النص المفهرس
صفحات 241-260
أصول الإفتاء ٢٤٤ تغير الأحكام بتغير الزمان العِلل المحتملة نظراً إلى الاحتياط. وإنّ علّة الكيل والوزن أعمُّ وأشملُ من علّة الاقتيات والادخار، لأنّ دائرةَ الحُرُمات فيها أوسع، ولما كانت حكمةُ تحريم الربا هي سدّ الذّريعة والاحتياط، كان العملُ بالأحوط أولى، وإنّ الوصف الجامع الأشمل بين الأشياء الستّة المذكورة فى الحديث هو الكيلُ والوزن، وهو الذى يظهر فيه التّفاضل بصورة واضحة، دون العددیّات التى تتفاوت فى حجمها، فلا يتعيّن الفضلُ بالعدد، ودون المزروعات، فإنّها تتفاوت فى الوصف تفاوتاً كبيراً، فلايظهر التّفاضل بالذّرع. فناسب الكيل أو الوزنُ أن يكون علّةً للحكم. فاستمدّ الحنفيّةُ أيضاً بالحكمة فى استخراج علّة الحكم، غيرَ أنّه لمّا تعيّن الكيلُ والوزنُ علّةً، صار مدارُ الحكم على العلّة، دون الحكمة. وبالجملة، فإنّ الحكم الشرعيّ يُناط بالعلّة، لا بالحكمة والمصلحة، غير أنّ المصلحةَ والحكمةَ ربما تُفيدان فى معرفة علّةِ الحكم إذا لم تكن العلّة منصوصةً فى كلام الشّارع. فبطل بهذا قولُ كثيرٍ من المعاصرين المتجدّدين الذين يدّعون تغييرَ الأحكام الشرعيّة بتغيّر بعض مصالحها. وإنّ هذا شيئٌ خطير تتعطّل به جميع الأحكام الشرعيّة، فإنّه يمكن لرجل أن يقول: إنّ الصّلاةَ حكمتُها الرجوع إلى الله تعالى، وحيثُ تحصّل لى هذا الرجوع قلبيّاً، لم تبقَ الصّلاةُ مفروضةً عليّ، كما يقول بعضُ الجَهَلة المنتحلين إلى الصّوفيّة، ويمكن لرجل أن يقول: إنّ الجماعة فى الصّلاة إنّما شُرعت لإحداث الوحدة والتّنظيم فيما بين المسلمين، ولمّا حصلت هذه المصلحةُ بطريقٍ آخر، فلا حاجةَ إلى الجماعة، والعياذ بالله تعالى، ويستطيعُ رجلٌ أصول الإفتاء ٢٤٥ تغير الأحكام بتغير الزمان ثالثٌ أن يقول إنّ حرمة الخنزير كانت لدناسةِ الخنازير فى ذلك العهد، وحيثُ وُجدت الخنازير اليوم نظيفةً نشأت فى جوٍّ صِحّيّ نظيف، فلم تبق حرمتُها اليوم. وقِسْ على هذا، ولا شكّ أنّ مثلَ هذه الأقوال ضلالاتٌ نعوذ بالله منها. مقاصد الشريعة وقد ألّف جماعةٌ من العلماء كتباً فى بيان مصالح الأحكام الشّرعيّة، وبيانِ مقاصدها، وليس غرضُهم أن تكونَ هذه المقاصد والمصالحُ هى مناطَ الأحكام الشّرعيّة دائماً بقطع النظر عن النّصوص الشّرعيّة، بل مقصودُهم بيانٌ المصالح لما جاء فى النّصوص من الأحكام، حتّى يتبيّنَ أنّ الشريعةَ لم تَشْرِعْ حُكماً إلاّ ووراءه مصلحةٌ للعباد فى الدّنيا أو الآحرة، وأن تؤخذَ هذه المقاصدُ فى عين الاعتبار فى المباحات، وفى الأمورِ الّتى ليس فيها نصنّ شرعيّ. ولكنّ الحاكمَ فى كونه مصلحةً هو الشّرْعُ ونصوصُه، دون العقل المجرّد أو أهواءُ النّفوس. وذلك لأنّ هذه المقاصد، مثلَ الحفاظِ على النّفسِ والمالِ والعِرض ليست مطلوبةً مطلقاً وفى جميع الأحوال، بل الحقُّ، كما قال الشّاطبيّ رحمه الله تعالى: "أنّ المنافعَ والمضارَّ عامَتُها أن تكونَ إضافيّةً، لاحقيقيّة. ومعنى كونها إضافيّةً أنّها منافعُ أو مضارً فى حالٍ دون حال، وبالنّسبة إلى شخص دون شخص، أووقتٍ دون وقت. " فالذى يحكُم فى أمرٍ أنّه منفعةٌ أو مضرّةً هو شرع الله عزّ وجلّ، فالمصلحةُ الظّاهرة التى تُعارِض نصاً من نصوص الشّرِع ليست مصلحةً ولامنفعةً فى الحقيقة، وإنّما هو وليدُ هوى النّفوسِ الذى جاءت الشّريعة لإبطال اتباعه. أصول الإفتاء ٢٤٦ تغير الأحكام بتغير الزمان وقد ظهر فى زماننا ناس يتمسكون بكلمة "المقاصد الشرعية"، ويريدون أن يُقيموها أمامَ النّصوص الشّرعيّة بحُجَّةٍ أنّ المقصود من هذه الأحكام المنصوصةِ إقامةُ بعض المصالح، وتحقيقُ بعض المقاصد، وبما أنّ هذه المصالحَ والمقاصدَ تختلّ، فى الظاهر، بالعمل على ظواهر النّصوص، فإنّنا مأمورون باتّباع هذه المقاصد والمصالح، دون اتّباع ظواهر النّصوص. وإنّ مثل هذه العقليّةَ لا تؤدّى إلّ إلى هدم الشّريعة كلّها، وخلع رِئقة التّكليف على أساس المصالح والمقاصد المظنونة أو المتوهَّمة. والحقّ أنّ كلّ ما شرعه الله سبحانه وتعالى فى ديننا مبنىٌّ على مصالح ومقاصد، لا يشكّ فيه أحد. فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يَشْرِعْ خُكماً فيه عبثٌ أو ضررٌ لخلقه، ولكنّ المصالح والمقاصد كلماتٌ مبهمةٌ فَضْفَاضة، فكلُّ من ينظر فى قضايا الحياة بعقله المجرّد يزعمُ فى شيئ أنّه من المصالح والمقاصد، بينما يزعمُ آخر أنّه ليس من المصلحة، ولا من مقاصد الحياة. فالعقل المجرّد الذى لا يبنى نفسَه على الوحى الإلهىّ لا يكاد يصل إلى معیارٍ يُعتمد عليه عالميّاً لتحديد هذه المصالح والمقاصد. وبالتّالي، فإنّ كلَّ ما يُعتبرُ من المقاصد الشرعيّة ليس على إطلاقه، وإنّما له حدود وضوابط، مثل الحفظ على النّفس: لا شكّ أنّه من أهم مقاصد الشّريعة، ولكن لا يستطيع قاتلُ نَفْسٍ أن يتمسّك بهذا المقصد الشرعىّ ويستغِلَّه لصيانة نفسه عن القصاص. وهذا هو الحال فى جميع المقاصد. فالسؤال الأساسيّ بالنّسبة إلى هذه المقاصد : مَن هو الذى يعيّن هذه المقاصد؟ ومن هو الذى يحُدّ الحدود التى تعمل هذه المقاصد فى إطارها؟ أصول الإفتاء ٢٤٧ تغير الأحكام بتغير الزمان فلو فوّضنا هذا التعيينَ إلى العقل المجرّد، لَوَقعت الشّريعة فى فوضى، فإنّ الشّريعةَ إنّما تأتى بأحكام منضبطةٍ فى الأمور الّتى ربّما لا يهتدى فيها العقل المجرّد إلى الصّواب. فلو كان العقل البشرىُّ كافياً لهذا التعيين، لَمَا كان هناك داعٍ إلى إرسال الرّسل ولا لتنزيل الكتب السّماويّة الإلهيّة. فالحقُّ الواضحُ أنّه لا سبيل إلى تعيين هذه المقاصد وتحديدها إلاّ بالرجوع إلى النّصوص الشرعيّة من القرآن الكريم وسنّة رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم. فلا نستطيع إذاً أن نُقيم بعضَ المقاصد الفَضْفَاضة أمام النّصوص الصّريحة الثّابتة، سواءٌ أكانت نصوص كتاب الله أم نصوصًا من رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولا أن نتّخذَ المقاصد والمصالحَ مأخذاً أساسيًا للتّشريع، ونلوىَ النّصوص على أساسها. والحقّ أنّ المصالح والمقاصدَ إنّما تؤخذ من النُّصوص، فما جعله الله ورسوله مصلحةً فهي المصلحة، دون ما نزغمه مصلحةً حسب آراءنا الشّخصيّة. وقد اتّفق علماءُ مقاصد الشّريعة، مثلُ الشّاطبيّ، والغزالىّ، والشّيخ وليّ الله الدهلويّ رحمهم الله تعالى، كلّهم على أنّ الأحكام تدورُ على العِلَل، وليس على الحِكَم، وأنّ الجِكَم والمصالح المعارضة لنصوص الشّريعةِ ليست إلاّ ما سمّاه القرآن الكريم "الأهواء". يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، وهو الرائد فى بيان المقاصد الشّرعيّة: "الشّريعة إنّما جاءت لتُخرج المكلّفين عن دواعى أهواءهم حتى يكونوا عبادا لله. وهذاالمعنى إذا ثبت لا يجتمعُ مع فرض أن يكون وضعُ الشّريعة على وفق أهواء النفوس، وطلبٍ منافعها العاجلة كيف كانت، وقد قال ربُّنا سبحانه: ﴿وَلَوِ آَتْبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]"(١) (١) الموافقات للشاطبي، ٢:٦٢ كتاب المقاصد، المسألة الثامنة الأولجلها أصول الإفتاء ٢٤٨ تغير الأحكام بتغير الزمان وقال العلاّمة وليّ الله الدّهلويّ رحمه الله تعالى: "نعم! كما أوجبت السّنّة هذه، وانعقد عليها الإجماعُ فقد أوجبت أيضاً أنّ نُزولَ القضاء بالإيجاب والتّحريم سببٌ عظيمٌ فى نفسِه مع قطع النّظر عن تلك المصالح، الإثابة المُطيع وعقابِ العاصى .. وأوجبت أيضاً أنّه لا يحلُ أن يُتوقّف فى امتثال أحكام الشّرع إذا صحّت بها الرّواية على معرفة تلك المصالح."(١) أنواع العلّة ثم إنّ العِلّة التى يدورُ عليها الحكمُ الشّرعيّ لها أقسامٌ كثيرةٌ مبسوطة فى كُتب أصول الفقه، ولكنّ الذى يهمُّنا هنا هو أقسام العلّة من حيثُ ثبوت كونها علّة. فقد تكون العلّةُ منصوصةً فى القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنكُمْ تَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: ١٨٤] فإنّ قضاءَ الصّوم حُكم، وعلّته المنصوصة المرض أو السّفر. وحكمتُه ما ذكره الله تعالى فى قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فالعلّةُ ههنا منصوصةٌ فى كلام الله سبحانه وتعالى، وكذلك الحكمة. والعِلّة المنصوصةُ فى القرآن هي أقوى أقسام العِلل من حيثُ الثّبوت، فيدورُ الحُكم عليها قطعاً ويقيناً. وقد تكونُ العلّةُ منصوصةً فى الحديث النبوي الشريف، کما علّل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عدمَ نجاسةِ الهرَةِ بقوله: "إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِيْنَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ. "(٢) وإنّ هذه العلّةَ المنصوصةَ فى الحديث فى الدّرجة الثانية (١) حجة الله البالغة ١: ٣٢ و٣٣، المقدّمة (٢) سنن أبي داود، باب سؤر الهرّة، حديث ٧٥ وقال السّرخسيّ رحمه الله تعالى: "فمن ذلك قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى الهرّة: إنّها من الطّافين عليكم والطّفات، لأنّها علّةٌ مؤثرة فيما يرجع إلى التخفيف، لأنّه عبارةٌ عن عموم البلوى والضرورة فى سؤره." (أصول السرخسي ٢:١٨٧، بحث ركن القياس) أصول الإفتاء ٢٤٩ تغير الأحكام بتغير الزمان من حيثُ الثبوت، فيدورُ الحكمُ عليها وجوباً، ولكنّ خبر الواحد ظنّيّ، فيكونُ ثبوتُ العلّة بهذا الحديث ظنّاً أيضاً. وقد تكون العلّةُ غيرَ منصوصةٍ فى القرآن والسّنّة، ولكن يستنبطُها الفقهاءُ بالدلائل الشرعيّة. وهي علي قسمين أيضا. فالقسمُ الأوّل: ما ذكره الفقهاءُ بألفاظٍ صريحة، كقول الحنفيّة إنّ العلّة فى تحريم ربا الفضل هي القدرُ والجنس، أوقولُ الشّافعية إنّ العلّة الطّعم والثّمنيّة. فيجب لأصحاب هؤلاء الفقهاء أن يتمسكوا بهذه العلّة المصرحة فى عبارات فقهاءهم. ومن هذا القسم ماذكره فقهاء الحنفيّة من عدم الحُكم بالخطّ كما جاء فى المتون، فمثلاً جاء فى تنوير الأبصار وغيره أنّ المحاضرَ والسِِّلآت ليست حجّةً، فلابدّ من الشّهادة على مضمون المكتوب. "(١) حتىّ أنّه لا يُقبل خطوطٌ العدول والقُضاة الماضين لإثبات وقف. (٢) ولكن علّلوه بأنّ الخطّ يُشبه الخطّ، فلا يؤمَن من التّزوير. وهذه العِلّة مصرّحةٌ فى كلامهم، فحيثُ انتفت العلّة ووقع الأمن من التّزوير، جاز العمل بالخطّ. ولذلك استثنَوا من هذا الحكم أشياء، فقالوا يُعْمَل بخطٌ السِّمسار والبيّاع والصرّاف، ويُحْكَم عليهم بخطّهم. وكذلك ذكر المتأخّرون أنّ بعض الوثائقِ الحكوميّة، مثلٍ الدّفاتر السُّلطانيّة، حجّةٌ يُحكَم بها، إذ لاتُحرَّر إلاّ بإذن السّلطان، ثمّ بعد اتفاق الجمّ الغفير على نقل ما فيها من غير تساهل بزيادةٍ أو نقصان، تُعرض (١) الدر المختار مع ردالمحتار ١٥: ٢٣٢ - ٢٣٣ كتاب البيوع، باب الاستحقاق . (٢) رد المحتار ١٣:٥٩٢ كتاب الوقف، مطلب أحضركًا فيه خطوط العدول الخ أصول الإفتاء ٢٥٠ تغير الأحكام بتغير الزمان على المُعين لذلك، فيضعُ خطَّه عليها، ثمّ تُعرضُ على المتولّى لحفظها، فيكتبُ عليها، ثمّ تُعاد أصولها إلى أمكنتِها المحفوظة بالختم، فالأمنُ من التّزوير مقطوعٌ به.(١) والقسم الثانى: علّةٌ لم يصرّح بها الفقهاء، ولكنّها تؤخذُ إشارةً من كلامهم، وذلك مثلُ ما ذكره الفقهاءُ من أنّ سجدةَ التّلاوة لا تجبُ على من سمعها من البَبَّغاء، أو على من سمعها من الصَّدى. (٢) ويؤخذ من كلامهم إشارةً أنّ علّةً وجوبِ السّجدة: هي تلاوةُ إنسانٍ بالفعل، وبما أنّ صوتَ الببّغاء ليس تلاوةً من إنسان، لم تجِب به السّجدة، وبما أنّ صوتَ الصّدى ليس تلاوةً بالفعل، لم تجبْ فيه السّجدة. فمن هُنا يُستنبطُ أنّ سجدةَ التّلاوة غيرُ واجبةٍ إذا سمع الرّجل الآية من المُسَجِّل، لأنّها ليست تلاوةَ إنسانٍ بالفعل. ولكنّ مثلَ هذه العلّة من أضعف العِلل ثبوتاً، وفيه مجالٌ للخلاف. ٢- تغيّر الحكم بتغيّر العرف وقد تكون علّةُ الحُكم مبنيّةً على العُرف، فكلّما تغيّر العُرف تغيّر الحكم، ومنه قيل: "العادة مُحَكَّمة. " وإنّ مباحثَ العُرف الّتى ذكرها الفقهاء منتشرةٌ يعسُر ضبطُها، فنريد أن نذكر فَذْلَكةَ القول فى الموضوع، لأنّ معرفته من أهمِّ ما يحتاج إليه المفتى، والله سبحانه هو الموفّق للصواب. كلمة "العرف" فى اللّغة مأخوذٌ من المعرفة، ويُستعمل بمعنى العادة المعروفة. قال الامام الغزاليّ رحمه الله تعالى فى المستصفى: "العرف والعادة: (١) تنقيح الفتاوى الحامدية، كتاب الدعوى، ٢:٢٠ (٢) جاء فى الفتاوى الهندية، كتاب الصلوة، الباب الثالث عشر ١٠١٣٢: "ولاتجب (أى السحدة) إذا سمعها من طير، هو المختار ... ومن سمعها من الصدى لا تجب عليه، كذا فى الخلاصة." أصول الإفتاء ٢٥١ تغير الأحكام بتغير الزمان ما استقرّ فى النّفوس من جهةٍ القول، وتلقّته الطّباعُ السّليمة بالقبول." وقال ابنُ الهمامِ: "العادة هي الأمر المتكرّر من غير علاقةٍ عقْليّة."(١) وإنّ العرف، إن كان مقتصراً على طائفةٍ من النّاس أو على أهل بلدٍ مخصوص، فإنّه يُسمّى غرفاً خاصاً. وإن عمّ سائرَ النّاس والبلاد، فإنّه يُسمّى عُرفاً عاماً. ثمّ إنّ العُرفَ على قسمين: عُرفٌ لفظىّ، وعُرفٌ عملىّ، وهو الذى يُسمّى "تعاملاً". ولنذكرْ أحكام كلّ من القسمين، والله سبحانه هو الموفّق. العرف اللفظي أمّا العُرف اللفظيّ، فالمراد منه استعمال لفظ أو كلام بمعنی مخصوص قد يُغاير معناه اللغويّ. ومتى وقع التّعارض بين اللّغة والغُرف ترجّح العُرف. فإن ورد نصَّ بكلمةٍ بمعناها العُرفيّ المعروف عند ورودالنّصّ، اقتصر الحكم على ذلك المعنى. فإن تغيّر معناها العرفيُّ بعد ذلك، لم يتناوله النّصّ. وقد يُفتى الفقيهُ حسبَ معناها العُرفيّ الَّذى تغيّر فى عهده، فَيَحْسِب النّاظِرُ فى الظّاهر أنّه أفتى بخلاف النّصّ، أو أنّه ترك النّصَّ بالعُرف، ولكنّه فى الحقيقة لم يتركِ النّصّ، ولا أفتى بخلافه، وإنّما حَكَم بشيئ لم يكن النّصُّ تناوَلَه. مثاله: ما روى جابر رضى الله تعالى عنه عن النّبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم فى الرُقبى أنّه قال: "الرُقْبِىَ لِمَنْ أَرْقِبَهَا" وروى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنّه صلى الله عليه وسلم قال: "لاَيَحِلُّ الرُّقْبِىَ وَاَ الْعُمْرَى. (١) ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى فى رسالته نشر العرف. (رسائل ابن عابدين ٢:١٢٢) أصول الإفتاء ٢٥٢ تغير الأحكام بتغير الزمان فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئاً فَهُوَلَّهُ، وَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئاً فَهُوَ لَهُ. "(١) وحاصله أنّ من قال لآخر: "دارى لك رُقبى " فإنّ ذلك يتِمّ هبةً منجزةً، وتكونُ الدَّارُ موهوبةً له إلى الأبد (بالشّروط المعروفة للهبة). ولذلك ذهب الجمهور إلى أنّ الرُّقبى كالعمرى، فتصحّ هبةً. ورُوِى عن الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّ الرُّقبى باطلةٌ، بمعنى أنّ هذا الكلام لاأثَرَله، فتبقى الدّارُ مملوكةً للمُرقِب. وظاهرُ هذه الفتوى أنّها مخالفةٌ للنّصّ، ولكنّ الحقيقةَ أنّ الرُّقبى التى أبطلها الإمامُ أبو حنيفة رحمه الله تعالى غيرُ الرُّقبى التى نفّذها النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم هبةً، وذلك لأنّ الرقبى فى عهد النّبيّ الکریم صلّى الله عليه وسلّم كان بمعنى أنّها هِبةٌ منجزةٌ بشرط أنّه إن ماتَ الموهوبُ له قبلَ الواهب، فإنّ المدّار الموهوبةَ ترجع إلى الواهب، وهذا شرطٌ باطلٌ، فصحّتِ الهبة وبطل الشّرط، لأنّ الهبة لاتبطل بالشّروط الفاسدة، وإنّما يبطُل الشّرط. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أُرِقِبَ شَيْئاً فَهُوَلَهُ" أمّا الرُّقبى التى أبطلها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فهى هبةٌ معلّقةٌ بموتِ الواهب، والهبةُ لاتقبل التّعليق، فلذلك أبطلها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى. قال شيخ مشايخنا الأنور رحمه الله تعالى: "عندى أنّه كان ذلك هو العرف فى عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولعلّه تغيّر فى عهد أبى حنيفة. والشيئ إذا كان مبنياً على العُرف يتبدّل حكمُه بتبدّل العُرف لامحالة. "(٢) والحاصل أنّ معنى الرُقبى العُرفيَّ تغيّر فى عهد أبى حنيفة رحمه الله تعالى، فما حَكَمَ عليه بالبطلان لم يتناوله النّصّ، فإنه کان وارداً بمعنئ آخر. (١) راجع سنن النسائي، برقم ٣٧٢٦، ٣٧٣٤، ٣٧٣٦: ٣٧٥٢ .(٢) فيض البارى للشيخ محمد أنورشاه الكشميري رحمه الله تعالى، كتاب الهبة ٣:٣٨٠ أصول الإفتاء ٢٥٣ تغير الأحكام بتغير الزمان وكذلك يُعتبر العُرف اللفظيّ فى كلام الناس. فإن كان عرفاً عاماً، يثبتُ به حكمٌ يعُمّ البلادَ كلَّها، وإن كان عرفاً خاصاً، يقتصر الحكمُ به فى المواضع التی جری فیها ذلك العرف، ولا یثبت به حکمٌ عامٌّ فی جمیع البلاد. قال السّرخسيّ رحمه الله تعالى: "والحاصل أنّه يُعتبر فى كلّ موضعٍ عرفُ أهلِ ذلك الموضع فيما يُطلقون عليه من الاسم ، أصله ما رُوي أنّ رجلاً سأل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إنّ صاحباً لنا أوجب بَدَنةً، أفْتُجْزُّه البقرة؟ فقال: مِمَّ صاحبُكم ؟ فقال: مِن بنى رباح. فقال: ومتى اقْتَنَتْ بنو رباح البقرةَ؟ إنّما وَهِمَ صاحبُكم، الإبل!"(١). وعلى هذا وقع تخريجُ كثيرٍ من الأحكام فى النّكاح والطّلاق والأيمان وغيرها. وهذا مثلُ قول الزّوج للزّوجة: "سرّحتك"، فإنّه فى الأصل كنايةٌ لا يقع به الطلاق إلّ بالنّة، ولكن جرى العرف فى كثير من البلاد على أنّه لايُقال ذلك إلاّ للطلاق، فجعله الفقهاء صريحاً لا يحتاج إلى النيّة.(٢) فإن كان هناك موضعٌ لم يجْرِفيه هذا العرف، يبقى الحكمُ على أصله أنّه كناية. وكذلك قالوا فيما إذا عقد أحدٌّ النّكاح بلفظٍ مصحّف مثل "التّجويز" بدلاً من "التّزويج". فأفتى بعضُ الفقهاء بعدم انعقاد النكاح بهذا اللفظ، (١) شرح السّير الكبير للسرخسي، باب الشروط فى الموادعة وغيرها٥:٧٧، وأخرجه ابن أبى شيبة فى كتاب الحج من مصنفه ٣:٧٨٣ برقم ١٤٨٧٧ عن سليمان بن يعقوب ، عن أبيه ، قال : مات. رجل من الحي وأوصى أن ينحر عنه بدنة ، فسألت ابن عباس عن البقرة ؟ فقال: تجزئ ، قال : قلت : من أي قوم أنت ؟ قال : قلت : من بنى رباح ، قال: وأَنّى لبنى رباح البقر ؟ إنما البقرُ للأرد ، وعبد القيس." والحاصلُ أنّ اسم البدنة فى عرف بن رباح لا يتناولُ إلّ الإبل، لأنّهم ليسوا من أصحاب البقر. (٢) راجع ردّالمحتار، كتاب الطلاق، باب الكنايات ٩:٣١٤ فقره ١٣٤٤٦ أصول الإفتاء ٢٥٤ تغير الأحكام بتغير الزمان بناءً على ما ذكره التّفتازانيّ فى التّلويح من أنّ اللّفظ إذا صَدَر لا عَنْ قصدٍ صحيح، بل من تحريفٍ وتصحيفٍ، لم يكن حقيقةً ولا مجازاً، لعدم العلاقة، بل غلطاً، فلا اعتبارَ به أصلاً. ولكن قال العلامة الحَصْكَفِيّ فى الدرّالمختار: "لو اتّفق قومٌ على النُّطْق بهذه اللّفظة، وصَدَرَتْ عن قصدٍ، کان ذلك وضعاً جدیداً، فیصحّ. وبه أفتی کثیر من المتأخرین، کما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى.(١). العرف العمليّ وأمّا العرفُ العمليّ، الَّذى قد يُعبّر عنه ب "التعامل" أو "العادة"، فإنه قد يؤثّر فى تغيّر الأحكام. ولكن ليس كلّ تعامُل معتبراً فى الشّرع. قال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى: "إذا خالف العرفُ الدّليلَ الشّرعيَّ، فإن خالفه مِن كلّ وجهٍ بأن لزم منه تركُ النّصّ، فلاشكَّ فى ردّه، كتعارُف النّاس كثيراً من المحرّمات من الربا، وشرب الخمر، ولُبس الحرير والذّهب وغير ذلك، ممّا ورد تحريمه نصّاً. وإن لم يُخالِفْه مِن كُلِّ وجهٍ، بأن ورد الدّليلُ عامّاً، والعُرفُ خالفه فى بعض أفراده، أو كان الدّليلُ قياساً، فإنّ الغُرْفَ معتبرٌ إِن كان عاماً، فإنّ العرف العامَّ يصلُح مخصِّصٍ، كما مر عن "التّحرير"، ويُترك به القياس، كما صرّحوا به فى مسئلة الاستصناع، ودخولِ الحمّام والشُّرب من السَّقاء."(٢) والذى تحصّل لى بعد سَبْر المسائل التى بنوها على العرف العمليّ، (١) نشر العرف، رسائل ابن عابدين ٢:١٣٩ (٢) نشر العرف، رسائل ابن عابدين ٢٠١١٦ أصول الإفتاء ٢٥٥ تغير الأحكام بتغير الزمان أنّه لوثبت أنّ حُكمَ النّصّ ورد بأمرٍ لا يتوقّفُ على العُرف، فإنّ تغيّرَ العُرف والتّعامل لا يُغيّرُ الحكمَ فى قليل ولا كثير. مثال ذلك جميعُ المحرّمات التى ذكرها ابنُ عابدين رحمه الله تعالى، والّتى ورد النصّ بتحريمها، مع أنّ التعامُل كان جارياً فى ذلك العهد بخلاف النّصّ. فلمّا حرّمها النصّ بالرغم من التّعامل المستمرّ، ثبتَ أنّ حُكمَ النّصّ لم يَكُنْ مبنيّاً على العُرف، والعرفُ الجارى بخلافه لم يعتبره الشّرع، فلا سبيل إلى اعتباره، فهذه المحرّمات المنصوصةُ محرّمةٌ إلى الأبد، ولو جرى بها التّعامل. أمّا الأحكامُ الّتى تتغيّر بالتّعامل فإنّها تندرجُ غالباً فى أنواع آتية: الأوّل: إذا ثبت النّصّ فى بعض الجزئيّات على أساس تعامل النّاس فى ذلك العهد، فيتغيّرُ الحكمُ فى تلك الجزئيّات بتغيّرِ العُرف والتّعامل، لانتفاءِ علّة الحكم. مثاله ما أخرجه أبو داود وغيره عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضى الله تعالى عنه أنَّ نَبِىَّاللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا أَتَى أَحْدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرِبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَلْيُصَوَّتْ ثَلاَثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِلاَّ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلاَ يَحْمِلْ"(١) وكذلك ما أخرجه الترمذيّ عن ابن عمر: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: مَن دَخَلَ حَائِطاً فَلْيَأْكُلْ وَلاَ يَتَّخِذْ خُبْنَةً "(٢) وما أخرجه أبوداود عَنْ عَمِّ أَبِى رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِىِّ قَالَ: كُنْتُ غُلاَمًا أرْمِى نَخْلَ الأَنْصَارِ (١) سنن أبى داود، باب فى ابن السبيل يأكل من التمرالخ حديث٢٦١٩ وأخرجه الترمذيّ فى البيوع، باب احتلاب المواشى بغير إذن الأرباب، حديث ١٢٩٦ وقال الترمذى: "حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم." (٢) جامع الترمذي، كتاب البيوع، باب الرخصة فى أكل الثمرة للمار بها، حدیث ١٢٨٧ أصول الإفتاء ٢٥٦ تغير الأحكام بتغير الزمان فَأَتِىَ بِى النَّبِىُّ - صلّى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا غُلاَمٌ! لِمَ تَرْمِى النَّخْلَ؟. قَالَ: آكُلُ، قَالَ: فَلاَ تَرْمِ النَّخْلَ وَكُلْ مِمَّا يَسْقُطُ فِى أَسْفَلِهَا. ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَشْبِعْ بَطْنَهُ. "(١) وإنّ النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم أجاز فى هذه الأحاديث أكل الثّمرة وشرب اللبن بغير إذن مالكه، وهو فى ظاهره معارض للنّصوص التى حرّمت تناول مِلك الغیر بدون طيب نفسٍ منه، وقد ورد هناك نص صريحٌ فى حرمة احتلاب المواشى بغير إذن مالكها، وهو ما أخرجه البخاريّ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدّ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرِبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَّهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ فَلَا يَخْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِنَّا بِإِذْنِه. "(٢) وقد أطال المحدّثون، وخاصةً الحافظ ابن القيّم رحمه الله تعالى فى "تهذيب السّنن"، فى الجمع بين هذه النّصوص، ولكنّ أحسنَ الأقوال فى توجيه الأحاديث المُبيحة أنّها مبنيّةٌ على غُرف ذلك الزّمان، إذ كان أصحاب المواشى والحوائط يتسامحون فى مثل ذلك للمارّة والمسافرين، فكان هناك إذنّ متعارف من قِبَلهم فى مثل ما أجازه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وعلى هذا، فلو تغيّر العُرف، ولم يكن هناك إذنٌ متعارف، يتغيّر الحكم. وقد تختلفُ أنظارُ الفقهاء فى أنّ النّصّ كان مبنياً على العرف، أوكان حكماً مستقلاً لاعلاقة له بالعُرف والتّعامُل. فمَنْ ذهب إلى أنّ المناط هو العرف، (١) سنن أبي داود، حدیث ٢٦٢٤ (٢) صحيح البخاري، كتاب اللقطة، باب لاتحتلب ماشية أحدبغير إذن، حديث٢٣٠٣ أصول الإفتاء ٢٥٧ تغير الأحكام بتغير الزمان يتغيّرُ الحكمُ عنده حسب التّعامل الحادث، ومَن ذهب إلى أنّه حكم مستقلٌّ أفتى بأنّ النصّ يُتّبع بلفظه، ولا يتغيّر الحكم بتغيّر العرف. مثاله: أنّ الحنطة والشّعير والتّمر والملح كانت من المكيلات فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تُباعُ وتُشترى كيلاً. ثمّ تغيّر التّعامُل، فأصبحتْ من الموزونات، وتُباع وتُشترى بالوزن. وقد فَرَض رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم إذا بيعت بجنسها أن تكونَ متساويةً فى الكيل. فلما تغيّر التّعامل وأصبحت من الموزونات، فهل يُعتبر التّساوى فى الكيل حسب ما ورد فى النّص، أم يُعتبر التّساوى فى الوزن حسبَ العُرف الحادث؟ وقع فيه خلافة بين الإمام أبى يوسف والطّرفين. فقال الإمام أبو حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى: إنّ المعتبر التّساوى فى الكيل، ولا يُعتبر التّساوى فى الوزن، لأنّ النصّ إنّما شَرَط التّساوىَ فى الكيل. وهو مذهب الشّافعيّ وأحمد رحمهما الله تعالى.(١) والمسئلةُ مذكورةٌ فى المتون حسب قولهما، وعلّلوه بأنّ النصّ أقوى من العرف، لأنّ العرفَ جازَ أن يكون على باطل.(٢) ولكن رُوى عن الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى أنّه يَعْتبر العُرف الحادث، فيعتبر التّساوىَ فى الوزن. وما علّلوه به من أنّ النصّ أقوى من العرف، أجاب عنه ابنُ الهمام رحمه الله تعالى بقوله: "ولا يخفى أنّ هذا لا يلزم أبا يوسف، لأنّ قُصاراه أنّه كنصْه على ذلك، وهو يقول: يُصارُ إلى العرف الطّارئ بعد النصّ، بناءً على أنّ تغيُّر العادةِ يستلزم تغيّرَ النّصّ، حتى لوكان صلّى الله عليه وسلّم (١) كما فى المغني لابن قدامة ٤:١٣٦ (٢) رد المحتار، باب الربا١٥:٢٤٤ أصول الإفتاء ٢٥٨ تغير الأحكام بتغير الزمان حيّاً نصّ عليه. "(١) فالحاصلُ أنّ أباحنيفة ومحمّدا والشافعيّ رحمهم الله تعالى اعتبروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيلاً بكيل "مناطَ الحُكم بلفظه، فلم يَعتبروا تغيّرَ العرف. وأمّا أبو يوسف رحمه الله تعالى، فنَظر إلى أنّ مناطَ الحُكم هو التّساوى فى القَدْرِ المتعارف، وإنّما ذُكر الكيلُ لأنّه کان إذ ذاك معياراً للقدر. فلمّا تغيّرَ التّعامُل فى هذه الأجناس، بحيث أصبحتْ تُباع وتُشترى بالوزن، تغيّر معيارًالقدر، واعتبر التّساوى بهذا المعيار الجديد. وقال ابنُ عابدين تعليلاً لقول أبى يوسف رحمهما الله تعالى: "فليس فى اعتبار العادة المتغيّرة الحادثةِ مخالفةٌ للنّصّ، بل فيه اتّباعُ النّصّ. وظاهر كلام المحقّق ابن الهُمام ترجيحُ هذه الرواية. وعلى هذا فلو تعارَفَ النّاس بيعَ الدراهم بالدراهم أو استقراضَها بالعدد، كما فى زماننا، لا يكونُ مخالفاً للنّصّ. فالله تعالى يجزى الإمام أبايوسف عن أهل هذاالزّمان خير الجزاء، فلقد سدّ عنهم باباً عظيماً من الربا. "(٢) الثانى: قد يكونُ حكمُ النّصّ معلولاً بعِلّة، وتنتفى تلك العلّة بالغرف أو بالتّعامل فى بعض الجزئيّات، لافى جميعِها. وحينئذٍ يتغيّر الحكمُ فى خصوص تلك الجزئيّات. مثاله: دخولُ الحمّام بأجرة، فإنّ القياسَ يأبى جوازه، لأنّ مدّةَ ما يَمكثُ فى الحمّام وقدرما يستعمل من الماء مجهول، وكذلك لوقال لسقّاء: أعطِنِى شَربةَ ماءٍ بفلس، فإنّ قدرَ الماء مجهول، ففيه غررٌ ممنوعٌ بالحديث، ولكن جوّزوه لتعامل النّاس، (٣) لأنّ علّة النهى (١) فتح القدير ٦:١٥٨ (٢) رسائل ابن عابدين ٢:١١٨ (٣) المحيط البرهاني، فصل ٢٤ من كتاب البيوع ١٠:٣٦٣ أصول الإفتاء ٢٥٩ تغير الأحكام بتغير الزمان هى الجهالةُ المفضية إلى المنازعة، ولم يبق هناك نزاعٌ بالتّعامل. وكذلك نهى النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم عن الشّرط فى البيع. رواه أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده.(١). واستثنى منه الحنفيّةُ الشّروطَ الّتى هى معروفةٌ فيما بين التّجّار. ولذلك أجازوا إذا اشترى نعلاً على أن يَحْذُوَه البائع، أو جِراباً على أن يخرزَه له خُفّاً. قال السّرخسىّ رحمه الله فى المبسوط: "وإن كان شرطاً لا يقتضيه العقدُ، وفيه عرفٌ ظاهرٌ، فذلك جائزٌ أيضاً، كما لو اشترى نعلاً وشراكاً بشرط أن يحذُوه البائع، لأنّ الثّابت بالعُرف ثابتٌ بدليل شرعىّ، ولأنّ فى النّزع عن العادة الظاهرة حرجاً بيّناً."(٢) ومن الظّاهر البيّن أنّ تعليل الجواز بدفع الحرج لا يطرد إن كان الحكمُ منصوصاً قطعيّ الدلالة، ولكنّ المراد أنّ النهىَ كان معلولاً بعلّة، وانتفت العلّة بالتّعامل، وهذا ما علّله به ابنُ عابدين رحمه الله تعالى فقال: "فإن قلت: إذا لم يُفسد المتعارف العقد يلزم أن يكون العُرف قاضياً على الحديث، قلت: ليس بقاضٍ عليه، بل على القياس، لأنّ الحديث معلولٌ بوقوع النّزاع المُخْرِج للعقد عن المقصودبه، وهو قطعُ المنازعة، والعُرفُ ينفى النّزاع، فكان موافقاً لمعنى الحديث."(٣) وعلى هذا يُخرِج حكمٌ كثيرٍ من الشُّروط الّتى جرى بها التّعامُل فى البيوع فى زماننا، مثل التزام بائع الثلاجات والمكيّفات والسيّارات بصيانتها لمدّةٍ معلومة، (١) جامع المسانيد ٢:٢٢ (٢) المبسوط ١٣:١٩ (٣) نشر العرف، رسائل ابن عابدين ٢:١٢١ أصول الإفتاء ٢٦٠ تغير الأحكام بتغير الزمان أو التزامِه بحَمْلها ونَصْبِها فى بيت المشترى، والله سبحانه أعلم. الثّالث: قد يَردُ النّصُّ فى جُزئيّةٍ مخصوصةٍ، ويُثْبِتِ الفُقهاءُ حكمَه فى نظائره، إمّا بدلالة النّصّ أوبالقياس. وحينئذٍ إن جرى العرف فى تلك النّظائر بخلاف القياس على النّصّ، فقد يعتبر الفقهاءُ العرف فى تلك النّظائر، دونَ الجزئيّة الّتى ورد فيها النّصّ. مثاله: ماورد من النّهى عن قفيز الطّحان فى حديثٍ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عن أبى سعيد الخدريّ رضى الله تعالى عنه قال: "َنَهِيَ عَنْ عَسِيْبِ الْفَحْل، زاد عبيد الله: وَعَنْ قَفِيْزِ الطَّحَّانِ. "(١) وعلّل الحنفيّة والشّافعيّة النّهىَ بأنّه جعلُ بعض معمولِ الأجير أجراً لعَمَله، ولذلك عذّوا النّهى إلى جميع نظائره، وجعلوا ذلك أصلاً. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "ومنها (أي من شروط صحة الإجارة) أن لا ينتفعَ الأجيرُ بعمله، فإن كان يَنتفع به، لم يجُزْ، لأنّه حينئذٍ يكونُ عاملاً لنفسه، فلا يستحقُّ الأجر ... وعلى هذا يُخرَّج ما إذا استأجررجلاً ليطحن له قفيزاً من حنطةٍ بُرُبع من دقيقها، أو ليَعصِر له قفيزاً من سمسم بجزء معلوم من دهنه أنّه لا يجوز."(٢) وكذلك منع الحنفيّة نَسْجَ الغَزْل بنصف المنسوج، ونظائرَه الأخرى (٣) ومذهب الشافعيّة فى هذا مثلُ مذهب الحنفيّة.(٤) ولكن قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: (١) سنن الدّارقطني٣:٤٧ّ حديث ١٩٥ من كتاب البيوع، وأخرجه أيضا البيهقيّ فى سننه الكبرى ٥:٣٣٩ وأعلّوه بهشام أبى كليب كما فى تلخيص الحبير ٣:٦٠ ولكن أخرجه الطحاويّ فى مشكل الآثار ٢:٣٠٦ عن طريق الإمام أبى يوسف عن عطاء بن السائب، وهو سبد جيّد، كما فى إعلاء السنن ١٦:١٨١ (٢) بدائع الصنائع ٤:٤٦ (٣) الدر المختار مع ابن عابدين ٦:٥٦ (٤) راجع روضة الطالبين ٥:١٧٦ أصول الإفتاء ٢٦١ تغير الأحكام بتغير الزمان "ومشايخ بَلَخ والنسفيُّ رحمهم الله تعالى يُجِيزون حملَ الطّعام ببعض المحمول، ونَسْجَ الثّوب ببعض المنسوج (مع أنّهم لايُجيزون طَحْنَ الدّقيق بحصّةٍ من المطحون، لكونه ممنوعاً فى النصّ بصراحة) لتعامل أهل بلادهم بذلك، ومن لم يُجوّزه قاسَه على قفيزِ الطّحّان، والقياس يُترك بالتّعارف، ولئن قلنا إنّه ليس بطريق القياس، بل النصّ يتناوله دلالةً، فالنصّ يُخَصّ بالتّعارف ... ومشايخنا رحمهم الله تعالى لم يُجوّزوا هذا التّخصيص، لأنّ ذلك تعامل أهل بلدةٍ واحدة."(١) والظّاهرُ أنّ ما ذكروه من أنّ التّعامل يُتركُ به القياس ويُخصّ به النّصّ، ليس على إطلاقه، والذى يظهر لهذا العبد الضعيف عفاالله عنه _والله سبحانه أعلم - أنّ هذا إنما يتأتّى فى النّصّ الذى لم تثبت علّتُه بالقطع واليقين، ولذلك اختلف المجتهدون فى تعليله، واختار بعضُ الفقهاء علّةً عامّةً ترجيحاً لجانب التّحريم، فلو جرى التّعامُل فى بعض الجزئيّات التى شَمَلْها تلك العلّةُ العامّة، تُرِك ذلك الاحتياطُ فى خصوص تلك الجزئيّاتِ لمكان التّعامل. وقد وقع ذلك فى مسئلةٍ قفيز الطّحان، حيث علّله الحنفيّةُ والشّافعيّةُ بما ذكرنا من كونِ الأجرةِ تحْدُث بفعل الأجير، حتى يصيرَ الأجيرُ عاملاً لنفسه، ولكنّ المالكيّةَ والحنابلةَ لم يأخذوا بهذا التّعليل، وإنما علّلُوه بجهالةٍ الأجرة، ولذلك جوّزوه إن لم تكن فيه جهالة.(٢) وإن كان النصّ يحتملُ علّتين (١) ردالمحتار، كتاب الإجارة ٦: ٥٨و ٥٩ (٢) راجع الدسوقىّ على الشرح الكبير ٤:٩ ومواهب الجليل للحطّاب ٥:٣٩٨ والمغنى لابن قدامة، كتاب المضاربة ٥:١١٩ وشرح منتهى الإرادات للبهوتي ٢:٣٥٤ ونقلت نصوصهم فى كتابى "بحوث فى قضايا فقهية معاصرة" ٢: ٢١٩ و٢٢٠ تغير الأحكام بتغير الزمان أصول الإفتاء سور إحداهما أعمُ من الآخر، يؤخذُ بالأعمّ احتياطاً، لأنّ التّعارُض إن وقع بين مُحرِّم ومُبِيح، ترجّح جانبُ الحرمة احتياطاً،(١) ومع ذلك، فالذى يبدوأنّ فقهاء بلخ نظروا إلى أنّ هذا العُمومَ الَّذى اخترناه فى تعليل النّهى عن قفيز الطحّان قد ينتقِض بالمُزارَعة بجزءٍ شائع من الزّرع، فإنّ المُزارعَ يحصُل فيها على ما يخرج من عمله، وقد جرى به التّعامل، فدلّ على أنّ هذا العمومَ يُمكنُ تخصيصُه بالتّعامل. وغيرهم من المشايخ نظروا إلى أنّ هذا عُرْفٌ خاصّ، وليس عرفاً عاماً، فلا يُترك به القياسُ ولا يُخصّ به نصٌّ، لأنّ العرفَ الخاصّ إنّما يؤثّر فى العُرف اللفظيّ كما أسلفنا، ولا يؤثّرُ فى العُرف العمليّ. هذا ما ظهر لى فى توجيهِ قول مشايخ بلخ وغيرهم من الفقهاء، والله سبحانه أعلم. الرابع: قد يكون هناك عقد لم يرد بمشروعیّته نصٌّ، لابجوازِه ولا بحرمته، وقد يكون فيه شَبَةٌ ببعض المحظورات، ولكن يجرى به التّعامل، فيجوّزه الفقهاء بالتّعامل ترجيحاً لجانب الجواز. مثاله الاستصناع، فإنّه لم يردفيه نصّ يُجوّزه أو يُحرِّمه، وما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أنّه استصنع مِنبراً، فإنّ ذلك ليس بصريح فى كونه عقداً، بل يحتمل أن يكون مُواعدةً، لامعاقدةً. وإنّ عقد الاستصناع فيه شَبَةٌ بالإجارة، لأنّه عقد على عمل، وشَبَةً بالبيع، فإنّه عقدٌ على عين مصنوع، والشَّبه الأوّل يقتضى جوازه، والشَّبه الثّانى يقتضى عدم الجواز، لكونه بيعاً للمعدوم، ورجّحوا الشَّبه الثّانى، لأَنّه يجوز فى الاستصناع أن يأتىّ الصّانعُ بالمطلوبِ من عندِ نفسه (١) وهذا الاحتياطُ ليس احتياطاً عمليّاً، حيثُ يجوز فيه الجانبُ الآخر أيضاً، وإنّما هو احتياطٌ اجتهاديّ، فلايجوزفیه الجانب الآخر. أصول الإفتاء ٢٦٣ تغير الأحكام بتغير الزمان دونَ أن يصنعَه، ومن أجل هذا منعه غيرُ الحنفيّة،(١) ولكنّ الحنفيّةَ رجحوا جانبَ الجواز على أساس التّعامل على أنّه عقدٌ مستقلّ. قال الإمام برهان الدين البخاريّ رحمه الله تعالى: "إنّ القياس وإن كان يأبى جوازَ الاستصناع ... إلاّ أنّا تركنا القياس وجوّزناه بتعامُل الناس، فإنّ النّاس يُعامِلون الاستصناع فى هذه الأشياء من لَدُنْ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا من غير نكيرٍ وردٍّ من الصّحابة رضى الله عنهم ولا من التّابعين. وتعاملُ الناس من غير نكيرٍ وردًّمن علماء كلّ عصرٍ حجّةٌ يُترك بها القياس ويُخصّ به الأثر."(٢). وكذلك شركةُ الأعمال وشركة الوجوه عقدان لم يرد نصّ بإجازتهما أو مَنْعِهما، ومَنَعَهما الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى لأنّ الشركة لابدّلها من خلطِ المالين من أجل الاستنماء، ولا يوجدُ فى هذين النّوعين،(٣) ولكن أجازهما الحنفيّةُ لمكان التّعامُل، فقال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "ولنا أنّ الناس يتعاملون بهذين النّوعين فى سائر الأعصار من غير إنكارٍ عليهم من أحد. "(٤) الخامس: قد يكون الحكمُ مبنياً على أنّ الشّريعةَ تعتبر ظاهر الحال، وظاهرُ الحال قد يتغيّر بتغيّر الزّمان. مثاله ما ذكره الفقهاء من أنّه إن ادعتِ المرأة المدخول بها أنّها لم تَقْبِض من المهر ما اشتُرط تعجيلُه، وادعى الرّجل (١) قال المرداويّ فى الإنصاف: "لايصحّ استصناع سلعة لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم. "(الإنصاف ٤:٢١٦) (٢) المحيط البرهاني، فصل ٢٤ من كتاب البيوع، ١٠: ٣٦٣ (٣) شرح منهاج الطالبين بهامش حاشيتي قليوبي وعميرة، أول كتاب الشركة، ٢: ٣٣٢، ٣٣٣ (٤) بدائع الصنائع، كتاب الشركة ٥:٧٦