النص المفهرس

صفحات 61-80

الفصل الثالث
دراسة موضوعية لمسألة خبر الواحد إذا خالف القياس
وسيكون تناولي لهذه المسألة في مباحث:
المبحث الأول: أهمية دراسة المسألة.
المبحث الثاني: تحرير محل النزاع في المسألة.
المبحث الثالث: ذكر الآراء الواردة فيها مصحوبة بأدلتها.
المبحث الرابع: ما ترتب على الخلاف المذكور من أثر في الفروع الفقهية.
المبحث الخامس: عرض الآراء إجمالا ثم الترجيح وتعليل ذلك.

المبحث الأول
أهمية دراسة المسألة
السنة النبوية المشرفة مع الكتاب في مرتبة واحدة، من حيث الاعتبار والاحتجاج
بهما على الأحكام الشرعية، وإذا كانت السنة النبوية فرعًا عن الكتاب فهي فرعية
المدلول على الدال، وهذا لا يستلزم تأخرها عنه في الاعتبار والاحتجاج بها، بل يوجب
المساواة، وربما استقلت السنة بتشريع الأحكام، بأن دلت على حكم سكت عنه القرآن
الكريم، فلم ينص عليه ولا على ما يخالفه(١)، والإقدام على رد حديث ثبتت صحته
بطريق الرواية أمر له خطره، ولا شك أن هذه القضية كانت موضع اهتمام العلماء
المتقدمين منهم والمتأخرين بل والمعاصرين.
(١) انظر: بحوث في السنة المشرفة للشيخ عبد الغني عبد الخالق ص ٢٥، ٢٧، ٣٣، ٣٤.
- ٦٣ -

المبحث الثاني
تحرير محل النزاع في المسألة
حرر كلٍّ من أبي الحسين البصري(١) في المعتمد والآمدي(٢) في الإحكام الخلاف
في هذه المسألة فقالا ما مضمونه:
القياس إذا عارضه خبر الواحد، ننظر فإن كانت علة القياس منصوصة بنص قطعي،
وخبر الواحد ينفي موجبها، وجب العمل بالقياس بلا خلاف؛ لأن النص على العلة
كالنص على حكمها، فلا يجوز أن يعارضها خبر الواحد.
وإن كانت منصوصة بنص ظني تتحقق المعارضة ويكون العمل بالخبر أولى من
القياس بالاتفاق؛ لأنه دال على الحكم بصريحه، والخبر الدال على العلة يدل على
الحكم بواسطة، وإن كانت مستنبطة من أصل ظني كان الأخذ أولى بلا خلاف وإن
كانت مستنبطة من أصل قطعي والخبر المعارض للقياس خبر واحد، فهو محل
الخلاف(٣).
إذًا القياس مقدم بالاتفاق في حالة واحدة وهي إذا ما كانت علته منصوصة بنص
قطعي، وخبر الواحد يقدم في حالتين بالاتفاق:
الأولى: إذا كانت علة القياس منصوصة بنص ظني.
الثانية: إذا كانت مستنبطة من أصل ظني.
(١) محمد بن علي الطيب أبو الحسين البصري أحد أئمة المعتزلة، ألف المعتمد في الأصول، وتصفح
الأدلة، وغرر الأدلة، وشرح الأصول الخمسة، توفي ببغداد سنة ٤٣٦هـ. وفيات الأعيان ٤٨٢/١،
والأعلام ١٦١/٧، والفتح المبين ٢٤٩/١.
(٢) علي بن أبي على محمد بن سالم التغلبي الفقيه الأصولي الملقب بسيف الدين المكنى بأبي الحسن،
ولد سنة ٥٥١هـ بآمد بلد من ديار بكر ألف الإحكام في أصول الأحكام، ومنتهى السول في
الأصول، توفي سنة ٦٣١هـ. وفيات الأعيان ٤٥٥/٢، والفتح المبين ٥٨/٢.
(٣) انظر الإحكام للآمدي، فقد ذكر رأي أبي الحسين البصري ثم حرر هو محل النزاع بشكل آخر
ابتدأه بقوله: (والمختار أن يقال ... ) ١٣٠/٢، ١٣١ ط دار الكتاب العربي، وكشف الأسرار
للبخاري ٣٧٧/٢.
- ٦٤ -

فهذه حالات ثلاث هي موضع اتفاق بين العلماء، تبقى الحالة الرابعة وهي موضع
الخلاف، مجال بحثنا، وهي: إذا كانت علة القياس مستنبطة من أصل قطعي
وعارضت خبر الواحد فأيهما يقدم؟!
- ٦٥ -

المبحث الثالث
الآراء الواردة فيها وأدلتها
· أولاً: رأي الحنفية
ذهب عيسى بن أبان(١)، وفخر الإسلام البزدوي(٢)، وكذا صدر الشريعة(٣)، وهو
ما نسبه المحلي (٤) في جمع الجوامع للحنفية، وهو مختار القاضي أبي زيد الدبوسي(٥).
كذا نسبه ابن ملك(٦) في المنار - ومتأخري الحنفية، إلى أن خبر الواحد يقدم إذا كان
(١) هو عيسى بن أبان بن صدقة القاضي أبو موسى تفقه على محمد بن الحسن، قال هلال الرأي: ما
في الإسلام قاض أفقه من عيسى، ألف: إثبات القياس، وخبر الواحد، واجتهاد الرأي، وله في
الفقه: الجامع، والحجج، توفي سنة إحدى وعشرين ومئتين ٢٢١ هـ الفوائد البهية ص ١٥١، والفتح
المبين ١٤٦/١، ١٤٧.
(٢) علي بن محمد بن الحسين أو عبدالكريم بن الحسن فخر الإسلام البزدوي نسبة إلى (بزدة) قلعة
بقرب نسف، وهو من أكابر علماء الحنفية له أصول البزدوي شرحه عبد العزيز البخاري، وله تفسير
القرآن العظيم ولد سنة ٤٠٠هـ، وتوفي سنة ٤٨٢هـ الفوائد البهية ص ١٢٤، والفتح المبين ١/
٢٨٦.
(٣) عبيداللَّه صدر الشريعة الأصغر بن مسعود بن تاج الشريعة محمود بن صدر الشريعة أحمد بن
جمال الدين عبيدالله المحبوبي صاحب شرح الوقاية له في الأصول متن التنقيح وعليه شرح يسمى
التوضيح وتوفي سنة ٧٤٧هـ الفوائد البهية ص ١٠٩، والفتح المبين ١٦١/٢.
(٤) محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المحلي الشافعي أصولي مفسر ولد سنة ٧٩١هـ بالقاهرة
شرح جمع الجوامع في الأصول، والمنهاج في الفقه وله كتاب في الجهاد، وشرح الورقات لإمام
الحرمين توفي بمصر سنة ٨٦٤ هـ. الفتح المبين ٤٠/٣، والأعلام للزركلي ٢٣٠/٦.
(٥) عبيدالله بن عمر بن عيسى القاضي أبو زيد الدبوسي نسبة إلى دبوسية قرية بسمرقند، هو أول من
وضع علم الخلاف، ألف تقويم الأدلة، والنظم في الفتاوى، وله الأسرار في الأصول والفروع. روي
أنه ناظر بعض الفقهاء، فكان كلما ألزمه أبو زيد الحجة تبسم أو ضحك، فأنشد أبو زيد:
قابلني بالضحك والقهقهه
ما لي إذا ألزمته حجة
فالدب في الصحراء ما أفقهه
إن كان ضحك المرء من فقهه
توفي بخارى سنة ٤٣٠هـ، الفتح المبين ٢٤٨/١، والفوائد البهية ص ١٠٩.
(٦) عبداللطيف بن عبدالعزيز بن أمين الدين بن فرشته المعروف بابن ملك كان أحد المشهورين بالحفظ
الوافر من أكثر العلوم، وأحد المبرزين في عويصات العلوم وله القبول التام عند الخاص والعام له
تصانيف كثيرة أشهرها شرح المنار. توفي سنة ٨٥٥هـ الفوائد البهية ص ١٠٧، والفتح المبين ٥٠/٣
- ٦٦ -

الراوي عدلا ضابطا معروفا بالفقه كالخلفاء الراشدين، والعبادلة(١) وزيد بن ثابت
ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم ممن اشتهر بالفقه والنظر، فإن أحاديثهم
حجة سواء وافق القياس أو خالفه، فإن وافقه تأيد، ويكون ثبوت الحكم بالخبر لا
بالقياس، وإن خالفه ترك القياس به.
أما خبر الراوي المعروف بالعدالة والضبط ولم يعرف بالفقه كأبي هريرة وأنس بن
مالك - رضي الله عنهم - فإن وافق القیاس عمل به، و كذا إن وافق قياسا وخالف قياسا
آخر لكنه إن خالف جميع الأقيسة التي ثبتت أصولها بخبر الرواة المعروفين بالفقه لا
يقبل.
وما ذكرناه من نسبة ابن ملك لأبي زيد الدبوسي قوله إن القياس مقدم على خبر
الواحد إذا لم يكن الراوي فقيها، يناقض قوله في كتابه [تأسيس النظر] إذ قال: الأصل
عند علمائنا الثلاثة أن الخبر المروي عن النبي ◌ُّ من طريق الآحاد مقدم على القياس
الصحيح، وعند مالك ر ◌ُبه القياس الصحيح مقدم على خبر الآحاد، وعلى هذا قال
أصحابنا: إن المني نجس يطهر بالفرك عن الثوب إذا كان يابسا، وأخذوا في ذلك بالخبر،
وعند مالك رَبُّه لا يطهر إلا بالغسل بالماء مثل البول ... ثم ذكر عددا من الفروع
الفقهية المترتبة على هذا الأصل(٢)، على أن كتاب تأسيس النظر يُنسب خطأ لأبي زيد
الدبوسي، والتحقيق أن هذا الكتاب من تأليف أبي الليث نصر بن محمد بن أحمد
السمر قندي ت ٣٧٣ هـ، وقد ذكر ذلك الأستاذ شامل الشاهين، وأعد بحثا في ذلك
سماه: التحقيق المعتبر في نسبة كتاب تأسيس النظر(٣).
وفيه أنه توفي سنة ٨٨٥هـ تبعا لابن العماد في شذرات الذهب ٣٤٢/٧ لكن بقية المراجع لم تذكر
سنة وفاته إلا صاحب هدية العارفين الذي رجح أنه توفي سنة ٨٠١هـ راجع أصول الفقه تاريخه
ورجاله د/شعبان محمد إسماعيل ص ٤٢٦هـ.
(١) هم عبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر - رضي الله عنهم ..
(٢) تأسيس النظر ص ٤٧.
(٣) انظر الدليل الجامع إلى كتب أصول الفقه المطبوعة باللغة العربية لشامل الشاهين ص ٦٥، نقلا عن
كتاب إسعاد المطالع بترتيب المراجع د/أحمد عبد العزيز.
- ٦٧ -

جدير بالذكر أن الشيخ أبا الحسن الكرخي (١) وكثير من متقدمي الحنفية ذهبوا إلى
تقديم خبر الآحاد على القياس إذا كان الراوي عدلا ضابطا ولم يشترطوا لذلك أن
یکون فقيها(٢).
· أدلة الحنفية: استدل الحنفية لمذهبهم بما يلي:
١- أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يقدمون القياس على خبر الواحد والأمثلة
على ذلك كثيرة منها:
أ - ابن عباس لما سمع خبر أبي هريرة في الوضوء مما مسته النار رده، ولم يعمل به،
وقال: (لو توضأت بماء سخن أكنت تتوضأ منه؟!)(٣).
ورد حديث أبي هريرة في الوضوء مِن حمل الجنازة، وقال: (أيلزمنا الوضوء من
حمل عيدان يابسة؟!)(٤).
ب - ردت عائشة وابن عباس - رضي الله عنهما - خبر أبي هريرة نظ مته: ((إذا
استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا»، وقال ابن
عباس: ما نصنع بمهراسنا؟ - حجر عظيم يصب فيه الماء من أجل الوضوء - فقال له أبو
هريرة: (يا ابن أخي إذا حدثتك عن رسول الله ﴿ّ حديثا فلا تضرب له الأمثال)(٥).
(١) عبيدالله بن الحسين أبو الحسن الكرخي أخذ الفقه عن أبي سعيد البردعي انتهت إليه رياسة الحنفية
بالعراق ولد بالكرخ سنة ٢٦٠هـ، ألف المختصر في الفقه، شرح الجامعين الصغير والكبير لمحمد ابن
الحسن، وله رسالة في الأصول توفي ببغداد سنة ٣٤٠هـ. الفوائد البهية ص ١٠٨، والفتح المبين ١/
١٩٧، ١٩٨.
(٢) انظر في كل ما سبق كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري ٣٧٨/٢ وما بعدها، وشرح المنار لابن
ملك ص ٦٢٥، والإحكام للآمدي ١٣١/٢ وما بعدها، وشرح جمع الجوامع للمحلي ١٢٠/٢،
والتلويح على التوضيح ٤/٢، ومحاضرات في أصول الفقه الحنفي لطلبة السنة الثالثة للأستاذ
الد کتور/صبري محمد معارك ص ٢٤ وما بعدها.
(٣) انظر المبسوط لمحمد بن الحسن الشبيانى ٥٨/١، ٥٩.
(٤) البيهقي عن أبى هريرة: ((من غسل ميتا فليغتسل ومن حمل جنازة فليتوضأ)) سنن البيهقي ١/
٣٠٣، ومصنف ابن أبى شيبة ٤٧/٣، وعبد الرزاق من طريق آخر بلفظ آخر. مصنف عبد الرزاق
٤٥٢/٣.
(٥) أخرجه مسلم كتاب الطهارة باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده ٢٣٣/١.
- ٦٨ -

ج . وردّت عائشة أيضا حديث: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه))(١)، للأصل
القرآني الكلي وهو قوله - تعالى -: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(٢)، ﴿وَأَنْ لَّيْسَ
لِلِسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾(٣)، وهو ما فعله الشيخ محمد الغزالي (ت ١٩٩٦م).
٢- أن القياس حجة بإجماع السلف من الصحابة، أما خبر الواحد ففيه شبهة في
وصوله إلينا، فكان الثابت بالقياس الذي هو ثابت بالإجماع أقوى من الثابت بخبر
الواحد فكان العمل به أولى.
٣- أن القياس أثبت من خبر الواحد، لجواز السهو والخطأ والكذب على المخبر، ولا
يوجد شيء من ذلك في القياس.
٤- أن القياس لا يحتمل التخصيص، والخبر يجوز تخصيصه، فكان غير المحتمل
أولى.
٥- إذا كان القياس يخص به عموم الكتاب فلأن يترك لأجله خبر الواحد أولى؛ إذ
هو أضعف من العموم.
٦ - أن القياس الذي شهدت لصدقه عدة أصول، وعلته قد اشتقت من عدة نصوص
يكون قطعيا، وخبر الآحاد الذي يخالفه ظني، فيقدم القطعي، بل إن هذا الخبر حينئذ
مخالف لأصول الشريعة، وهذا دليل على أنه ليس صحيح النسبة إلى النبي - صلى الله
عليه وسلم -، ولا سيما وأنه ليس لهذا الخبر ما يشهد بصحته من أصول الشريعة
وقواعدها الأخرى.
١
٧- أن ضبط حديث رسول اللَّه وَ لّ عظيم الخطر؛ لأنه يَُلّ أُوتى جوامع الكلم،
واختصر له الكلام اختصارا، والوقوف على كل معنى ضمنه كلامه أمر عظيم، وقد
كان نقل الحديث بالمعنى مستفيضا في أصحاب رسول اللَّه ◌ُ﴿ ولما كان ذلك كذلك،
(١) الحديث أخرجه البخاري كتاب الجنائز باب قول النبي 8# يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه ١/
٤٣٢، ومسلم كتاب الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه ٦٤٠/٢.
(٢) من الآية ١٦٤ من سورة الأنعام، ومن الآية ١٥ من سورة الإسراء، ومن الآية ١٨ من سورة فاطر،
ومن الآية ٧ من سورة الزمر.
(٣) الآية ٣٩ من سورة النجم.
- ٦٩ -

احتمل أن ذلك الراوي نقل معنى كلام الرسول ◌ُطّ بعبارة لا تنتظم المعاني التي
انتظمتها عبارة الرسول وُّ لقصور فقهه عن إدراكها؛ إذ النقل لا يتحقق إلا بمقدار فهم
المعنى، فيدخل هذا الخبر شبهة زائدة يخلو عنها القياس فإن الشبهة في القياس ليست
إلا في الوصف الذي هو أصل القياس، وههنا تمكنت شبهة في متن الخبر بعدما تمكنت
شبهة في الاتصال، فكان فيه شبهتان، وفي القياس شبهة واحدة، فيحتاط في مثل هذا
الخبر، بترجيح ما هو أقل شبهة، وهو القياس عليه(١).
ثانيا: رأي الجمهور
ذهب الإمام الشافعي والحنابلة وجمهور الأصوليين وأئمة الحديث إلى وجوب
تقديم خبر الواحد على القياس مطلقا، سواء كان الراوي عالما فقيها أو لم يكن كذلك،
بشرط أن يكون عدلا ضابطا، وكما قدمنا فإن أبا الحسن الكرخي يوافق الجمهور فيما
ذهبوا إليه.
· الأدلة:
١ - حديث معاذ وهو ما روى (أنه وُ لّ سأل معاذًا ر ◌ُله حين أرسله إلى اليمن قال له:
(بم تقضي؟))، قال: بكتاب الله. قال: ((فإن لم تجد؟))، قال: بسنة رسول اللَّه ◌ُ لَّه قال:
((فإن لم تجد؟))، قال: أجتهد برأي ولا آلو)(٢).
وجه الدلالة: أن النبي ◌ُّ أقر معاذا على تأخيره القياس والعمل به عن السنة من غير
تفصيل بين المتواتر والآحاد.
٢- إجماع الصحابة على ذلك، فإنهم كانوا يتركون أحكامهم بالقياس إذا سمعوا
خبر الواحد. فأبو بكر څڅبه نقض حکما حكم فيه برأيه حدیث سمعه من بلال، وعمر
(١) انظر كشف الأسرار للبخاري ٣٧٩/٢ وما بعدها، وكذا ٢٠٢/١، وانظر الإحكام للآمدي ٢/
١٣١ وما بعدها ط دار الكتاب العربي، وشرح المنار لابن ملك ص ٦٢٣ وما بعدها، وص ٢٦٨
من إفاضة الأنوار للشيخ الدهلوي. موضوع هذا البحث، وأثر الاختلاف للشيخ مصطفي سعيد
الخن ص ٤١٣ - ٤١٥، وخبر الآحاد وشروط العمل به محمد سعيد أدلبي رسالة ماجستير بكلية
الشريعة ص ٢١١، ٢١٢.
(٢) سيأتي تخريج الحديث.
- ٧٠ -

ابن الخطاب ترك رأيه في دية الأصابع، عندما حكم بتوزيع دية اليد على حسب
منافعها، ترك رأيه هذا عندما بلغه حديث رسول اللَّه وَ التّ: ((في كل أصبع مما هنالك
عشر من الإبل))، وترك ابن عمر رأيه في المزارعة بالحديث الذي سمعه من رافع بن
خديج. ونقض عمر بن عبد العزيز ما حكم به من رد الغلة على البائع عند الرد بالعيب،
بما روي عن النبي ◌ُّ: ((الخراج بالضمان))، وغير ذلك من القضايا(١).
٣- أن الخبر يقين بأصله؛ لأنه قول الرسول و﴿ لا احتمال للخطأ فيه، وإنما الشبهة
في طريقه وهو النقل، ولهذا لو ارتفعت الشبهة كان حجة قطعا.
٤- أن خبر الواحد راجح على القياس، وأغلب على الظن فكان مقدما عليه، وذلك
أن الاجتهاد في الخبر واحتمال الخطأ فيه أقل من القياس؛ لأن خبر الواحد لا يخرج
الاجتهاد فيه عن عدالة الراوي، وعن دلالته على الحكم، وعن كونه حجة معمولا بها،
فهذه ثلاثة أمور، وأما القياس فإنه إن كان حكم أصله ثابتا بخبر الواحد، فهو مفتقر إلى
الاجتهاد في الأمور الثلاثة، وبتقدير أن يكون ثابتا بدليل مقطوع به، فيفتقر إلى
الاجتهاد في كون الحكم في الأصل مما يمكن تعليله أولا، وبتقدير إمکان تعلیله فیفتقر
إلى الاجتهاد في إظهار وصف صالح للتعليل، وبتقدير ظهور وصف صالح يفتقر إلى
الاجتهاد في نفي المعارض له في الأصل، وبتقدير سلامته عن ذلك يفتقر إلى الاجتهاد
في وجوده في الفرع، وبتقدير وجوده فيه يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض في الفرع
من وجود مانع أو فوات شرط، وبتقدير انتفاء ذلك يحتاج إلى النظر في كونه حجة،
فهذه سبعة أمور لابد من النظر فيها، وما يفتقر في دلالته إلى أمور ثلاثة لا غير، فاحتمال
الخطأ فيه يكون أقل احتمالا من الخطأ فيما يفتقر في بيانه إلى سبعة أمور، فكان خبر
الواحد أولى(٢).
(١) كشف الأسرار للبخاري ٣٧٨/٢، والرسالة للشافعي ٤٢٣ وما بعدها.
(٢) انظر الإحكام للآمدي ١٣٣/٢ وما بعدها ط دار الكتاب العربي، وأثر الاختلاف في القواعد
الأصولية في اختلاف الفقهاء د/ مصطفي سعيد ص ٤١٢، ٤١٣.
- ٧١ -

ثالثا: مذهب المالكية
ذكر البخاري في كشف الأسرار، وابن ملك في المنار، والآمدي في الإحكام
القول بأن الإمام مالك بن أنس وأصحابه يقدمون القياس على خبر الآحاد غير أنهم
يذكرون هذا القول عن مالك بصيغة التضعيف كقولهم يُحكى عن مالك، أو حُكى
عنه، أو منسوبٌ إليه، لكن الإمام القرافي(١) المالكي نقل في كتابه [شرح تنقيح الفصول]
عن القاضي عياض في التنبيهات وابن رشد في المقدمات أن مذهب الإمام مالك قولين
في تقديم القياس على خبر الآحاد. إلا أن القرافي رجح عند مناقشة الأدلة تقديم القياس
على خبر الآحاد ونقض أدلة من قال بتقديمه على القياس(٢).
بينما قال صاحب القواطع: (هذا القول - قول مالك - باطل سمج مستقبح عظيم،
وأنا أجل منزلة مالك عن مثل هذا القول ولا يدري ثبوته منه)(٣).
لكن قال في التقرير والتحبير: إن تقديم القياس على خبر الواحد مذهب مالك إلا
أنه استثنى أربع أحاديث فقدمها على القياس حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب،
وحديث المصراة، وحديث العرايا، وحديث القرعة (٤).
· رابعا: من قال بالتوقف
إلى القول بالتوقف ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني(٥).
(١) أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن أبو العباس شهاب الدين الصنهاجي القرافي من علماء المالكية
ولد بمصر ٦٢٦ هـ انتهت إليه رئاسة المالكية في عهده، له: [تنقيح الفصول في أصول الفقه] و[أنوار
البروق في أنواع الفروق] ومؤلفاته عديدة، توفي بمصر سنة ٦٨٤ هـ. الديباج المذهب ص ٦٢ وما
بعدها، والأعلام للزركلي ٩٠/١، والفتح المبين ٨٩/٢، ٩٠.
(٢) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٣٨٧ نقلا عن خبر الآحاد شروط العمل به رسالة ماجستير بكلية
الشريعة ص ١٨٩.
(٣) كشف الأسرار للبخاري ٣٧٧/٢، وانظر ص ٢٦٧ من هذا البحث.
(٤) التقرير والتحبير ٢٩٨/٢.
(٥) التقرير والتحبير ٢٩٩/٢، والإحكام للآمدي ١٣١/٢ ط دار الكتاب العربي.
وأبو بكر الباقلاني هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم الباقلاني البصري المالكي،
وكنيته أبو بكر نشأ بالبصرة وسكن بغداد، له شرح اللمع وشرح الإبانة والتمهيد، والمقنع كلاهما
في أصول الفقه، ولد سنة ٣٣٨ هـ وتوفي ببغداد سنة ٤٠٣ هـ. الفتح المبين ٢٣٣/١، وفيات
- ٧٢ -

المبحث الرابع
ما ترتب على الخلاف المذكور من أثر في الفروع الفقهية
ترتب على الخلاف السابق بين الأصوليين حال معارضة خبر الواحد للقياس
خلاف في العديد من الفروع الفقهية التي يصعب حصرها، ولا يتسع المقام لذكرها،
لذا سأكتفي بعرض نموذج من هذه الفروع لتوضيح ما قدمنا.
· المصَّراة
التصرية: أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة ثم تترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة
حتى يجتمع لها لبن فيراه مشتريها كثيرا فيزيد في ثمنها لذلك ثم إذا حلبها بعد تلك
الحلبة حلبة أو اثنتين، عرف أن ذلك ليس بلبنها لنقصانه كل يوم عن أوله(١). وأصل
التصرية حبس الماء يقال منه: صرّيت الماء: إذا حبسته، قال أبو عبيدة وأكثر أهل اللغة:
التصرية: حبس اللبن في الضرع حتى يجتمع(٢).
وقد اختلف العلماء في حكم المصراة إذا اطلع المشتري على هذا العيب، هل له
الخيار في الرد؟
وإذا ثبت الخيار فماذا يرد مقابل اللبن الذي احتلبه؟
ذهب جمهور العلماء إلى ثبوت الخيار، وإلى أنه يرد بدل اللبن الذي احتلبه صاعا
من تمر، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو هريرة أن النبي ◌ُّثمّ قال: ((لا تصروا الإبل
والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها،
وإن سخطها ردها وصاعا من تمر))(٣).
وذهبت الحنفية إلى أنه لا يرد بعيب التصرية، ولا يجب رد صاع من التمر، لكن
زفر قال بقول الجمهور، إلا أنه قال: يتخير بين صاع تمر، أو نصف صاع بر، وأجاز أبو
الأعيان ٦٠٩/١.
(١) الأم للشافعي ١٨٠/٨ ط دار المعرفة.
(٢) نيل الأوطار ٢٥٣/٥ ط دار الحديث.
(٣) سيأتي تخريجه.
- ٧٣ -

يوسف أخذ قيمة اللبن. وردوا حديث أبي هريرة بأنه حديث آحاد من رواية أبي هريرة،
ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما رواه مخالفا للقياس
الجلي.
وقد أورد ابن دقيق العيد وجوها ثمانية يوضح بها مخالفة الحديث للقياس:
الأول: أن المعلوم من الأصول: أن ضمان المثليات بالمثل. وضمان المتقومات
بالقيمة من النقدين، وهاهنا إن كان اللبن مثليا كان ينبغي ضمانه بمثله لبنا. وإن كان
متقوما ضمن بمثله من النقدين. وقد وقع ههنا مضمونا بالتمر. فهو خارج عن الأصلين
جميعا.
الثاني: أن القواعد الكلية تقتضي أن يكون المضمون مقدر الضمان بقدر التالف،
وذلك مختلف، فقدر الضمان مختلف لكنه قدر ههنا بمقدار واحد. وهو الصاع
مطلقا. فخرج من القياس الكلي في اختلاف ضمان المتلفات باختلاف قدرها
وصفتها.
الثالث: أن اللبن التالف إن كان موجودا عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود عليه
من أصل الخلقة وذلك مانع من الرد، كما لو ذهبت بعض أعضاء المبيع، ثم ظهر على
عيب. فإنه يمنع الرد. وإن كان هذا اللبن حادثا بعد الشراء فقد حدث على ملك
المشتري. فلا یضمنه. وإن کان مختلطا فما كان منه موجودا عند العقد من الرد. وما
کان حادثا لم یجب ضمانه.
الرابع: إثبات الخيار ثلاثا من غير شرط مخالف للأصول. فإن الخيارات الثابتة
بأصل الشرع من غير شرط، لا تتقدر بالثلاثة كخيار العيب وخيار الرؤية عند من يثبته،
وخيار المجلس عند من يقول به.
الخامس: يلزم من القول بظاهر الحديث، الجمع بين الثمن والمثمن للبائع في بعض
الصور. وهو ما إذا كانت قيمة الشاة صاعا من تمر. فإنها ترجع إليه مع الصاع الذي هو
مقدار ثمنها.
السادس: أنه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور وهو ما إذا اشترى شاة بصاع،
- ٧٤ -

فإن استرد معها صاعا من تمر فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن، فيكون قد باع صاعا
وشاة بصاع وذلك خلاف قاعدة الربا عندكم. فإنكم تمنعون مثل ذلك.
السابع: إذا كان اللبن باقيا لم يكلف رده عند كم فإذا أمسكه فالحكم كما لوتلف،
فيرد الصاع وفي ذلك ضمان بالأعيان مع بقائها. والأعيان لا تضمن بالبدل إلا مع
فواتها، كالمغصوب وسائر المضمونات.
الثامن: قال بعضهم: إنه أثبت الرد من غير عيب ولا شرط، لأن نقصان اللبن لو
كان عيبا لثبت به الرد من غير تصرية. ولا يثبت الرد في الشرع إلا بعيب أو شرط (١).
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد ١١٨/٢، ١١٩.
- ٧٥ -

المبحث الخامس
عرض الآراء إجمالا
الأول: تقديم خبر الواحد على القياس إذا كان الراوي عدلا ضابطا فقيها، فإن لم
يكن معروفًا بالفقه وخالف جميع الأقيسة رد خبر الواحد بالقياس.
الثاني: تقديم خبر الواحد على القياس مطلقا.
الثالث: تقديم القياس على خبر الواحد.
الرابع: التوقف.
المبحث السادس
الترجيح
بعد أن ذكرنا الآراء والأدلة والآثار الفقهية يطيب لنا أن نرجح رأي الحنفية في تلك
المسألة لقوة أدلتهم، ولأن رأيهم يجمع بين الاستمساك بالسنة والعمل بباقي الأدلة،
كما أنهم ضيقوا دائرة رد الأحاديث وعدم قبولها، فقالوا إذا خالف الخبر الأقيسة من
جميع الوجوه ولم يكن الراوي فقيها لم نقبل الخبر، وقد رأينا كيف لم يجترئوا على رد
خبر أبي هريرة في المصراة إلا بعد بيان مخالفة الخبر للقياس من وجوه ثمانية، فَهُمْ لا
يردون أخبار الآحاد جزافا، وحاشا أن يكون ذلك لهم منهجا. يبقى أن نشير إلى أن
إدراك مخالفة الحديث للقياس، وتحديد كون الراوي معروفا بالفقه أو غير معروف
مهمة العلماء الراسخين في العلم، فلا يصح لأنصاف المتعلمين الذين أولعوا بالحداثة
والعصرنة أن يردوا الأخبار الصحيحة بدعوى مخالفتها لمنطق العقل والعلم. والله
أعلم.
- ٧٦ -

نتائج وتوصيات
هذه بعض النتائج والتوصيات التي خرجت بها بعد طول معايشتي لهذا الكتاب،
عسى أن يستفيد بها غيري، وأدعو اللَّه أن تكون موضع تطبيق في جامعتنا العريقة في
المستقبل القريب إن شاء الله - تعالى ..
أولا: أقترح تدريس مادة جديدة على طلبة الدراسات العليا بقسم أصول الفقه
والأقسام العلمية المماثلة، على أن يكون اسم المادة (تحقيق النصوص)، تكون في السنة
الثانية فقط، حتى يكون الباحث على دراية بفن التحقيق ومناهجه، ولا بأس أن يُطلب
من كل طالب تحقيق جزء مخطوط كتدريب عملي على النَشْخ والمقابلة والاطلاع
والدراية بالمطبوع والمخطوط، لاسيما وقد سبقتنا إلى ذلك جامعات أخرى، صلتها
وحاجتها إلى تحقيق التراث تتضائل وتصغر أمام حاجتنا، كجامعة القاهرة (كلية دار
العلوم).
ثانيا: آن الأوان لأن تخرج كنوز التراث المحققة والمخزونة بكلية الشريعة، علما بأن
طلبة العلم بأمس الحاجة إليها، إن إخراج هذه الرسائل وطبعها يعني منع تجار الكتب من
سرقتها وبيعها منسوبة إليهم، كما يعني سبق جامعتنا العريقة إلى نشر الكتب وإعطاء
النموذج الأمثل للكتاب الترائي المحقق، إضافة إلى تشجيع الباحثين ماديا وأدبيا،
وإشعارهم أن ما قاموا به من جهد له قيمة، لم تتوقف قيمته عند تحصيل الدرجة العلمية
فحسب. وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية تقوم
بنشر الرسائل العلمية للباحثين لديها، على أن يتم ذلك وفق ضوابط وقوانين تقررها
المجالس المتخصصة في الجامعة.
ثالثا: تشكل لجنة من المعيدين والمدرسين المساعدين تقوم بجمع وتصوير
المخطوطات الخاصة بعلم أصول الفقه والمنثورة في مكتبات العالم وذلك بالتنسيق مع
الجامعة والمنظمة العربية للثقافة والعلوم، ثم تقوم اللجنة بفهرستها وإيداعها في مكتبة
خاصة بالجامعة، بعد ذلك يقوم الأساتذة العلماء بقسم أصول الفقه بترتيب المخطوطات
حسب أهميتها وحاجتها للتحقيق، فليس كل مخطوط يصلح للتحقيق، وليس كل ما
- ٧٧ -

يصلح للتحقيق يحتاجه الفن وطالب العلم، وبذلك يتم ترشيد وتقويم عملية التحقيق
التي تتم في جامعة الأزهر، ونستطيع خلال سنوات معدودة الانتهاء من تحقيق تراثنا
الأصولي العظيم.
رابعا: لا بد من ربط الجامعة بمراكز البحوث العلمية والجامعات الأخرى خاصة
خارج مصر، لتيسير سبل الاطلاع على ما لديهم من أبحاث، وذلك أمر ميسور من
خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، وقد بات عجيبا أن يطوف الباحث على
الكليات المناظرة لكليته . على كثرتها. لينظر هل درس موضوعه أم لا؟ يمكث في ذلك
شهرا رغم إمكان الانتهاء منه في دقائق، ويكفي أن نعلم أن كلية الشريعة ليس لها موقعا
على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت).
- ٧٨ -

نماذج مصورة من نسخ المخطوط