النص المفهرس
صفحات 161-180
المسألةُ الثامنة: الاستقراءُ المظنونُ - هو إثباتُ الحكمِ في كليٍّ، لثبوتِهِ في بعضِ جزئيًّاتِهِ. مثالُهُ - قولُ أصحابنا في الوتر: إنَّه ليسَ بواجب، لأنَّهُ يؤدى على الراحلةِ . [ولا شيءَ من الواجبِ يؤدَّى على الراحلةِ(١)]. أما المقدَّمةُ الأولى - فثابتةٌ بالإِجماع . وأمّا الثانيةُ - فنشبتُها بالاستقراءِ - وهو: أنّا لما رأينا القضاءَ وسائرَ أصنافِ الواجباتِ - لا تؤدَّى على الراحلة: حكمنا على كلٍّ واجبٍ بأنَّه لا يؤدِّى على الراحلةِ. وهذا النوعُ لا يفيدُ اليقينَ، لأنَّهُ يحتملُ أن يكونَ الوترُ - واجباً، بخلافٍ سائر الواجباتِ - في هذا الحكمِ . ولا يمتنعُ - عقلاً - أن يكونَ بعضُ أنواع الجنسِ مخالفاً لحكمِ النوع الآخرِ من ذلك الجنسِ . وهل يفيدُ الظَّ، أم لا؟ الأظهرُ: أنَّ هذا القدرَ - لا يفيدُ إلّ بدليلٍ منفصلٍ. ثمّ بتقديرِ حصولٍ الظنُّ: وجبَ الحكمُ بكونِهِ حجَّةً: لقوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((أقضي بالظاهر(٢))). = (بالأخف) في شيء لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (أو الأثقل) فيه لأنه أكثر ثواباً وأحوط، أو لا يجب شيء منهما بل يجوز كلٌ منهما؛ لأنّ الأصل عدم الوجوب؟! هذه (أقوال)، أقر بها الثالث. فانظر جمع الجوامع بشرح الجلال: (٣٥٢/٢). (١) ساقط من غيرى، آ. (٢) تقدم تخريجه في الجزء الثاني، ص ٨٠ من هذا الكتاب. - ١٦١ - المسألةُ التاسعة: في المصالحِ المرسلةِ (١). اعلم: أنَّ المصالحَ بالإِضافةِ إلى شهادةِ الشرع - ثلاثةُ أقسامٍ. أحدها: ما شهدَ الشرعُ باعتبارِهِ، وهو: القياسُ. الّذي تقدَّمَ شرحُهُ. وثانيها : ما شهدَ الشرعُ ببطلانِهِ؛ مثاله - قولُ بعضِ العلماءِ لبعضِ الملوكِ، لمّا جامعَ في نهارِ رمضانَ: عليكَ صوم(*) شهرين متتابعين، فلمّا أنكرَ عليهِ - حيثُ لم يأمره بإعتاقِ رقبةٍ - قالَ: ((لو أمرتُه بذلكَ - لسهلُ عليهِ، ولا ستحقر (٢) إعتاق رقبةٍ في قضاءٍ شهوتِهِ(٣)). (١) قال الحجة الغزالي: (( ... كل مصلحة لا تدفع إلى حفظ مقصود مهمٌّ من الكتاب. والسنّة والإِجماع، وكانت من المصالح الغريبة - التي لا تلائم تصرفات الشرع - فهي باطلة مُطرحة، ومن صار اليها فقد شرّع، كما أن من استحسن فقد شرّع. وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعيّ علم كونه مقصوداً بالكتاب والسنة والإجماع فليس خارجاً من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياساً، بل مصلحة مرسلة)). المستصفى: (٣١٠/١-٣١١). وقال. بعض مشايخنا في توضيح المراد بالمصلحة المرسلة: («هي: الوصف القائم في المحلّ (الذي لم یعلم حکمه) المناسب والملائمُ لحکم خاصّ لم يعلم عن الشارع اعتباره في بعض المحالّ الأخرى، ولا إلغاؤه كذلك، وإنما سمّي مصلحة لاشتماله على المصلحة». (*) آخر الورقة (٢٠٧) من آ. (٢) كذا في ى، ولفظ غيرها: ((واستحضر)). (٣) المفتي هو: يحيى الأندلسيّ، تلميذ مالك، وناشر مذهبه في الأندلس توفي في = - ١٦٢ - واعلم: أنَّ هذا باطلٌ؛ لأنّه [حكم(١)] على خلافٍ حكمِ اللهِ - تعالى - لمصلحةٍ تخيّلَها الإِنسانُ بحسبِ رأيِهِ. ثمّ إذا عُرِفَ ذلكَ من جميعِ العلماءِ: لم تحصلِ الثقةُ للملوكِ بفتواهم، وظنّوا أنَّ كلَّ ما يفتونَ بهِ - فهوَ تحريفٌ من جهتهم بالرأيٍ . القسمُ الثالثُ: ما لم یشھدْ لہ بالاعتبار، ولا بالإِبطال نصّ معيّنٌ - فنقول: قد ذكرنا ۔ في كتاب القياس - أنّ المناسبةَ، إمّا أن تكونَ في محلِّ الضرورةِ أو الحاجةِ أو التَّنَّمَّةِ(٢) - فقالَ الغزاليُّ - رحمه الله - ((أمَّا الواقِعُ في محلّ الحاجةِ، أو التتمَّةِ - فلا يجوزُ الحكمُ فيها بمجرَّدِ المصلحةِ؛ لأنَّهُ يجري مجرى وضعِ الشرعِ بالرأي . وأمَّا الواقعُ في رتبةِ(٣) الضرورةِ - فلا يبعدُ أن يؤديَ إليهِ(*) اجتهادُ مجتهدٍ. ومثالهُ: أنَّ الكفّارَ إذا تترَّسوا بجماعةٍ من أسارى المسلمين: فلو كفَفْنا عنهم - لصدَمونا، واستولوا على دارِ الإِسلامِ ، وقتلوا كافَّةً المسلمین. ولو رمينا الترسَ - لقتلنا مسلماً: لم يذنبْ، وهذا لا عهدَ بهِ في الشرعِ . = قرطبة سنة (٢٣٤)هـ، له ترجمة في الديباج (٣٥٠)، ونفح الطيب: (٢١٧/٢)، وقد ذكر فتواه هذه في ص (٢١٨) منه، وأما السلطان المقصود فهو: عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، رابع ملوك بني أمّية بالأندلس توفي بقرطبة سنة (٢٣٨) على ما في نفح الطيب: (٣٢٣/١)، والكامل لابن الأثير: (٢٩٢/٥)، ولعل الجارية المشار إليها هي ((طروب)» التي ذكرها ابن الأثير. وانظر: الجزء الخامس، ص ١٢٣ من كتابنا هذا. (١) لم ترد الزيادة في آ. (٢) انظر المسألة الثانية في تقسيم المناسب في الجزء الخامس، ص ١١٧ من كتابنا هذا. (٣) لفظ ى: ((محل))، وما أثبتنا هو الموافق لما في شفاء الغليل. (*) آخر الورقة (٧٦) من ص. - ١٦٣ - ولو كففنا - لسَّطْنا الكفَرَ على جميعِ المسلمين، فيقتلونهم(١)، ثم يقتلونَ الأسارى . فيجوزُ أن يقولَ قائلٌ: هذا الأسيرُ مقتولٌ بكلِّ حالٍ ، فحفظُ كلِّ المسلمينَ - أقربُ إلى مقصود الشرع من حفظِ المسلمِ الواحدِ. قالَ: وإنَّما اعتبرنا(٢) هذه المصلحةَ، لاشتمالها على ثلاثة أوصاف - وهي: أنّها ضروريّةٌ، قطعيَّةٌ، كليَّةٌ. واحترزْنَا بقولنا: ((ضروريّةٌ)) عن المناسَباتَ(٣) - الّتي تكونُ في مرتبةٍ الحاجةِ (٤) أو التتمَّةِ. وبقولِنَا: ((قطعيَّةٌ)) عمَّا إذا لم نقطعْ بتسلُّطِ(٥) الكفَّارِ علينا، إذا لم (*) نقصد الترسَ، فإنَّ - ها هنا - لا يجوزُ القصدُ إلى الترسِ. وكذلكَ: قطعُ المضطرِّ قطعةً(٦) من فخذِهِ لا يجوزُ؛ لأنَّا لا نقطعُ بأنَّهُ يصيرُ ذلكَ سبباً للنجاة . وبقولنا: ((كلَِّةٌ)) عمّا لو تَتَّسَ الكافرُ في (*) قلعةٍ - بمسلمٍ فإنّهُ لا يحلُّ رميُّ الترسِ ، إذ لا يلزمُ من عدمِ استيلائِنا على تلكَ القلعةِ فسادٌ يعمُّ كلَّ المسلمين . وكذا: إذا كانَ جماعةٌ في سفينةٍ، ولو طرحوا واحداً - لنجوا، وإلّ، غرقوا بجملتِهِم؛ فها هنا: لا يجوزُ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ أمراً كليّا)). فهذا محصّل ماقاله الغزالي (٧) رحمه الله . (١) في آ، ى: ((فقتلوهم)). (٢) في غير س، آ، ى: ((قبلنا). (٣) لفظ آ: ((المناسب)). (٤) كذا في جـ، آ، وفي غيرهما: ((والتمتّةٍ)). (٥) لفظ ى: ((بتسليط)). (*) آخر الورقة (٢٢٤) من جـ. (٦) لفظ ى: ((فلقة)). (*) آخر الورقة (٢٧١) من س. (٧) راجع تفاصيل ما لخصه الإمام المصنف في شفاء الغليل: (١٤٢ - ٢٦٦) والمستصفى : (٢٨٤/١ - ٣١٥). - ١٦٤ - ومذهبُ مالكٍ - رحمه الله -: أنَّ التمسُّكَ بالمصلحةِ المرسلةِ جائزٌ. واحتجَّ عليه - بأن قالَ: ((كلُّ حكمٍ يفرضُ، . فإمَّا أن يستلزمَ مصلحةً خاليةً عن المفسدةٍ، أو مفسدةً خاليةً عن المصلحةِ، أو يكونَ خالياً عن المصلحةِ والمفسدةِ بالكليّةِ، أو يكونَ مشتملاً عليهما معاً. وهذا على ثلاثة أقسامٍ : لأنهَّما إِمَّا أن يكونا متعادلين، وإمَّا أن تكونَ المصلحةُ [راجحةً، وإمَّا أن تكونَ المفسدةُ راجحةً. فهذه أقسامُ ستَّةٌ : أحدها :. أن يستلزمَ مصلحةً(١)] خاليةً عن المفسدةِ؛ وهذا لا بدَّ وأن يكون(٢) مشروعاً؛ لأنَّ المقصودَ من الشرائع - رعايةُ المصالحِ . وثانيها : أن يستلزمَ مصلحةً راجحةً؛ وهذا - أيضاً - لا بدّ وأن يكونَ مشروعاً؛ لأنَّ تركَ الخيرِ الكثيرِ، لأجلِ الشّرِّ القليلِ (*) - شرٌّ كثيرٌ. وثالثُها: أن يستويَ الأمران؛ فهذا يكونُ عبئاً: فوجبَ أن لا يشرعَ . ورابعُها: أن يخلو عن الأمرين؛ وهذا - أيضاً - يكونُ عبثاً: فوجبَ أن لا يكونَ مشروعاً . وخامسها: أن يكونَ مفسدةً خالصةً؛ ولا شكَّ أنَّها لا تكونُ مشروعةً. وسادسُها: أن يكونَ ما فيه من المفسدةِ - راجحاً على ما فيهِ من المصلحة؛ وهوَ - (١) ساقط من ی. (٢) في آ زيادة: ((أيضاً)). (*) آخر الورقة (١٣٤) من ى. - ١٦٥ - أيضاً - غير مشروع : لأنَّ المفسدةَ الراجحةَ - واجبةُ الدفعِ بالضرورةِ. وهذه الأحكام - المذكورةُ -في هذهِ الأقسامِ السنَّةِ: كالمعلوم بالضرورةِ - أنَّها دينُ الأنبياءِ، وهي المقصودُ من وضعِ الشرائعِ. والكتابُ والسنّةُ دالآن على أنَّ الأمرَ كذلك: تارةً بحسبِ التصريح، وأخرى بحسبِ الأحكامِ المشروعةِ - على وفْق هذا الَّذي ذكرناه. غايةُ ما في الباب: أنَّا نجدُ واقعةً - داخلةً تحتَ قسمٍ من لهذهِ الأقسامِ ، ولا يوجدُ لها في الشرع ما يشهدُ لها - بحسبِ جنسِها القريب، لكن لا بدَّ وأن يشهدَ الشرعُ - بحسبِ جنسِها البعيدِ على كونِهِ خالصَ المصلحةِ، أو المفسدةِ، أو غالبَ المصلحةِ، أو المفسدةِ: فظهرَ أنَّه لا توجدُ مناسبةٌ، إلّ ويوجدُ - في الشرع - ما يشهدُ لها بالاعتبارِ، إمّا بحسبِ جنسِهِ القريبِ، أو بحسبٍ جنسِهِ البعيد . وإذا ثبتَ هذا: وجَبَ(*) القطعُ بكونهِ حِجَّةً؛ للمعقولِ (١) والمنقولِ . أمَّا المعقولُ - فلأنَّا إذا قطعنا بأنَّ المصلحةَ الغالبةَ على المفسدةِ - معتبرةٌ قطعاً عندَ الشرع، ثمّ غلب على ظِّنًا - أنَّ هذا الحكمَ مصلحتُهُ غالبةً على مفسدتِهِ: تولَّد منَ هاتين المقدِّمتين ظنُّ أنَّ هذهِ المصلحةَ معتبرةٌ شرعاً: والعملُ بالظنِّ واجبٌ؛ لقوله عليه الصلاةُ والسلامُ ((أَقضي بالظاهر)). ولِمَا ذكرنَا: أنَّ ترجّحَ الراجحِ على المرجوحِ - من مقتضياتِ العقولِ : ولهذا يقتضي القطعَ بکونِهِ حجّةً. وأمّا المنقول - فالنصّ والإجماع: أمّا النصّ - فقوله تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُوْا﴾(٢) أمرٌ بالمجاوزة، والاستدلالُ بكونِهِ مصلحةً على كونِهِ مشروعاً - مجاوزةُ: فوجبَ دخولُهُ تحتَ النصّ. (*) آخر الورقة (٢٠٨) من آ. (١) عبارة آ: ((للنص والمعقول)). (٢) الآية (٢) من سورة الحشر. - ١٦٦ - وأمَّا الإِجماعُ - فهو: أنَّ من تتبّعَ أحوالَ مباحثاتِ الصحابةِ - علمَ قطعاً: أنَّ هذه الشرائطَ التي يعتبرها فقهاء الزمان في تحرير الأقيسة والشرائط المعتبرة في العلَّةِ والأصل والفرع - ما كانوا(*) يلتفتونَ إليها، بل كانوا يراعونَ المصالحَ؛ لعلمهم بأنَّ المقصدَ من الشرائعِ: رعايةُ المصالحِ . فدلَّ مجموع ما ذكرنا: على جوازِ التمسُّكِ بالمصالحِ المرسلةِ(١). (*) آخر الورقة (٢٧٢) من س. (١) قال الإِمام الغزاليّ: (( ... هذه المسألة في محل الاجتهاد، ولسنا نحكم ببطلان مذهب مالك - رحمه الله - على القطع، فإذا وقع النظر في تعارض المصالح كان ذلك قريباً من النظر في تعارض الأقيسة المؤثرة التي ذكرناها)). شفاء الغليل (٢٣٤)، وذكر - رحمه الله - بعض المسائل، ثم قال: « ... وقد اختلف فيها قول الشافعيّ، وهو دليل ميله الى المصالح ورعايتها ... )) وراجع لمعرفة أنواع المصالح، وتبيّن المراد بالمصلحة المرسلة خاصّة مع الأمثلة التي يمكن ادراجها تحتها، والتي لا يمكن فيها ذلك المستصفى: (٢٨٤/١ - ٣١٥)، وبحثه الذي لا أعرف له نظيراً في هذا الموضوع في شفاء الغليل: (١٤٢ - ٢٦٦). - ١٦٧ - المسألةُ العاشرة: الاستدلالُ بعدم بما يدلُّ على الحكمِ ، على عدمِ الحكمِ - طريقةٌ عَّلٌ عليها بعضُ الفقهاءِ. وتحريرُهُ: أَنَّ الحكمَ الشرعيَّ لا بدَّ له من دليلٍ ، والدليلُ - إما نصٌّ أو إجماعٌ أو قياسٌ ولم يوجدْ واحدٌ من لهذهِ الثلاثةِ: فوجبَ أن لا يثبتَ الحكمُ. إنَّما قلنا: إنَّ الحكمَ الشرعيَّ - لا بدَّ له من دليلٍ ؛ لأنَّ الله - تعالى - لو أمرنا بشيءٍ، ولا يضعُ عليه دليلاً: لكانَ ذلك تكليفَ ما لا يطاقُ(١). (*) وإنَّه غيرُ جائزٍ. وإنَّما قلنا: إنَّ الدليلَ - إمّا نصٌّ أو إجماعٌ، أو قياسٌ، لثلاثة أوجهٍ : أحدها : قصَّةُ معاذ: فإنَّها تدلُّ على انحصارِ الأدلَّةِ في الكتاب والسنَّةِ والقياس ؛ زدنا فيه الإِجماعَ بدليلٍ منفصلٍ : فيبقى الباقي على الأصل . وثانيها : أنَّ الأدلّةَ الدالّة على الأحكامِ كانت معدومةً في الأزلِ ، وقد بيّنًا: أنّ الأصلَ في كلِّ [أصلٍ (٢)] تحقَّقَ بقاؤُهُ على ما كانَ؛ فهذا الدليلُ يقتضي أن لا يوجدَ شيءٌ من أدلَّةِ الأحكام. تُرِكَ العملُ بهِ - في النصِّ والإِجماعِ والقياسِ فوجبَ أن يبقى فيما عدا لهذه الثلاثة [على الأصل(٣)]. (١) لأنّه يكون بمثابة تكليف الغافل. (#) آخر الورقة (٢٢٥) من جـ. (٢) كذا في ى، وعبارة غيرها: ((في كل محققٌ)). (٣) لم ترد الزيادة في أ. - ١٦٨ - وثالثُها: أَنَّهِ لو حصلَ نوعٌ آخرُ من الأدلّةِ - لكانَ [ذلك(١)] من الأمورِ العظام ؛ لأنَّ ما يجبُّ الرجوعُ إليهِ - في الشرع ، نفياً وإثباتاً - في الوقائعِ الحاضرةِ والمستقبلة - لا شكَّ أنَّهُ من الأمورِ العظامِ. فلو كانَ ذلك موجوداً - لوجبَ اشتهارُهُ، ولو كانَ كذلك - لعرفناهُ بعدَ البحثِ والطلب؛ فلمَّا لم نجدْ شيئاً آخر، سوى هذه الثلاثةِ: علمنا الانحصار. وإنّما قلنا: إنَّه لم يوجدْ واحدٌ من هذه الثلاثة [لما سنبيِّنْهُ(٢)]. أمَّا النصُّ - فلوجهين : أحدهما: أنَّ اجتهدنا في الطلب - فما وجدْنا. وهذا القدرُ عذرٌ في حقِّ المجتهدِ - بالإِجماع : فوجبَ أن يكونَ عذراً - في حقِّ المناظر، لأنَّهُ لا معنى للمناظرةِ إلّ بيانُ ما لأَجْلِهِ قالَ بالحكمِ . وثانيهما : أَنَّه لو وجدَ في المسألةِ نصٌّ - لعَرفَهُ المجتهدونَ ظاهراً، ولو عرفوه، لما حكموا على خلافِهِ ظاهراً، فحيثُ حكموا على خلافِهِ: علمنا عدمَهُ. أمَّا الإِجماعُ - فهو منفيٍّ، لأنَّ المسألةَ خلافيَّةٌ، ولا إجماعَ مع الخلافِ . وأمَّا القیاسُ - فمنفيٌّ لوجهین: أحدهما: أنَّ القياسَ لا بدَّ فيه من أصلٍ ، والأصلُ هو الصورةُ الفلانيَّةُ، والفارقُ الفلانيُّ موجودٌ: ومع الفارقِ لا يمكنُ القياسُ. أقصى ما في البابِ - أن يقالَ: لِمَ لا يجوزُ القياسُ على صورة أخرى؟ (١) هذه الزيادة من آ. (٢) زيادة متعيّنة لم ترد في سائر الأصول. وعبارة الحاصل أسلم فانظر: (١٠٣٩). - ١٦٩ - فنقولُ: لأنّا بعدَ الطلب - لم نجد شيئاً يمكنُ القياسُ عليه، إلاّ هذه الصورة . وهذا القدرُ عذرٌ ب في حقِّ المجتهدِ: فوجبَ أن يكونَ عذراً في حقِّ المناظر - على ما بيِنَّاه. وثانيهما : أنَّ سائرَ الأصولِ - كانتْ معدومةً: فوجبَ بقاؤها [على العدم(١)] تمسّكاً بالاستصحاب . فهذا تمامُ تقريرِ هذهِ الدلالةِ(٢). واعلم: أنَّ كلَّ مقدّمةٍ لا يمكنُ تمشيةُ الدليل إلّ بها، فلو كانت تلك المقدَّمةُ مستقلّةٌ بالإِنتاج : كانَ التمسُّكُ بها - في أوّل الأمر(٣) - أولى. ورأينا: أنَّ هذه الدلالةَ لا يمكنُ تمشيتُها إلّ بإحدى مقدِّمتين: إحداهما : أنَّ عدمَ الوجدانِ بعدَ الطلبِ - يدلّ على عدمِ الوجودِ. وثانيتهما : أنَّ الأمرَ الفلانيَّ - كانَ معدوماً: فيحصلُ - الآنَ - ظنُّ بقائِهِ على العدم(*). وهاتان المقدِّمتانِ، لو صحتًّا - لكانتا مستقلَّتَين بإنتاجِ المطلوبِ، فإنّهُ يقالُ - في أوَّلِ المسألةِ -: الحكمُ الشرعيُّ لا بدَّ له من دليلٍ ، ولم يوجد الدليل (٤)، لأنّي اجتهدتُ في الطلب، وما وجدتُهُ: وذلكَ يدلّ على عدمٍ الوجود. أو يقالُ: ولم يوجدِ الدليلُ؛ لأنَّ (*) هذه الدلائلَ - كانت معدومةً في الأزلِ، (١) هذه الزيادة من ی، آ. (٢) لفظ ى: ((الأدلة)). (٣) في ى، آ: ((الكلام)). (*) آخر الورقة (٢٧٣) من س. (٤) لفظ آ، ى: ((المطلوب)). (*) آخر الورقة (٢٠٩) من آ. - ١٧٠ - والأصلُ في كلِّ معدومٍ بقاؤهُ على عدمِهِ. وإذا ثبتَ هُذا: فقد حصلَ ظنُّ عدم الدليلِ ، فيتولّدُ منهُ القطعْ بأنَّهُ لو وجدَ الحكمُ - لوجدَ الدليلُ، مع ظنِّ أنَّه لم يوجدْ ظنُّ عدمِ الحكمِ ، والعملُ بالظنِّ واجبٌ. فتقرير هذه الدلالةِ - على هذا الوجهِ (١) - أقلُّ مقدِّماتٍ، وأشدُّ تلخيصاً: فكانَ ایرادُها ۔ علی هذا الوجهِ - أولى . فإن قيلَ .. قولُه : ((الدليلُ - إمَّا نصٍّ أو إجماعٌ أو قياسٌ)). قلنا: هذا لا يتمُّ على قولِكَ؛ لأَنَّكَ ذكرتَ هذه العبارةَ دليلاً في هذه المسألةِ الشرعيّةِ، وإنَّها ليست بنصٍّ ولا إجماع ولا قياسٍ ؛ وعند هذا - يلزمُ أحدُ محذورين، وهوَ: أَنَّه إمّا أن [لا(٢)] يكونَ هَذا الكلامُ دليلاً في المسألةِ (*) - حتىّ يتمَّ الحصرُ. أو يبطلَ الحصرُ حتىٍّ يتمَّ هذا دليلاً في المسألةِ. فإن قلتَ: الكلامُ علیهِ من وجهين : أحدهما : أنِّي أَقولُ: دليلُ الحكمِ الشرعيّ، إمّا نصّ أو إجماعٌ أو قياسٌ، ومدلولُ دليلي: انتفاءُ الصّحَّةِ؛ فإنَّ هَذا الانتفاءَ - كانَ حاصلًا قبلَ الشرع ، فالإِخبارُ عنهُ - يكونُ إخباراً عن أمرٍ لا تَتَوقَّفُ معرفتُهُ على الشرع : فلا(*) يكون شرعيًّاً. وثانيهما : أَنِّي لا أنفي الصحّةَ إلّ بالإِجماع؛ لأنَّ الإِجماعَ - منعقدٌ على أنَّهُ متى لم يوجدْ شيءٌ من هذهِ الأشياءِ - وجبَ نفيُّ الحكمِ : فيكونُ الدليلُ - في الحقيقةِ - هو الإِجماعَ . (١) لفظ آ: ((الأصل)). (٢) سقطت الزيادة من ى. (*) آخر الورقة (١٣٥) من ى. (*) آخر الورقة (٢٢٦) من جـ. - ١٧١ - قلتُ: أمَّ الجوابُ عن الأَوّل : - فهو: أَنَّهُ لَمَّا ثبتَ انتفاءُ الصحّةِ - لزمَ ثبوتُ البطلانِ، ضرورةَ تعذُّر القول بالوقفِ: فيكونُ كلامُكَ دليلاً على البطلانِ بواسطةِ دلالتِهِ على انتفاءِ الصحَّةِ، فَيكونُ دليلاً على حكمٍ شرعيٍّ: فيعودُ المحذورُ المذكورُ. وعن الثاني : - أنَّ الإِجَمَاعَ لم يدلَّ على عدم الصحّةِ - ابتداءاً، بل دلَّ على أنَّهُ مهما عدمَ النصُّ والإِجماعُ والقياسُ: لزمَ عدُ الحكمِ ، فيكونُ الإِجماعُ دليلاً على أنَّ عدمَ هذهِ الثلاثةِ - دليلٌ على عدمِ الحكمِ ، وعدمُ هذه الثلاثةِ - مغايرٌ لهذه الثلاثةِ: فيعودُ الكلامُ المتقدِّمُ. السؤال الثاني: أنَّك(*) جعلتَ عدمَ دليلِ الثبوتِ - دليلَ العدم، فهل تجعلُ عدمُ دليلِ العدمِ - دليلَ الثبوتٍ، أم لا؟ !. فإن لم يقل بهِ -، فقد ناقضَ؛ لأنّ نسبةَ دليلِ الثبوتِ إلى الثبوتِ: كنسبةِ دليلِ العدمِ إلى العدمِ !! فإن لزمَ من عدم دليلِ الثبوت عدمُ الثبوتِ: لزم من عدمِ دليلِ العدمِ عدمُ العدمِ . وإن لم يلزم - ها هنا -: لم يلزمُ هناك - أيضاً؛ إذ لا فرقَ بينهما في العقل وإن اعترفَ بذلك: لزمَ المحذورُ من وجهين: أحدُهما: أنَّ عدمَ دليلِ العدمِ - دليلٌ على عدمِ العدمِ ، وعدمُ العدم وجودٌ: فعدمُ دليلِ العدمِ دليلٌ على الوجودِ. فقد حصلَ سوى النصِّ والإِجماع والقياس - دليلٌ آخر على الوجودِ: فيبطلُ حصرهم . [و(١)] الثاني - وهو : : أَنَّه إذا كانَ عدمُ دليلِ العدم - دليلاً على الوجودِ: لم يلزمْ انتفاءُ الوجود (#) آخر الورقة (٧٧) من ص. (١) هذه الزيادة من ى. - ١٧٢ - -- إلّ ببيانِ عدم [عدم(١)] دليلِ العدمِ، وعدمُ العدمِ وجودٌ. فإذن: لا يلزمُ انتفاءُ الوجودِ إلّ بوجودِ دليلِ العدم، لكنَّك لو ذكرتَ(*) دليلَ العدم - لاستغنيتَ عَمّا ذكرتَ: من الدلالةِ . السؤال الثالث: أَنَّك [لو(٢)] اقتصرتَ في نفي النصِّ على عدمِ الوجدانِ، فهذا الطريقُ - إن صحَّ: وجبَ الاكتفاءُ بهِ في نفي القياسِ ؛ لأنَّهُ حاصلٌ فيهِ. وإن لم يصحّ: لم يجز التعويلُ عليهِ في هذا المقامِ . فإن قلتَ: إنَّما تعرَّضتَ لنفي قياسٍ معيَّنٍ؛ لأنَّ المخالفَ يعتقده قياساً ودليلاً، وليسَ في النصوصِ ما يعتقده(٣) دليلاً. قلتُ: المخالفُ كما يعتقدُ في قياسٍ - كونَهُ حجةً له، فكذلك قد يعتقدُ في بعضِ النصوصِ - كونَّهُ حَجَّةً له: فكانَ يلزمُ التعرُّض للأمرينِ. السؤالُ الرابعُ : لم قلتَ: إِنَّه لمَّا وجدَ الفرقُ بينَ الصورتين - تعذَّرَ القياسُ؛ وذلك لأنَّ الفرقَ إنَّما يكونُ قادحاً، لو لم يجزْ تعليلُ الحكمِ الواحدِ بعلْتين. فأمّا إذا كانَ جائزاً - احتملَ كونَ الحكمِ في الأصلِ معلَّلاً بالوصفِ الَّذي تعدَّى إلى الفرع، وبالوصفِ الَّذي لم يتعدّ [إليه (٤)] - معاً -: فلا يكون [ذلك(٥)] قادحاً في القياس . (١) سقطت الزيادة من ى. والمراد: بيان انتفاء عدم دليل العدم. وانظر الحاصل: (١٠٤٢). (*) آخر الورقة (٢٧٤) من س. (٢) سقطت الزيادة من ى. (٣) في غيرى: ((يعتقد)). (٤) لم ترد الزيادة في ى. (٥) انفردت بهذه الزيادة ی. - ١٧٣ - السؤال الخامس : أنَّ هذا النظمَ لا ينفكُ عن القلب، فإنَّ المستدلَّ إِذا قالَ - مثلاً - في بيع. الغائب: لا نصَّ ولا إجماعَ ولا قياسَ في صحَّتِهِ: فوجبَ أن لا تثبتَ صحَّتُهُ. فيقالُ: وتجريمُ أخذِ المبيعِ من البائعِ - بعدَ جريانِ هذا البيعِ على المشتري، أو تحريمُ أخذِ الثمن من المشتري على البائعِ - حكمٌ شرعيٍّ، فلا يثبتُ إلّا بنصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ ، ولم يوجدْ ذلك: فوجب أن لا يثبتَ. [و(١)] الجوابُ: هذه الدلالةُ لا تتُمُّ إلّا مع التمسُّكِ بأنَّ الأصلَ في كلِّ ثابتٍ - بقاُؤُهُ على ما كان، وأنَّهُ إنَّما يجوزُ العدولُ عن هذا الأصل إذا وجدَ دليلٌ [يوجبُ(٢)] العدولَ عنهُ، وذلك الدليلُ لا يكونُ إلّ نصّاً أو إجماعاً أو قياساً. وعلى هذا(٣): يسقطُ السؤالُ، وذلك لأنَّا نقولُ - مثلاً في مسألة بيع الغائب: لا شكَّ أنَّ - قبلَ جريانِ هذا البيعِ، كانَ المبيعُ ملكاً للبائعِ ، والأصلُ في كلٌّ ثابتٍ بقاؤهُ - على ما كانَ، إلّ أَنَّا نترَكُ التمسُّكَ بهذا الأصلِ - عِندَ وجَوِدِ نصِّ أو إجماع أو قياسٍ - يدلُّ على خلافِهِ، ولم يوجدْ واحدٌ من هذهِ الثلاثةِ: فلم يوجدْ ما يوجبُ العدولَ عن التمسُّكِ بذلك الأصل . وإذا كانَ كذلكَ: وجبَّ الحكمُ ببقائِهِ على ما(*) كانَ. وحاصلُ الكلامِ : أَنَّي إِنَّما ادعيتُ الحصرَ - فيما يدلُّ على تغيير الحكمِ عن مقتضَى الأصل ، والحكمُ الّذي أنتجته من هذا الدليل - ليسَ من بابِ تغيُّر الحكمِ ، بل هو من [باب(٤)] إبقاءِ ما كانَ على ما كانَ: فلم يكن ادِّعاءُ الحصرِ - في تلكَ الصورةِ - قادحاً في صحَّةِ هذهِ الدلالةِ . [و(٥)] إذا عرفتَ هذا: فالعبارةُ الصحيحةُ عن هذا الدليل - أن يقالَ: (١) هذه الزيادة من جـ، آ، ى. (*) آخر الورقة (٢١٠) من آ. (*) آخر الورقة (٢٢٧) من جـ. (٤) لم ترد الزيادة في س، ى. (٢) سقطت الزيادة من ی. (٣) زاد في ى، آ: ((الوجه)). (٥) هذه الزيادة من ی. - ١٧٤ - (حكمُ الشرع إبقاءُ ما كانَ على ما كانَ، إلاّ إذا وجدت دلالةٌ شرعيَّةٌ مغيرّةٌ، والدلالةُ المغيِّرَةُ - إمَّا نصٌّ أو إجماعٌ أو قياس، ولم يوجدْ واحدٌ - من هذه الثلاثة فلم توجد الدلالةُ المغيّرة: فوجبَ بقاؤه على كانَ))(١). فإن قلتَ: التمسُّكُ باستصحابِ الأصلِ كافٍ فأيُّ حاجةٍ إلى هذا التطويل ؟ قلتُ: المناظرُ تلوُ المجتهدٍ، ومعلومٌ أنَّ المجتهد - لا يجوزُ له التمسُّكُ باستصحابِ حكمِ الأصلِ إلّ إذا بحثَ، واجتهدَ في طلبِ هذهِ الأدلّةِ المغيِّرةِ. فإذا لم يجدْ - في الواقعةِ شيئاً منها: حلَّ له فيما بينَه وبينَ اللهِ - تعالى - أن يحكم بمقتضى الاستصحاب. فأمّا قبلَ البحثِ عن وجودِ هذه الدلائلِ المغيِّرةِ - فلا(٢) يجوزُ له التمسُّكُ بالاستصحاب ۔ أصلاً. فلمَّا(*) ثبتَ أنَّ الأمرَ - في المجتهدِ كذلكَ: وجبَ أن يكونَ في حقِّ المناظر كذلكَ؛ لأنَّه لا معنى للمناظرةِ المشروعةِ إلا بيانُ وجهِ الاجتهادِ. وأَمّا الجوابُ عن السؤال الثاني فهو: أنَّ الاستدلالَ بعدمِ المثبتِ - أولى من الاستدلالِ بعدمِ النافي على الوجود؛ وبيانُه من وجوهٍ : أحدها : [أنّا (٣)] لو استدللْنَا بعدمِ المثبتِ على العدمِ - لزمنا عدمُ ما لا نهاية له، وذلك غیرُ ممتنعٍ . أمّا لو استدلَّلْنا بعدمِ النافي على الوجودِ: لَزِمِنَا إثباتُ ما لا نهايةً له. وهو محالٌ. (١) وعبارة ى: ((بقاء ما كان على ما كان)). . (٢) لفظ س: ((لا)). : (*) آخر الورقة (٢٧٥) من س. (٣) هذه الزيادة لم ترد في ی. - ١٧٥ - وثانيها : أَنَّا نستدلُّ بعدم ظهورِ المعجز على يدِ الإِنسانِ على أنَّه لِيسَ بنبيٌّ . ولا تستدُّ بعدم ما يدلُّ على أنَّهُ ليسَ بَرسولٍ - على كونه رسولاً . وثالثها : أنَّهُ لا يقالُ: إنّ فلاناً ما نهاني عن التصرُّفِ في مالِهِ: فأكونُ مأذوناً في التصرُّفِ. ويقالُ: إنَّهُ لم يأذنْ لي في التصرُّفِ [في ماله(١)]: فأكونُ ممنوعاً (*) .. ورابعُها : أنَّ دليلَ كلِّ شيءٍ على [حَسَبٍ(٢)] ما يليقُ بِهِ، فدليلُ العدمِ العدمُ، ودليلُ الوجودِ الوجودُ. سلَّمنا أنَّه ليسَ أحدُ الطريقين - أولى من الآخرِ، لكنَّ ذلك يقتضي أن يتعارضا ويتساقطًا . وحينئذٍ: يبقى مقتضىّ الأصلِ ، وهو: بقاءُ ما كانَ على ما كانَ . وأمَّا السؤالُ الثالثُ - فليسَ سؤالاً علمياً، بل هو شيءٌ يتعلَّقُ بالوضعِ والاصطلاح : فلا یلیقُ الخوضُ في أمثالِهِ في الكتبِ العلميَّةِ . وأمَّا السؤالُ الرابعُ - فجوابِهُ: أَنَّا بِيََّّ - في هذا الكتاب: أَنَّه لا يجوزُ تعليلُ الحكمِ الواحدِ بعلَّتين مستنبطتينِ(٣). وأنّ سؤالَ الفرقِ - سؤالٌ قادحٌ(٤). وأمَّا السؤالُ الخامسُ - فساقطٌ؛ لأنَّا لم نقلْ: إنَّهُ يلزمُ من عدمِ النَص والإِجماع والقياس - بقاءُ ما كانَ على ما كانَ، إلّ بعدَ أن بيًّّا: أنَّ الأصلَ . في الثابتِ - بقاؤهُ على ما كانَ؛ فمعارضةُ الخصمِ إنَّما تلزمُ لو ثبتَ أنَّ الأصلَ نب (١) انفردت ى بهذه الزيادة. (*) آخر الورقة (١٣٦) من ی. (٢) لم ترد الزيادة في ى. (٣) انظر الجزء الخامس، ص ٢٧٧ من هذا الكتاب. (٤) انظر ص الجزء الخامس (٢٧٠)، وما بعدها من هذا الكتاب. - ١٧٦ - في الشيءٍ أن لا يبقى على ما كانَ؛ ولمَّا كانَ ذلك باطلاً: كانتْ معارضتُه باطلةً . ۔۔ - ١٧٧ - المسألةُ الحاديةَ عشرةَ(١): في تقريرِ وجوهٍ من الأدلَّةِ [الّتي (٢)] يمكنُ التمسُّكُ بها في المسائلِ الفقهيَّةِ . [اعلم(٣)]: أنَّ الحكمَ الملتزَمَ إثباتُهُ، إمّا أنْ يكونَ عدَمِيّاً، أو وجودياً. فإنْ كانَ عدميّاً: أمكنَ أن يذكرَ فيهِ عباراتٌ: إحداها : أنْ يقالَ: هذا الحكمُ كان معدوماً، وذلك يقتضي ظنَّ بقائِهِ على العدمِ : والعملُ بالظنِّ واجبٌ. إنَّما قلنا: إنَّه كانَ معدوماً لأنَّ المحكوم عليه - كانَ معدوماً في الأزلِ : فوجبَ أن لا يكونَ الحكمُ ثابتاً - في الأزلِ ؛ لأنَّ ثبوتَ الحكمِ من غيرِ ثُبُوتِ المحكوم عليهِ - عبثٌ وسفةٌ. وهو غيرُ جائزٍ على اللهِ تعالى. فإن قلتَ(*): فهذا يقتضي أنْ يكونَ كلامُ اللهِ - تعالى - حادثاً. قلتُ: لا نسلِّمُ؛ لأنَّ المرادَ من الحكم - كونُ الشخص (٤) مقولاً له: ((إنْ لم تفعلْ هذا الفعلَ - في هذهِ الساعةِ - عاقبتُكَ)). ومن المعلوم بالضرورةِ: أنَّ هذا المعنى لم يكن(*) متحققاً في الأزلِ . وأمَّا بيانُ أنَّهُ لَمَّا كانَ معدوماً - حصلَ ظنُّ تحقّق ذلك العدمِ في كلِّ زمانٍ : (١) عبارة جـ: ((الحادي عشر)). (٢) لم ترد الزيادة في ى. (٣) لم ترد الزيادة في ى. (*) آخر الورقة (٢١١) من آ. (٤) لفظ جـ: ((شخص)). (*) آخر الورقة (٢٢٨) من جـ. - ١٧٨ - فلما بيَّناه في مسألةِ ((الاستصحابِ(١)». وثانيتها : أَنَّه لو ثبتَ الحكمُ - لثبتَ بدلالةٍ أو أمارةٍ. والأوّل باطلٌ؛ لأنَّ الأمَّةَ مجمعةٌ على أنَّه ليسَ - في المسائلِ الشرعيّةِ - دلالةٌ قاطعةٌ . والثاني -- باطلٌ؛ لأنَّ اتِّبَاعَ الأمارةِ اتباعُ الظنِّ، وهو غيرُ جائزٍ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئً﴾(٢). وقولٌ على اللّهِ بما لا نعلمُ؛ وهو غيرُ جائزٍ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَّمُونَ﴾(٢). وثالثُها: لو ثبتَ(*) الحكمُ - لثبتَ: إِمَّا لمصلحةٍ، أو لا لمصلحةٍ. والثاني عبثٌ، والعبثُ غيرُ جائزٍ على الحكيمِ . والأوّلُ لا يخلو، إمّا أن تكونَ المصلحةُ عائدةً إلى اللهِ - تعالى - أو إلى العبد . والأوَّل محالٌ؛ لامتناعِ النفع والضررِ عليهِ تعالى. والثاني - أيضاً - محالٌ؛ لأنَّ المصلحةَ لا معنى لها إلّ اللَّذَّة، أو ما يكونُ وسيلةً إليها .. والمفسدةَ لا معنىَ لها إلّ الألَمُ، أو ما يكونُ وسيلةً إليه. ولا لذَّةَ إلّ واللّهُ - تعالى - قادرٌ على تحصيلها: ابتداءاً فيكونُ توسُّط شرع الحكمِ عبثاً: : وكذا القولُ في المفسدةِ. فهذا الدليلُ ينفي شرِعَ الحكمِ ، تُرِكَ العملُ به - فيما توافَقْنَا على وقوعِهِ: فبقي في المختلفِ فيه على وفقِ الأصلِ . (١) انظر ص (١٠٩)، وما بعدها من هذا الجزء من المحصول. (٢) الآية (٣٦) من سورة يونس. (٣) الآية (١٦٩) من سورة البقرة . (*) آخر الورقة (٢٧٦) من س. - ١٧٩ -٠ ورابعتُها : أنَّ هذه الصورةَ - تفارقُ الصورةَ الفلانيَّةَ التي ثبتَ الحكمُ فيها في وصفٍ مناسب: فوجبَ أن تفارقَها - في هذا الحكمِ. بيانُ المفارقةِ في الوصفِ المناسب - هو؛ أنَّه وجدَ - في الأصلِ - ذلك الوصفُ الفلانيُّ وأَنَّه مناسبٌ لذلك؛ ويبيِّنُ ذلك الحكم بطريقهِ. وبيانُ أنَّ هذا القدرَ يمنعُ من المشاركةِ في الحكم ، وذلك: لأنَّ هاتين الصورتين لو اشتركتا في الحكم - لكانَ، إمّا أنْ يكونَ الحكمُ الثابتُ فِي الصورتين معلَّلاً بوصفٍ مشتركٍ بينَ الصورتين، أو لا يكونَ كذلك. فإن كان الأوَّلَ: لزمَ إلغاءُ الوصفِ المناسبِ المعتبرِ - الَّذي اختصَّ الأصل (١) به؛ وإنَّهُ غير جائزٍ. وإن كان الثاني: لزمَ تعليلُ الحكمين المتماثلين بعلَّتين مختلفتين؛ وهذا غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ إسنادَ أحدٍ ذينك الحكمين إلى علَّتِهِ، إنْ كانَ لذاتِهِ، أو للوازمِ ذاتِهِ: لزمَ في الحكمِ الَّذِي يماثلُهُ إسنادُهُ - أيضاً إلى تلكَ الماهِيَّةِ، لا إلى ماهِيَّةٍ أخرى. وإن لم يكن لذاتِهِ، ولا للوازمِ ذاتِهِ: كانَ الحكمُ - في نفسِهِ غنياً عن تلك العلَّةِ، والغنيُّ عن الشيءٍ لا يكونُ مستنداً إليه: فوجبَ في ذلك الحكمِ أن لا يكونَ مستنداً إلى تلك [العلَّةِ(٢)] وقد فرضناهُ مستنداً إليها. هذا خلفٌ. وخامسها : أنَّ الحكمَ لو ثبتَ - في هذهِ الصورة(٣) [لثبتَ في الصورةِ الفلانيَّةِ؛ لأنَّ بتقدير ثبوته - في هذهِ الصورة(٤)]: كانَ ذلك لدفع حاجةِ المكلّفِ، وتحصیلٍ مصلحته . (١) لفظ ى: ((الوصف)). (٢) سقطت الزيادة من ى. (٣) أي: صورة الأصل. (٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ى. - ١٨٠ -