النص المفهرس

صفحات 1-20

------
أصُولُ الإِفْتَاءِ وَآدَابَةُ

اصول الافتاء
أصُولُ الإِفْتَاءِ وَآدَابَة
محمَّ دَّفي العثمانيْ
ـَ مَعَارِقُ القُرآن
كراتشِى - بَاكِستَانْ
اصول الافتاء

حقوق الطبع محفوظة
: خِضِراشِفَاقْ قَاسِى
ملتزم الطبع
شعبان المعظم ٥١٤٣٢ ، جولائى ٢٠١١
:
الطبعة
مطبع
کفایت برنترز، كراتشى
:
◌َكَتْبَة مَعَارُ القُرَزْ كَرَاتِشِى - بَالِسَانْ
اسم الناشر
+92-21-35031565, 35123130
٠٠
الهاتف
info@quranicpublishers.com, mm.q@live.com
:
البريدالأ لكترونى
الموقع على الأنترنت :
ONLINE
Www.SHARlan.com
تطلب جميع كتبنامن
· مكتبه دارالعلوم كراتشى
• ادارة المعارف كراتشى
• دارالاشاعت كراتشى
• بيت القرآن كراتشى
بيت الكتب كراتشى
• مكتبة القرآن كراتشى
· اداره السلاميات كراتشى لاهور
بيت العلوم لاهور
• مکتبه رحمانیه لاهور
· مكتبه سید احمد شهید لاهور
· مکتبه رشیدیه لاهور
· کتب خانه رشیدیه راولبندی
· مکتبه اصلاح و تبليغ حيدرآباد
اداره تالیفات اشرفیه ملتان
وايضاً يوجد عند جميع المكتبات المشهورة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمْدُ لله ربّ العالمين والصّلاة والسلام على سيِّدنا خاتم النبيّين، وعلى آله
وصحبه أجمعين، وعلى كلّ من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فَكُنْتُ أثناءَ تدريسى طلبةَ التخصُّص فى الإفتاء فى جامعة دار العلوم
كراتشى أمليتُ عليهم مذكِّرةً لخّصَتُ فيها "شرحَ عُقود رسمِ المفتى " لابنِ
عابدين رحمه الله تعالى، وأضَفْتُ إليها بعضَ الفوائدِ فى معرفة حقيقةٍ
الفتوى وتاريخِها وشروطِها وآدابها من كتبٍ مُختلفة. ولم يزل الطلّبُ
يتناقُلُونَ هذه المذكّرةَ فيما بينهم لتُعِينَهم فى مهامّهم، وقد طَلَب منّى كثيرٌ
منهم أن تُطبَع هذه المذكِّرة، حتّى يُكفوا مُؤونَةَ النّقل والتّصوير، ولكنّى كنتُ
لا أريدُ أن تُطبعَ هذه المذكّرةُ قبل أن أُعيدَ فيها النّظرَ وأستأنِفها فى صورة
تأليفٍ مُستقلّ، فمَضَتْ على ذلك سِنُونَ لازدحام أشْغالى وتَتَابُع أسفارى. ثمّ
أتاحَ لَىَ اللهُ سُبحانه فُرصةً لإعادةِ النّظر فيها، فراجعتُ كثيراً منَ الكُتبِ طالباً
للعلم، ودارِساً للموضوعاتِ الشّائِكَة الَّتى كنتُ بنفسى أحتاجُ إلى تنقيحِها
وضبطِها، فحذفْتُ من تلك المُذكِّرة أشياءَ، وتعرّضتُ لكثيرٍ من المباحثِ
الّتى لها صلةٌ قويّةٌ بالموضوع، واجتهدتُ بما فى وُسْعِى أن أنقٌّحَ المسائلَ
الّتى تحتاجُ إلى تُنْقيح بدراسةٍ وافِية، ثمّ عَرَضْتُ نتائجَ دراستى فى
هذا الكتاب، حتّى يكونَ تأليفاً جامعاً يَفِى بمقاصده، ويُعينُ أمثالى من طَلَبَةِ
العلمِ فى أداء مُهِمَّتهم، وقد حان - والحمدُ كلُّه لله تبارك وتعالى - أن أنشُرَه
فى صورةٍ هذا الكتابِ الذى هُو بين أيديكم، وأشكرُ اللهَ سبحانه على
هذا التّوفيق، وأسأله أن يقدّرَ فيه النّفعَ بقدرته ورحمته.

المقدمة
أصول الإفتاء
ولا يَسَعُنى ههنا إلّا أن أشكُرَ بصَمِيم قلبى الأخَ فَى اللهِ صاحبى الفاضل الشّيخ
شاكر صدّيق جاكهورا حفظه الله تعالى الذى أعاننى طَوالَ هذا العمل فى
مُراجعة الكتب واستخراج المسائل، ونقل النّصوص الفقهيّة، وهُو الّذى
جَمع تراجمَ موجزة للفقهاء الّذين جاء ذكرُهم فى الكتاب، وهى مذكورة فى
الحواشى تحت اسم كلّ من جاء ذكره لأول مرّة. واقتصر على من اشتهر فی
الفقه، والطلّبُ فى حاجةٍ إلى معرفته، وأمّا الّذين هم فى غنى عن التّعريف،
مثل الصحابة المعروفين والأئمة الأربعة وأبى يوسف ومحمّد رحمهم الله
تعالى، فلا داعى لتعريفهم، إذ يعرفهم كلّ أحد. فجزاه الله تعالى خيراً، وأجزل
له المثوبةَ فى الدُّنيا والآخرة، ووفّقه لما يُحبّه ويرضاه. وسيجد القارئ الكريم
فى آخر الكتاب قائمة بأسماء المترجم لهم إن شاء الله تعالى. وأسأل الله
العليّ العظيمَ أن يتقبّلَ هذا الجُهدَ المتواضعَ فى جنابه، ويُعمِّمَ نفعه، ويجعله
ذُخراً لهذا العبد الضعيف يومَ لا يُنْفعُ مالٌ ولا جاهٌ ولابُنُون. إنّه تعالى على كُلّ
شئٍ قدیر، وبالإجابة جدير.
محمّد تقيّ العثمانيّ
١١ ربيع الأول سنة ١٤٣٢ هـ

الفتوى وخطورتها

أصول الإفتاء
٨
الفتوى وخطورتها
الفتوى فى اللغة والاصطلاح
الفَتوى بفتح الفاء (وقيل: بضمّ الفاء أيضاً، كما فى تاج العروس؛ ولكنّ الأوّل
أصحّ وأشهر) والفُتيا بضمّ الفاء، كلاهما يُجمع على الفتاوِى (بكسر الواو)
والفتاوَى (بفتح الواو والألف المقصورة). وكلٌّ من الجَمْعين سائغٌ مستعمَلٌ
فى كلام العلماء.
و"الفتوى" و"الفُتيا" تُستعملان كحاصل مصدر من قولهم : أفتى يُفتى
إفتاءً، ومعناه في اللّغة: الإجابةُ عن سؤال، سواءٌ أكان متعلّقاً بالأحكام الشرعيّة
أم بغيرها، كما فى قوله تعالى حكايةً عن ملك مصر: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونی فی
رُءٌيَنَىَ إِن كُنتُمْ لِلُّوْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وحكايةً عن صاحب يُوسف
عليه السلام: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أُفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ
وَسَبْعِ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَا بِسَتٍ لَّعَلِىّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:
٤٦] وكما فى قوله تعالى حكايةً عن مَلِكة سبأ: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلُواْ أَفْتُونِ فِى أَمْرِى مَا
كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرَا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] وفى كلا الموضعين استُعملت
الكلمةُ للإجابة عن سؤالٍ لا يتعلّق بالأحكام الشّرعيّة. ثم قد خُصّت الكلمةُ
للإجابةِ عن سُؤالٍ شرعيّ، وفى هذا المعنى استعملها القرآنُ الكريمُ حيثُ قال:
de
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى الْنِسَآءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] وحيثُ قال:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وفى هذا المعنى
استعملها النبيُ الكريم صلّى الله عليه وسلّم فی غیرِ واحدٍ

أصول الإفتاء
الفتوى وخطورتها
من أحاديثه الشّريفة، كما ورد في قوله عليه السلام: "أُجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا
أُجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ"(١) فمعنى الكلمةِ فى اصطلاح اليوم: "الجوابُ عن
مسئلةٍ دينيّة. " وإنّما اختَرْنا لفظ "الدّينيّة"، دونَ "الشّرعيّة" لأنّ المُفتي لا
يُجيبُ عن الأحكام الشّرعيّة العمليّة فحسب، بل ربما يُجيبُ عن مسائلَ
دينيّةٍ اعتقاديّة، وعن معنى الأحاديث، وكيفيّةٍ إسنادها وما إلى ذلك من
المسائل التى تتعلق بالدّين وغُلومِه.
ثمّ إنّ كلمةَ الفتوى والإفتاء أُطلِق فى كلام القوم على معانٍ ثلاثةٍ يُمكن أن
نُقسِّمها على ثلاثة أقسام: الفتوى التّشريعيّة، والفتوى الفِقْهيّة، والفتوى
الجزئيَّة.
الفتوى التشريعيّة
أمّا الفتوى التشريعيّة، فهِى التى صدرتْ من الشّارع، إمّا بِوَحْى متلوٍّ فى
القرآن الكريم أو بوَحْى غيرِ متلوٍّ فى سنّةِ النبيَّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم
فى الجواب عن سؤال، أو لبيانِ نازلةٍ فى عهد النبيّ الكريم صلّى الله عليه
وسلّم، فأصبحت شرعاً عامًا. وذلك مثلُ قوله تعالى المذكور فيما سبق:
جميل
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى الْنِسَآءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] وقوله تعالى:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وقوله تعالى:
صِے
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ [البقرة: ١٨٩]
(١) أخرجه الدارمى (١:١٧٩) عن عبيدالله ابن أبى جعفر مرسلا، وأخرجه سعيدبن منصور فى باب
قول عمر فى الجد من سننه (١:٦٤، برقم ٥٦) عن سعيدبن المسيب مرسلا بلفظ : "أجرؤكم
على قسم الجد أجرؤكم على النار" ورُمزله بالصحة فى الجامع الصغير وفيض القدير للمناوى
١:١٥٨، ومراسيل سعيدبن المسيب مقبولة باتفاق أهل العلم
٫٠٠٠

١٢
الفتوى وخطورتها
أصول الإفتاء
وظيفته أن يُحقِّقَ صحّته فى نفس الأمر بطلبِ البيّنةِ وغيرِها. ولذلك يقول
المفتى: "الحكمُ فى الصُّورة المسئول عنها كذا." ولا يلزمُ منه أن تكونَ
الصّورةُ المسئولُ عنها موافقةً للواقع فى نفس الأمر.
الثالث: الفتوى تجرى فيما يترتّب عليه الوجوبُ أو الحرمةُ أو الإباحةُ
أو النُّدبُ أو الكراهة، أو الصّحّةُ أو البُطلان. أمّا القضاء، فلا يجرى فيما يترتّبُ
عليه النُّدب أو الكراهة التّنزيهيّة، لأنّ النّدب والكراهةَ حثٌ على الفعل أو
التّرك من غير إلزام، والقضاء إجبارٌ وإلزام.
الرابع: أنّ الفتوى لا تقتصر على الأحكام الفقهية، بل تتعلّقُ بالعقائد والعبادات
أيضاً، والقضاءُ لا يتعلّقُ بالعقائد والعبادات إلاّ عن طريق التّبعيّة.
تهيّب السلف للفتيا
قال الإمام النوويّ(١) رحمه الله تعالى فى مقدّمة شرح المهذّب ..........
(١) الإمام النوويّ: يحيى بن شرف النووي الشيخ الإمام العلامة محبي الدين أبو زكريا، ولد رحمه الله سنة
٦٣١ هــ بنَوَى، قرية من الشام، وقدم دمشق وعمره تسع عشرة سنة، وأكبّ على طلب العلم
والتفقه. قال العلامة ابن العطّار تلميذه "ذكر لي شيخنا أنّه كان لا يضيع له وقتًا لا فى ليل ولا فى نهار
إلّ فى اشتغال حتىّ فى الطّرق، وأنّه دام على هذا ستّ سنين، ثمّ أخذ فى التّصنيف والإفادة والنّصيحة
وقول الحق." وكما قال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى كان مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل
بدقائق الورع والمراقبة وتصفية النفس، حافظًا للحديث وفنونه ورجاله، رأسًا في معرفة مذهب
الشافعية." وكان من العلماء العزّاب الّذين آثروا العلم على الزّواج. صنّف فى العمر اليسير التصانيف
الكثيرة المحققة، منها شرح صحيح مسلم، ورياض الصّالحين، والمجموع شرح المهذّب (لكن ما
أكمله وإنما وصل إلى باب المصرّة)، وروضة الطالبين الّذي اختصره من شرح الوجيز للإمام
الرافعيّ رحمهم الله تعالى أجمعين. ولما دنا أجله رجع إلى نوى، حيث مرض أيّاما ثم انتقل رحمه الله
إلى جوار ربّه سنة ٦٧٦ هــ وعمره خمسة وأربعون سنة. (ملخص من تذكرة الحفاظ ٤: ١٤٧٠
إلى ١٤٧٤، وطبقات الشافعيّة الكبرى ٨: ٣٩٥ إلى ٤٠٠ (مع الحاشية) والعلماء العزّاب الّذين
آثروا العلم على الزواج للعلامة عبد الفتاح أبو غدّة رحمه الله تعالى ص ٩٢ وما بعدها)

أصول الإفتاء
١٣
الفتوى وخطورتها
"إعلم أنّ الإفتاءَ عظيمُ الخَطَرِ، قديرُ الموقع، كثيرُ الفضل، لأنّ المفتيَ وارثٌ
الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وقائمٌ بفرض الكفاية، ولكنّه مَعْرَضٌ
للخَطَّر، ولهذا قالوا: المُفتى مُوقِّعٌ عن الله سبحانه وتعالى."
فيجب على المفتى أن يشعُرَ بخُطورَةِ منصبِ الإفتاء، وأنّه ليس إبداءً
للآراء الشّخصيّة، أو تحكيماً للعقل المجرّد، أو تفعيلاً للعواطفِ النّفسيّة،
وإنما هو تبيينٌ لِمَا شرع الله سبحانه وتعالى لعباده من شرائحَ وأحكام
لحياتِهُم الفرديّةِ والاجتماعيّةِ الَّتِى تضمنُ لهم السّعادة الأبديّة فى الدّنيا
والآخرة. وكفى لخُطورةِ هذا المنصب ومهابتِهِ أنّه نيابةً عن الله عزّوجلّ
ورسوله صلّى الله عليه وسلم فى بيان تلك الأحكام، وتوقيعٌ عن ربٌ
السّماوات والأرضِ وربِّ العالمين، كما سمّاه الإمام النووىِ وابنُ القيّم (١)
رحمهما الله تعالى، وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى: "وَإِذَا كَانَ مَنْصِبُ التَّوْقِيعِ
عَنْ الْمُلُوكِ بِالْمَحِلِّ الَّذِي لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُ، وَلَا يُجْهَلُ قَدْرُهُ، وَهُوّ مِنْ أَعْلَى
الْمَرَاتِبِ السَِّيَّاتِ ، فَكَيْف بِمَنْصِبِ التَّوْقِيعِ عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ؟
فَحَقِيقٌ بِمَنْ أُقِيمَ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ أَنْ يَعْدَّلَهُ عِدَّتَهُ، وَأَنْ يَتَأَهَّبَ لَّهُ أُهْبَتَهُ،
(١) الإمام ابن القيم: محمد بن أبي بكر الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدّين ابن قيم الجوزیّة، ولد رحمه
الله بدمشق سنة ٦٩١ هـ ، كان والده قيّما للمدرسة الجوزيّة، فقيل فى النسبة إليه "ابن قيّم
الجوزيّة" كان أحد كبار العُلماء. تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيميّة حتّ كان لا يخرج عن شئٍ من
أقواله، بل ينتصرُ له في جميع ما يصدُر عنه. وهو الّذي هذّب كتبه ونشرَ علْمَه، وسُحن معه في قلعة
دمشق. وأُطْلِق بعد وفاة شيخه ابن تيميّة. وكان حَسَن الخُلُق محبوباً عند الناس، أغري بحبّ الكتب،
فجمع منها عدداً عظيماً. وألّف تصانيف كثيرة منها: "إعلام الموقّعين" و "الطّرق الحكميّة في
السّياسة الشرعية" و "زاد المعاد" فى السّيرة النبوية على صاحبها ألف ألف تحيّة. توفي رحمه الله سنة
٧٥١ هـ بدمشق. (ملخص من الدرر الكامنة ٣: ٤٠٠ إلى ٤٠٣ والأعلام ٦: ٥٦)
١

أصول الإفتاء
١٤
الفتوى وخطورتها
وَأَنْ يَعْلَمَ قَدْرَ الْمَقَامِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ ،وَلَا يَكُونُ فِي صَدْرِهِ حَرَجٌ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ
وَالصَّدْعِ بِهِ؛ فَإِنَّاللَّهَ نَاصِرُهُ وَهَادِيهِ، وَكَيْف وهُوَ الْمَنْصِبُ الَّذِي تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ رَبُ
الْأَرْبَابِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي الْنِسَآءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى
اٌلْكِتَبِ﴾ [النساء: ١٢٧] وَكَفَى بِمَا تَوَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ شَرَفًا وَجَالَةً؛ إِذْ يَقُولُ
فِي كِتَابِهِ: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيْكُمْ فِ الْكَلَلَةِ﴾. [النساء: ١٧٦]، وَلِيَعْلَمَ الْمُفْتِي
عَمَّنْ يَتُوبُ فِي فَتْوَهُ، وَلِيُوقِنَ أَنَّهُ مَسْتُولٌ غَدًا وَمَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدِيْ اللَّهِ.
!(١)
كما يكفى لبيانِ خُطورتِه ما رُوى عن النّبِىّ الكريم صلّى الله عليه وسلم أنّه
قال: "أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ.
١١(٢)
وهُناك آثارٌ كثيرةٌ تدلّ على تهيُّبِ السّلف للفُتيا، وتحرّزِهم من ذلك مهما
أمكن. نذكر منها مايلى: أخرج ابنُ عبد البرّ(٣) رحمه الله تعالى بسنده إلى
عُقبةَ بن مسلم قال: "صحِبت ابنَ عُمرَ أربعةً وثلاثين شهراً فكثيراً مّا كان
يُسئل فيقول: لاأدرى، ثم يلتفت إلىّ فيقول: أتدرى مايُريد هؤلاء؟ يُريدون
أن يجعلوا ظُهورَنا جسراً لهم إلى جهنّم. "(٤)
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين ج١ ص ١١.
(٢) تقدم تخريجه فى أول حاشية لهذا الكتاب
(٣) الإمام ابن عبد البرّ: هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ بن عاصم، النمريّ القرطبيّ،
الإمام حافظ الأندلس وبخاريّ المغرب، الفقيه المحدّث النّاقد، الأصوليّ، صاحب "التمهيد"
و"الاستذكار" و"الاستيعاب فى معرفة الأصحاب." وُلد رحمه الله يوم الجمعة من شهر ربيع الآخر
سنة ٣٦٨ هـ. تُوُفّي رحمه الله ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ٤٦٣ هـ عن خمس وتسعين
سنة. (ملخص من مقدمة التحقيق للاستذكار)
(٤) جامع بيان العلم وفضله، ص٣١٦ رقم ٨٩٩

أصول الإفتاء
١٥
الفتوى وخطورتها
وقال الخطيب البغداديّ (١) رحمه الله تعالى فى باب الزجر عن التسرّع إلى
الفتوى مخافة الزّلل: "قال الله تبارك وتعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَدَُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾
[الزخرف: ١٩] وقال تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]
وقال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وكانت
الصّحابة رضوان الله عليهم لا تكاد تُفتى إلاّ فى ما نزل، ثقةً منهم بأنّ الله تعالى
يوفِّقُ عند نزول الحادثةِ للجواب عنها، وكان كلُّ واحدٍ منهم يَوَدُّ أنّ صاحبَه
١١(٢)
كفاه الفتوى.
ثم أخرج الخطيبُ بسنده عن البراء بن عازب رضى الله تعالى عنه قال:
"لقد رأيتُ ثلاثمائةٍ من أهل بدرٍ مامنهم من أحدٍ إلاّ وهُو يُحِبّ أن يَكْفِيَه
صاحبُه الفتوى. " وعن الإمام الشّافعى، قال: "مارأيت أحداً جمع اللهُ فيه من آلة
الفُتيا ما جمع فى ابن عُيَيْنَة أسكتَ عن الفُتيا منه. " وعن سفيان بن عيينة قال:
"أعلمُ النّاسِ بالفتوى أسكتُهم فيه، وأجهلُ النّاس بالفتوى أنطقُهم فيه."
وعن بشربن الحارث قال: "من أحبّ أن يُسألَ، فليس بأهل أن يُسأل."(٣)
(١) الخطيب البغداديّ: هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهديّ أبو بكر الخطيب، الحافظ الكبير.
وُلد رحمه الله سنة ٣٩٢ هـ. كان هو ووالده خطيبين ببعض نواحى العراق. تفقّه على القاضى
أبَى الطّيب الطّبْرِيّ رحمه الله شيخ الشافعيّة ببغداد فى زمانه. وكان الخطيب من كبار المحدّثين
الحذاق العارفين بدقّة علوم الحديث. مصنّفاته تزيد على الستين مصنّفا. منها "تاريخ مدينة السلام"
المعروف ب"تاريخ بغداد" الّذي طبّقت شهرته الآفاق، و"الفقيه والمتفقّه" وغيرهما. توفيّ رحمه الله فى
السابع من ذى الحجّة سنة ٤٦٣ هــ ببغداد ودفن إلى جانب العارف بشر الحافى رحمهم الله تعالى
أجمعين. (ملخص من سير أعلام النبلاء ١٨: ٢٧٠ وما بعدها وطبقات الشافعية الكبرى ٤: ٢٩
إلى ٣٩، ومقدمة التحقيق لتاريخ مدينة السلام لفضيلة الشيخ الدكتور بشار عواد معروف)
(٢) الفقيه والمتفقه للخطيب، (ج٢ ص٣٤٩ من طبع دار ابن الجوزي)
(٣) رواه الآجري أيضا في "أخلاق العلماء" ص١٠٤

١٦
الفتوى وخطورتها
أصول الإفتاء
وعن عطاء بن السائب قال: "أدركتُ أقواماً إن كان أحدُهم يُسألُ عن
الشّيئ فيتكلّمُ وإنّه لِيَرْعَد."(١) وعن الأشعث عن محمد (ابن سيرين) قال:
"كان إذا سُئِل عن شيئ من الفقه، الحلال والحرام، تغيّر لونُه وتبدّل، حتّى
كأنّه ليس بالّذى كان."(٢) وعن أحد تلامذة الإمام مالك رحمه الله تعالى قال:
"واللهِ إن كان مالكٌ إذا سُئل عن مسألةٍ كأنّه واقفٌ بين الجنّة والنّار."
وعن محمّد بن المنكدر قال: " إنّ العالِمَ بين الله وبين خلقه، فلينْظُرْ كيف
يدخل عليهم. "(٣) وعن عبدالله بن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: "إنّكم
تَستفتوننا استفتاءَ قوم كأنّا لأنُسألُ عما نُفِتِيكم به.(٤)" وعن الإمام أبى حنيفة
رحمه الله تعالى قال: " من تكلّمَ فى شيئٍ من العلم وتقلّده وهو يظُنّ أنّ اللهَ
لا يَسئله عنه كيف أفتيتَ فى دين الله؟ فقد سهلت عليه نفسُه ودينُه." وعنه
رحمه الله تعالى قال: "لولا الفَرَقُ من اللهِ أن يضيعَ العلمُ ما أفتيتُ أحداً،
يكونُ له المَهْنَاُ وعليّ الوزر. " وعن محمّد بن واسع قال: "أوّلُ من يُدعى
(١) أخرجه أيضا يعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ في ترجمة الحسن بن صالح، ج٢ ص٨١٧،
ط: مؤسسة الرسالة
(٢) رواه أيضا ابن سعد في الطبقات (الطبقة الثانية من البصريين في ترجمة محمد بن سيرين رحمه الله
تعالی) ج٩ ص١٩٤، وابو نعيم في الحلية في ترجمة ابن سيرين رح ج٢ ص٢٦٤ ويعقوب الفسوي
في المعرفة والتاريخ في ترجمة ابن سيرين رحمه الله تعالى ج٢ ص ٦٠، ط: مؤسسة الرسالة.
(٣) وأخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن المنكدر رحمه الله تعالى، ج٣ ص١٥٣، ط: دار
الكتب العلمية. وأخرج الدارمى عنه فى سننه ١:٢٤٩ قال: "إن العالم يدخل فيما بين الله وبين
عباده فليطلب لنفسه المخرج."
(٤) يعنى أنكم تزعمون أن الجواب عن هذا الاستفتاء هيّن علينا، وأننا لا نُسئل عند الله تعالى عما نجيب.
وأخرجه أيضاً نعيم بن حماد في زياداته على كتاب الزهد لابن المبارك رحمهما الله تعالى، برقم
٢٠٦، ط:دار الكتب العلمية.
٠٠٫٠٠

أصول الإفتاء
١٧
الفتوى وخطورتها
إلى الحساب يومَ القيامةِ الفقهاء. " وعن سفيان بن عيينة رحمه الله قال:
"يُغْفَر للجاهل سبعون ذنباً قبلَ أن يُغْفَر للعالم ذنبٌ واحد."(١) وعن ابن
خَلْدَة (٣) أنّه قال لربيعة بن أبى عبدالرحمن(٣): " إنّى أَرَى النّاسَ قد أحاطُوا
بك، فإذا سئَلكَ الرّجُل عن مسألةٍ فلا يكنْ هِمْتُك أن تُخَلِّصه، ولكن لتكُن
همّتُك أن تُخلِّص نفسَك. " وعن مالك رحمه الله تعالى عن ابن هُرْمُز(٤):
(١) أخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى، ج٧ ص٢٨٦، ط: دار
الكتب العلمية
(٢) هو عمر بن خَلْدَة (على وزن حمزة. ليراجع تاج العروس ٨: ٦٤) الزُّرَفِيّ التابعيّ القاضى، سمع
من أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وولي قضاء المدينة في خلافة عبد الملك بن مروان. قال محمد
بن عمر: "كان عمر بن خلدة ثقةً قليلَ الحديث، وكان رجلا مهيباً صارما ورعا عفيفا ولم
يرتزق على القضاء شيئا، فلما عُزِل، قيل له: يا أبا حفص كيف رأيت ما كنت فيه؟ قال: كان
لنا إخوان فقطعناهم وكانت لنا أُرَيضةٌ نعيش منها فبعناها وأنفقنا ثمنها." (ملخص من الطبقات
الكبرى لابن سعد، الطبقة الثانية من أهل المدينة من التابعين من الأنصار ٧: ٢٧٥، وليراجع
أيضاً المعرفة والتاريخ للعلامة يعقوب الفسويّ رحمه الله تعالى ١: ٥٥٦)
(٣) ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، الإمام الفقيه أبو عثمان التّيمي المدنيّ مولى آل المنكدر، قال
الخطيب: "كان فقيهاً عالما حافظا للفقه والحديث." كما كان بصيرا بالرأي ولذلك يقال له:
ربيعةُ الرّأي. وكان أستاذَ الإمام مالك رحمهما الله تعالى. تُوُفّي سنة ١٣٦ هـ. (ملخص من
تذكرة الحفاظ ١: ١٥٧ و١٥٨)
(٤) ابْنُ هُرْمُزرحمه الله تعالی: هو أبو بكر عبد الله بن یزید بن هرمز الأصمّ، وقيل اسمه یزید بن عبد
الله بن هرمز. فقيه المدينة، من التّابعين. وما روى الحديث إلا قليلا. وكان من العُبّاد الزّهّاد. قال
الإمام مالك: "جلست إلى ابن هرمز ثلاث عشرة سنة واستحلفني أن لا أذكر اسمه في الحديث."
وقال إمام دار الهجرة: "كنت أحبّ أن أقتديَ بهُ." وكان قليل الفتيا، شديد التّحفّظ، وكان
بصيرا بالكلام، يردّ على أهل الأهواء. كان من أعلم الناس بذلك. وقال الإمام مالك: "لم يكن
أحد بالمدينة، له شرف، إلا إذا حزبه أمر رجع إلى ابن هرمز، وكان إذا قدم المدينةَ غنمُ الصدقة،
ترك أكل اللحم لكونهم لا يأخذونها كما ينبغي." توفّي رحمه الله سنة ١٤٨ هــ. (ملخص من
سير أعلام النبلاء ٦: ٣٧٩ و٣٨٠)
+پ

١٨
الفتوى وخطورتها
أصول الإفتاء
"أنّه كان يأتيه الرّجل فيسألُه عن الشيئ فيخبره، ثمّ يبعثُ فى إثره من يردُّه
إليه فيقول له: "إنّى قد عجلتُ، فلا تقبلْ شيئاً ممّا قلت لك حتى ترجع إلىّ
قال: وكان قليلاً من يُفتى من أهل المدينة. قال مالك: وليس من يخشى الله
كمن لايخشاه." وعن مالك رحمه الله تعالى أيضاً قال: "ما علمتُ فقُله
وذُلَّ عليه، ومالم تعلمْ فاسكُتْ عنه، وإيّاك أن تتقلّد للنّاس قلادةَ سُوءٍ(١)"(٢)
وجاء عن أبى سعيدٍ عبدالسّلام الملقّب بسُحْنُون (٣) إمام المالكيّة
وصاحبِ المدوّنة أنّه قال: " أشقى النّاس من باع آخرتَه بدنياه، وأشقى
منه من باع آخرتَه بدنيا غيره. "قال الحافظ ابن الصّلاح(٤) رحمه الله تعالى
(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، باب ما جا في ذم القول إلخ، ص٤٢٧، برقم
١١٦١٠، ط: دار الكتب العلمية
(٢) هذه الآثار كلها أخرجها الخطيب فى "الفقيه والمتفقه" ٢:٣٤٩ إلى ٣٥٩ طبع دارابن الجوزى، السعودية
(٣) الإمام سُحْنُون: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التّنوخي، الملقّب بسُحْنُون، وسُحْنُون طائر
حديد لُقّب به لحدّته فى المسائل. ولد سنة ١٦٠ هـ أو ١٦١هــ فى القيروان. وهو القاضى،
الفقيه، إمام المالكيّة فى زمانه انتهت إليه رئاسة العلم في المغرب. وهو الّذي روى "المدوّنة" فى
فروع المالكيّة، عن عبد الرحمن بن قاسم، عن الإمام مالك رحمهم الله تعالى. كان زاهداً لا يهاب
. سلطاناً فى حقّ يقوله. وأخباره فى الورع والعبادة كثيرةٌ جداً. ولأبي العرب محمد بن أحمد بن تميم
كتاب "مناقبَ سُحْنُون وسيرته وأدبه " تُوُفّي رحمه الله سنة ٢٤٠ هـ. (ملخص من الأعلام ٤:
٥ وليُراجع أيضاً ترتيب المدارك ٤: ٤٥ إلى ٨٨)
(٤) الحافظ ابن الصّلاح: هو عثمان ابن المفتى صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان الكرديّ الشهرزوريّ
الموصليّ الشافعيّ، الإمام الحافظ الفقيه شيخ الإسلام تقيّ الدّين أبو عمرو، صاحب "أدب الفتوى" و
"علوم الحديث" الّذى أصبح قُدوةً فى هذا الفنّ حتّى تبع ترتيبَه فطاحلُ العلماء الّذين جاءوا بعده
كالإمام النوويّ فى التّقريب، والحافظ العراقيّ والعلامة السيوطيّ فى ألفيتيْهما. وُلد رحمه الله سنة
٥٧٧ هـ. وجال البلاد فى طلب العلم ثمّ استوطن دمشق. وكان قد جمع بين العلم والعمل حتّى
ذُكر أنّه قال: "ما فعلتُ صغيرةً فى عمرى قط. " تُوُفّي رحمه الله سنة ٦٤٣ هـ عن ستّ وستين سنة.
ويقال إنّ الدّعاء عند قبره مستجاب. (ملخص من سير أعلام النبلاء٢٣: ١٤٠ إلى ١٤٤، وطبقات
الشافعيّة الكبرى ٨: ٣٢٦ إلى ٣٢٨، ومقدمة التحقيق لعلوم الحديث لفضيلة الشيخ نور الدّين عتر)

١٩
الفتوى وخطورتها
أصول الإفتاء
بعد نقل هذا القول: "ففكّرتُ فيمن باع آخرتَه بدنيا غيره، فوجدتُه المفتى
يأتيه الرّجل قد حنث فى امرأته ورقيقه فيقول له: "لا شيئً عليك، فيذهبُ
الحانث فيتمتّع بامرأته ورقيقه، وقد باعَ المفتى دينَه بدنيا هذا."(١)
وقال الخطيب بعد رواية بعض ماذكر من الآثار: "قلَّ من حرص على
الفُتيا وسابق إليها وثابر عليها، إلاّ قلّ توفيقُه واضطرب فى أمره، وإن كان
كارِهَا لذلك، غيرَ مُؤْثِرٍ له ما وَجَدَ عنه مَنْدُوحةً، وأحال الأمرَ فيه على غيره،
كانت المعونةُ له من الله تعالى أكثر." واستدلّ على قوله بالحديث الصّحيح:
"لا تسئل الإمارة، فإنك إن أعطِيتَها عن مسئلة وُكِلتَ إليها، وإن أُعْطِيتَها عن
غير مسئلةٍ أُعِنْتَ عليها. "(٢)
وذكر النووى رحمه الله تعالى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
"أدركت عشرين ومائةً من الأنصار الصحابة، يُسأل أحدهم عن المسئلة
فَيَرُدُّها هذا إلى هذا، حتى تُرفعَ إلى الأول."(٣) وفى رواية: "ما منهم من
يُحدِّث بحديثٍ إلّ وَدَّأن أخاه كفاه إيّاه، ولا يُستفتى عن شيئٍ إلّ ودّ أنّ أخاه
كفاه الفُتيا. "(٤) وأخرج الخطيب رحمه الله تعالى عن عُمَير بن سعيد، قال:
(١) أدب الفتوى لابن الصلاح رحمه الله تعالى ص ٣١ و ٣٢
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب ٥ رقم الحديث ٧١٤٦
(٣) وأخرج الدارمى فى مقدمة سننه ٢٤٩: ١ عن داود قال: "سألت الشعبيّ كيف كنتم تصنعون إذا سُئلتم؟
قال: على الخبير وقعت. كان إذا سُئل الرجل قال لصاحبه: أفتهم، فلايزال حتى يرجع إلى الأول."
(٤) أخرجه الدارمى فى مقدمة سننه ١:٢٤٨ و٢٤٩ بلفظ: "لقد أدركت فى هذا المسجد عشرين ومائة
من الأنصار، ومامنهم من أجد يحدّث بحديث إلاّ ودّ أن أخاه كفاه الحديث ولايُسئل عن فتيا إلّ ودّ
أن أخاه كفاه الفتیا." وأخرجه أيضا ابن عبدالبر فى جامع بيان العلم وفضله ص ٤٥١ ، رقم ١٢١٥

٢٠
الفتوى وخطورتها
أصول الإفتاء
"سألتُ علقمة (١) عن مسألة، فقال: ائت عَبِيْدة فسَلْه، فأتيتُ عَبِيْدة فقال :
ائت علقمة ، فقلت : علقمةُ أرسلنى إليك ، فقال: انت مسروقاً(٢) فسله ،
فأتيتُ مسروقاً فسألته، فقال: انت علقمةَ فسله ، فقلت: علقمةُ أرسلنى إلى
عَبِيدة ، وعَبِيدةُ أرسلنى إليك، قال: فأتِ عبد الرّحمن بنَ أبى ليلى، فأتيتُ
عبد الرّحمن بن أبى ليلى فسألتُه فكرهه، ثم رجعتُ إلى علقمةَ فأخبرته،
قال: كان يقال: أجرأُ القوم على الفتيا أدناهم علماً(٣)
وذكر النووىّ رحمه الله تعالى عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم
قالا: "من أفتى عن كلّ ما يُسأل فهو مجنون. "(٤)
(١) علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك علقمة أبو شبل النخعيّ، الكوفي فقيه الكوفة وعالمها،
الإمام، الحافظ، المجوّد. وهو عمّ الأسود بن يزيد وأخيه عبدالرحمن، وخال فقيه العراق إبراهيم
الّخعيّ. وهو الّذى قال فيه أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "علقمة ليس بدون ابن عمر فى الفقه وإن
كان لابن عمر صحبة." وقد روى أن عدداً من الصحابة كانوا يرجعون إليه فى الفقه. وعداده
فى المخضرمين. هاجر فى طلب العلم والجهاد، ونزل الكوفة، ولازم ابنَ مسعود رضى الله تعالى
عنه. واختُلف فى سنّ وفاته رحمه الله فيما بين سنة ٦١ هـ و ٦٥ هـ. (ملخص من سير
أعلام النبلاء ٤: ٥٣ إلى ٦١ ومسند الإمام أبى حنيفة مع شرحه للعلامة عليّ القارئ رحمهما
الله تعالى ص ٣٥ تحت عنوان "اجتماع أبى حنيفة والأوزاعيّ" رحمهما الله تعالى)
(٢) مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد الله الإمام، أبو عائشة الوادعي، الهمداني، الكوفي
وهو ابن أخت عمرو بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه. يقال إنّه سُرِق وهو صغير ثم وُجِد
فَسُمّي مسروقاً. وعداده في كبار التابعين وفي المخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي صلى الله
عليه وسلم. وهو من كبار أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم. وكان رحمه الله عبّاد!
حتّي روي أنه كان يصلّى حتىّ ترم قدماه. توفّي رحمه الله سنة ٦٢ هـ أو سنة ٦٣ هـ
(ملخص من سير أعلام النبلاء ٤: ٦٣ و٦٤)
(٣) الفقيه والمتفقه للخطيب ٢٠٢٤
(٤) سنن الدارميّ، المقدمة، باب ٢١، ١:٥٦

أصول الإفتاء
٢١
الفتوى وخطورتها
وعن الشعبيّ() والحسن وأبى الحصين(٢) رحمهم الله قالوا:" إنّ أحدكم
ليُفتى في المسئلة، ولو وَرَدتْ على عُمر بن الخطاب لجمعَ لها أهلَ بدر."(٣)
وعن سفيان بن عيينة وسُحْنُون: "أجسرُ النّاس على الفُتيا أقلُّهم علماً. "(٤)
وعن الشّافعيّ رحمه الله تعالى أنّه قد سُئل عن مسئلةٍ فلم يُجب، فقيل له،
فقال: "حتي أدريّ أنّ الفضل في السّكوت أو الجواب."
وقد عقد الإمامُ الدارميّ باباً فى مقدّمة سننه وترجمه: "باب من هاب
الفتيا وكره التنطُّع والتبدُّع. " وأخرج فيه عن رُبَيْدٍ (٥) قال: "ماسألتُ إبراهيمَ
(١) عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار (وهو قَيْل من أقيال اليمن) الإمام، أبو عمرو الهمداني ثم
الشعبيّ، وُلد فى خلافة عمر بن الخطاب لستّ سنين خلت منها. وقيل: ولد سنة ٢١ هــ.
وقيل سنة ٢٨ هـ. سمع من عدة من كبراء الصحابة. وكان الشعبى توءما ضئيلا فكان يقول: إني
زوحمت في الرَّحِم. ورُوي عنه أنه قال: إنّا لسنا بالفقهاء، ولكنّا سمعنا الحديث فرويناه، ولكنّ
الفقهاء مَن إذا علم عمل. وأشهر الأقوال فى وفاته أنّه رحمه الله تعالى تُوُفّي سنة ١٠٤ هـ.
(ملخص من سير أعلام النبلاء ٤: ٢٩٤ إلى ٣١٩)
(٢) أبو الحصين: فى حاشية فضيلة الشيخ الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمى للمدخل إلى السنن الكبرى تحت
هذه الرواية:"هنا اثنان من كنيتهما "أبو حصين"، أحدهما: عثمان بن عاصم الأسديّ، وهو من أقران الزهريّ
(من الرابعة تُوُفّي ١٢٧ هـ) والآخر: الهيثم بن شفي الحجريّ البصريّ، روى عن عبد الله بن عمرو بن
العاص (من الثانية) فيمكن أن سمع من الزهريّ، لكنّ الأغلب هو الأسديُّ." ولیتنبه أنه إن كان المراد بأبي
الحصين عثمان بن عاصم فضبط كنيته بفتح الحاء وكسر الصاد، وإن كان المراد به الهيثم بن شفي فالضبط
بضم الحاء وفتح الصاد. (ليراجع شرح الإمام النووي على مسلم ١: ٤٠ وتاج العروس ٣٤: ٤٤٠)
(٣) أخرجه البيهقى فى المدخل عن أبى حصين قال:" إن أحدهم ليفتى فى المسألة، ولووردت على
عمربن الخطاب رضى الله عنه لجمع لها أهل بدر. " (المدخل الكبير للبيهقى ص٤٣٤، رقم ٨٠٣)
(٤) أخرجه ابن عبدالبرفى جامع بيان العلم ص ٤٥٣ رقم ١٢٢٢
(٥) هو زُبَيد بن الحارث أبو عبد الله أو أبو عبد الرحمن الياميّ الكوفيّ الحافظ أحد الاعلام. من صغار
التابعين. أدرك ابن عمر، وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم. حدث عن طائفة من كبار
التابعين رحهم الله تعالى أجمعين. قال سعيد بن جبير: "لو خُيِّرتُ من ألقى الله تعالى فى مسلاحه،
لاخترت زبيدا الياميَّ. "وقال مجاهد: "أعجبُ أهلِ الكوفة إليّ أربعةٌ"، فذكر منهم زبيدا. قال
يونس بن محمد المؤدّب: أخبرني زیاد، قال: کان زبید مؤذن مسجده، فکان یقول للصبيان:
"تعالَوا فصلُّوا، أَهَبْ لكم جوزاً،" فكانوا يصلّون ثم يحيطون به، فقلت له فى ذلك، فقال : =

أصول الإفتاء
٢٢
الفتوى وخطورتها
(يعنى النخعيّ رحمه الله تعالى) عن شيئ إلاَّعرفتُ الكراهيةَ فى وجهه."
وأخرج عن عمربن أبى زائدة قال: "ما رأيت أحداً أكثر أن يقول إذا سُئل عن
شيئ: لاعلم لى به من الشعبىّ." وعن ابن عون قال: "كان الشعبي إذا جاءه
شيئ اتّقى، وكان إبراهيم يقول ويقول ويقول. "قال أبو عاصم: "كان الشعبيّ
فى هذا أحسنَ حالاً عند ابن عونٍ من إبراهيم. "(١) وأخرج أيضا عن جعفربن
إياس قال: قلت لسعيدبن جبير: مالَكَ لا تقولُ فى الطّلاق شيئا؟ قال: مامنه
."(٢)
شيئ إلاّ قد سألتُ عنه، ولكنى أكره أن أُحِلّ حرامًا أو أحرم حلالاً.
وأخرج ابن عبدالبرّ رحمه الله تعالى عن ابن عون قال: "كنتُ عند القاسم
ابن محمّد(٣) إذ جاءه رجلٌ فسأله عن شيئ فقال القاسم: لاأُحْسِنُه، فجعل
الرّجل يقول: إنّى دُفِعت إليك لا أعرف غيرك. فقال القاسم: "لا تنظُر إلى طول
لحيتى وكثرة النّاس حولى، والله ما أُحْسِنه، فقال شيخٌ من قريش جالس إلى
جنبه: يا ابنَ أخى! الزَمْها، فوالله ما رأيتُك فى مجلس أنبلَ منك اليوم، فقال
القاسم: والله لأن يُقطع لسانى أحبُ إلىّ من أن أتكلّمَ بما لا علم لى به. "(٤)
= "وما عليّ أن أشتريَ لهم جوزا بخمسة دراهم، ويتعوّدون الصّلاة." وبَلَغَنَا عن زُبَيْدِ أنّه كان إذا
كانت ليلةٌ مطيرةٌ طاف على عجائز الحيّ، ويقول: "ألكم في السّوق حاجة؟". قيل: تُوُفّي رحمه
الله سنة ١٢٢ هـ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٥: ٢٩٦ إلى ٢٩٨)
(١) وقد مرّ عن زبيد أنه مع ذلك كان يتّقى، يعنى يجتنب عن الإفتاء مهما أمكن.
(٢) راجع سنن الدارمى ٢٤٧: ١ إلى ٢٤٩
(٣) القاسم بن محمد ابن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصّدّيق من الفقهاء السبعة.
ولد فى خلافة عليّ رضي الله تعالى عنه. قال أبوالزِّنَاد: ما رأيت أحداً أعلمَ بالسّنّة من القاسم بن
محمّد. واختلف في سنّ وفاته فيما بين سنة ١٠٦ هـ إلى سنة ١٠٨ هـ. (ملخص من سير
: أعلام النبلاء ٥: ٥٣ إلى ٦٠)
(٤) جامع بيان العلم وفضله ص ٣١٤ رقم ٨٩٥

أصول الإفتاء
٢٣
الفتوى وخطورتها
وقد رويت عن الإمام مالك رحمه الله تعالى روايات كثيرة فى تورّعه عن الفتيا
ذكرها القاضى عياض (١) رحمه الله تعالى فى بسط وتفصيل، ننقل منها جملةً: قال
عبد الرحمان العُمَريّ: قال لى مالك: "رُبّما وردت عليّ المسألة تمنعنى من
الطّعام والشّراب والنّوم. "وقال ابنُ القاسم(٢): سمعت مالكاً يقول: "إنّى لأفكّر
في مسألةٍ منذُ بضع عشرة سنةً، فما اتّفق لي فيها رأي إلى الآن." وقال ابن
مهديّ: سمعتُ مالكاً يقول: "رُبِمّا وردت عليّ المسألةُ فأسْهَرُ فيها عامّةَ
ليلي." وقال ابنُ عبد الحكم: "كان مالك إذا سُئل عن المسألة قال للسّائل:
(١) القاضى عياض: هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصي السبتي المالكيّ، أبو الفضل،
الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام. كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيّامهم.
ولد بسَبْتَة سنة ٤٧٦ هــ. ووليّ قضاءها وله خمس وثلاثون سنة ثم ولّي قضاء غرناطة. من
تصانيفه كتاب " الإكمال فى شرح صحيح مسلم " كمل به كتاب " المعلم " المازري رحمه الله،
وكتاب "مشارق الأنوار" فى تفسير غريب الحديث، و"الشفاء بتعريف حقوق المصطفى صلى الله
عليه وسلّم" و "ترتيب المدارك وتقريب المسالك فى معرفة أعلام مذهب الإمام مالك". وله شعر
حسن. توفي رحمه الله مغرّبا عن وطنه فى مراكش ليلة الجمعة من رمضان أو جمادى الآخرة سنة
٥٤٤ هـ. قال الحافظ الذهبيّ: "بلغني أنه قُتل بالرماح لكونه أنكر عصمة ابن تومرت." وقال غيره
توفّي مسموماً، قيل سمّه يهوديّ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٢٠: ٢١٧ إلى ٢١٩، والصلة
للعلامة أبى القاسم ابن بشكوال رحمه الله ٢: ٦٦٠ و٦٦١ والأعلام ٥: ٩٩، وليراجع الأعلام ٦:
٢٢٨ و ٢٢٩ لأخبار ابن تومرت)
(٢) الإِمام ابن القاسم: عبدالرحمن بن القاسم عالم الدّيار المصريّة ومفتيها، أبو عبد الله العتقيّ مولاهم،
نسبة إلى العبيد الذين نزلوا من الطّائف إلى النبي صلى الله عيه وسلم، فجعلهم أحرارا (كما فى
ترتيب المدارك). ولد سنة ١٣٢ هـ. هو صاحب الإمام مالك الّذي قال عنه الإمام: "عافاه الله،
مَثَلُه كمثل جرابً مملوءً مسكا." وهو أستاذ الإمام سحنون الذى روى عنه المدوّنة. وعن أسد بن
الفرات قال: "کان ابنُ القاسم یختم کلّ یوم ولیلة ختمتین.قال: فنزل بي حین جئتُ إلیه عن ختمة
رغبةً في إحياء العلم. " تُوُفّي رحمه الله سنة ١٩١ هـ، رحمه الله، وقد عاش تسعا وخمسين سنة.
(ملخص من سير أعلام النبلاء ٩: ١٢٠ إلى ١٢٥ وترتيب المدارك ٣: ٢٤٤)