النص المفهرس
صفحات 61-80
= قيل: ما وصفت من أنّه إذا اجتهد فجمع الصواب بالاجتهاد، وصواب العين - التي اجتهد كان له حسنتان. وإذا أصاب الاجتهاد وأخطأ العين - التي أمر أن يجتهد في طلبها كانت له حسنة، ولا يثاب من يؤدي في أن يخطىء العين، ولا يحسن من يؤدي أن يكف عنه. اهـ من الأم: (٢٧٤/٧ - ٢٧٥) وقد ورد نحوه ويشيء من الاختصار في الرسالة (٤٩٤ - ٥٠٣) وأخرجه البخاريّ - أيضاً - في الصحيح بنفس اللفظ وبذات الطريق. فانظر هامش فتح الباري : (٢٦٨/١٣ - ٢٧٠)، وقد نقل الشارح الحافظ في شرحه له جملة من الأقوال المفيدة · والحكم الجليلة التي دل عليها، أو استدل به عليها ومما قال: (( ... قال ابن العربي: تعلق بهذا الحديث من قال: إن الحق في جهة واحدة للتصريح بتخطئة واحد لا بعينه، قال وهي نازلة في الخلاف عظيمة)). وقال المازريّ: تمسّك به كلّ من الطائفتين: من قال: إن الحق في طرفين ومن قال: : إن كل مجتهد مصيب؛ أمّا الأولى - فلأنه لو كان كلّ مصيباً لم يطلق على أحدهما الخطأ لاستحالة الجمع من النقيضين في حالة واحدة وأما المصوِّبة - فاحتجُوا بأنه - وَلَ - جعل له أجراً، فلو كان لم يصب لم يؤجر. وأجابوا عن إطلاق الخطأ في الخبر على من ذهل عن النصِّ أو اجتهد فيما لا يسوغ الاجتهاد فيه من القطعيَّات فيما خالف الإِجماع ... وأما من اجتهد في قضية ليس فيها نصَّ .ولا إجماع يطلق عليه الخطأ. قال الحافظ: وأطال المازريّ في تقرير ذلك والانتصار له، وختم كلامه (أي: المازريّ) بأن قال: إن من قال: إنَّ الحق في طرفين - هو قول أكثر أهل التحقيق - من الفقهاء والمتكلمين، وهو مروي عن الأئمة الأربعة وإن حكي عن كل منهم اختلاف فيه. قلت: وقد علمت مذهب الشافعيّ مما تقدم وقال شارح صحيح مسلم في شرحه (المفهم)): الحكم المذكور ينبغي أن يختص بالحاكم بين الخصمين، لأن هناك حقاً معيناً في نفس الأمر يتنازعه الخصمان . وقال ابن العربي: عندي في هذا الحديث فائدة زائدة - وهي : أن الأجر على العمل القاصر على العامل واحد، والأجر على العمل المتعدِّي يضاعف ... فإذا قضى بالحق وأعطاه لمستحقه ثبت له أجر اجتهاده وجرى له مثل أجر مستحق الحق، فلو كان أحد الخصمين ألحن بحجته من الآخر فقضى له والحق - في نفس الأمر - لغيره كان له أجر الاجتهاد فقط . - ٦١ - واقعٍ ؛ [لأنَّا(١)] قد دلّلنا على أنّه لا حكم، فلا بدّ وأن يكون لأجل كونه مخالفاً لحكم مقدّر - وهو الأشبه . [و(٢)] أمَّا المعقولُ - فهو: أنَّ المجتهدَ طالبٌ، والطالبُ لا بدَّ له من مطلوبٍ، ولمَّا لم يكن المطلوبُ معينًاً وقوعاً: وجبَ أن يكونَ معيناً تقديراً. [و(٣)] الجوابُ(*): أنَّ ذلك الأشبهَ، إن كانَ هو العملُ بأقَوَى الأماراتِ: فهو حقٌّ. [وهو قولُنا(٤)]. وإن كانَ غيره - مع أنَّ الله - تعالى - لم ينصَّ عليهِ، ولا أقامَ عليه دلالةً ولا أمارةٌ - فكيف يكونُ مخطئاً بالعدولِ عنهُ، وكيفَ ينقصُ ثوابهُ إذا لم يظفَّرْ بِما لم يكلّف بإصابتِهِ، ولا سبيلَ له إلى إصابتِهِ. وهذا هو بعينهِ الجوابُ عنِ الوجهِ المعقولِ . مسألةٌ: القائلونَ بأنَّ المصيبٌ واحدٌ - احتجُّوا: بأنَّ القولَ بتصويب الكلِّ يفضي إلى وقوع منازعةٍ - لا يمكنُ قطعُها، وهذا كما إذا نكحَ رجلٌ امرأةً - وكانا مجتهدين - ثم قَالَ: ((أنتِ بائنٌ)»، ثم راجعها، = قال الحافظ: قلت: وتمامه أن يقال: ولا يؤاخذ بإعطاء الحق لغير مستحقه، لأنّه لم يتعمد ذلك، بل وزر المحكوم له قاصر عليه، ولا يخفى أن محل ذلك أن يبذل وسعه في الاجتهاد وهو من أهله، وإلّ فقد يلحق به الوزر إن أخلَّ بذلك. والله اعلم. اهـ. وأخرجه مسلم في صحيحه فانظره بهامش شرحه الإكمال: (١٥/٥) وتأمل ما قاله الشارحان فيه. واحرص على النظر فيما قاله النووي في شرحه عليه - أيضاً -: (١٣/١٢ - ١٤) ط المصرية. كما أخرجه البيهقي في سننه الكبرى فانظر: (١١٨/١٠) منها، وراجع ص. (٢٠) من هذا الجزء من الكتاب. (١) لم ترد الزيادة في آ. (٢) لم ترد الزيادة في آ. (٣) لم ترد الزيادة في س. (*) آخر الورقة (٢٤٥) من س. (٤) هذه الزيادة من ح. - ٦٢ - والزوجُ شافعيٌّ - يرى الرجعةَ، والمَرأةُ حنفيَّةٌ ترى الكناياتِ بوائنَ؛ فِها هنا: الزوجُ متمكِّنٌ شرعاً من مطالبتها بالوطءِ، والمرأةُ مأمورةٌ بالامتناع . وهذه منازعةٌ لا يمكنُ قطعُها. قالَ المصوّبونَ: هذا الإِشكالُ واردٌ عليكم [أيضاً(١)] فإنَّ أهلَ التحقيق - منكم(*) - ساعدوا على أنَّه يجبُ على المجتهدِ العملُ بموجب ظنِّه - إذا لم يعرِفْ كونَه مخطئاً: فهذا الإِلزامُ - أيضاً - واردٌ عليكم . ولمّا كانَ هذا الإِشكالُ وارداً على المذهبين: وجبَ أن نذكرَ تقسيماً في بيانِ الحوادثِ النازلةِ بالمكلَّفين: ليظهرَ أنَّهُ لا نزاعَ فيها - فنقول: الحادثةُ إمَّا أن تنزلَ بمجتهدٍ، أو بمقلِّدٍ. فإن نزلت بمجتهدٍ (٢): فإمّا أن تختصَّ به، أو تتعلَّق بغيرِهِ. فإن اختصَّت به: عملَ بما يؤدِّيهِ إليهِ اجتهادُه: فإن استوت - عندَه - الأماراتُ - تخيَّر بينها، أو يعاودُ الاجتهادَ إلى أن يظهرَ الرجحانُ . وإن(*) تعلَّقْت بغيرِهِ - فإن كانَ يجري فيه الصلحُ، نحوَ التنازع في مالٍ : اصطلحا(٣) فيهِ، أو(٤) رجعا إلى حاكمٍ يفصل بينهما إن وجد. فإن لم يوجدْ: رضيا من(٥) يحكمُ بينهما، ومتى حكمَ: لم يكن لهما الرجوعُ عنهُ. وإن لم يجرِ(٦) الصلحُ فيه - كما ذكرنا في مسألةِ الكناياتِ -: فإنَّهما يرجعانِ إلى من يفصلُ بينهما، سواءً كانَ صاحبَ الحادثةِ [مجتهداً و(٧)] حاكماً، أو لم يكن: فإنَّ الحاكم(*) لا يجوزُ له أن يحكمَ لنفسِهِ على غيرهِ، بل ينصبُ من يقضي بينهما . : (١) هذه الزيادة من ح، ى. (*) آخر الورقة (٦٨) من ص. (٢) لفظ ح: ((بالمجتهد)). (*) آخر الورقة (٢٠٣) من جـ. (٣) لفظ آ: ((عليه)). (٤) في غیرح: ((و). (٥) في غير ح: ((بمن)). (٦) في ح، ى: ((يجز)). !(٧) انفردت ح بهذه الزيادة. (*) آخر الورقة (١٨٨) من أ. - ٦٣ - وإن كانَ مقلِّداً - فإن كانت الحادثةُ تخصةُ: عملَ على ما أتُّفِقَ عليهِ من الفتوى . وإن اختلفوا: عملَ بفتوى الأعلمَ الأورع . فإن استويا(١): تخيرَّ بينهما. وإن كانت تتعلَّقُ بغيرِهِ: عملَ كما بيَّاه في [حقٌّ (٢)] المجتهدين. مسألةٌ: في نقضِ الاجتهادِ. المجتهدُ إذا تغيرَّ اجتهادُهُ ۔ ففیهِ بحثان : الأول(٣): أنّ المجتهدَ كيفَ يعملُ. والثانى : أنَّ العامِّيَّ - الَّذِي عملَ بفتواه - كيفَ يعملُ. أمّا الأوَّلُ - فنقولُ: المجتهدُ إذا أفضى اجتهادُه إلى (*) أنَّ الخلعَ - فسخٌ، فنكحَ امرأةً(٤) خالعها ثلاثاً، ثمّ تغيرَّ اجتهادُهُ: فإمّا أن يكونَ قد قضىَ القاضي بصحّةِ ذلك النكاحِ - قبل تغير اجتهادِهِ، أو ما قضىَ بذلك: . فإن كان الأوّل: بقي النكاحُ صحيحاً؛ لأنَّ قضاءَ القاضي، لمّا اتصل بِهِ - فقد تأكَّدَ : فلا يؤثِّرُ فيه تغيرُ الاجتهادِ. وإن كانَ الثاني: لزمَ تسريحُها، ولم يجزْ له إمساكُها - على خِلافٍ اجتهاده . [و(٥)] أمّا الثاني - وهو ما إذا أمسكَ العامِّيُّ زوجتَهُ بفتوى المفتي بأنَّ الخلعَ فسخٌ، فإذا تغيرَّ اجتهادُ المفتي - فالصحيحُ أنَّهُ يجبُ عليهِ تسريحُها: كما إذا(٦) (١) لفظ أ: ((استووا)). (٢) سقطت الزيادة من س، آ، ى. (٣) في غيرح: ((أحدهما)). (٤) زاد في ى: ((ثمّ». (*) آخر الورقة (١٢٢) سن ى. (٥) هذه الزيادة من ح .. (٦) في آ، ى: ((لو). -- - ٦٤ - تغيرَّ اجتهادُ متبوعِهِ عن القبلةِ في أثناءِ الصلاةِ، فإِنَّه يتحوَّلُ إلى الجهة الأخرى؛ بخلافٍ قضاءِ القاضي، فإنَّهُ متى اتَّصلَ بالحكمِ المجتهَدِ فيه: استقرّ. واعلم: أنّ قضاءَ القاضي(*) - لا ينتقضُ، بشرطِ أن لا يخالفَ دليلاً قاطعاً(*)؛ فإن خالفه: نقضناهُ(١). (*) آخر الورقة (٢٤٦) من س. (*) آخر الورقة (١٩٨) من ح. (١) للاطلاع على مذاهبهم في نقض الاجتهاد، وما ينتقض به، وما لا ينتقض به، والأحوال التي يتأكد فيها الاجتهاد فلا يرد عليه نقض ونحو ذلك. انظر: المستصفى : (٣٨٢/٢)، وشرح مختصر ابن الحاجب: (٣٠٠/٢) وإحكام الآمدي: (٢٠٣/٤) ط الرياض، وفصول البدائع: (٤٢٨/٢)، والمسلّم بحاشية المستصفى: (٣٩٦/٢)، وتيسير التحرير (٢٣٤/٤)، وشرح جمع الجوامع بحاشية البنَّاني: (٣٩١/٢)، وتنقيح الفصول (١٩٦)، والمدخل لمذهب الإِمام أحمد (١٩٠)، والحاصل: (٩٧٣). - ٦٥ - 1 الكلام في المفتي والمستفتي والنظر فيه - يتعلق بالمفتي والمستفتي، وما فيه الاستفتاء. القسم الأوَّل في المفتي وفيه مسائل : مسألةٌ : إذا أفتى المجتهد(١) بما أدَّى إليهِ اجتهادُه، ثمّ سيئِل ثانياً عن تلك الحادثة - فإمَّا أن يكونَ ذاكراً لطريقِ الاجتهادِ الأوَّلِ ، أو لا يكونَ: فإن كانَ ذاكراً له - فهو مجتهدٌ، وتجوزُ له الفتوى. وإن نسيه: لزمَه أن يستأنفَ الاجتهادَ؛ فإن أدَّاه اجتهادُهُ إلى خلافٍ فتواه - في الأوَّلِ : أفتى بما أدَّاه اجتهادُهُ إليهِ ثانياً. ثمّ الأحسن به(٢) أن يعرِّف من استفتاه - أوّلاً - أنَّهُ رجعَ عن ذلك القولِ ؛ لأنَّ [ذلك] المستفتيّ - إنَّما يعوِّلُ على قولِهِ، فإذا تركَ هو قولَهُ: بقيَ عملُ المستفتي بهِ - بعدَ ذلك - عملاً من غيرِ موجبٍ. روي عن(٣) ابن مسعودٍ: أَنَّهُ كانَ يقولُ في تحريم أُمِّ المرأة: ((مشروطٌ بالدخولِ بالمرأةِ»، فلقيَ (٤) أصحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وذاكرهَم، فكرهوا أن يتزوَّجها: فرجعَ ابنُ مسعودٍ إلى من كان أفتاه - قالَ: (١) زاد في ى: ((مرة)) . (٢) لفظ آ: ((له)). (٣) في ى: ((أن)) . (٤) في آ: ((فأتَى)). - ٦٩ - ((سَأَلْتُ أَصحابي فكرهوا(١). وأمّا إن لم يستأنفِ الاجتهادَ: لم تجز له الفتوى. ولقائلٍ أن يقولَ: لمّا كانَ الغالبُ على ظنِّه - أنَّ الطريقَ الَّذِي تَمسَّكَ بَه - [أوّلاً (٢)] كان طريقاً قويّاً - حصلَ له - الآنَ - ظنُّ أنَّ ذلك القويَّ حقٌّ: جازَ له الفتوى به؛ لأنَّ العملَ بالظنِّ واجبٌ. مسألةٌ : [اختلفوا(٣)] في أنَّ غيرَ المجتهدِ، هل تجوزُ له الفتوی بما یحکیه عن الغير؟! (١) أثر ابن مسعود بطرقه المختلفة أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: (١٥٩/٧) وعبد الرزاق في المصنف: (٢٧٣/٦) برقم (١٠٨١١)، و (١٠٨١٢) وابن حزم في المحلَّى: (٥٢٨/٩) المسألة (١٨٦٠)، وابن كثير في تفسيره: (١/ ٤٧٠). هذا: وأهل العلم مطبقون على تحريم أمّهات النساء والربائب اللاتي في الحجور. ومذهب الجمهور: أن مجرّد العقد على البنات يحرِّم الأمهات، ولا تحرم البنات الا بالدخول بالأمّهات والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَمْهِتُ نسَآئُكُمْ وَرَبِيْكِمُ الَّتِي فِي حُبُورِكُمْ مِن نِسَآئَكُمْ الَّتِي دخَلْتُمْ بِهِنَّ، فإِن لَّمْ تَكُونُوا دخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾ (٢٢ من سورة النساء)، ووجه الدلالة: أن الله - تعالى - أبهم أمهات النساء ولم يشترط لتحريمهنّ الدخول بالبنات والمعقود عليها داخلة في النساء: فيدخل تحريم أمّها في عموم الآية. أما (الربائب)» فقد شرط لتحريمهنّ الدخول في الأمَّهات، ولذلك لا يحرمن بمجرد العقد على أمَّهاتهنّ. وقد خالف بعض العلماء في هذا فاشترط بعضهم الدخول بالبنت - أيضاً - لتحريم الأم، احتجاجاً بأن قيد الدخول يعود على أمَّهات النساء والربائب. : وذهب بعضهم إلى أن لتقييد البنات في الحجور مفهوماً: فلا تحرم إذا لم تكن في الحجر ولو دخل بأمِّها وإليه ذهب الظاهريَّة. فانظر هذه المذاهب في المغني والشرح الكبير: (٤٧٢/٧-٤٧٤)، والمحلّى: (٥٢٧/٩-٥٣١)، والإشراف: (١٠٠/٢) ومختصر الطحاويّ (١٧٦ - ١٧٧)، وتفسير القرطبيّ: (١٠٦/٥)، والمدونة: (١٢٧/٤) وفقه الإِمام سعيد بن المسيب: (٢١٦/٣). (٢) لم ترد في س، ى، آ. (٣) لم ترد الزيادة في ی. - ٧٠ - فنقولُ: لا يخلو إمَّا أن يحكي عن ميِّتٍ، أو عن حيٍّ . فإن حكى عن ميِّتٍ: لم يجز الاخذُّ بقولِهِ؛ لأنَّهُ لا قولَ للميِّتِ؛ بدليل أنَّ الإِجماعَ لا ينعقدُ [ مع(١)] خلافِهِ حيّاً، وينعقدُ مع موتِهِ. وهذا يدلُّ على أنَّه لم ببقَ له قولٌ بعدَ موتِهِ. فإن قلتَ: فلم صنّفت(٢) كتبُ الفقهِ مع فناءِ أربابِها. قلتُ: لفائدتين : إحداهما: - استفادة طريقِ الاجتهادِ من تصرُّفهمٍ في الحوادثِ(٣)، وكيفيَّةِ بناءِ بعضِها على بعضٍ . والأخرى: معرفةُ المَتَّفقِ عليهِ، من المختلفِ فيه. ولقائلٍ أن يقولَ: إذا كانَ الراوي عدلًا ثقةً(*) متمكِّناً من فهم كلامٍ المجتهدِ الّذي ماتَ، ثمّ روى للعاميِّ قولَه: حصلَ للعامّيِّ ظنُّ صدقِهِ. ثمّ [إذا()] كانَ المجتهدُ عدلاً ثقةً: فذلكَ يوجبُ ظنَّ صدقِهِ في تلك الفتوى . وحينئذ: يتولَّدُ للعامِّيِّ - من هذين الظنَّيْن - ظنُّ أنَّ حكمَ الله - تعالى - ما روى له هذا الراوي الحيُّ، عن ذلك المجتهدِ المَيِّتِ، والعملُ بالظنّ واجبٌ: فوجبَ أن يجب على العامِّيَّ العملُ بذلك. وأيضاً: فقد انعقدَ الإِجماعُ - في زماننا هذا - على جوازِ العملِ بهذا النوعِ (١) سقطت الزيادة من ى. (٢) لفظ آ،ى: ((صدقت)). (٣) لفظ آ: ((الجواب)). (*) آخر الورقة (٢٠٤) من جـ. (٤) هذه زيادة متعيّنة لتصحيح الكلام ولم ترد في الأصول . . - ٧١ - من الفتوى؛ لأنَّه ليسَ ـ في (*) هذا الزمان - مجتهدٌ، والإِجماعُ حجَّةٌ (١). وأمّا إن حكى عن حيٍّ - من أهلِ الاجتهادِ - فإمَّا أن يكونَ سمِعَهُ مشافهةٌ، أو يرجعَ فيهِ إلى كتابٍ، أو حكايةِ حالٍ (٢). ۔۔ [فإن(٣)] كان سمعَهُ منهُ مشافهةً: جازَ أن يعملَ بهِ. وجازَ أن يعملَ الغيرُ -: أيضاً - بقولهِ؛ ولهذا يجوزُ للمرأة أن تعملَ في حكمٍ حيضِها - بحكاية زوجها عن المفتين . ورجعَ عليٌّ - رضي الله عنه - إلى حكاية المقداد عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلَّم - في شأن المذي(٤). وإن رجعَ في ذلكَ إلى حكايةٍ من يوثَقُ بقولِهِ: فحكمُ ذلكَ حكمُ السماعِ . وإن رجعَ إلی کتاب، فإن کان کتاباً موثوقاً بهِ : جری مجری المکتوب ۔ من جواب [المفتي(٥)] - في أنَّه (٦) يجوزُ العملُ بهِ، وإلا فلا؛ لكثرة ما يتّفقُّ من الغلطِ في الكتب(٣). (*) آخر الورقة (١٨٩) من آ. (١) إذا لم يكن هناك مجتهدون، فكيف يدعى الإجماع، والإجماع: اتّفاق مجتهدي أَمَّة محمد - صلى الله عليه وآله وسلَّم - وانظر ما ورد في آيات ابن قاسم: (٢٦٩/٤) حول النقل عن الإِمام في هذه المسألة . (٢) لفظ آ: ((حاك)). (٣) سقطت الزيادة من آ. (٤) الحديث أخرجه البخاريّ ومسلم وأحمد وأبو داود. على ما في نيل الأوطار: (٦٣/١) وهو في البخاريّ بهامش شرحه الفتح: (٢٠٣/١)، وقال الحافظ - رحمه الله -: ((استدل به بعضهم على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع؛ وهو خطأ، ففي النسائيّ: أنّ السؤال وقع وعليّ حاضر)»، وانظر: (٣٢٥/١ - ٣٢٧) منه، ونصب الراية: (٩٤/١)، والدراية: (٥٢/١) رقم (٣٩)، وصحيح ابن خزيمة: (١٥/١)، وشرح معاني الآثار: (٤٥/١ - ٤٧). (٥) ساقط من س .. (٦) في س: (یجب). (*) آخر الورقة (٢٤٧) من س. - ٧٢ - القسم الثاني في المستفتي مسألةٌ : يجوزُ للعامّيِّ أن يقلّد المجتهدَ (١) - في فروع الشرع - خلافاً لمعتزلةٍ بغدادَ(٢). وقال الجبّائِيُّ: يجوزُ ذلك - فيما كانَ من مسائل الاجتهادِ(٣). لنا وجهان : الأوّلُ: إجماعُ الأمَّةِ - قبلَ حدوثِ المخالفِ؛ لأنَّ العلماءَ في كلِّ عصرٍ لا ينكرونَ على العامَّةِ الاقتصارَ على مجرَّدٍ أقاويلهم، ولا يلزمونَهم أن يسألوهم عن وجهِ اجتهادهم. (١) لفظ آ: ((المجتهدين)). (٢) أمثال بشر بن المعتمر المتوفى (٢١٠هـ)، وأحمد بن أبي دؤاد المتوفى (٢٤٠هـ)، وثمامة بن الأشرس المتوفى (٢١٣ هـ) وجعفر بن مبشر المتوفى (٢٣٤هـ) وجعفر بن حرب المتوفى (٢٣٦هـ) ويحيى الأسكافي المتوفى (٢٤٠ هـ) وغيرهم، وأبي القاسم، وعبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي من الطبقة الثامنة توفى سنة (٣٩١هـ). (٣) زاد في ى: ((دون ما لم يكن من مسائل الاجتهاد))، ونحوه في آ غير أنّه أبدل: ((لم یکن)» بـ ((لیس)). - ٧٣ - الثانى : [أنّ(١)] العامّي إذا نزلت بهِ حادثةٌ - من الفروع - فإمّا أن لا يكونَ مأموراً فيها بشيء؛ وهو باطلٌ بالإِجماع؛ لأنَّا نلزمُهُ إلى قولَ العلماءِ، والخصمُ يلزمهُ الرجوعَ إلى الاستدلالِ . وإمّا أن يكونَ مأموراً فيها بشيءٍ، وذلك: إمّا بالاستدلالِ أو بالتقليدِ. والاستدلالُ باطلٌ؛ لأَّهُ إِمَّا أن يكونَ هو التمسُّكَ بالبراءةِ الأصليَّةِ، أو التمسُّكَ بالأدَّلة السمعيَّةِ. والأوّلُ باطلٌ بالإِجماعِ . " والثاني - أيضاً - باطلٌ؛ لأَنَّهُ لو لزمَهُ أن يستدلَّ - لم يخلُ من أن يلزمَه ذلك حينَ كمُلَ عقلهُ، أو حينَ حدثت الحادثَةُ. والأوّلُ باطلٌ؛ لوجهين : أحدهما: أنَّ الصحابةَ ما كانوا يلزمونَ من لم يشرعْ في طلبِ العلمِ ، ولم يطلبْ رتبةً المجتهدِ ۔ في أوَّلِ ما يكملُ عقلهُ. وثانيهما : أنّ وجوبَ ذلك [عليه(٢)] يمنعهُ من الاشتغال بأمور الدنيا، وذلكَ سببٌ لفسادِ العالمِ . والثاني - أيضاً - باطلٌ؛ لأنَّه يقتضي أن يجبَ عليهِ اكتسابُ صفةٍ المجتهدين - عند نزول الحادثةِ؛ وذلك غیرُ مقدورٍ له. ولقائلٍ أن يقولَ - على هذا الوجه -: القائلونَ بأَنَّهُ لا يجوزُ التقليدُ - في الشرع - لا يقولونَ بالإِجماعِ ولا بخبرِ الواحدِ ولا بالقياسِ ، ولا يجوِّزونَ التمسُّكَ بالظواهر المحتملةِ .. (١) هذه الزيادة من ی. (٢) هذه الزيادة من آ، ولفظ ى: ((عليهم))، ولم ترد في غيرهما. - ٧٤ - وإذا كان كذلك: سهلَ الأمرُ عليهم؛ فإنَّهم قالوا: قد تقرَّر في عقل كلِّ عاقلٍ : أنَّ الأصلَ - في اللّذَّاتِ: الإِباحةُ، وفي المضارِّ: الحرمةُ. فإن جاءَ في بعضِ الحوادثِ نصٌّ قاطعُ المتنِ، قاطعُ الدلالةِ - يوجبُ ترَكَ ذلك الأصلِ العقليّ : قلنا به . وإن لم يوجدْ ذلك: وجبَ البقاءُ على حكمِ العقلِ . وإذا ثبتَ هذا - فالعامِّيُّ إذا وقعت له واقعةٌ، فإِمَّا أن يكونَ فيه شيءٌ من الذكاءِ، أ [ولا يكون، بل(١)] يكون في غاية البلادةِ(٢). فإن كانَ فيهِ شيءٌ من الذكاءِ: عرفَ حكمَ العقلِ فيهِ. وإن كان في غايةِ البلادةِ(٣): نَبَّهه المفتي على حكمِ العقلِ. وليسَ لأحدٍ أن يقولَ: الاشتغالُ بذلك يمنعُهُ عن عملِ المعاش ؛ لأنَّهُ إِذا جاز تكليفُهُ بمعرفةِ الأدلَّةِ الدقيقةِ - في مسائلِ الأصولِ ، ولا يمنعُهُ ذلك عن المعاشِ : فكيفَ تمنعُهُ معرفةُ هذا القدرِ من طلبِ المعاشِ ؟! ثمّ إذا عرفَ العاميُّ(*) حكمَ العقلِ، وأنَّ ما في الواقعةِ نصُّ - يوجبُ تركَ العمل بحكم العقلِ ، قاطعُ المتنِ، قاطعُ الدلالةِ: نَبَّهه المفتي عليهِ. ولا حاجةً في فهمِ مثلِ هذا النصِّ إلى تدقيقٍ يمنعُهُ من عملِ المعاشِ . وإن لم يوجدْ فيهِ مثلُ هذا النصِّ: وجبَ عليهِ العملُ بحكمِ العقلِ . فثبتَ: أنَّ المنعَ من التقليدِ إنَّما يصعبُ على قولٍ من يوجبُ العملَ بالقياسِ وخبرِ الواحدِ . : أمّا من لا يقولُ بذلك - فلا صعوبةَ عليهِ الْبَّةَ. وأيضاً - فهذه الدلالةُ لو صحَّت: لوجبَ القولُ بجوازِ التقليدِ في مسائلِ الأصولِ ؛ لأنَّا نعلمُ أنَّ الوقوفَ على تلك الدلائل - لا يحصلُ إلّ (*) بعدَ الكدّ (١) ساقط من ی. (٢) لفظ آ: ((البلاهة)).، (٣) في آ: ((البلاهة)). (#) آخر الورقة (٢٠٥) من جـ. (*) آخر الورقة (٢٤٨) من س. - ٧٥ - الكثير ونحن نعلمُ من حالِ الصحابةِ: أنَّهم ما كانوا يلومونَ(١) من لم يتعلَّم علمَ الكلامِ ۔ في أوّل زمانٍ بلوغِهِ . وأيضاً: الاشتغالُ بتحصيلِهِ - يمنعُ من الاشتغالِ بأمرِ المعاشِ . أجابوا: بأنَّ الَّذي يجبُ على المكلَّفِ معرفةٌ أدلَّةِ التوحيدِ والنبَوَّةِ(*) - على طريقِ الجملةِ، لا على طريقِ التفصيلِ . ومعرفةُ تلكَ الأدلَّةِ - على سبيل الإِجمالِ - أمرُ سهلٌ هَيِّنُ، يحصلُ بأدنى سببٍ(٢)؛ بخلافِ الاجتهادِ في فروع الشرع - فإنَّهُ لا بدَّ فيه من علومٍ كثيرةٍ، وتبخّرٍ شديدٍ . واعلم: أنَّ هذا الفرقَ - إنَّما يتلخص(٣) إذا سلَّمنا لهم الفرقَ بين مباحثٍ الجملةِ ومباحثِ التفصيلِ . وعندي: أنَّ هذا الفرقَ - باطلٌ؛ وذلك: لأنَّ الدليلَ إِذا كانَ مركّباً - مثلاً - من مقدّماتٍ عشرٍ(٤)، فالمستدلُّ إن كانَ عالماً بها - بأسرها - وجبَ حصولُ العلمِ النظريِّ له - لا محالةَ؛ و[إن(٥)] امتنعت الزيادةُ علَيهِ؛ لأنَّ تلكَ المقدِّماتِ العشرَ إذا كانت مستقلَّةً بالانتاجِ ، فلو انضمّت مقدِّمةٌ أخرى إليها: استحالَ أن يكون لها أثرٌ - ألْبَّةَ. وأمَّا إن لم يحصل العلمُ - بأسرها - مثلُ أن يحصلَ(٦) العلمُ بتسعٍ منها، ولم تكن المقدّمةُ العاشرةُ معلومةً بالضرورةِ، ولا بالدليل ، بل مقبولةً - على سبيلِ التقليدِ: فتكونُ النتيجةُ المتولِّدةُ عن مجموع تلك العشر تقليداً، لا يقيناً. فثبتَ: أَنَّ التمسُّكَ بالدليل (٧) - لا يقبلُ الزيادةَ والنقصانَ الْبَّةَ. مثالهُ - أَنَّهم يقولونَ: صاحبُ الجملةِ - يكفيه الاستدلال بحدوثِ الحوادثِ .. (١) لفظ س، ى: ((يلزمون)). (*) آخر الورقة (١٩٠) من آ. (٢) في آ، ی: ((سعی)). (٣) لفظ س: ((يتخلّص)). (٤) في ى، آ: «عشرة)). (٥) سقطت الزيادة من آ. (٦) لفظ آ، ى ((حصل)). (٧) في ی: ((بالدلائل)). - ٧٦ - من البرقِ والرعدِ، والحرِّ والبردِ على وجودِ الصانعِ . فنقولُ: هذا لا يكفي؛ لأنَّا نقولُ: هذهِ الحوادثُ لا بدَّ لها من مؤثّرٍ، وذلك المؤثِّرُ - يجبُ أن يكون فاعلاً مختاراً. أمّا المقدّمةُ الأولى - فمعلومةٌ [للعوامِّ(١)]. وأمّا الثانية - فغيرُ معلومةٍ لهم؛ لأنَّهُ ما لم يثبت أنَّ ذلكَ (*) ليسَ أثراً لمؤثِّر موجبٍ: لم يجب [أن يكون(٢)] إسنادُه إلى المختارِ. فإذا قطعَ العامّيُّ - بأنَّ ذلكَ المؤثِّرَ يجبُ أن يكونَ مختاراً، من غير دليلٍ عليهِ: كان مقلَّداً (٣) - في هذهِ المقدّمةِ، وإذا كانَ مقّداً فيها: لم يكن محقّقاً في النتيجةِ . وأيضاً: إذا رأى حدوثَ فعلٍ خارقٍ للعادةِ على يدِ مدَّعي النبوّةِ، فلو قطعَ - عند ذلك - بنبوَّتِهِ: كانَ ذلك تقليداً؛ لأنَّ قبلَ الدليلِ - يجوزُ أن يكونَ ذلك : الحادثُ ليسَ فعلاً لله - تعالى -، بل خاصيَّةً لنفسِ الرسولِ ، أو خاصَّةً [لدواءٍ، أو فعلاً(٤)] من أفعالِ الجنِّ. وبتقديرِ أن يكونَ فعلًا لله - تعالى، لكن يجوزُ أن لا يكونَ لله - تعالى - فيه غرضٌ. وإن كانَ له فيه غرضٌ : جازَ أن يكونَ ذلك الغرضُ شيئاً سوى التصديق، فلو قطعَ العاميُّ بأنَّ ذلك الفعلَ الخارقَ للعادةِ، لا بدّ وأن يكونَ - دالاً على صدقِ المدّعي من غيرِ دليلٍ يدلُّ على فسادِ هذه الأقسام : كان مقلِّداً - في اعتقادِ هذه المقدّمةِ، فلم يكنْ محقِّقاً في النتيجةِ. فظهرَ بهذا فسادُ ما قالوه - من الفرقِ بينَ صاحب الجملة، وبين صاحب التفصيل . وحينئذٍ: لا يبقى إلّ أحدُ أمرين: إمَّا أن يقالَ: بأنَّ الإِحاطةَ بأدلَّةِ الدين - (١) هذه الزيادة من س، آ، ى. (*) آخر الورقة (٦٩) من ص. (٣) لفظ آ: ((تقليد))). (٢) ساقط من آ. (٤) ساقط من ى. - ٧٧ - على تفصيلها وتدقيقها - شيءٌ سهلٌ هِيِّنٌ، وذلك مكابرةٌ . وإمَّا أن يقالَ: يجوزُ فيهِ التقليدُ - كما جوَّزوا في فروع الشرعِ التقليدَ. وحينئذٍ: لا يبقى(١) بينهما فرق الْبتَّةَ. واحتجّ منكرو التقليد في فروعِ الشرعِ بأمورٍ: أحدها : قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَالَا تَعْلَّمُونَ﴾(٢). وثانيها : أَنَّ اللّه - تعالى ﴿ ذَمِّ أهلَ التقليدِ(*) بقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾(٣). وثالثُها : قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((طَلَبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ(٤) توافقنا على خروجِ بعضِ العلومِ عن هذا العمومِ : فبقي العلمُ بفروع الشرع وأحکامِهِ. ورابعها : القولُ بجوازِ التقليدِ - يفضي إلى بطلانِهِ؛ لأنّهُ يقتضي جوازَ تقليدٍ من يمنعُ (١) لفظ آ: ((يَكون)). (٢) الآية (١٦٩) من سورة البقرة. (*) آخر الورقة (٢٤٩) من س. (٣) الآية (٢٢) من سورة الزخرف . (٤) الحديث أخرجه ابن عدي والبيهقي في الشعب، والطبراني في الصغير، والأوسط والخطيب في التاريخ بسند صحيح . كما أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف وآخر صحيح. على ما في الفتح الكبير: (٢١٣/٢)، وانظر فيض القدير: (٢٦٧/٤ - ٢٦٨)، ومجمع الزوائد: (١١٩/١)، والمقاصد الحسنة الحديث رقم (٦٦٠)، وكشف الخفا الحديث رقم (١٦٦٥). كما أخرجه الخطيب في ((الرحلة في طلب الحديث)) ص (٧٦). - ٧٨ - من التقليدٍ: وما يفضي ثبوتُهُ إلى عدمِهِ - كانَ باطلًا. وخامسها: قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((اجتهدوا فكلُّ ميسّرٌ لما خُلِقَ له))(١)؛ أمرٌ بالاجتهادِ مطلقاً . وسادسُها: أنَّ العاميَّ إذا قلَّدَ - [لم(٢)] يأمن [من(٣)] جهلِ المفتي وفسقِهِ: فيكونُ فاعلًا للمفسدةِ. وسابعُها :. لو جازَ التقليدُ - في فروع الشرع - لكانَ ذلك لأَنَّه (٤) حصلت أماراتٌ توجبُ ظنَّ صدق المفتي، وهذا المعنى قائمٌ - في أصولِ الدين: [فوجبَ الاكتفاءُ بالفتوى في الأصولِ أيضاً (٥)]. والجوابُ عن الأُوَّلِ : أنَّهُ منقوضٌ بكلِّ ظنٍّ وجبَ العملُ بهِ: كما في أحوالِ الدنيا، وقيم المتلفات، وأروش الجناياتِ. وبخبرِ الواحدِ والقياسِ - إن سلّموا جواز العمل بهما . (١) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في الجنائز فانظر هامش فتح الباري: (١٧٩/٣)، من طريق عليّ - كرم الله وجهه - كما أخرجه في القدر فانظر: (٤٣٤/١١)، وأخرجه مسلم في القدر عن عليّ - كرم الله وجهه - بزيادة، كما أخرجه من طريق عمران ببعض تغيير لفظي. فانظر صحيحه: (١٩٥/١٦ - ١٩٨) ط المصرية، واللؤلؤ والمرجان الحديث رقم (١٦٩٧، ١٦٩٨)، وفيض القدير: (١٢/٢ - ١٣)، وكشف الخفا الحديث رقم : (٤٣٠)، والفتح الكبير: (٢٠٢/١) (٢) لم ترد الزيادة في آ. (٣) لم ترد الزيادة في آ. (٥) ما بين المعفوفتين ساقط من ى. (٤) زاد في آ: ((لما)). - ٧٩ - وعن (*) [السادس والسابع(١): أن نذكرَ (٢) الفرقَ - الَّذي تقدَّمَ. وأمَّا الدليلُ على أنَّ للعاميِّ أن يقلِّدَ - في مسائلِ الاجتهادِ، وغيرِ مسائل الاجتهادِ : أنَّا لو كلَّفناهُ أن يفصلَ بين البابين - لكُنَّا قد ألزمناهُ أن يكونُ من أهلِ الاجتهادِ؛ لأنَّهُ إِنَّما يفصلُ بينهما أهلُ الاجتهادِ: فيعودُ المحذورُ المذكورُ. واحتجَّ المخالفُ: بأنَّ ما ليسَ من مسائل الاجتهادِ - فالحقُّ فيها واحدٌ، فلو قلَّدنا فيها: لم نأمن أن نقلِّدَ في خلافِ الحَقِّ، وليسَ كذلكَ مسائلُ الاجتهادِ؛ لأنَّ كلَّ قولٍ فيها حقٌّ. [و(٣)] الجوابُ: :. : أَنَّا لا نأمنُ - أيضاً - في مسائل الاجتهادِ أن لا يجتهدَ المفتي [أو يقصِّرَ (٤)] في اجتهادِهِ، أو يفتيَهُ بخلافِ اجتهادِهِ . فإن قلتم: إنّ مصلحةَ العامّي - هو أن يعملَ بما يفتيهِ المفتي: قلنا: وكذلكَ الأمرُ في تقليدِهِ - فيما نحن فيه - وإن كانَ غيرَ مصيبٍ. مسألةٌ: في شرائط الاستفتاء(٥). (*) آخر الورقة (١٩١) من آ. (١) هذه الزيادة من ض، آ. (٢) في ى: ((بذكر)). ولعل الإِمام المصنف لم ير فيما ذكر المعترض من وجوه ما يستحق أن يقف عنده فاقتصر على هذا الجواب الاجمالي عن الأول والسادس والسابع. . (٤) هذه الزيادة من س، آ، ى. (٣) هذه الزيادة من جـ، أ، ى. (٥) قال الإمام النوويّ: ((یجب علیه (أي: على المستفتي) - قطعاً- البحث الذي یعرف به أهليّة من يستفتيه للإفتاء، وإذا لم يكن عارفاً بأهليّته فلا يجوز له استفتاء من انتسب الى العلم، وانتصب للتدريس والإِقراء وغير ذلك من مناصب العلماء بمجرّد انتسابه وانتصابه = - ٨٠ -