوك فانتفت معنى.
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب، ج).
(٢) قال ابن ملك: ولو أخر المصنف قوله (وهو السابق) عن قوله (أو بالقيمة لكان أنسب). قال
الرهاوى: وجه كونه أنسب أن مذهب الجمهور أن الموجب الأصلي في الأعيان المضمونة المثل أو
القيمة، ورد العين مخلص عنه ولهذا يصح الإيراد عن الضمان والكفالة حال قيام العين مع أنهما
غير جائزين عن العين، فإذا كان تأخير قوله وهو السابق عن قوله أو بالقيمة لكان أنسب، ولعل
المصنف اختار مذهب بعض المشايخ من أن الموجب الأصلي في الأعيان المضمونة رد العين وأداء
المثل والقيمة مخلص فيكون الأنسب ذكر وهو السابق عقيب قوله بالمثل. شرح ابن ملك ومعه
حاشية الرهاوي ص ١٨٢.
(٣) في (أ) من.
- ١٣٥ -

وأداء القيمة فيما إذا تزوج على عبد بغير عينه حتى يجبر على القبول كما لو أتاها
بالمسمى وعن هذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - في القطع ثم القتل عمدا للولي فعلهما
وخالفاه في الأول ولا يضمن المثليُّ بالقيمة إذا انقطع المثل إلا يوم الخصومة وقلنا جميع
قوله: (وأداء القيمة فيما إذا تزوج على عبد بغير عينه) الذي هو قضاء في معنى الأداء(١)
أما كونه قضاء فلأن قيمة الشيء غيره، وأداؤه قضاء له، فيكون الأصل هو المسمى ولهذا إذا
أتاها بعبد وسط يجبر على القبول، وأما بيان أن فيه معنى الأداء، فلأنه لا يتمكن من تسليم
المسمى إلا بالتقويم فيكون القيمة أصلا من هذا الوجه مزاحمة للمسمى فلو أتى بها تجبر أيضا
على القبول(٢).
قوله: (وعن هذا) الذي باعتبار أن المثل الكامل سابق على القاصر قال أبو حنيفة رضى اللَّه
عنه في القطع ثم القتل عمدًا للولي فعلهما، الذي إذا قطع الإنسان عمدًا فقتله للولي أن
يقطعه ثم يقتله؛ لأنه مثل الأول صورة ومعنى وقالا يقتله ولا يقطعه؛ لأن إقدام الجاني على
القتل قبل حصول البدء من القطع دليل على تحقيق موجب القطع وهو السراية إلى النفس،
والقتل(٣) من الولي يكون مثلا كاملا، إلا أنه يقول هذا من حيث المعنى، فأما من حيث
الصورة فما ذكرنا وما قالاه فممنوع؛ لأنه قد يكون مَاحِيًّا بأن كان القاتل غير القاطع فإنه
يجب القصاص على القاتل خاصة (٤).
قوله: (إلا يوم الخصومة)؛ لأن المثل الكامل سابق لما قلنا، وهو موهوم بأن يصير إلى أوانه
فلا يصار إلى القاصر بدون الضرورة فلا(٥) ضرورة إلا بالخصومة فيعتبر وقتها، وعند أبى
يوسف - رحمه الله - يوم الغصب؛ لأنه هو الموجب للضمان لا الخصومة فاعتبار قيمة
(١) قيل في عبارته تساهل، لأن تسليم القيمة قضاء لا محالة فكان ينبغي أن يقول: وقضاء القيمة،
وأجيب عنه بأن الأداء مستعمل مكان القضاء، واختار لفظ الأداء اهتماما لبيان معنى الأداء فيه.
شرح ابن ملك ص ١٨٢، ١٨٣.
(٢) والتسمية إنما تصح عندنا خلافا للشافعي؛ لأن جهالته جهالة في الوصف لا في الجنس كتسمية
ثوب أو دابة، فتحتمل فيما بني على المسامحة كالنكاح دون البيع ابن ملك ص ١٨٣.
(٣) في (ا، ب، ج) فالقتل.
(٤) في (١) خاصة وعلى القاطع الأرش.
(٥) في (أ، ب، ج) ولا.
- ١٣٦ -

المنافع لا تضمن بالإتلاف والقصاص لا يضمن بقتل القاتل وملك النكاح لا يضمن
المضمون وقت تحقق سبب الضمان أولى من اعتبارها وقت(١) الخصومة، وعند محمد يوم
الانقطاع، لأن الواجب هو المثل وإنما يصار إلى القيمة للعجز عنه وأنه بالانقطاع(٢).
قوله: (وقلنا / المنافع لا تضمن بالإتلاف) لما مر أن المثل المعقول نوعان كامل وقاصر لا(٣)
ثالث لهما، وحيث لم يوجد واحد منهما / امتنع الإيجاب؛ لأن ضمان العدوان مقدر بالمثل
ولا مماثلة بين العين والمنفعة صورة وذلك ظاهر وكذا معنى؛ إذ العين مال متقوم بخلاف المنافع
ولا يلزم ورود العقد عليها؛ لأنه بناء على قيام العين مقام المنفعة للحاجة، ولم يتحقق هي في
الغصب لا محالة، إذ حق المغصوب منه يتأخر إلى دار الجزاء بخلاف العقد (٤).
٨/ج
١١/ب
قوله: (والقصاص لا يضمن بقتل القاتل)(٥) الذي من وجب عليه القصاص إذا قتله أحد
لا يضمن الثاني لمن له القصاص شيئا عندنا لأن ما لا مثل له سقط اعتباره، والقصاص وإن
تُقٌّوم في حق من وجب عليه لحاجته إلى إحياء نفسه، حتى جاز صلح المريض عنه على جميع
المال فغير متقوم في حق غيره، فلا يكون المال المتقوم مثلا له.
قوله: (وملك النكاح لا يضمن) يعني إذا شهدوا على من وطئ امرأته أنه طلقها ثلاثا أو
(١) في (أ) في وقت.
(٢) هذا هو التفريع الثاني على قوله وهو السابق وتفصيله: إذا غصب شخص من آخر مثليا، ثم انقطع
المثل وانصرم عن أيدي الناس فلا جرم تجب قيمته، فقال أبو حنيفة - رحمه اللَّه .: لا يضمن هذا
المثلي بالقيمة، إلا بقيمة يوم الخصومة لأنه ما لم تقع الخصومة يحتمل أن يقدر على المثل الصوري
وهو مقدم على المثل المعنوي، فحينئذ لابد على المالك أن يأخذ الضمان فيقدر الضمان بقيمة يوم
الخصومة، وعند أبي يوسف - رحمه الله - تعتبر قيمة يوم الغصب، لأنه لما انقطع المثل التحق بما لا
مثل له من ذوات القيم، وفيها تجب قيمة يوم الغصب بالاتفاق. نور الأنوار ٨٤/١-٨٦.
(٣) في (١) ولا ثالث.
(٤) صورة المسألة: رجل غصب فرسا لأحد وركبه عدة مراحل، أو حبسه في بيته ولم يركب ولم
يرسل فقال علماؤنا جميعًا: إنه لا تضمن هذه المنافع بشيء، وقال الشافعي بضمانها بالمال بقدر
العرف في كرائها إلى ذلك المنزل قياسا على الإجارة. نور الأنوار ٨٦/١، ٨٧، وابن ملك ص
١٨٦، ١٨٧.
(٥) خلافا للشافعي حيث قال يضمن، لأن القصاص ملك متقوم للولي؛ لأن النفس تضمن بالمال حالة
الخطأ وذا دليل على ماليته نور الأنوار ٨٨/١، ٨٩ وشرح ابن ملك ص ١٨٩.
- ١٣٧ -

بالشهادة بالطلاق بعد الدخول
فصل في بيان صفة الحسن للمأمور به وغيره
ولا بد للمأمور به من صفة الحسن ضرورة أن الآمر حكيم، وهو إما أن يكون لعينه،
واحدا بائنا ثم رجعوا لم يضمنوا للزوج شيئا عندنا(١)؛ لانعدام المماثلة بين ما أتلفوه(٢) وهو
ملك النكاح وبين المال إذ الملك صفة يقدر من قامت به على التصرف في المملوك، والمال عين
متقوم فامتنع الضمان لفقد شرطه(٣).
قوله: (ولا بد للمأمور به من صفة الحسن)؛ إذ الحسن ما له عاقبه حميدة (٤) والمأمور به إما
واجب تعلق(٥) الثواب بفعله والعقاب بتركه، أو مندوب يتعلق الثواب به فقط / ولا شك أن
ما تعلق به الثواب يكون له عاقبة حميدة فيكون حسنا، ثم هو من قضية حكمة الآمر؛ إذ أمر
الحكيم لا يخلو من(٦) اقتضاء صفة تستدعى عاقبة حميدة لا من نفس وصفه الأمر (٧)، لأنه
قد يرد من السفيه بالقبيح.
٩/ز
(١) خلافا للشافعي حیث قال أغرمهم الحا کم صداق مثلها إن کان دخل بها، وإن لم یکن دخل بها
غرّمهم نصف صداق مثلها لأنهم حرّموها عليه، ولم يكن لها قيمة إلا مهر مثلها، ولا التقت إلى
ما أعطاها قل أو كثر إنما التقت إلى ما أتلفوه عليه فأجعل له قيمة. الأم للإمام الشافعي ٥٥/٧.
(٢) في (١) أتلفوا.
(٣) هذه المسألة تفريع ثالث على أن ما لا مثل له لا يضمن عندنا، والفرع الثاني: أن القصاص لا
يضمن بقتل القاتل والأول أن المنافع لا تضمن بالإتلاف، وقد فرّع المصنف هذه المسائل الثلاث
على مذهبه خلافا للشافعي بناء على مقدمة، وهي أن الضمان لا يجب إلا عند وجود المماثلة سواء
كانت كاملة أو قاصرة صورة أو معنى.
(٤) الحسن لغة ضد القبح حَسُن فهو حسنْ والجمع حسان قال - تعالى -: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنَا﴾،
قال ابن ملك: اعلم أن الحسن والقبح يطلق على ثلاثة معان: الأول كون الشيء ملائما للطبع
ومنافرًا له كالفرح والغم، والثاني كون الشيء صفة كمال وصفة نقصان كالعلم والجهل، والثالث
كون الشيء متعلق المدح والذم كالعبادات والمعاصي، ولا خلاف بين العلماء أنهما بالتفسيرين
الأوليين عقليان، وأما بالتفسير الثالث فقد اختلف فيه. شرح ابن ملك ص١٩٣، ١٩٤ وفتح الغفار
٥٨/١، وانظر البحر المحيط ٢٢٤/١ وما بعدها
(٥) في (أ) يتعلق.
(٦) في (أ) عين.
(٧) في (ا، ب، ج) لا من قضية نفس الأمر.
- ١٣٨ -

وهو إما أن لا يقبل السقوط أو يقبله، أو يكون ملحقا بهذا القسم لكنه مشابه لما حسن
المعنى في غيره؛
قوله: (وهو إما أن يكون لعينه) كركني الإيمان [و](١) التصديق، والإقرار.
قوله: (وهو إما أن لا يقبل السقوط أو يقبله) الذي ما حسن لعينه نوعان: أحدهما لا يقبل
سقوط وصف الحسن عنه والآخر يقبله، فالذي لا يقبله الإيمان بالله - تعالى - وصفاته غير أنه
ركنان تصديق وهو ركن لازم لا يحتمل السقوط بحال، ولو تبدل بضده يكون كفرا على
الذي وجه كان.
١/٩
وإقرار وهو ركن ملحق بالتصديق، لكنه يحتمل السقوط في بعض الأحوال مع بقاء صفة
الحسن فيه حتى/ إنه لو بدله بضده بعد الإكراه لم يكن ذلك كفرا منه، وأما الذي يقبله
فكالصلاة فإنها حسنت(٢) لمعنى في نفسها من التعظيم لله - تعالى - وذلك حسن في نفسه
لكن إذا وقع التعظيم في غير حينه بأن يكون في الأوقات المكروهة أو في غير حال المعظم، بأن
يكون محدثا فقد يشوبه القبح فيسقط صفة الحسن عنه.
قوله: (أو يكون ملحقا بهذا القسم لكنه مشابه لما حسن لمعنى في غيره)، الذي يكون
ملحقا لما حسن لعينه، فعلى هذا صار الحسن لمعنى في عينه ثلاثة أقسام: أحدها ما حسن لعينه
وأنه قسمان أحدهما: ما لا يقبل سقوط وصف الحسن عنه، والثاني ما يقبله، والثالث ما أُلحق
به، وذلك مثل الزكاة. وبيان هذا أن الزكاة تمليك المال المقدر من الفقير على طريق الكفاية
لأمر الله - تعالى-، وأنه خبر محض فيكون حسنا لعينه لكنّ حسنه ليس حسن العبادة؛ لأنه
من حيث إن إيصال النفع يستوي فيه الصدقة والهبة ويستوي التمليك من الفقير والغنى،
فيكون حسنُ هذا القسم دون حسن القسم الأول، فلم يجعل منه، لكن ألحق به، لما أن الزكاة
لم تقع زكاة إلا بواسطة الفقير المحتاج فيكون الحسن فيها باعتبار الحاجة في الفقير (واحتياجه
إلى(٣)) الكفاية بخلق الله - تعالى - إياه على هذه الصفة لا بصنع باشره الفقير فلا يخرجها من
أن تكون حسنه لعينها.
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب، ج)
(٢) في (أ، ب) حسنة.
(٣) في (أ، ب، ج) واحتياج الفقير إلى.
- ١٣٩ -

كالتصديق والصلاة والزكاة، أو لغيره وهو إما أن لا يتأدى بنفس المأمور به أو يتأدى، أو
يكون حسنا لحسن في شرطه بعدما كان حسنا لمعنى في نفسه
قوله: (أو لغيره) يعنى أو يكون المأمور به حسنا لغيره أي الموصوف بالحسن هو الغير لا
نفس المأمور به بل المأمور به إلى ذلك الغير إما من حيث التسبيب كالسعي للجمعة، أو لكونه
شرطا لصحته كالوضوء للصلاة(١).
قوله: (وهو إما أن لا يتأدى) الذي ذلك الغير كالوضوء فإنه حسن لمعنى في غيره وهو
التمكن من أداء الصلاة لا في نفسه؛ لأنه تطهّر وهو ليس بعبادة مقصودة، ولهذا يصح
بدون(٢) فإنما(٣) المقصود منه الصلاة وذلك/ لا يتأدی به.
١٢/ب
قوله: (أو يتأدى) كالجهاد فإنه ليس بحسن لعينه؛ لأنه تعذيب عباد الله تعالى، وتخريب
البلاد، وإنما حسن لمعنى إعلاء كلمة الله - تعالى - وقهر أعدائه وذلك يحصل بنفس المأمور به
فصار شبيها للقسم (٤) الأول.
قوله: (أو يكون حسنا لحسن في شرط بعدما كان حسنًا لمعنى في عينه)(٥) كالصلاة أو
(١) أورد ابن ملك اعتراضا وأجاب عنه فقال: فإن قلت كلامه متناقض لأن الحسن إذا كان لعينه لا
يكون لغيره، لأن ما بالذات لا يكون لغيره، وقد قال: إنه لضرورة حكمة الآمر؟ قلت: ليس المراد
من قوله لعينه أن مبدأ الحسن ذات المأمور به، بل المراد أن الحسن الشرعي قد يكون بالنظر إلى عينه،
وقد يكون بالنظر إلى غيره بدليل قوله: يقبل السقوط أو لا يقبله، فإن الذاتي لا يقبل السقوط
أصلًا. شرح ابن ملك ص ٢٠٣، ٢٠٤.
(٢) في (أ، ب، ج) بدون النية.
(٣) في (أ، ب) وإنما.
(٤) في (ب، ج) بالقسم.
(٥) في هذا التقسيم وأمثلته مسامحات، لأن ضمير هو راجع إلى الغير، وضمير يكون راجع إلى المأمور
به، وفيه انتشار، والمعنى أن ذلك الغير الذي حسن المأمور به، لأجله إما أن لا يتأدى بنفس فعل
المأمور به بل لا بد أن يوجد المأمور به بفعل آخر، فهو كامل في كونه حسنا للغير، أو يتأدى بنفس
فعل المأمور به لا يحتاج إلى فعل آخر، فهو قريبٍ من الحسن لعينه، أو يكون ذلك المأمور به حسنا
لحسن في شرطه، وهو القدرة يعنى: لا يكلف الله تعالى أحدا بأمر من المأمور به إلا بحسب طاقته
وقدرته، فهذا أيضا حسن وهذا القسم ليس بقسم في الواقع، ولكنه شرط للأقسام الخمسة المقدمة
لعينه ولغيره، ولهذا لم يذكره الجمهور بعنوان التقسيم، وإنما ذكره فخر الإسلام مسامحة وسماه
ضربا سادسا جامعا لكل من الخمسة المتقدمة. نور الأنوار ٩٥/١، وانظر كشف الأسرار للبخاري
١٩٠/١، ٠١٩١
- ١٤٠ -