النص المفهرس
صفحات 121-140
أو بحكمٍ من الأحكام - فلا يمكننا العملُ بهِ إلّ إذا علمنا أو ظنّا عدمَ طريانٍ الناسخ . فإنْ علمنا ذلكَ بلفظٍ آخرَ - افتقرنا فيهِ إلى اعتقادِ عدم النسخ - أيضاً -: فإن كانَ ذلك بلفظٍ آخرَ - أيضاً - تسلسلَ إلى غير النهايةِ. وهو محالٌ: فلا بدّ أن ينتهيَ - آخرَ الأمر - إلى التمسُّكِ بـ ((الاستصحاب)) وهو: أنَّ علمنا بثبوتِهِ - في الحالِ - يقتضي ظنَّ وجودِهِ في الزمانِ الثاني . وأيضاً: فالفقهاءُ - بأسرهم - على كثرةِ اختلافِهم اتَّفقوا: على أنَّا متى تيقْئًّا حصولَ شيءٍ، وشككنا في حدوثِ المزيل: أخذنا بالمتيقّن. وهذا ((عين الاستصحاب)) لأنَّهم رجحوا بقاءَ الباقي على حدوثِ الحادثِ. وأمَّا العرفُ - فلأنَّ من خرجَ من دارِهِ، وتركَ أولادَهُ فيها - على حالة مخصوصةٍ: كان اعتقادُهُ لبقائِهم على تلك الحالةِ - الَّتي تركَهم عليها - راجحاً على اعتقادِهِ لتغيرِ تلك الحالةِ. ومن غابَ عن بلدِهِ - فإنَّهُ يكتبُ إلى أحبابِهِ وأصدقائِهِ [عادة(١)] في الأمورِ الَّتي كانت موجودةً - حالَ حضوره وما ذاك إلّ [لـ(٢)] أنّ اعتقادَه - في بقاءِ تلك الأمورِ - راجحٌ على اعتقادِهِ في تغيُّرِها، بل لو تأمَّلنا - لقطَعْنا بأنَّ أكثرَ مصالحٍ العالمِ ، ومعاملاتِ الخلقِ - مبنيٌّ على القولِ ((بالاستصحاب)). فرع : من قال ((النافي))(٣) لا دليلَ عليهِ - إن أرادَ(٤): أنَّ العلمَ بذلك العدمِ الأصليِّ - يوجبُ ظنَّ دوامِهِ في المستقبلِ: فهذا حقٌّ. [كما بيَّنَّه(٥)]. (١) هذه الزيادة من ى. (٢) هذه الزيادة من آ. (٣) في جـ، آ: ((الباقي))، وهو تحريف. (٤) زاد في جـ: ((به)) .. (٥) هذه الزيادة من جـ، آ، ى، س. - ١٢١ - وإن أرادَ بِهِ غيره: فهو باطلٌ؛ لأنَّ العلمَ (١) بالنفي(٢)، أو الظنَّ بهِ لا يحصلُ إلّ لمؤثِّر (٣). (١) لفظ جـ: ((العالم)). (٢) في ى: ((بالشيء)». 1 (٣) اختلف الأصوليون في نافي الحكم: هل هو مطالب بالدليل على تفيه كما يطالب مثبته بالدليل على ثبوته؟ فقال بعضهم: نعم. وقال آخرون لا. وقيل: إن كان في العقليّات طولب. وإن كان في الشرعيّات فلا. والتحقيق: أنهم إن أرادوا بالدليل ما عدا «استصحاب الحال)» من الأدلة الأخرى: فالحقُّ: أنّه غير مطالب بشيء منها. وإن أرادوا: ((استصحاب الحال)) والاكتفاء به في إثبات نفيه للحكم فالحق: أنّه مطالب به، فيقول في إثبات دعواه: ((إنما نفيت الحكم لأن الأصل عدمه فاستصحبت هذا الأصل، ونفيت الحكم)). انظر جمع الجوامع بشرح الجلال: (٣٥١/٢)، والمستصفى: (٢٣٢/١)، والتبصرة: (٥٥٧/٢)، وإحكام الآمدي: (١٩٠/٤)، وشرح الإِسنوي وبحاشيته الإبهاج: (١١٣/٣)، واللمع (٧٠)، والمسودة (٤٩٤). - ١٢٢ - المسألةُ [الثالثة (١)]: في الاستحسانِ(٢). المحكيُّ عن الحنفيَّةِ: القولُ بالاستحسانِ. (١) سقطت الزيادة من س. (٢) مناقشات الأصوليين وجدلهم في الاستحسان - مناقشات لا طائل تحتها، ولا أهمية موضوعيّة لها، ذلك لأن القائلين بالاستحسان اعتبروه في أقلُّ أحواله قياساً خفيّاً، وقد يقوم على أثر أو إجماع أو ضرورة. وفي هذه الحالة لا يكون - هناك - ما يدعو لاعتباره دليلاً خاصاً، وبالتالي ليس هناك ما يدعو إلى أن يقع فيه أي اختلاف لأنّ جميع القائلين بحجيّة القياس. قائلون بانقسامه إلى نوعين: جليّ وخفيّ وكل منهما حجّة وبهذا يكون الاستحسان دليلاً من الأدلة المتفق عليها إذ لا يخالف فيه أحد من القيَّاسين .. وأمّا منكروه - فلم ينكروه - وهو بهذا المفهوم - وإنما أنكروا القول بالدين بمجرد التشهِّي والميل النفسي والهوى، ولا شك أنّ هذا أمر لا يمكن أن يقول به مسلم أوتي أي حظ من المعرفة بالإِسلام، والفقه في الشرع فضلاً عن أئمة أجلَّاء: كالإمام أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ومن تبعهما. فلا يجرؤ مسلم أن يقول لما مالت إليه نفسه، أو اشتهته میوله: إنه دليل شرعيّ. ويبدو أنه قد كان التعصّب المذهبيّ نصيب كبير في الخلط في هذه المسألة حتىّ صعّبوا سهلًاً، وبالغوا في غير عظيم؛ فالاستحسان الذي أنكره الإمام الشافعيّ وغيره من . الأئمة وقال فيه قولته المشهورة: ((من استحسن فقد شرع)» وكتب فيه كتابه ((ابطال الاستحسان)» - لا شك أنّه أمر لا يقول به مسلم. وأمّا:((الاستحسان)) - الذي قال فيه متأخرو الحنفيّة: أولاً: بأنّه ((دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته: فلا يقدر على اظهاره»، إن أرادوا بقولهم: ((ينقدح في نفس المجتهد)): أنّه يشك فيه فهو مردود. كما هو ظاهر. وإنْ أرادوا: أنّه يتيقّن صحته فهو صحيح، يجب عليه العمل به غير أنّه لا يستطيع أن يحتج به على غيره من المجتهدين، إذ لا يمكنهم الحكم عليه بصحّة أو بطلان إلّا بعد معرفته، والمفروض أنّه عاجز عن بيانه . = - ١٢٣ - ومخالفوهم: أنكروا ذلك عليهم؛ لظنَّهم أنهم يعنونَ به: الحكمَ من غيرِ دليلٍ والذي حصَّله(١) المتأخرون في تحديده وجهان: = ثانياً: وقال بعضهم: ((إنّه قطع المسألة عن نظائرها لما هو أقوى)» - أي: أن يعدل المجتهد عن الحكم في مسألة بنحو ما حكم في نظائرها لدليل أقوى من الدليل الأول - الذي کان. وهذا يعتبر نوعاً من الترجيح بين الأدلة، وهو أمر معتدٍّ به لدى الجميع، وقد یکون من قبيل ((تخصيص العام)) كما في تخصيص أبي حنيفة قول الناذر: ((مالي صدقة)) بالمال الذي تجب فيه الزكاة دون غيره؛ فإنّ قوله ((مالي)) عامّ يشمل ما تجب فيه الزكاة من المال وغيره، فكان مقتضاه وجوب التصدّق بالجمع، لكن - هاهنا - دليل خاصٌ أخرج مالا يزكى، وهو قياس عبارة هذا الناذر على قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ (١٠٣/٩) بجامع أنّ كلَّا قَدْ اقترن فيه المال بالصدقة، والمال - في الآية - قاصر على ما تجب فيه الزكاة: فكذلك المال في قول النادر. وعلى هذا يكون ((الاستحسان)) عبارة عن دليل خاصٍ من كتاب أو سنة أو غيرهما عارض دليلاً عاماً وخصّصه وليس دليلاً جديداً؛ ولا نزاع في جواز تخصيص العام بالخاض إذا ضج الخاصّ. ثالثاً: قال بعضهم: ((إنّه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه، يكون كالطارىء عليه؛ ومثال ذلك العنب: فإنه قد ثبت تحريم بيعه بالزبيب سواء أكان على الشجر أم لا، قياساً على الرطب، ثم إن الشارع رخّص في جواز بيع الرطب على النخل بالتمر فقسنا عليه العنب في هذه الحالة وتركنا القياس الأول؛ لكون الثاني أقوى منه، وهذا يجعل الاستحسان عبارة عن ((تخصيص العلة)) وليس دليلاً جديداً». ومن هنا يتضح: أنّه لا يتحقق استحسان مختلف فيه كما قال ابن الحاجب. وانظر هذه المسألة والمذاهب فيها في الأم: (٢٦٧/٧ - ٢٧٧)، والرسالة (٥٠٣ - ٥٦٠)، والمعتمد: (٨٣٨/٢)، والتبصرة: (٣٣٦/٢)، واللَّمع: (٦٨)، والمستصفى: (٢٧٤/١ - ٢٨٣)، والمنخول: (٣٧٤)، وكشف الأسرار للبزدويِّ: (١١٠٠/٤)، وأصول السرخسي: (١٩٩/٢ - ٢٠٨)، وشرح المنهاج وبحاشيته الإبهاج: (١٢٣/٣)، وجمع الجوامع بشرح الجلال: (٣٥٣/٢)، وتيسير التحرير: (٧٨/٤)، وحاشية نسمات الأسحار: (١٥٥ - ١٥٦)، وكشف الأسرار على المنار: (١٦٤/٢ - ١٦٨). (١) في آ، ى: ((فصله))، والمراد بالمتأخرين: المتأخرون من الحنفية. - ١٢٤ - الأوَّلُ: قالَ الكرخيُّ: ((الاستحسانُ - هو: أن يعدلَ الإِنسانُ عن [أن(١)] يحكم في المسألةِ بمثل ما حكمَ (٢) في نظائرِها إلى خلافِهِ لوجٍ - أقْوَى يقتضي العدولَ عن الأوَّلِ (٣)). وهذا يلزمُ - عليهِ - أن يكونَ العدول عن العمومِ إلى التخصيصِ وعن المنسوخ إلى الناسخ : استحساناً. لثاني : قالَ أبو الحسين: ((الاستحسانُ: تركُ وجهٍ من وجوهِ الاجتهادِ - غير شامل (٤) شمول(*) الألفاظِ لوجهٍ - أقوى منه، وهو في حكم الطارىءٍ على الأَوَّلِ (٥)). قالَ: ولا يلزمُ - عليه - العدُول عن العمومِ إلى القياسِ المخصِّص ؛ لأن العمومَ لفظُ شاملٌ ولا يلزمُ - عليهِ - أن يكون أقوى القياس استحساناً؛ لأنَّ الأقوى ليسَ في حكم الطارىءِ على الأضعفِ. فإن كانَ طارئاً - فهو استحسانٌ . فإن قلتَ: فقد قالَ محمد بن الحسن - في غير موضعٍ من كتبه: «تركنا الاستحسانَ للقياسِ ، كما لو قرأ آية [الـ(٩)] سجدةٍ في آخرِ السورةِ: فالقياسُ يقتضي أن يجتزىء بالركوع ، والاستحسانُ - [أن(٧)] لا يجتزئءَ به، بل يسجدُ [لها (٨)]. ثمّ إنَّهُ قالَ بالقياسِ . (١) سقطت من س. .(٢) لفظ آ: ((يحكم)) .. (٣) انظر أصول السرخسيّ: (٢٠٠/٢)، والمعتمد: (٨٤٠/٢). (٤) زاد في ى: ((مثل)). (*) آخر الورقة (٢٦٢) من س. (٥) انظر المعتمد: (٢ /٨٤٠). (٦) لم ترد أداة التعريف في ى. . (٧) لم ترد الزيادة في س. (٨) لم ترد في ی. - ١٢٥ - فهذا الاستحسانُ ۔ إن كان أقوى من القیاس ، فکیف تركه؟ وإن لم یکن أقوی [منه(١)]: فقد بطلَ حُّكُم. قلتُ: ذلكَ المتروكُ - إنَّما يسمَّى استحساناً لأنّه (٢) وإن كانَ الاستحسانُ .. وحده - أقوى من القياس [وحده(٣)] لكن اتصّل بالقياسِ شيءٌ آخرُ: صارَ ذلك المجموعُ أقوى من الاستحسانِ: كما في المسألةِ التي ذكرتموها؛ فإنَّ الله - تعالى - أقامَ الركوعَ مقامَ السجودِ - في قولهِ تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعَاً وَأَنَّابَ﴾(٤). فهذا تقريرُ هذا الحدِّ الَّذي ذكره أبو الحسين رحمه الله . واعلم: أنَّ هذا يقتضي أن تكونَ الشريعةُ كلُّها: استحساناً؛ لأنَّ مقتضى العقلِ - هو البراءةُ الأصليّةُ، وإنَّما يتركُ [ذلك(٥)] لدليل أقوى منه، وهو نصِّ أو إجماعٌ أو قیاس. وهذا الأقوى - في حكمِ الطارىءِ الأَوَّلِ : فيلزمُ أن يكونَ الكلُّ استحساناً. وهم لا يقولون بهِ(٦)؛ لأنّهم يقولونَ: تركنا القياسَ للاستحسانِ، وهذا يقتضي أن يكونَ القياسُ -مغايراً للاستحسانِ: فالواجبُ أن يزاد في الحدِّ قيدٌ آخرُ - فيقالُ: (تركُ وجهٍ من وجوهِ الاجتهادِ - مغايرٍ للبراءَةِ الأصليَّةِ، والعموماتِ اللفظيَّةِ، لوجهٍ أقوى منهُ، وهو في حكمِ الطارىءٍ على الأوَّلِ». إذا عرفتَ هذا - فنقولُ: اتَّفْقَ أصحابُنا على إنكارِ الاستحسانِ . وهذا الخلافُ، إِمَّا أن يكونَ في اللفظِ أو في المعنى. لا يجوزُ أن(*) يكونَ (١) هذه الزيادة من ی. (٢) كذا في آ، ى، ص، وفي النسخ الأخرى: ((بالآية)) وهو تصحيف. (٣) زيادة مناسبة انفردت بها ی. (٤) الآية (٢٤) من سورة ص. (٥) هذه الزیادة من س، آ، ی. (*) آخر الورقة (٢١٧) من جـ. (٦) في س، آ، ى: ((بذلك)). (*) آخر الورقة (٢٠١) من ؟ .. - ١٢٦ - -- في اللّفظِ؛ لأنَّه قد وردَ في القرآنِ والسنَّةِ، وألفاظٍ سائر المجتهدين - هذه اللفظةُ .. أُمَّا القرآنُ فقولُهُ تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَتِهَا﴾(١) وقوله: ﴿فَيَتِبَعُونَ أَحْسَنَهُ﴾(٢). وأَمَّا السنَّةُ - فقوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((مَا رَآهُ المسلمونَ حَسَناً فهو عندٌ اللهِ حَسَنٌ(٣)). وأمّا ألفاظُ سائر المجتهدينَ - فلأنّ الشافعيَّ - رضي الله عنهُ -قالَ في بابِ المتعةِ ((أُستحسن أَنْ تكونَ ثلاثين درهماً(٤)). وفي باب الشفعةِ ((أستحسن أُن يثبتَ للشفيع ـ الشفعةُ إِلى ثلاثةِ أيام))(٥) وقال في المكاتب ((استحسن أن يترك عليه شيءٌ)) (٦). فثبت بهذا: أنّ الخلاف ليس في اللفظ. وإنّما الخلاف في المعنى - وهو: أنّ القياس إذا كان قائماً في صورة الاستحسان [في سائرِ الصور، ثمّ ترك العمل به في صورة الاستحسان(٧)]، (١) الآية (١٤٥) من سورة الأعراف. (٢) الآية (١٨) من سورة الزمر. (٣) تقدم تخريجه في: ج٣، ص (٢٣)، وهو موقوف على ابن مسعود، كما تقدم. (٤) راجع ما جاء عن الإِمام الشافعيّ في ((المتعة)) في أحكام القرآن: (١٩٩/١ - ٢٠٣)، والأم: (٦٢/٥، و٢٣٧/٧ و٢٣٨)، والمختصر: (٣٨/٤) ط. بولاق وأكثر ما يستعمل الإمام لفظ: ((استحبُّ))، وراجع السنن الكبرى: (٢٥١/٧)، وما بعدها. (٥) راجع الأم: (٢٣١/٣ - ٢٣٢) وكتابي اختلاف الحديث واختلاف العراقيِّين بحاشيتها وبهامشها مختصر المزني: (٤٧/٣ - ٦٠). (٦) راجع المختصر بهامش الأم: (٢٧٦/٥) وما بعدها والذي فيه: ((إن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» والأم: (٣٦٢/٧) وما بعدها، وقد جاء في (٣٦٤) منه: ((ويجبر سيد المكاتب على أن يضع عنه مّما عقد عليه الكتابة». (٧) ما بين المعقوفتين سقط من غير م، آ، ى. - ١٢٧ - وبقي معمولاً به في [غير (١)] تلك الصورة(*): فهذا هو القولُ بتخصيص العلَّة. وهو - عند الشافعيِّ وجمهورِ المحقّقين - باطلٌ. وقد تقدّمت هذه المسألةُ (٢). فظهرَ: أنّ القول بالاستحسانِ باطلٌ. ٤٠ (١) سقطت الزيادة من ى. (#) آخر الورقة (١٣٠) من ی. (٢) راجع الجزء الخامس، ص (٢٤٦). - ١٢٨ - المسألة الرابعة : الحق: أن قولَ الصحابي - ليسَ بحجّةٍ (١). وقالَ قومٌ : إنَّهُ حجّةٌ مطلقاً. ومنهم من فصَّلَ، وذكروا(٢) فيه وجوهاً. أحدُها: أنَّه حجَّةٌ، إن خالفَ القياسَ. وثانيها: أنَّ قولَ أبي بكر وعمرَ - رضي الله عنهما - حجَّةٌ فقط . وثالثها: أنَّ قولَ الخلفاءِ الأربعةِ - إذا اتَّفقوا -(*) حجّة. لنا: النصُّ والإِجماعُ والقياسُ. أمّا النصُّ - فقوله - تعالى - ﴿فَاعْتِبَرُواْ يَأُوْلِى الْأَبْصَرِ﴾(٣) أمَرَ بالاعتبارِ، وذلك ينافي جوازّ التقليدِ. وأمّا الإِجماع - فهوَ أنَّ الصحابةَ أجمعوا على جوازِ مخالفةٍ كلُّ واحدٍ من (١) أي على المجتهدين من الصحابة ومن بعدهم. (٢) لفظ ى: ((وذكر)). (*) آخر الورقة (٢٦٣) من س. (٣) الآية (٢) من سورة الحشر، ووجه الاحتجاج بها عند الأصوليين: أن ((الاعتبار)) - هو: الاجتهاد، وأولو الأبصار هم المجتهدون، فلهذا فقد أوجب الله تعالى - على كلّ من بلغ درجة الاجتهاد أن يجتهد، ومنعه من تقليد غيره، ولو كان قول الصحابيّ حجّةً على من بعده - من المجتهدين - لما كانوا ممنوعين من تقليده. وانظر تفسير الإمام المصنف (٢٨١/٢٩) والقرطبي: (٥/١٨)، والطبري: (٢١/٢٨)، وابنكثير (٣٣٠/٤)، والنيسابوري: (٣٥/٢٨ - ٣٦). - ١٢٩ - آحاد الصحابةِ، فلم ينكر أبو بكرٍ وعمرُ على من خالفَهَما، ولا كلّ واحدٍ - منهما - على صاحبهِ فيما فيهِ اختلفا. وأمَّا القياسُ - فهو: أنَّهُ متمكُّنُ من إدراكِ الحكمِ بطريقة: فوجبَ أن يحرمَ عليهِ التقليدُ: كما في الأصولِ . واحتجَّ المخالفُ بوجوهِ : أحدها: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم))(١)؛ جعلَ الاهتداءَ - لازماً للاقتداءِ بأيِّ واحدٍ كانَ منهم: وذلكَ يقتضي أن يكونَ قولُهُ حجّةً. وثانيها : إن لم يجزْ اتِّباعُ كلِّ واحدٍ - منهم -: فيجبُ اتِّباعُ أبي بكرٍ وعمرَ - رضي الله عنهما - للخبرِ والإِجماع . أما الخبر - فقولُهُ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((اقتدوا بالَّذين من بعدي - أبي بكر وعمر» (٢). وأمَّ الإِجماعُ [فقدِ (٣)] ولّى عبد الرحمن عثمانَ الخلافةَ، بشرطِ الاقتداءِ: (١) تقدم تخرجه فيج ٤، ص ١٣٩ من هذا الكتاب، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم: (٢ /١٠٤) وقال: ((هذا إسناد لا تقوم به حجة)) وأورده ابن حزم في إبطال القياس. ص (٥٣) وقال: ((مكذوب باطل)) وأخرجه البيهقيّ في المدخل من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس بنحوه من وجه آخر مرسلاً وقال: ((متنه مشهور وأسانيده ضعيفة، ولم يثبت. في إسناد)». وانظر تخريج الحافظ العراقي لأحاديث المنهاج، الحديث رقم (٥٥). ص: (٢٩٩)، وانظر الحديث (٦٣٦٩) في جامع الأصول: (٥٥٦/٨). (٢) تقدم تخريجه في ج ٥، ص ١٨١، وقد أخرجه ابن حبَّان أيضاً في موارد الظمآن الحديث رقم (٢١٣٣) ص (٥٣٨ - ٥٣٩) كما أخرجه ابن الأثير في جامع الأصول الحديث. رقم (٦٣٨٣، ٨٤) (٥٧٢/٨، و ٧٣). (٣) زيادة مناسبة وردت في ص. - ١٣٠ - بسيرة الشيخين(١) [فقبلَ(٢)] ولم ينكرْ ذلكَ على عثمان، وكانَ ذلكَ بمحضرٍ [من (٣)] أكابر الصحابةِ: فكانَ إجماعاً. وثالثها : إن لم يجب [اتّباعُ(٤)] أبي بكرٍ وعمرَ - وحدَهما - وجبَ اتِّباعُ الخلفاءِ الأربعةِ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بسنتي وسنّةِ الخلفاءِ الراشدين من بعدي(*))) وقوله: ((عليكم)) للإِيجاب. وهو عامٌّ. ورابعها : أنَّ الصحابيَّ إذا قالَ ما يخالفُ القياسَ - فلا محملّ له إلّ أنَّه اتَّبع الخبرَ. [و(٦)] الجوابُ عن الأَوَّلِ : أنَّ قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((بأَيُّهم اقتديتُم اهتديتُم)» خطابُ مشافهةٍ، فلعلَّ ذلك كانَ خطاباً للعوامِ . وعن الثاني : أنَّ السنَّةَ - هي الطريقةُ، وهي عبارةٌ: عن الأمرِ الَّذي يواظِبُ(٧) الإِنسانُ عليهِ - فلا تتناولُ ما يقولُهُ الإِنسانُ مرَّةً واحدةً . وعن الثالث: أنا نقولُ بموجبهِ، فيجوزُ الاقتداءُ بهما - في تجويزهما لغيرهما، مخالفتهما بموجب الاجتهادِ . وأيضاً - فلو اختلفا: كما اختلفا في التسويةِ في العطاءِ(٨)، فأيُّهما يتبَّعُ؟ (١) تقدم الكلام فيه في ص (٨٧) من هذا الجزء من المحصول. (٢) سقطت الزيادة من ی. (٣) هذه الزيادة من ا، ى. (٤) سقطت الزيادة من ى. (٥) تقدّم تخريجه في الجزء الرابع، ص ١٧٥ . (٦) هذه الزيادة من جـ، آ، ی. (٧) لفظ ى: ((واظب)). (٨) لفظ ى: ((العطايا))، وانظر الجزء الرابع، ص ١٤٩ من كتابنا هذا. - ١٣١ - وعن الإِجماع : [أنّ(١)] قولَ عثمانَ معارضٌ بقولٍ (٢) عليّ. رضي الله عنهما. وعن الرابع : أنَّ الصحابيَّ لعلَّه قالَ بما يخالفُ القياسَ لنصٍّ، ظَنَّه دليلاً، مع أنَّهُ - في الحقيقةِ - ما كانَ دليلاً (*). نعم: لو تعارضَ قياسانِ، والصحابيُّ معَ أحدِهما: فيجوزُ الترجيحُ بقولٍ الصحابيِّ. فأمَّا جعله حجَّةً: فلا. فرعان : الأوّل: اختلفَ قولُ الشافعيِّ - رضي الله عنه - في تقليدِ الصحابيِّ. فقالَ - في القديمِ -: ((يجوزُ تقليده، إذا قالَ قولاً، وانتشرَ، ولم يخالفْ(٣))). وقالَ - في موضعٍ آخرَ: ((يقلَّدُ وإن لم ينتشِر(٤). وقالَ - في الجديدِ -: ((لا يقلِّدُ العالمُ صحابياً، كما لا يقلِّدُ عالماً آخر)). وهو الحقُّ المختارُ؛ لأنَّ الدلائلَ المذكورةَ - مطرِّدةٌ (*) في الكلِّ. (١) هذه الزيادة من جـ، آ. (٢) لفظ ى: ((بردّ)) .. (*) آخر الورقة (٢١٨) من جـ. (٣) في هذه الحالة يكون من قبيل الإجماع السكوتي وقد تقدم أنّ کثیرین یحتجون به، وإن لم يكن الإِمام الشافعيّ. منهم وانظر: الجزء الرابع، ص ١٥٣ من هذا الكتاب. (٤) ورد معنى هذا في رسالته البغدادية، حيث قال: (( ... وهم (يعني: الصحابة) فوقنا في كلّ علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به عليهم، وآراؤهم لنا أحمدُ وأَوْلَى بنا من رأينا ... (إلى أن قال): فهل يستوي تقليد هؤلاء، وتقليد من بعدهم ممن لا يدانيهم ولا يقاربهم)!؟ على ما في إعلام الموقعين: (٢٦١/٢ -٢٦٢)، وكتابنا في الاجتهاد: (١٢٥) .. (٥) عبارة ی: ((الدليل المذکور مطرد)). - ١٣٢ - فإن قلتَ: كيفَ لا نفرِّقُ بينهمَ، وبين غيرهم - مع ثناءِ اللهِ تعالى، وثناءِ رسوله - صلى الله عليه وسلَّم - عليهم: حيثُ قالَ الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(١). وقال: ﴿السَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ﴾ .... إلى قوله: ﴿رَّضِيَ الله ٥,٥ عَنْهُمْ﴾(٢). وقال عليه الصلاة والسلام: ((خيرُ القرونِ قرني(٣)» .. قلت: هذا كلُّه ثناءٌ يوجبُ حسنَ الاعتقادِ(*) فيهم، ولا يوجبُ تقليدَهُم؛ بدليل أنَّه وردّ أمثالُها - في حقِّ آحادِ (٤) الصحابةِ، مع إجماع الصحابةِ على جوازٍ مخالفتهم. قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((لَوْ وُزِنَ إِيْمَانُ أَبي بكرٍ بإِيمانِ العالَمِينَ - وقالَ: ((إنَّ الله ضربَ بالحقِّ على لسانِ عمرَ (٦)). وقال ((واللهِ ما سلكتَ لرجَحَ(٩)). (١) الآية (١٨) من سورة الفتح . (٢) الآية (١٠٠) من سورة التوبة . (٣) تقدم تخريجه في ج ٥، ص ٣٢٢، وانظر جامع الأصول: (٦٣٥٥ - ٦٣٥٨). (٨/ ٥٤٧ - ٥٥٠). (*) آخر الورقة (٢٠٢) من آ. (٤) لفظ س: ((بعض)). (٥) الحديث صحيح بلفظ: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر)). فانظر المقاصد، الحديث: (٩٠٨) ص (٣٤٩)، وكشف الخفاء، الحديث (٢١٣٠) (٢٣٤/٢)، وراجع مجمع الزوائد: (٥٨/٩ - ٥٩)، وأسنى المطالب (١٨٤)، وقال رواه البيهقي عن عمر من قوله يمدح أبا بكر. (٦) الحديث أخرجه الخطيب بلفظ: ((إنَّ الله جعل الحق على لسان عمر)» فانظر تاريخه: (٤١/١، و١٩١/٥)، ونحوه عند ابن سعد في الطبقات على ما في الفتح الكبير: (٣٢٩/١) وأخرجه ابن حبَّان في الموارد من حديث أبي هريرة رقم (٢١٨٤) ص (٥٣٦)، وابن الأثير في جامع الأصول الحديث (٦٤٣١، و ٦٤٣٢). - ١٣٣ - فجّأَ، إِلّ سلكَ الشيطانُ فجّأَ غيرَ فَجِّكَ (١)). (٥). وقال - في حق عليّ: ((اللّهم أَدِر الحقَّ معَ عليّ حيثُ دارَ(٢). وقال: ((رضيتُ لُأُمَّتي ما رضيَ لها ابنُ أَمِّ عبدٍ(٣)). وقال لأبي بكر وعمر: ((لو اجتمعتُما على شيءٍ ما خالفتكما(4)). وكل ذلك ثناء - لا يوجب الاقتداء. الثاني: في تفاريع [القول(*)] القديم للشافعيِّ - رضي الله عنه. وهي (٦) سبعة (١): (١) الحديث متفق عليه من حديث سعد بلفظ: ((والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجّاً إلّ سلك فجا غیر فجّك)) فانظر اللؤلؤ والمرجان، الحديث (١٥٥٢) ص (٦٣٧)، وهو في كشف الخفا الحديث (٢٩٥٩)، وفي جامع الأصول الحديث (٦٤٤٧). (*) آخر الورقة (٢٦٤) من س. (٢) جزء من حديث طويل ورد فيه ذكر الخلفاء الراشدين الأربعة ومنهم عليّ - رضي الله عنهم أجمعين - وفي آخره: (( .. رحم الله علیاً اللهم أدر الحق معه حيث دار)) وقد تفرد به الترمذي، وقال: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)) الحديث (٣٧١٥)، (٣٠١/٩). (٣) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك: (٣١٧/٣ - ٣١٨)، وقال: ((هذا إسناد : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)»، وراجع الفتح الكبير: (١٣٥/٢). (٤) جزء من حدیث ورد في بعض روايات أحاديث فداء أسرى بدر وقد تقدم تخريجه في مباحث الاجتهاد ص (١١) من هذا الجزء. وانظر كنز العمّال، الحديث: (٢٦١٣٧). (٥) لم ترد الزيارة في آ. (٦) هذه النصوص قد نقلها الإمام المصنف عن الإمام الغزاليّ، حيث وردت في المستصفى: (٢٧١/١ - ٢٧٤) وقد راجعت ((اختلاف الحديث)) للإمام الشافعيّ فلم أعثر على شيء مما ورد فيبدو أن الكتاب ناقص، أو أن الإمام الشافعيّ قد أورد هذه التفاريع في رسالته البغدادية القديمة، فقد نقل ابن القيّم نصوصاً منها في مسألة ((تقليد الصحابة)» تثير هذا الظنّ وتقويه فانظر إعلام الموقعين: (٢٤٨/٢، و٢٥٨، و٢٦١، و٢٦٢) وانظر ما قاله الإمام الشافعيّ في رسالته الجديدة في أقاويل الصحابة فق (١٨٠٥ - ١٨١١). - ١٣٤ - أحدها: قال الشافعيّ - رضي الله عنه - في كتاب ((اختلاف الحديث)): ((روي عن عليّ - أنّه صلّى في ليلة ست ركعات، في كل ركعة ست سجدات))(*) قال: (لو ثبت ذلك عن عليٍّ - لقلت به؛ فإنَّهُ لا مجالَ للقياسِ فيه: فالظاهرُ أَنَّه فعلَه توقیفاً)). وثانيها : قال في موضعٍ : ((قولُ الصحابيِّ إذا انتشرَ، ولم يخالف: فهو حجَّةٌ)). قال الغزاليُّ - رحمه الله -: وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ السكوتَ ليسَ بقولٍ، فأي فرقٍ بين أن ينتشرَ، أو لا ينتشرَ»؟ والعجبُ من الغزاليُّ: أنَّهُ تمسَّكَ بمثلِ [هذا(١)] الإِجماع - على أنَّ خبرً الواحدِ حجَّةٌ، والقياسَ حجَّةٌ(٢). وثالثها : نصَّ الشافعيّ - رضي الله عنه - على أنَّه: ((إذا اختلفت الصحابةُ: فالأئمَّةُ الأربعةُ - أولى. فإن اختلفَ الأئمّةُ(٣): فقولُ أبي بكر وعمرَ أولى)). وكل ذلك، للأحاديثِ المذكورةِ. ورابعُها: نصَّ في موضعٍ آخرَ: ((أنَّه يجبُ الترجيحُ بقولِ الأعلمِ ، والأكثر قياساً))، لأنَّ زيادةَ علمِهِ - تقوي اجتهادَهُ، وتبعدُهُ عن التقصير)). وخامسها : إن اختلف الحكمُ والفتوى عن الصحابةِ - فقد اختلفَ قولُ الشافعيِّ - رضي (*) آخر الورقة (٧٤) من ص. (١) لم ترد الزيادة في س، آ، ى. (٢) وذلك في المستصفى: (١٤٨/١)، و (٢٤١/٢ - ٤٢). (٣) لفظ ى: ((الأربعة)). - ١٣٥ - الله عنه - فقالَ مرَّةً: ((الحكمُ أولى؛ لأنَّ العنايةَ بهِ أشدُّ)) .. وقال مرَّةً: ((الفتوى أولى؛ لأنّ سكوتَهم عن الحكمِ محمولٌ على الطاعةِ(١). وسادسها : هل يجوزُ ترجيحُ أحدٍ القياسين بقولِ الصحابيِّ؟ والحقُّ: أنَّه في مخلِّ الاجتهادِ، فربمًّا بتعارضُ ظنَّانِ، والصحابيُّ في أحدٍ الجانبين: فتميلُ نفسُ المجتهدِ إلى موافقةِ الصحابيِّ، ويكونُ ذلك أغلبَ على: ظنّه .. وسابعها : إذا حملَ الصحابيُّ لفظً الخبرِ على أحدٍ معنییه . منهم من جعلَه ترجيحاً. وقال القاضي أبو بكر: ((إذا لم يقل: علمتُ ذلك من قصد رسولِ اللهِ .. صلى الله عليه وسلم - بقرينةٍ شاهدتها: لم يكن ذلكَ ترجيحاً). (١) وقد عقّب الإمام الغزالي على هذا بقوله: ((وكلّ هذا مرجوع عنه أي: من قبل الشافعيّ - رضي الله عنه. - ١٣٦ - المسألة الخامسة : اختلفوا - في أنَّه هل يجوزُ أن يقولَ الله - تعالى - للنبيّ (١) - صلى الله عليه وسلم - أو للعالمِ : ((احكمْ فإنّك لا تحكمُ إلّ بالصوابِ)»؟ فقطعَ بوقوعِهِ مویس بن عمران(٢). وقطعَ جمهورُ المعتزلة بامتناعِهِ . وتوقَّفَ (٣) الشافعيّ - رضي الله عنه - في امتناعِهِ وجوازِهِ. وهو المختارُ. وصحَّةُ هذا التوقُّفِ - لا تظهرُ إلّا بالاعتراضِ على أدلّةِ القاطعين. أمَّا المانعون (٤) - فقد تعلَّقوا تارةً بما يدلُّ على امتناع وقوعِهِ. وأخرى بما يدلُّ على عدم وقوعِهِ. أمَّا الوجهُ الأوَّلُ - فتقريرهُ: أنَّ من أجاز هذا التكليفِ، إمّا أن يجعلَ الاختيارَ . (١) وانظر إرشاد الفحول (٢٦٤) وتأمل ما ذكره، وراجع المسألة في المعتمد: (٨٨٩/٢ - ٨٩٩)، وتأمل نقله للمذاهب فيها. (٢) في جميع الأصول: ((موسى)) كما في إرشاد الفحول، ونهاية السول، والإِبهاج وكثير من الكتب الأصولية، وما أثبتناه تبعاً للمعتمد: (٢/ ٨٩٠) وطبقات المعتزلة (٧٦) ولم يذكر سنة وفاته، لكنه ذكره في الطبقة السابعة ووفيات معظمها في الربع الأول من القرن الثالث ومن النقلة عنه الجاحظ، وقد ذكره الزبيدي في التاج فقال: ((ومويس كأويس، كأنه تصغير موسى هو ابن عمران متكلّم)) وهذا هو الصواب: (٢٥٢/٥) مادة ((مَوْسَ)). (٣) يعني من حيث القطع، أمّا من حيث الظنّ فقد جوز ذلك كما يدل عليه كلامه في الرسالة الذي نقله أبو الحسين ويشير إليه قول الإمام المصنف. (٤) لفظ آ: «القاطعون)). - ١٣٧ - مِمَّا تتمُّ بهِ المصلحةُ، أو يجعلَ الفعلَ مصلحةٌ - في نفسِهِ - ثمّ يختارُهُ المكلّفُ .۔ والأوّلُ باطلٌ لوجهين(*): أحدهما: أنَّ على هذا التقدير - يسقطُ التكليفُ؛ لأنَّ المكلَّف، متى قالَ : إن اخترتَهُ فافعلُهُ. وإن لم تخترهُ فَلا تفعلْهُ: فهذا محضُ إباحَةٍ(١). وثانيهما : أنَّ المكلَّفِ لا ينفكُ عن الفعل والتركِ، ولا يجوزُ تكليفُ المرء بما(٢) لا يمكنه الانفكاكُ عنه؛ بخلافِ التخييرِ في الكفّاراتِ الثلاثِ، فإنّهُ يمكنُهُ الانفكاك عنها(٢) أجمع. وأمَّا الثاني - فهو باطلٌ من وجوهٍ أربعةٍ : أولها(٤). [أنّه] إمَّا أن يجوزَ له الحكمُ على هذا الوجهِ(*) - في الحوادثِ الكثيرةِ، أو في الحادثة والحادثتين؟! والأوّلُ محالٌ؛ لأنّه يمتنعُ حصولُ الإِصابةِ بالاتِّفَاقِ - في الأشياء الكثيرة؛ ولهذا لا يجوزُ أن يقالَ للأميِّ: ((اكتبْ مصحفاً، فإنَّك لا تخطُّ بيمينكَ إلاّ ما يطابقُ ترتيَبَ القرآنِ)). وللجاهل(*): ((أخبرْ، فإنَّك لا تخبرُ إلّ بالصدق)». ولولا ما ذكرناه: لبطلت دلالةُ الفعلِ المحكمِ على [علم(٥)] فاعله. وبطلت دلالةٌ أخبارِ الغيبِ على النبوّةِ. وأمَّا الوجهُ الثاني - وهو: أن يجوزَ ذلكَ في القليلِ ، دون الكثيرِ - فهو (*) آخر الورقة (١٩٨) من جـ. (١) زاد في آ، ى: ((الفعل)). (٢) عبارة آ: ((إلا بمالا)) وهو وهم. (٣) في س، أ: ((منها)). (٤) لفظ س: ((أحدها إِمَّا)). (#) آخر الورقة (٢٦٥) من س. (*) آخر الورقة (١٣١) من ی. (٥) سقطت الزيادة من آ. - ١٣٨ - باطلٌ؛ لأنَّ كلَّ من جوَّزَهُ في القليلِ: جَوَّزَهُ في الكثيرِ، ومن منعَ منْهُ في الكثيرِ: منعَ منهُ في القليلِ : فالقولُ بالفرقِ خرقٌ للإِجماعِ . وثانيها : وهو أنّه إنما يحسنُ القصدُ إلى الفعلِ - إذا عُلِمَ، أو ظُنَّ كونُهُ حسناً، فلا بدّ، وأن يتميزّ له الحسنُ من القبحِ - قبلَ الإِقدام (*) على الفعلِ. فإذا لم تتقدم هذه الأمارةُ المميِّزَةُ: كانَ التكليفُ باختيارِ الحسنِ دون القبيحِ تكليفاً بما لا يطاق(١). فإن قلتَ: إنَّما يميَّزُ بينَ الحسنِ والقبيح - بأن يقال له: ((قد علمنا بأنَّكَ لا تختارُ شيئاً إلّ وهو حسَنٌ)) . قلتُ: فهذا يقتضي أنَّه إنَّما يعلمُ حسنه - بعد فعله [له(٢)]، وهو إذا فعلَهُ: زالَ التكليفُ عنه . فالحاصلُ: أن التمييزَ بينَ الحسن والقبيح (٣) - لا بدَّ وأن يكونَ متقدُّماً على الاختيارِ، وإلّ وقعَ التكليفُ بما لا يطاقُ. وإذا قالَ الله - تعالى: ((إنَّكَ لا تحكمُ إلّ بالصواب)) - فها هنا: التمييزُ بينَ الحسن والقبيح - لا يحصلُ إلا بعدَ الفعلِ، والشيءُ الَّذي يجبُ أن يكونَ متقدّماً(٤) ليس هو الَّذي يجبُ أن يكونَ متأخِّراً. لو جازَ أن يقولَ له: ((احكم فإنَّك لا تحكمُ إلّا بالصواب(٥)). لجازَ أن يكلِّفَهُ وثالثها : (*) آخر الورقة (٢٠٣) من آ. (١) كذا في ى، آ، وعبارة غيرهما: ((تكليف مالا يطاق)). (٢) هذه الزيادة من آ. (٣) زاد في ى: ((إلّ بعد الفعل))، ولفظ ((لا)) فيها: ((فلا)). (٤) لفظ ى: ((مثبتا))، وهو تصحيف. (٥) كذا في آ، وهو المناسب؛ ولفظ غيرها: ((بالحقّ)). - ١٣٩ - -- تصديقَ النبيِّ، وتكذيبَ المتَنِّي من غير دليلٍ - ألْبَتَّةَ بل يكلُه فيه إلى رأيِهِ . ولجازَ ذلك في الإِخبارِ - فيقولُ: ((أخبرْ فإنَّكَ لا تخبرُ إلّ عن حقٍّ)). ولجازَ أن يصيبَ في مسائلِ الأصولِ - من غيرِ تعلُّمٍ الْبِئَّةَ. ولجازَ أن يفوّضَ إليهِ تبليغُ أحكامِ اللهِ - تعالى - من غيرِ وحيٍ نَزلَ عليهِ؛ وكلُّ ذلك باطلٌ بالإِجماعِ . ورابعُها: لو جازَ ذَلَكِ - في حقِّ العالم - لجازَ في حقِّ العامِّيِّ؛ وبالاجماع لا يجوزُ. أمّا الّذي يدلُّ على عدمِ الوقوع - فأمرانِ : الأوَّلُ(١): لو كانَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلَّم - مأموراً بأن يحكمَ على وفقِ إرادتِهِ من غيرِ دليلٍ - لما كانَ منهيّاً عن اتِّباع هواه؛ لأنَّهُ لا معنى لاتِباع الهوى إلّ الحكمُ بكلِّ مَا يميلُ قلبُهُ إليهِ، لكنَّهُ كانَ منهياً عن اتباع الهوى(٢)؛ لقوله - تعالى - ﴿وَلاَ تَتَّعِ الْهَوَى﴾(٢)، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾(٤). فإن قلتَ: لمَّا قِيلَ له: ((احكمْ فإِنَّكَ لا تحكمُ إلّ بالصواب)): كَانَ ذَلِك نصّاً من اللهِ - تعالى - على حقيَّةٍ كلَّ ما يميلُ قلبُه إليهِ: فلا يكونُ ذلك اتَّباعاً للهوى. قلتُ: فعلى هذا التقدير - صارَ اتِّباعُ الهوى في حقِّهِ غيرَ ممكنٍ. ولو كانَ كذلك: فِلِمَ نهيَ عنهُ؟ الثانى : لو قيلَ له: ((احكمْ فإنَّكَ لا تحكمُ إلّ بالصواب)) - لما قيلَ له: لِمَ فعلتَ (١) كذا في آ، وهو المناسب لما بعده وفي غيرها: ((أحدهما)). (٢) في آ، ى: ((بقوله)). (٣) الآية (٢٦) من سورة ص. (٤) الآية (٣) من سورة النجم. - ١٤٠ -