النص المفهرس

صفحات 81-100

اتَّفقوا: على أنَّهُ لا يجوزُ [له (١)] الاستفتاءُ إلّا إذا غلب على ظنِّهِ أنَّ من يفتيه
من أهلِ الاجتهادِ ومن أهل الورع ؛ وذلك إنَّما يكونُ إذا رآه منتصباً للفتوى -
بمشهدِ الخلقِ، ويرى اجتماعَ المسلمين على سؤالِهِ.
واتَّفقوا: على أنَّهُ لا يجوزُ للعامِّيِّ أن يسألَ من يظنُّه غيرَ عالمٍ ، ولا متديِّن.
وإنّما وجبَ عليهِ ذلك - لأنَّهُ بمنزلةِ نظرِ المجتهدِ في الأماراتِ .
ثمّ ها هنا بحثٌ - وهو: أنَّ أهلَ الاجتهادِ إذا أفتوهُ، فإن اتَّفقوا على فتوى:
لزم المصيرُ إليها.
وإن اختلفوا، فقالَ قومٌ: وجبَ عليهِ الاجتهادُ في أعلمهم وأورَعِهم؛ لأنَّ
ذلك طريقُ قوّةٍ ظنِّه يجري مجرى قوَّة ظنّ المجتهدِ.
وقالَ آخرونَ: لا يجبُ عليهِ هذا الاجتهادُ؛ لأنَّ العلماءَ في كلّ عصرٍ لا
ينكرونَ على العوامِ تركَ النظرِ - في أحوالِ العلماءِ.
ثمّ - بعدَ الاجتهادِ - إمَّا أن يحصلَ ظنُّ الاستواءِ مطلقاً، أو ظِنُّ الرجحانِ
مطلقاً، أو ظُّ رجحانِ كلِّ واحدٍ - منهما ۔ علی صاحبهِ - من وجهٍ، دون وجهٍ .
فإن حصلَ ظنُّ الاستواءِ - مطلقاً - فها هنا طريقان:
أحدُهما - أن يقالَ:
هذا لا يجوزُ وقوعهُ: كما لا يجوزُ استواءُ أمارتي الحلِّ والحرمةِ .
--
والآخر - أن يقالَ:
يسقطُ عنهُ التكليفُ؛ لأنَّا جعلنا له أن يفعلَ ما يشاءُ.
= لذلك ... وإن لم يجد في بلده من يصلح لأن يستفتيه - وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن
بعدت داره)». انظر المجموع: (٥٤/١) قلت: ومن هنا يتضح أنه لا يجوز لأحد قبول فتاوي
أولئك الضالين من علماء السوء - الذين يضعون أنفسهم في خدمة الحكام الكافرين
والمنحرفين والملحدين، ويصدرون الفتاوى في دعوة الناس لطاعتهم في معصية الله،
ومجاراتهم في انحرافاتهم عن سبيل الله، ودعم أنظمتهم الكافرة أو الفاسقة أو الظالمة .
(١) لم ترد الزيادة في ی.
- ٨١ -

وأمَّا إذا حصلَ ظُّ الرجحانِ - مطلقاً: تعيِّنَ العملُ بهِ .
أمّا إذا حصلَ ظُّ رجحانِ كلِّ واحدٍ منهما علی صاحبه من وجهٍ دون وجهٍ،
فها هنا صورٌ:
إحداها :
أن يستويا في (*) الدين، ويتفاضلا في العلم : فمنهم من خيرَهُ.
ومنهم من أوجبَ الأخذَ بقولِ الأعلمِ. وهو الأقربُ؛ لمزيَّتِهِ، ولهذا يقدّم
في [إمامة (١)] الصلاة .
وثانيتُها:
أن يتساويا في العلم ، ويتفاضلا في الدِّين؛ فها هنا: وجبَ الأخذُ بقولٍ
الأدین .
وثالثُها:
أن يكونَ أحدُهما أرجحَ في علمهِ، فقيل: يؤخذُ بقولِ الأدينِ.
والأقربُ: [ترجيحُ(٢)] قولِالأعلمِ ؛ لأنَّ الحكمَ مستفادٌ من علمِهِ، لا من(*)
ديانته .
فإن قلت: [العاميّ(٣)] ربَّما اغترٌ بالظواهرِ، وقدَّمَ المفضولَ على الفاضلِ ؛
فإن جازَ له أن يحكمَ بغير بصيرةٍ - في ترجيحِ بعضِ العلماءِ على بعضٍ (*) -
فليجز له أن يحكمَ في نفسِ المسألةِ بما يقعُ له: ابتداءً، وإلا فأيُّ فرقٍ بینَ
الأمرین؟
قلتُ: من مرضَ له طفلٌ - وليسَ له طبيبٌ، فإن سقاه دواءاً برأيه: كانَ
[متعدِّياً(٤)] مقصّراً ولو راجع طبيباً: لم يكن مقصّراً.
(*) آخر الورقة (٢٥٠) من س.
(٢) سقطت الزيادة من أ، ى.
(٣) انفردت بهذه الزيادة جـ.
(*) آخر الورقة (٢٠٧) من جـ.
(١) هذه الزيادة من س، آ، ی.
(*) آخر الورقة (١٢٤) من ی.
(٤) انفردت بهذه الزيادة ى، آ.
- ٨٢ -

فإن كانَ في البلدٍ طبيبان - وقد اختلفا في الدواءِ، فخالفَ الأفضلَ. عدَّ
مقصِّراً.
ثُمَّ إِنَّه يعلمُ كونُ أحدِهما - أعلم من [الآخر بـ(١)] الإخبارِ، وبإذعانِ
المفضولِ له، وبأمارات تفيدُ غلبة الظنِّ: فكذلك في حقِّ العلماءِ - يعلمُ
الأفضلُ بالتسامعِ والقرائن، دون البحثِ عن نفسِ العلمِ. والعاميُّ أهلٌ له -
فلا ينبغي أن يخالفَ الظنّ بالتشهيّ .
مسألةٌ :
الرجلُ الَّذِي تنزل به الواقعةُ - فإِمّا أن يكونَ عامِّيّاً صِرفاً، أو عالماً لم يبلغْ
درجةً الاجتهادِ، أو عالماً بلغَ درجةَ الاجتهادِ .
فإن كان عامِّيّاً صرفاً: حلَّ له الاستفتاءُ.
وإن كان عالماً - بلغَ درجةَ الاجتهادِ، فإن كانَ قد اجتهدَ وغلبَ على ظنِّهِ
حكمُ - فها هنا: أجمعوا على أنَّهُ لا يجوزُ له أن يقلِّدَ مخالفهُ، ويعملَ بظنٌّ غيرِهِ.
أمَّا إذا لم يجتهدْ ـ فها هنا - قد اختلفوا:
فذهبَ أكثرُ أصحابِنًا - إلى أنَّهُ لا يجوزُ [للعالم(٢)] تقليدُ العالمِ الْبَتَّةَ.
وقال أحمد بن حنبلَ وإسحاقُ بن راهويه وسفيانُ الثوريّ - رحمهم الله -
بجوازِهِ مطلقاً .
ومن الناس من فضَّلَ، وذكرَ فيه وجوهاً:
أحدها:
أنّه يجوزُ لمن بعدَ الصحابةِ - تقليدُ الصحابةِ. ولا يجوزُ تقلیدُ غیرِهم.
وهو القول [القديم(٣)] للشافعيّ رضي(*) الله عنه (٤).
(١) هذه الزيادة من ی.
(٢) لم ترد هذه الزيادة في آ.
(٣) لم ترد في ى.
(*) آخر الورقة (١٩٢) من آ.
(٤) قال الإمام الشافعيّ في رسالته البغداديّة القديمة: (( ... وهم (يعني: الصحابة) =
- ٨٣ -

وثانيها :
أنَّهُ يجوزُ تقليدُ العالم للأعلمِ . وهو قولُ محمَّدٍ بن الحسن. رحمه الله .
وثالثُها:
أُنَّهُ لهُ التقلیدُ فیما یخصُّه، دون ما يفتي به .
ورابعها :
أنَّه يجوزُ [له التقليد(١)] فیما یخصُّهُ، إذا كان بحیثُ لو اشتغلَ بالاجتهادِ ۔
لفاتَهُ الوقتُ. وهو قولُ ابن سريجٍ (٢).
لنا وجهان :
الأوّلُ:
أنَّ هذا المجتهدَ أُمرَ بالاعتبار - في قوله تعالى: ﴿فَاعْتِبَرُوْا يَأُوْلِي
الْأَبْصَرِ﴾(٣)؛ ولم يأتِ بهِ، فيكونُ تاركاً للمأمورِ بهِ، فيكونُ عاصياً: فيستحقُّ
النار.
(٤) تُركَ العملُ بهِ - في حقِّ العاميِّ، لعجزِهِ عن الاجتهادِ: فيبقىّ معمولاً
بهِ في حقِّ المجتهدِ.
= فوقنا في كلّ علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدراك به عليهم وآراؤهم لنا أحمدُ وأَوْلَى بنا من
رأينا ... وبعد أن ذكر - رحمه الله - من فضائلهم الكثير قال: فهل يستوي تقليدُ الكثير هؤلاء
وتقليد من بعدهم ممن لا يدانيهم ولا يقاربهم))؟ !! انظر إعلام الموقعين: (٢٦١/٢ -
٢٦٢)، وأدب القاضي: (٢٧٠/١)، وراجع مجموع الفتاوى: (٢٠ / ٢٠٣ - ٢٠٤)،
ولمعرفة مذهب الإِمام أحمد ۔ بخصوصه - انظر مسائل الإِمام أحمد (٢٧٦) حيث روى أبو
داود عنه أنّه يقول: (( ... الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبيّ - بَل ـ وعن أصحابه، ثم
هو من بعد في التابعين مخيَّ)). انظر كتابنا في الاجتهاد: (١٢٦).
(١) ساقط من ى، آ.
(٢) انظر مجموع الفتاوى: (٢٠٤/٢٠).
(٣) الآية (٢) من سورة الحشر.
(٤) في غيرآ: ((يترك)).
- ٨٤ -

۔۔
الثاني :
أنَّهُ متمكِّنٌ من الوصولِ إلى حكمِ المسألةِ - بفكرتِهِ : فوجبَ أن يحرمَ عليه
التقليدُ - كما في الأصولِ ؛ والجامعُ: وجوبُ الاحترازِ عن الضررِ المحتملِ -
عند القدرة على الاحتراز عنه.
فإن قلتَ: المعتبرُ - في الأصولِ . (١) اليقينُ، وأَنَّهُ لا يحصلُ بالتقليدِ :
بخلافِ الفروع فإنَّ البغيةَ فيها - الظنُّ، ويمكن حصولُهُ بالتقليدِ؛ ولذلكَ جازّ
للعاميِّ ن يقلِّد في الفروعِ ، دونَ الأصولِ .
وأيضاً: فما ذكرتموه - ينتقضُ بقضاءِ القاضي، فإنَّهُ لا يجوزُ خلافُهُ - وإن
كانَ متمكَّناً من معرفةِ الحكمِ ، فإنّه(٢) لا معنى للتقليدِ إلا وجوبُ العملِ عليهِ
من غيرِ حجَّةٍ .
وينتقضُ - أيضاً - بمن دنا من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلَّم(*) - فإنّه
متمكِّنٌ من الوصولِ إلى حكم المسألةِ، معَ أَنَّهُ يجوزُ أن يسألَ من أخبرَ عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلّم.
قلتُ: أمَّا الجوابُ عن الأُولِ - فهوَ:
أنَّا إِنَّما أوجْبَنَا على المكلَّفِ - تحصيلَ اليقين؛ لأنَّهُ قادرٌ، والدليلُ حاضرٌ:
فوجبَ عليهِ تحصيلُهُ - اخترازاً عن الخطأِ المحتملِ .
وهذا المعنى حاصلٌ - في مسألتنا - لأنَّ المكلَّفَ [قادرٌ و(٣)] الدليلُ المعَيِّن
للظنِّ الأقوى حاصلٌ: فوجبَ عليهِ تحصيلُهُ - احترازاً عن الخطأِ المحتملِ في
الظنِّ الضعيفِ .
وعن الثاني:
أَنَّهُ لمَّا دلَّتْ الدلالةُ على أنَّ الحكمَ - الَّذي قضىَ بِهِ القاضي - لا يمكنُه
(١) زاد أ: ((وهو)).
(٢) في ى: ((لأنه)).
(*) آخر الورقة (٢٥٠) من س.
(٣) أبدلت في آ بـ ((ب)).
- ٨٥ -

نسخُهُ بالاجتهادِ: فلم يكن العملُ بهِ تقليداً [بل(١)] عملاً بذلك الدليل.
وعن الثالث :
أنّهِ (٢) لا نسلّمُ جوازَ الاكتفاءِ بالسؤالِ من غيرِ الرسول - صلى الله عليه
وسلَّم - عندَ القدرةِ.
واحتجَ المخالفُ - بأمورٍ:
أحدها :
قولُهُ تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(٣) والعالمُ قبلَ أن
يجتهدَ لا يعلمُ: فوجبَ أن يجوزَ لهُ السؤالُ.
وثانيها :
قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوْا اللّه وَأَطْيُعُوْا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ(٤) مِنكُمْ﴾
والعلماءُ من أولي الأمرِ، لأنَّ أمرَهم ينفذُ على الأمراءِ والولاةِ.
وثالثُها:
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ﴾(*)؛
أوجبَ الحذرَ بإنذارِ مِنْ تفقُّهَ في الدين - مطلقاً: فوجبَ على العالمِ قبولُهُ كما
وَجَبَ على العاميِّ ذلك.
ورابعُها:
إجماعُ الصحابة(*)، روي أنَّ عبد الرحمن بن عوفٍ قال لعثمانَ: ((أبايعكَ
(١) سقطت من ی.
(٢) لفظ آ: ((أنا)).
(٣) الآية (٤٣) من سورة النحل، والأنبياء (٧).
(٤) الآية (٥٩) من سورة النساء.
(٥) الآية (١٢٢) من سورة التوبة.
(*) آخر الورقة (٢٠٨) من جـ.
- ٨٦ -

على كتاب الله وسَنَّةِ رسولِهِ، وسيرةِ الشَيْخَين(١)) فقالَ: ((نعم))؛ وكان ذلك
بمشهد من عظماءِ الصحابة، ولم ينكر(*) عليهِ أحدٌ: فكانَ ذلك إجماعاً.
فإن قلتَ: إِنَّ عليّاً خالفَ فيهِ.
قلت: إِنَّهُ لم ينكِرْ جوازَهُ، لكنَّه لم يقبَلْهُ، ونحنُ لا نقولُ بوجوبِه - حتى
يضرَّنا ذلك .
وخامسها :
أَنَّهُ حكمٌ يسوغُ فيهِ الاجتهادُ: فجازَ لمن لم يكنْ عالماً به - تقليدُ مِن عِلِمَهُ:
كالعامِّيِّ ؛ والجامعُ: وجوبُ العملِ بالظنَّ، الحاصلِ بقولِ المفتي ..
وسادسها :
أجمعْنا على أنَّهُ يجوزُ للمجتهدِ أن يقبلَ خبرَ الواحدِ عن مجتهدٍ آخرَ، بل
عن عامّيٍّ. وإنَّما جازَ ذلك: اعتماداً على عقلِهِ ودينِهِ، فها هنا - إذا أخبر
المجتهدُ عن منتهى اجتهادِهِ - بعد استفراغِ الوسع والطاقةِ: فلأنْ يجوز العملُ
به۔ کانَ أُولی .
وسابعُها:
أنَّ المجتهدّ إذا أدَّى [اجتهادُه(٢)] إلى العملِ - بفتوى مجتهدٍ آخرَ: فقد
حصلَ ظُنُّ أنَّ حكمَ اللهِ - تعالى - ذلك. وذلك يقتضي أن يحصلَ له ظُّ أَنَّهُ لو
لم يعملْ به - لاستحقَّ العقابَ: فوجبَ أن يجبَ العملُ بهِ، دفعاً للضررِ
المظنونِ .
(١) بهذا اللفظ أورده الطبري في تاريخه: (٣٤/٥، و٣٥ و٣٦)، وابن الأثير في
الكامل: (٣٦/٣) كما أورده الماوردي في أدب القاضي (٦٤٦/١)، ومعظم الأصوليين
درجوا على إيراده به، وحديث عبد الرحمن، ومبايعته لعثمان بدون موضع الشاهد منه أخرجه
ابن سعد في الطبقات: (٦١/٣)، وأبوعبيد في الأموال، وابن أبي شيبة والبخاري والنسائي
وابن حبان والطبراني وغيرهم من حديث عمرو بن ميمون وغيره، فانظر كنز العمال (٧٢٧/٥)
الحديث رقم (١٤٢٤٥)، وانظر تاريخ الإِسلام السياسي: (٢٥٦/١).
(#) آخر الورقة (٧٠) من ص.
(٢) لم ترد الزيادة في ى.
- ٨٧ -

[و(١)] الجوابُ عنِ الأَوَّلِ :
أنَّ ظاهرَ الآيَةَ - يقتضي وجوبَ السؤالِ ؛ وإِنَّهُ غيرُ واجبٍ بالاتّفاقِ.
وأيضاً - فقولُهُ: ﴿إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(٢) - يقتضي أن يجبَ على المجتهدِ
- بعدَ اجتهادِهِ - استفتاءُ غيرِهِ؛ لأنّهُ - بعد اجتهاده - ليسَ بعالمٍ ؛ بل هو ظانٌّ:
وبالإِجماع لا يجوزُ ذلكَ.
وأيضاً - فإنَّهُ أُمِرَ بالسؤالِ ، وليسَ فيهِ تعيينُ ما عنهُ السؤالُ: فنحنُ نحملُهُ
علی السؤال عن وجه الدلیلِ .
وعن الثاني: أنّ الأصولَ(٤) دلَّت على وجوب الطاعةِ (*)، لكنَّها لا تدلُّ على
وجوب الطاعةِ في كلِّ شيءٍ: فنحنُ نحملُها على وجوبِ الطاعةِ في الأقضيةِ.
والأحكام .
والدليلُ على أنَّ الآيةَ لا تتناولُ مِحلَّ النزاعِ: أنَّها لو تناولتْهُ - لوجبَ ذلك
التقليدُ، وبالإِجماعِ التقليدُ غيرُ واجبٍ.
وعن الثالثِ :
أنَّ الآية (٤) تدلُّ على وجوب الحذرِ - عندَ إنذارٍ، لا عندَ كلّ إنذارٍ، ونحنُ
نقولُ بالأوَّلِ - فإِنَّا نوجبُ العملَ بروايتِهِ.
وعن الرابع :
أَنَّهُ يحتملُ أن يكونَ المرادُ من سيرةِ الشيخين - طريقتَهَما في(*) العدلِ
والإنصافِ، والانقيادِ للحقِّ، والبعد عن الدنيا.
وعن الخامس :
أنَّ الفرقَ - هو أنَّ العامِّيَّ قاصرٌ: فجازَ له العملُ بالتقليدِ، والعالمُ ليسَ
بقاصر.
(١) هذه الزيادة من آ، ى.
(٢) الآية (٧) من سورة الأنبياء.
(٣) لفظ آ: ((النصوص)) ..
(*) آخر الورقة (١٩٣) من آ.
(٤) زاد في آ: ((لا))، وهو سهو.
(*) آخر الورقة (٢٥٢) من س.
- ٨٨ -

وعن السادس:
أنَّ المفتىَ ربَّما بنى اجتهادَهُ على خبرٍ واحدٍ، فإذا تمسِّكَ به المجتهدُ ۔
ابتداءاً: كانَ الاحتمالُ فيهِ أقلَّ ممَّا إذا قلَّدَ فيهِ غيرَهُ.
وعن السابع :
أنّ مجرَّدَ الظنِّ - واجبٌ العملُ بهِ، لكن إذا لم يقمْ دليلٌ سمعيٍّ - يصرِفُنا
عنهُ، وما ذكرناهُ: من الدلائلِ السمعيَّةِ - يوجبُ العدولَ عن هذا الظنِّ.
- ٨٩ -

[القسم الثالث
فيما فيه الاستفتاء(١)]
مسألةٌ:
لا يجوزُ التقليدُ في أصولِ الدينِ، [لا(٢)] للمجتهدِ، ولا للعوامٌّ .
وقال كثير من الفقهاءِ بجوازه.
لنا :
أنَّ تحصيلَ العلمِ - في أصولِ الدينِ - واجبٌ على الرسول - صلى الله
علیہ وسلّم -: فوجب أن يجب علينا.
[و(٣)] إِنَّما قلنا: أنه كانَ واجباً على الرسول - صلى الله عليهِ وسلَّم - لقولِهِ
تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَ إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ﴾(٤).
وإنَّما قلنا(*): إنَّهُ لَمَّا كانَ(٥) واجباً على الرسول - صلى الله عليه وسلّم -
وجبَ أيضاً - على أمَّتِهِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ﴾ (٦).
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من جـ، آ، ى، س.
(٢) لم ترد الزيادة في جـ.
(٣) لم ترد الواو في آ.
(٤) الآية (١٩) من سورة محمد.
(*) آخر الورقة (١٢٥) من ی.
(٥) عبارة آ، ص: ((إنّه اذا وجب)).
(٦) الآية (١٥٨) من سورة الاعراف.
- ٩١ -

فإن قيلَ: لا نسلِّمُ أنَّهُ يمكنُ إيجابُ العلمِ بالله - تعالى - وذلك لأنَّ المأمورَ
1
إن لم يكنْ عالماً باللّهِ - تعالى - فحالما لا يكونُ عالماً باللهِ : استحالَ أن يكونَ
عالماً بأمرِ اللّهِ - تعالى - وحالما يمتنعُ كونُّهُ عالماً بأمرِ اللهِ - تعالى: يمتنعُ كِونُّهُ
مأموراً من قبله، وإلّا لكانَ [ذلك(١)] تكليفَ ما لا يطَاقُ.
وإن كانَ عالماً باللهِ - تعالى -: استحالَ أمرُهُ بِهِ؛ لأنَّ تحصيلَ الحاصل
محالٌ.
سلّمنا: أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلَّم - كانَ مأموراً بذلك، فَلِمَ قلتَ:
إِنَّهُ يلزمُ [من كونِ الرسولِ مأموراً(٢)] كونُ الأمَّةِ مأمورينَ بِهِ؟
وما ذکرتم من الدلیل ۔ معارضٌ بأمورٍ:
أحدها:
أنَّ الأعرابيَّ الجلفَ العامِّيَّ(٤) - كان يحضرُ ويتلفّظ بكلمتيَّ (٤) الشهادةِ،
وكانَ الرسولُ عليه الصلاةُ والسلامُ - يحكمُ بصحَّةٍ إيمانِهِ: وما ذاكَ إلّ التقليدُ (٥).
وثانيها :
أنَّ هذه الدلائلَ : - لا يمكنُ الاطّلاعُ عليها، إلّا بعدَ ممارسةٍ شديدةٍ،
وإنَّهم لم يمارسوا شيئاً من هذا العلم : فيمتنعُ اطلاعُهم عليهِ.
وإذا كانَ كذلكَ: تعينَّ التقليدُ.
وثالثها(*):
أَنَّه عليه الصلاة والسلام لم يقلْ لأحدٍ - ممَّن تلفَّظَ بكلمتي (٦) الشهادة:
هل علمتَ حدوث الأجسام، وأنّه - تعالى - مختارٌ، لا موجب: فدلّ هذا على
(١) هذه الزيادة من ص.
. (٢) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، ص.
(٣) في غيرى: ((الجافي)).
(٤) لفظ جـ: ((كلمة)).
(٥) لفظ جـ: ((التعليل))، وهو تصحيف ظاهر.
(#) آخر الورقة (٢٠٩) من جـ.
(٦) في جـ، آ: ((كلمة)».
- ٩٢ -

[أنّ (١)] خطورَ هذهِ المسائلِ بالبالِ غيرُ معتبرٍ في الإيمان، لا تقليداً ولا علماً.
[ومنهم من عوَّلَ في (هذه) المسألة على طريقةٍ أخرى، فقال: أجمعت
الأمّةُ على أنَّه لا يجوزُ (إلّا) تقليد المحقّ، لكن لا يعلمُ أنَّهُ محِقُّ إلّا إذا عرفَ
بالدليلِ: أنَّ ما يقولُه حَقٍّ، فإذن: لا يجوزُ له أن يقلِّدَ إلّ بعد أن يستدلَّ، ومتى
صار مستدلاً امتنعَ كونُه مقلِّداً؛ فيقالُ لهم: هذا معارضٌ بالتقليدِ في الشرعيّاتِ؛
فإنّه لا يجوزُ له تقليدُ المفتي إلَّ إذا كانَ المفتي قد أفتى بناءاً على دليلٍ شرعيٍّ .
فإن قلتَ الظنُّ فيه كافٍ، فإن أخطأ - كان ذلك الخطأ محطوطاً عنه.
قلت: فلِمَ لا يجوز مثله في مسائل الأصول(٢)].
و [اعلم(٣)] أنّ في هذه المسألة أبحاثاً دقيقة مذكورة في كتبنا الكلاميَّة (٤).
والأولى في هذِه المسألةِ: أن يعتمد على وجهٍ، وهو أن يقال: دلّ القران
على ذمّ التقليدِ، لكن ثبتَ جوازُ التقليدِ، في الشرعيّات فوجبَ صرف الذمِّ إلى
. التقليدِ في الأصول(٥).
وإذ [قد(٦)] وفّقنا الله - تعالى - بفضله حتىّ تكلَّمنا في جميع أبواب ((أصول
(١) سقطت الزيادة من ى، س ..
(٢) ما بين المعقوفتين سقط كله من غير ص، ى، وما بين الهلالين انفردت بايراده ص.
وعبارة ((أجمعت الأمة)) في ى: ((اجمعنا)).
(٣) هذه الزيادة من ص، ى.
(٤) كالمحصّل: (٢٦ - ٢٨)، وراجع المستصفى: (٣٨٩/٢).
(٥) انظر المستصفى: (٤٨٧/٢) وبحاشيته المسلّم: (٤٠١) وإحكام الآمدي:
(٢٢٣/٤)، وشرح الإِسنوي على المنهاج: (١٨٩/٣) وبحاشيته الإِبهاج، وقد ذكر الغزالي
: - رحمه الله -: أنَّ المذاهب في التقليد في العقليَّات ثلاثة ـ هي :
أولاً: وجوب التقليد وحرمة النظر.
ثانياً: حرمة التقليد ووجوب النظر. وهو قول الأكثرين.
وثالثاً: جواز الأمرين معاً.
(٦) هذه الزيادة من جـ، أ.
- ٩٣ -

الفقه)» فلنتكلّم - الآن - فيما اختلف فيه المجتهدون: أنّه هل هو من أدلَّةِ
الشرع، أو ليس كذلك؟!
- ٩٤ -

الكلام
فيما اختلف فيه المجتهدون
من أدلة الشّرع
وفيه مسائل :

:

المسألة الأولى:
في حكم الأفعال
اعلم: أنَّا بَنَّا - في أوّل هذا الكتاب - أنّه لا حِكمَ قبل الشرع (١)، وأجبْنا
عن شبهِ المخالفين، ونريدُ - الآنَ - أن نبيِّن: أنَّ الأصلَ في المنافَعِ الإِذنُ،
وفي المضارِّ المنعُ - بأدلَّةِ الشرع (٢)؟ فإنّ ذينك أصلان نافعانِ في الشرعِ .
أمَّا الأصلُ الأوّل - فالدليلُ عليه وجوهٌ:
المسلك الأوَّل ـ التمسُّكُ بقوله تعالى: ﴿خَلَقْ لَكُم مَّ فِي الْأَرْضِ
جَمِيعاً ﴾(٣)؛ و((الَّلام)) تقتضي الاختصاصَ بجهةِ الانتفاعِ.
فإن قيلَ: لا نسلِّمُ أنَّ ((اللام)) تقتضي الاختصاصَ(*) - بجهةِ الانتفاع ؛
والدليلُ عليه، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾(٤)، ﴿للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَ
مَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥)
ففي هاتين الآيتين - يمتنعُ أن تكونَ ((الَّلام)) للاختصاص بالمنافعِ .
ولأنَّ النحاةَ قالوا ((الَّلام)) للتمليكِ، وهو غيرُ ما قلتموه(٦).
(١) انظر الجزء الأول من هذا الكتاب.
(٢) في آ، ى: ((شرعية)).
(٣) الآية (٢٩) من سورة البقرة.
(*) آخر الورقة (٢٥٣) من س.
(٤) الآية (٧) من سورة الإِسراء .
(٥) الآية (٢٨٤) من سورة البقرة.
(٦) للَّام معان متعددة وأنواع مختلفة، وأعمال كثيرة يحسن أن تراجع في جواهر الأدب
للأربّي:، (٢٦ - ٣٧)، ومغني اللبيب مع حاشية الأمير: (١٦١/١ - ١٧٦)، ومعاني
الحروف : (٥١ - ٥٨).
٠ - ٩٧ -

سلّمنا ذلك؛ ولكنَّه يفيدُ مسمَّى الانتفاع ، أو يفيدُ كلَّ الانتفاعاتِ؟
الأوّل مسلّم (١)، ويكفي في العمل بها [حُصول(٢)] فرد واحدٍ من
الانتفاعاتِ - وهو: الاستدلالُ بها على الصانعِ تعالى.
والثاني ممنوعٌ، فما الدليل؟
سلَّمنا أنَّه يُفيدُ كلَّ الانتفاعاتِ، لكن بالخلقِ؛ لأنَّ ((الّلام)) داخلة على
الخلق - فلم قلتَ: إنَّ المخلوقَ كذلك؟
سلّمنا أنَّه(*) يفيدُ الانتفاعَ بالمخلوقِ، لكن لكل واحد - في حال واحدٍ ؛
لأنَّ هذا مقابلةُ الجمعِ بالجمع: فيقتضي مقابلةَ الفردِ بالفردِ فقط.
سلّمَّنا أنَّهُ يفيدُ العموم، لكنَّ كلمةَ ((في)) للظرفَّةِ - فیدلُ علی إباحة كلُّ ما
في داخل الأرضِ ، وهو: الرِّكازُ والمعادنُ، فلم قلتم: إنَّ ما على الأرض
كذلك؟
سلّمنا إباحةَ كلِّ ما على الأرضِ ، لكن في ابتداءِ الخلقِ؛ لأنَّ قولَهُ ﴿خَلَقَ
لَكُمِ﴾ (٣) - يشعرُ بأنّه حالما خلقها إنَّما خلقها لنا، فلِمَ قلتم: إنّهُ بقيِ في الدوام.
كذلك؟
(١) في آ: ((م)).
(٢) هذه الزيادة من ى.
(*) آخر الورقة (١٩٤) من آ.
(٣) الآية (٢٩) من سورة البقرة. ولقد ذكر الإِمام المصنف في تفسيره مسائل عدة في
هذه الآية الكريمة منها: احتجاج أهل الإباحة بها وتضعيفه لذلك، كما أوضح دلالتها على
أن المذكور بعد قوله: ((خلق)) لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا. فانظر هذا وغيره من الفوائد.
في تفسيره (١٧٦/٢ - ١٨٢) ط مصطفى محمد، والطبري: (١٤٩/١) وبهامشه
النيسابوري: (٢٠٨)، وانظر تفسير القرطبي: (٢٥١/١ - ٢٥٤) وانظر ما قاله البيضاوي في
معنى ((اللام))، وما ذكره الخفاجي في حاشيته عليه (١١٣/١ - ١١٤)، وانظر ما أخذه
الزمخشريّ من الآية، وتعقيب الجرجانيّ عليه في الكشّاف: (٢٧٠/١). وراجع الطبرسي:
(١٥٦/١)، والخازن وبهامشه البغويّ: (٣٧/١)، وابن كثير: (٦٧/١)،.
-٩٨ -

فإن قلتَ: الأصلُ في الثابتِ - البقاءُ.
قلتُ: هذا فيما يحتملُ البقاءَ، لكنَّ كونَهُ مباحاً - صفةٌ، والصفةُ لا تبقى.
سلّمنا الإِباحةَ - حدوثاً وبقاءاً، لكن لمن كانَ موجوداً - وقتَ ورودِ هذا
الخطاب؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ - خطابُ مشافهةٍ: فيختصُّ
بالحاضرين.
سلّمنا أنّه يدل على اختصاصها بنا؛ لكنّ قوله تعالى: ﴿للهِ مّا في
السَّمَوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ﴾(١) - ينافي ذلك.
[و(٢)] الجواب:
الدليلُ على أنَّ ((الّلام)» تفيدُ، المنفعةَ - قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا
مَا أَكْتَسَبَتْ﴾(٣).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((النَظرةُ الأُولىَ لَكَ، والثانيةُ عَلَيْكَ (٤).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلام: (( ((لَهُ غَنْمُهُ، وعليهِ غُرْمُهُ (٥)).
(١) الآية (٢٨٤) من سورة البقرة.
(٢) هذه الزيادة من جـ، آ، ى.
(٣) الآية (٢٨٦) من سورة البقرة.
(٤) معنى حديث جاء فيه: ((يا عليَّ لا تتبع النظرة النظرةَ، فإنّ لك الأولى، وليست لك
الآخرة»، ورواه أحمد في المسند وأبو داود والترمذيّ والحاكم. على ما في الفتح الكبير:
(٣٩٩/٣)، والكشف الحديث (٣١٨٠)، وتيسير الوصول: (٤٢/٣).
(٥) جزء من حديث أوله: ((لا يغلق الرهن ممن رهنه .. له غنمه وعليه غرمه)). انظره في
بدائع المنن: (١٨٩/٢ - ١٩٠)، والمصنّف لعبد الرزاق: (٢٣٧/٨) رقم (١٥٠٣٣، و
١٥٠٣٤)، وابن حبَّان في الزوائد: (٢٧٤) رقم (١١٢٣)، والدارقطني في السنن: (٣٢/٣)
الأحاديث رقم: (١٢٥ - ١٣٣)، والحاكم في مستدركه: (٥١/٢ - ٥٢)، والبيهقي (٣٩/٦
- ٤٢)، ونصب الراية: (٣١٩/٤ - ٣٢١) والدراية: (٢٥٧/٢) رقم (١٠٠١)، والتلخيص
الحبير: (٣٦/٣ - ٣٧) رقم (١٢٣٢)، والكنز: (١١٦٤، ١١٦٦)، والنهاية في غريب
الحديث (٣٦٣/٣)، وإحكام الأحكام شرح أصول الأحكام للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
العاصميّ: (٧٠/٣) ط التعاونية بدمشق. ونيل الأوطار: (٣٥٤/٥)، وقد تكلم في طرق =
- ٩٩ -

ويقالُ: هذا الكلامُ لكَ، وهذا عليك.
غايةُ ما في الباب : أنَّها جاءت - في سائر المواضعِ لمطلقِ الاختصاص .
فنقولُ: لو جعلناهُ حقيقةً في الاختصاصِ النافع - أمكنَ جعلهُ مجازاً في
مسمّى الاختصاص ؛ لأنَّ [مسمّى (١)] الاختصاص جزءً من الاختصاص
النافع ، والجزء لازمٌ للكلِّ، واللّفظُ الدالُّ على الشيءِ - يصحُّ جعلُهُ مجازاً عن
لازمِهِ .
أمّا لو جعلناه حقيقةً لمسمَّى الاختصاص: لم يكن الاختصاصُ النافعُ
لازماً؛ لأنَّ الخاصَّ لا يكونُ لازماً للعامّ. وإذا لم يوجد اللّزوم: لم يجز جعلُهُ
مجازاً عنه.
وأمَّا قولُ النحاة: ((الّلامُ)) للتمليكِ - فلم يريدوا أنَّها (٢) حقيقةٌ(*) للملكِ،
وإلّ لبطلّ بقوله: ((الجلّ للفرسِ))، بل مرادُهُم: الاختصاصُ النافعُ، وهو عينُ ..
ما قلناه .
= الحديث واختلاف المحدثين في وصله وارساله وقال: (( ... وصله ابن عبد البر، وقال؛ هذه:
اللفظة (يعني: له غنمه وعليه غرمه) اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فرفعها ابن أبي ذئب
ومعمر وغيرهما ووقفها غيره. (قلت: وممن وقفها الزهري)، وقد روى ابن وهب هذا الحديث
فجوّده وبينّ أن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسيّب. وقال أبو داود في المراسيل: (وقوله:
له غنمه وعليه غرمه) من كلام سعيد بن المسيب نقله عنه الزهريّ. فانظر التلخيص الحبير:
(٣٦/٣ - ٣٧) والدراية: (٢٥٧/٢) ونيل الأوطار الموضع نفسه. وفي معنى موضع الشاهد
من الحديث وهي عبارة (له غنمه وعليه غرمه) ما ورد في جوائز السلطان، فقد روى ابن عبد
البر أثر عبد الله بن مسعود في الجواب عن سؤال سائل سأله فقال: ((إن لي جاراً يعمل بالرباً:
ولا يجتنب في مكسبه الحرام، يدعوني إلى طعامه أفأجيبه؟ قال ابن مسعود: ((نعم لك المهنأ
وعليه المأثم))، انظر الكافي: (١٢٥/١ - ١٢٧). وأورد الغزاليّ نحوه عن سلمان الفارسي
- رضي الله عنه - فانظر إتحاف السادة المتقين: (١٤٤/٦).
(١) هذه الزيادة من س.
(٢) لفظ ج: ((أنّ)).
(*) آخر الورقة (٢١٠) من جـ.
- ١٠٠ -