النص المفهرس
صفحات 41-60
اشتبهت عليهِ أماراتُ(١) القبلةِ، فإنَّهُ يجوزُ له العملُ بمجرَّدِ الحدسِ
والتوهِّم (٢).
سلَّمنا: أنَّه أمر بالحكمِ بناءً على طريقٍ، لكن لِمَ لا يجوزُ أن يحصلَ في
مقابلتِهِ طريقٌ آخرُ، فيكونُ أحدُهما راجحاً على الآخرِ. ؟
قوله: ((أجمعوا على وجوبِ العملِ بالراجحِ)).
قلنا: العملُ بالراجحِ واجبٌ على من علمَ ذلك الرجحانَ، أو على من لم
يعلم؟
الأوّل مسلَّمٌ، والثاني ممنوعٌ (٣).
بيانُه :
أنَّ الأمارةَ الراجحةَ - يجبُ العملُ بها على من أطْلِعَ عليها؛ أمَّا من لم
يطَّلع عليها - فجاز(*) أن يكلِّفهَ العملَ بالأضعفِ - فإنَّهُ غيرُ مستبعدٍ في العقلِ
أن تكونَ مصلحةُ أحدِ المجتهدين [في(٤)] العملِ بأقوى الأماراتِ، ومصلحةٌ
الآخرِ في العملِ بأضعفِها.
ومتى كانَ كذلكَ: فإِنَّ الله - تعالى - يُخْطِرُ على قلب مَنْ مصلحتُهُ العملُ
بأقواها - وجوهَ الترجيح ، ويَشْغَلُ الآخرَ عنها: فيظنُّ أَنَّها أقوى الأماراتِ؛ لأنَّ
مصلحتَّهُ العملُ على أَضعفِ الأماراتِ، والظنُّ بكونها أقوى(*) الأمارات مع
كونها - في نفسِها - أضعفَ الأماراتِ: لا يقبُحُ؛ ألا ترى أنَّهُ لا يقبحُ الظنُّ بكونٍ
زیدٍ في الدارِ، وإن لم یکن فيها.
وإذا ثبتَ أنَّ(*) هذا الَّذي قلنا - جائزٌ عقلاً، فما الدليلُ على أنَّهُ غيرُ واقعٍ ؟
(١) لفظ س: ((علامة)).
(٢) في ح، آ: ((الوهم)».
(٣) في آ، ى، س: ((م، ع)).
(*) آخر الورقة (٦٦) من ص.
(٤) لم ترد الزيادة في آ.
(*) آخر الورقة (١٨٣) من آ.
(*) آخر الورقة (٢٣٩) من س.
- ٤١ -
5
[و(١)] الجوابُ:
قولُهُ: ((إنَّما يجبُ العملُ [به(٢)] عند وجودِ الدليل، وها هنا لا دليلَ)).
قلنا: الدليلُ على وجودِ الدليلِ الظاهرِ إجماعُ الأمَّةِ على وجودِ الترجيحِ
بأمورٍ حقيقيَّةٍ، لا خياليَّةٍ، ووجودُ الترجيحِ - يستدعي وجودَ أَصلِ الدليلِ ، أعني
القدرَ المشتركَ بين الدليلِ اليقينيِّ، والدليلِ الظاهريِّ(٣).
قوله: ((يجوزُ العملُ بالأضعفِ إذا لم يعرَفِ الأقوى)».
قلنا: مقدارُ رجحانِ القويِّ (*) على الضعيفِ، إمّا أن يكونَ الاطلاعُ عليهِ
ممكناً، أو لا يكونَ ..
فإن لم يمكن(٤) ذلك: لم يكن ذلك القدرُ معتبراً - في حقُّ المكلَّفِ، وإلّ
كانَ تكليفاً بما لا يطاقُ: فيكونُ القدرُ المعتبر بينَ الأمارتين - في حقِّ المكلَّفِ
مساوياً، لا راجحاً .
وإن أمكنَ الاطّلاعُ عليه - فإمّا أن يجبَ على المكلَّفِ تحصيلُ العلمِ بتلك
الأمارةِ إلى أقصى الإِمكانٍ، أو لا يجبَ.
فإِن كانَ الأوَّلَ - كانَ من لم يصل في معرفتِها إلى أقصىَ الإِمكانِ - تاركاً
للواجب: فيكونُ مخطئاً.
وإن كان الثاني -: فهو محالٌّ؛ لأنَّهُ إِمَّا أن يكونَ هناكَ حدٌّ [مَّا(٥)] - متى لم
يصل إليهِ: لم يكن معذوراً. وإذا وصل (*) إليه: [لم(٦)] يكلّفْ بالزيادةِ عليهِ .
وإمَّا أن لا يكونَ الأمر كذلكَ.
فإن كانَ الأوَّلَ: وجبَ أن يكونَ من لم يصلْ إلى ذلك الحدِّ المعيِّن -
مخطئاً. ومن وصلّ إليه: يكونُ مصيباً .
(١) هذه الزيادة من حے، آ، جـ، ی.
(٣) لفظ آ: ((الظاهر)).
(*) آخر الورقة (١٩٢) من ح.
(٤) كذا في ح، وفي غيرها: ((يكن)).
(٥) هذه الزيادة من ح، آ.
(٦) سقطت من آ.
(٢) هذه الزيادة من ح.
(*) آخر الورقة (١١٩) من ی.
- ٤٢ -
وهذا خلافُ الإِجماعِ ؛ لأنَّهُ لم يدَّعِ أحدٌ من الأمَّةِ حدًّاً معيَّناً - في
الاجتهادِ - بحيثُ إنَّ المجتهدَ متى لم يصل إليهِ - كانَ مخطئاً، وغير معذورٍ،
ومتی وصلَ إلیهِ - كانَ مصيباً.
وأمّا الثاني - وهو: أن لا يكونَ هناك حدَّ معيَّنٌ - فحينئذٍ: لا تكونُ التخطئَةُ
عندَ بعضِ المراتب - أولى منها عندَ بعضٍ : فإمّا أن لا يخطىء - أصلًا - فيكون
العملُ بالظَنِّ [كيفَ كان(١)] ولو معَ ألفِ تقصير: مصيباً. [وهذا باطلٌ
بالإِجماع .
أو لا يكونَ مخطئاً إلا إذا وصلَ(*) إلى النهاية الممكنة. وهو المطلوبُ(٢)].
الطريقة الثالثةُ: المجتهدُ يستدلُّ بشيٍ على شيءٍ، والاستدلالُ - عبارةٌ:
عن استحضارِ العلمِ بأمورٍ يلزمُ من وجودِها وجودُ المطلوب. واستحضارُ العلمِ
بالشيءٍ - متوقّفٌ على وجودِ ذلك الشيءٍ: فالاستدلالُ متوقُّفٌ على وجود
الدليل . ووجودُ ما يدلُّ على الشيءٍ - متوقّفٌ على وجودِ ذلكَ الشيءٍ.
والاستدلالُ على الشيءٍ يتوقَّفُ (٣) على وجودِ المدلولِ؛ لأنَّ دلالته عليهِ نسبةٌ
بينه وبينَ المدلولِ ، والنِّسبةُ بين الأمرين - متوقّفٌ في الثبوتِ على كلٍّ واحدٍ
منهما: فوجودُ المطلوب متقدِّمُ على الاستدلالِ بمراتبَ، والظنُّ متأخّرٌ عن
الاستدلالِ، لأنَّه نتيجتُهُ وَأثرُهُ، فلو كانَ الحكمُ - لا يحصلُ إلّ بعدَ الظنِّ: كانَ
المتقدِّمُ على الشيءِ بمراتبَ، نفسَ المتأخِّرِ عن الشيءِ بمراتبَ؛ وهو محالٌ.
الطريقة الرابعة: المجتهدُ طالبٌ، والطالبُ لا بدَّ له من مطلوبٍ - متقدِّمٍ.
في الوجودِ على وجودِ الطلب - فلا بدَّ من ثبوتٍ حكمٍ قبل وجودِ (٤) الطلبِ؛
وإذا كان كذلك: كان مخالفُ ذلك الحكمِ مخطئاً.
(١) لم ترد الزيادة في ح.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من ى. والعلامة لآخر الورقة (١٩٨) من جـ.
(٣) في غيرح: ((متوقف)».
(٤) في غير آ: (ثبوت)).
- ٤٣ -
فإن قلتَ: لا نسلِّم أنَّ المجتهدَ يطلبُ حكمَ الله - تعالى - بل إنَّما يطلبُ
غلبةَ الظنِّ.
[و(١)] مثالُهُ: من كانَ على ساحل البحر، فقيلَ لهُ: ((إن غلب على ظَنِّكَ
السلامةُ - أبيحَ لكَ الركوبُ . وإن غلبَ على ظَنِّكَ العطبُ - خَرُمَ عليكَ الركوبُ؛
وقبلَ حصولِ الظنِّ لا حكمَ لله - تعالى - عليكَ، وإنَّما حكمُهُ يترتَّبُ على ظَنَّكَ:
- بعدَ حصولِهِ)»: فهو يطلبُ الظنَّ دونَ الإِباحةِ والتحريمِ.
قلتُ: المجتهدُ إمّا أن يطلبَ(٢) الظنُّ - كيفَ كانَ، أو ظناً صادراً عن(*)
النظرِ في أمارةٍ تقتضيهِ؟
الأوَّلُّ باطلٌ بإجماعِ الأمّةِ: فثبتَ أَنَّهُ يطلب ظنّاً صادراً عن النظر في
الأمارةِ، والنظرُ في الأمارةِ - متوقّفٌ على وجودِ الأمارةِ، ووجود الأمارةِ متوقّفٌ:
على وجود المطلوب(٣): فثبتَ أنَّ طَلبَ الظنُّ متوقٌّفٌ(٤) على وجودِ المدلولِ"
بمراتبَ؛ فلو كانَ وجودُ المدلولِ - متوقُّفاً على حصولِ [الظنّ(٥)]: لزم الدورُ؛:
وهذا غيرُ ما قرَّرناه في الطريقة الثانية(٦).
واحتجَّ القائلون بأنَّهُ لا حكمَ الله (٧) - تعالى - في الواقعةِ - بأمورٍ:
أحدها:
لو كانَ في الواقعةِ [لله (٨)] حكمٌ - لكانَ، إِمَّا أن يكونَ عليه دليلٌ - وأعني
بالدليلِ : الْقَدْرَ المشترَكَ بينَ ما يفيدُ الظنِّ، وبين ما يفيدُ اليقينَ، أو لا يكونَ :
(١) هذه الزيادة من خ، آ، ى.
(٢) لفظ س: ((يكلّفْ)).
(*) آخر الورقة (٢٤٠) من س.
(٣) في شرح: ((المدلول)).
(٤) كذا في ح، آ، ولفظ غيرهما: ((موقوف)).
(٥) سقطت الزيادة من ى.
(٦) في غير ص، ح: ((الثالثة)).
. (٨) لفظة الجلالة من آ.
(٧) أي على سبيل التعيين.
- ٤٤ -
والقسمان باطلانِ - فبطلَ القولُ بثبوتِ الحكمِ .
أمّا الملازمة(*) - فظاهرةُ.
وإنَّما قلنا: إنَّهُ لا يجوزُ أن يكونَ عليه دليلٌ، لأنَّهُ لو كانَ عليه(١) دليلٌ: لكانَ
المكلّفُ متمكِّناً من تحصيلِ العلمِ ، أو الظنِّ بهِ، فكانَ الحاكمُ بغيرهِ حاكماً
بغير ما أنزلَ الله - تعالى -: فيلزمُ تكفيرُهُ، لقولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَّاً
أَنزَلَ اللهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾(٢) [وتَفسيقُهُ لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآَ
أَنزَلَ الله فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾(٢)] والقطعُ بأنَّهُ من أهلِ النارِ؛ لأنَّهُ يكونُ تاركاً
لما أمرَ اللهُ بِهِ، وتاركُ المأمورِ بهِ عاصٍ ، والعاصي من أهلِ النار؛ لقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللّه وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَلِداً فِيهَا﴾(٤)؛ ولمّا
أجمعت الأمَّةُ على فسادِ هذه اللوازمِ : علمنا أنَّه ليسَ على الحكمِ دليلٌ.
فإن قلتَ: هذه العموماتُ مخصوصةً؛ لأنَّ أدلَّةَ هذهِ الأحكامِ غامضةٌ:
فيكونُ التكليفُ باتِّبَاعِها حرجاً، وذلك منفيٍّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في
الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(٥).
قلت: غموضُ أدلةِ هذه الأحكام - لا يزيدُ على غموضِ أدلَّةِ المسائل
العقليّةِ، مع كثرةٍ مقدِّماتِها، وكثرةِ الشبهِ فيها، وكونِ الخطأ فيها كفراً وضلالاً:
فكذا ها هنا .
وإنَّما قلنا: إنَّهُ لا يجوزُ أن [لا(٦)] يكونَ عليه دليلٌ؛ لأنَّهُ لو كانَ كذلك -
(*) آخر الورقة (١٨٤) من آ.
(١) كذا في ح، وفي غيرها: ((كذلك)).
(*) آخر الورقة (١٩٣) من ح.
(٢) الآية (٤٤) من سورة المائدة.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من غيرح، والآية (٤٧) من سورة المائدة.
(٤) الآية (١٤) من سورة النساء.
(٥) الآية (٧٨) من سورة الحج .
(٦) سقطت الزيادة من غيرح، ى.
- ٤٥ -
لكانَ التكليفُ به تكليفاً بما لا يطاقُ. وأنَّهُ غيرُ جائزٍ.
فثبتَ بما ذكرنا فسادُ القسمين، ويلزمُ(١) من فسادِهما(٢) القطعُ بأنَّهُ لا حكمَ
في الواقعةِ ألَّْتَّةَ .
وثانيها :
أنَّ الأمّةَ مجمعةٌ على أنَّ المجتهدَ - مأمورٌ بأن يعملَ على وفق ظنِّه، ولا
معنى لحكمِ اللهِ إلّ ما أمَرَ به، وإذا كانَ مأموراً بالعمل - بمقتضى ظَنِّهِ، فإذا
عملَ بهِ: كانَ مصيباً؛ لأنّه(*) يقطع بأنَّهُ عملَ بما أمرَهَ اللهُ به: فوجبَ أن يكونَ
[كلُّ مجتهدٍ مصيباً(٣)].
وثالثها :
لو وُجِدَ الحكمُ - لَوجِدَ عليه دليلٌ قاطع، لكن لم يوجدْ عليه دليلٌ قاطعٌ :
فوجبَ أن لا يوجدَ الحكمُ ألبتَّةَ .
بيانُ الملازمةِ:
هو: أنَّ بتقدير وجودِ الحكمِ ، إمّا أن يوجدّ عليه دليلٌ، أو لا يوجد عليه
دليلٌ.
فإن لم يوجدْ عليهِ دليلٌ ألبتَّةَ -: كان التكليفُ بذلك الحكم تكليفَ ما لا
يطاقٌ .
وإن وجدَ عليهِ دليلٌ، فذلك الدليلُ إمّا أن يكون مستلزماً لذلك المذكور
قطعاً أو ظاهراً، أو لا قطعاً ولا ظاهراً:
والقسمان الأخيران باطلان :
(١) زاد في ی: «لم))، وهو وهم.
(٢) عبارة ى: ((فساد القسمين)).
(*) آخر الورقة (١٩٩) من جـ.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من ص في هذا الموضع، وقد أورده بعد ما يأتي من قوله:
«وثالثها)» ..
-٤٦ -
أمّا أنَّه لا يجوز أن لا يستلزمه قطعاً فالأمر فيه ظاهر؛ لأنَّ الذي يكونُ كذلك
: - استحال أن يتوصَّل به إلى ثبوت المدلول.
وأما أنَّه لا يجوز لا أن يستلزمه ظاهراً - فلأنّ الدليل إمّا أن يمكن وجوده
بدون المدلول، أو لا يمكن:
فإن لم يمكن: كان مستلزماً له قطعاً لا ظاهراً.
وإنْ أمكنَ وجودُ الدليلِ بدونٍ ذلك المدلول في بعض الصور فلو استلزمه
في صورة أخرى -: فلا يخلو إمّا أن تتوقَّفَ صيرورتهُ مستلزماً على انضمامٍ قيدٍ
إليه، أو لا تتوقفَ:
فإن توقّفَ على انضمام قيدٍ إليه، كانَ المستلزمُ للمدلولِ ذلك المجموعَ،
لا ذلك الذي فرضناه - أولاً - دليلاً.
وإن لم يتوقَّفْ على انضمامٍ قيدٍ إليهِ [فذلك الشيءُ تارة ينفكُ عن
المدلولِ ، وأخرى يستلزمهُ من غير انضمامِ قيدٍ إليه]، لا بالنفي ولا بالإِثباتِ:
فليزمُ رجحانُ أحدٍ طرفي الممكنِ على الآخرِ من غيرِ مرجِّحٍ ؛ وذلك محالٌ.
وإذا ثبتَ أنَّ المستلزمَ - هو ذلك المجموعُ، فذلك المجموعُ إن أمكنَ
انفكاكُهُ عن المدلولِ - استحالَ أن يستلزمَ المدلول إلّا بقيدٍ آخرَ؛ فإمّا أن
یتسلسل، وهو محال، أو ینتهي إلى شيء يمتنع انفکاکه عن المدلول، فحينئذ
يكون دليلاً قطعياً، لا ظاهراً.
فإن قلت: الدليلُ الظاهرُ: هو الّذي يستلزمُ كونَ المدلول أولی بالوجودِ.
أو كونه غيرَ منتهٍ إلى الوجوبِ؛ وهذا المعنى ملازمٌ له أبداً !!
قلت: الأولويّةُ الّتي لا تنتهي إلى حدِّ الوجوبِ ممتنعةٌ لأنَّ - معَ تلك الأولويَّةِ
:إن امتنعَ العدمُ، فذلك هو الوجوبُ .
وإن لم يمتنعْ: فتلكَ الأولويَّةُ يمكنُ حصولُها مع الوجودِ تارةً، ومع العدمِ
أخرى؛ ورجحانُ أحدِهما على الآخرِ، إن توقَّفَ على انضمامِ قيدٍ زائٍ لم يكن
الحاصل - أوّلاً - كافياً في الرجحان .
وإن لم يتوقفْ - لزمَ رجحانُ الممكن من غير مرجّحٍ ؛ وهو محالٌ فثبتَ -
- ٤٧ -
بهذا البرهانِ القاطع -: أنَّ الّذي لا يستلزم الشيءَ - قطعاً - استحالَ أن يستلزمَه
بوجهٍ من الوجوهِ، لا ظِنّاً ولا ظاهراً.
فثبتَ: أَنَّه لو وجدَ في الواقعةِ حكمٌ معيَّنُ - لوجدَ عليه دليلٌ قاطعُ؛ ولمَّا
انعقدَ الاجماعُ على أنَّه ليسَ كذلك: علمنا أنّه ليسَ في الواقعةِ حكمٌ أَلْبتَةَ](١).
ورابعها :
لو حصلَ في الواقعةِ حكمٌ معيَّنْ - لکان ما عداه باطلاً، ولو كان كذلك لزم
أمورٌ أربعة :
(١) قوله: ((وثالثها إلى قوله: ورابعها)) أثبتنا ما في ح، ص. لمناسبة الكلام، واتّفاقه مع
أساليب تعبير الإِمام المصنف، وكونه الأقرب لما في المختصرات والأوضح في المعنى . وأما
ما ورد في النسخ الأخرى - فهو: ((وثالثها: أنّه لو كان في الواقعة حكم - لكان عليه دليل قاطع؛
وهذا غير جائز: فذلك غير جائز.
بيان الملازمة: أنّه لو كان في الواقعة حكم - لكان إمّا أن لا تكون عليه أمارة ولا دلالة،
أو تكون عليه أمارة ولا تكون دلالة، أو تكون عليه دلالة. والقسم الأول باطلٌ؛ لأن إثبات
الحكم من غير دليل له - وأمارة يكون تكليف مالا يطاق. وأنّه غير جائز.
ولا يجوز أن تكون عليه أمارة ولا تكون عليه دلالة؛ لأن تخلّف الحكم عن تلك الأمارة
إما أن يكون ممتنعاً، أو لا يكون ممتنعاً: فإن كان ممتنعاً قطعاً - فهو دليل، لا أمارة. وإن
جاز تخلّف الحكم عنها - فحينئذ: تلك الأمارة توجد تارة مع الحكم، وأخرى لا مع الحكم،
فكونها مستلزمة للحكم - في بعض الأوقات - إما إن يتوقف على انضمام قيد اليه، أولا
يتوقف: فإن توقف كان المعرف لذلك الحكم (س ٢٤٧) ذلك المجموع: فلا يكون الشيء
الذي فرضناه أمارة معرفة بوجه من الوجوه . .
وإن لم يتوقف - فحينئذ تصير تلك الأمارة مستعقبة لذلك الحكم مرة، وغير مستعقبة له
أخرى - من غير ما يقتضى ذلك الامتياز؛ فحينئذ: يكون قد ترجح الممكن من غير مرجح .
وهو محال.
فثبت: أنّه لو حصل الحکم - لوجب أن یکون علیه دليل قاطع، ولما كان ذلك باطلاً
بالاتّفاق: علمنا أنه لا حكم في الواقعة)). اهـ. وهناك اختلافات طفيفة وشكلية بين هذه
النسخ قد تجاوزناها.
٠ -
- ٤٨ -
أحدها :
يلزمُ أنْ لا يجوزَ لأحدٍ من الصحابة (*) - أن يولِّيَ بعضُهم بعضاً، مع علمهم
بكونهم مخالفين لهم - في مذاهبهم؛ لأنَّ التمكينَ من ذلك - تمكينٌ من ترويجٍ
الباطل . وإنَّهُ غیرُ جائزٍ.
لكنَّهُ قد وقعَ ذلك؛ روي أنّ أبا بكرٍ - رضي الله عنه -: ولّى زيداً، مع أنَّهُ
كانَ يخالفُهُ في الجدِّ.
وولىَّ عليّ - رضي الله عنه - شريحاً، مع أنَّهُ كانَ يخالفُه في كثير من
الأحکامِ .
وثانيها :
يلزمُ أن لا يمكِّنَهُ من الفتوى، وقد كانوا يفعلون ذلك.
وثالثها :
كان يجبُ أن ينقُضوا أحكامَ مخالفيهم، وأن ينقضَ الواحدُ منهم حكمَ
نفسِهِ الّذي رجعَ عنه؛ لأنَّ كثيراً منهم قضىَ بقضايا مختلفةٍ، لكن (١) لم ينقل عن
أحدٍ منهم أنَّه نقَضَ حكمَ غيرِه، ولا حكمَ نفسِهِ - عندَ رجوعه عنه .
ورابعها:
أنهم اختلفوا في الدماء والفروجِ ، والخطأ في ذلك يكونُ كبيراً، لأنّه لا فرقَ
بين أن يمكِّن غيره بفتواه - بالباطلِ من القتلِ وأخذِ المالِ، وبينَ أن يقتلَ ويأخذَ
المالَ، ويصرفَهُ إلى غيرِ المستحقُّ ابتداءً -: في كونِهِ كبيراً(٢)، (*) ويجبُ(٣)
تفسيقُ فاعلِهِ، والبراءةُ منه. ولمَّا لم يوجدْ شيءٌ من هذهِ اللّوازمِ الأربعةِ: علمنا"
(*) آخر الورقة (١٩٤) من ح.
(١) في آ: ((لكنّه)).
(٢) لفظ ح: ((كبيرة)» .
(*) آخر الورقة (١٢٠) من ی.
(٣) لفظ أ: ((فوجب).
- ٤٩ -
أَنَّه لا حكمَ في الواقعةِ: أصلاً.
فإن قلتَ: فِلِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: ذلك الخطأُ - كانَ من باب(*) الصغائر -
فلا جرمَ: لم يجبْ الامتناعُ عن التوليةِ، ولا المنعُ من الفتوى ولا البراءةُ ولا
التفسیق؟
سلّمنا: أنَّهُ كبيرةٌ، فلِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: هذه الأمورُ - إنَّما تلزمُ لو حصلَ
في هذهِ المسائِل طريقٌ مقطوعٌ بهِ .
أمّا إذا كثرت وجوهُ الشبهِ، وتزاحمت جهاتُ التأويلاتِ والترجيحاتِ: صارّ
ذلك سبباً للعذرِ، وسقوطِ اللَّوم؟
سلّمنا: صحّة دليلِكم، لكنَّهُ معارضٌ بوجوهٍ:
الأوّل(١):
ما روي عن الصحابةِ من التصريح : رويَ عن الصدّيقِ الأكبر - رضي الله
عنه - أنَّهُ قالَ في الكلالةِ: ((أَقولُ فيها برأيي، فإِنْ كانَ صواباً - فمن اللهِ تعالى،
وإِن كانَ خطأً فمِنِّي، وَأَستغفرُ الله)).
وعن عمرَ - رضي الله عنه - أنَّهُ(*) حكمَ بحكمٍ ، فقالَ لهُ بعضُ الحاضرين :
((هذا - واللهِ - هو الحقُّ)).
وحكم بحكم آخر، فقال له الرجل: هو - واللهِ - الحقُّ، فقال له عمرُ: ((إنَّ
عمرَ لا يعلمُ أنَّه أَصابَ الحقَّ، لكنَّهُ لا يألو جهداً(٢).
وقال - أيضاً - لكاتِبُه: ((اكتبْ: هذاما رأَى عمرُ، فإِن كانَ صواباً - فمن اللهِ ..
وإِن كانَ خطأً - فمنه)).
(*) آخر الورقة (١٨٥) من آ.
(١) في ح: ((أحدها)).
(*) آخر الورقة (٦٧) من ص.
(٢) انظر نحو هذا، وما في معناه عن أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - في المصنف
لعبد الرزاق الأثر (١٩٠٤٥).
٠ ٥٠ -
وقال عليّ لعمرَ - في قصَّةِ المجهضةِ: ((إِن قاربوكَ - فقد غشُّوكَ. وإِن
اجتهدوا - فقد أخطأوا)).
وقال ابن مسعود(*) في المفوِّضة: ((أَقُولُ فيها برأيي، فإِنْ كانَ صواباً - فمن
اللهِ. وإنْ كانَ خطأً - فمنيٍّ ومَن الشيطانِ، والله ورسولُه عنه بريئان)».
ونقلَ: أنَّ جماعةَ الصحابةِ خطُّوا ابن عباسٍ - في إِنكارِ العولِ .
وقال ابنُ عبّاسٍ : ((أَلا يتَّقي الله زيدُ بنُ ثابتٍ))(١).
الثاني :
أنَّ الصحابةَ اختلفوا: قبلَ العقد لأبي بكرٍ - رضي الله عنه - فقالت الأنصارُ
((منَّا أَميرٌ، ومنكم أميرٌ))(٢) وكانوا مخطئين لمخالفتهم قوله(*) عليه الصلاةُ
والسلامُ ((الأئمّةُ من قريشٍ))؛ ولم يلزمْ من ذلك الخطأِ إظهارُ البراءةِ والتفسيقِ:
فكذا ها هنا.
الثالث :
اختلفوا - في أنَّ مانعَ الزكاةِ، هل يقاتلُ؟!
وقضى عمرُ - في الحاملِ : المعترفة بالزِّنى: بالرجم (٣). وكان ذلك على
(*) آخر الورقة (٢٠٠) من جـ.
(١) راجع ج ٥، ص (٢٦ - ١٢٥) من هذا الجزء من الكتاب وانظر فتح القريب:
(٤٦/١) وتفسير القرطبي: (٦٨/٥)، والمغني: (٢٧٠/٦).
(٢) راجع ما دار في سقيفة بني ساعدة قبل البيعة لأبي بكر - رضي الله عنه - في الكامل:
(٢٢٠/٣ - ٢٢٤).
(*) آخر الورقة (٢٤٢) من س.
(٣) أخرج البيهقيّ في السنن الكبرى حديث حاطب وأنّه توفي فأعتق من صلى من رقيقه
وصام، وكانت له أمة نوبيّة قد صلت وصامت - وهي أعجميّة لم تفقه، فلم ترعه إلا يحبلها
- وكانت ثيّاً - فذهب إلى عمر - رضي الله عنه - فحدثه، فشاور عمر - رضي الله عنه - من
حضره من الصحابة فأشاروا عليه برجمها، ثم شاور عثمان فقال له: أراها تستهلُّ به كأنها لا
تعلمه، وليس الحدّ إلا على من علمه، فوافقه عمر على ذلك. وقال البيهقيّ: «كان حدّها =
- ٥١ -
خلافِ النصِّ، ولم يلزمْ تفسيقُ عمر: فكذا ها هنا!
وأمَّا قولُه - في الوجهِ الرابع -: ((إنّهم اختلفوا في الدماءِ والفروج ، والخطا
فیھا کبیرٌ)) .
قلنا: لا نسلمُ، فإنّه لمّا لم يمتنع أن تكون الأقوال المختلفة صواباً - على
مذهبكم - فلِمَ لا يجوزُ أن يكونَ الخطأ فيها صغيراً؟
وقولُه: ((لا فرقَ بين القتلِ والغصب ـ ابتداءً، وبين التمكين منهما بالفتوى
الباطلة)).
قلنا: لا نسلِّمُ، ولم لا يجوزُ أن يكونَ تمسُّكه في ذلك بما يشبهُ الدليلَ -
سبباً لسقوط العقاب والتفسيق؟
قلت: أمّا الجواب عن الأوّلِ:
- فالَّذي يدلُّ على أنَّه لو كانَ خطأً - لكانَ من الكبائر، لا من الصغائر(*):
أنَّ تاركَ العملِ بهِ - تاركٌ للعمل(١) المأمورِ(٢) بهِ، فيكون عاصياً: فيكون مستحقاً.
للنار . .
وعن الثاني:
أنَّ غموضَ الأدلَّةِ، وكثرةَ الشبهِ [فيها(٣)] - ها هنا - أقلُّ ممّا في العقليَّاتِ
مع أنَّ المخطىءَ فيها كافرٌ، أو فاسقٌ .
وعن الثالث :
: أن نقولَ: تركُ البراءةِ والتفسيقِ - مع التمكين من الفتوى والعمل - منقولٌ.
عن(٤) هؤلاءِ الَّذِين نقلتمُ عنهم التصريحَ بالتخطئةِ - فلا بدَّ من التوفيق، وقد تعذّر
= الرجم فكأنه - رضي الله عنه دراً عنها حدّها للشبهة بالجهالة، وجلدها وعزَّرها تعزيزً)). فانظر :.
(٢٣٩/٨).
(*) آخر الورقة (١٩٥) من ح.
(١) في ى: ((العمل))!
(٢) لفظ آ: ((بالمأمور)).
(٣) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٤) زاد في غیر ص، ح، ی ((غير)).
- ٥٢ -
٠٠٠
صرفُهُ إلى كونِ الخطأ صغيراً - لِما بيّا فسادَه؛ فإذن: لا طريقّ في التوفيقِ إلّ
صرفُ ما نقلناه إلى قسم، وما نقلتموه إلى قسمٍ آخرَ؛ [وذلك لأنّا (١)].
(٢) لا ندَّعي التصويبَ في كلُّ المسائل (٣) الشرعيَّةِ. حتىّ يضرّنا ما
ذكرتموه .
أمَّا أنتم - فتدَّعون الخطأ في كلِّ الاختلافاتِ، فيضرُّكم ما ذكرناه.
فنحمل التخطئة: على ما إذا وجدَ - في المسألةِ - نصِّ قاطعٌ، أو على ما
إذا لم يستقصِ المجتهدُ في وجوه الاستدلال .
وقوله: ((إن يكن صواباً - فمنَ اللهِ. وإن يكن خطأً - فمنيّ ومن الشيطانِ)).
معناه: إن استقصيتٌ في وجوهِ النظرِ والاستدلالِ - فمن اللهِ. وإن قِصَّرتُ -
فمنيّ ومن الشيطانِ .
وأمَّا المعارضةُ الثانيةُ - فجوابُها: أنَّ الأنصارَ ما سمعوا ذلك (٤) الحديث -
فلا جرمَ: لم يستحقوًّا التفسيقَ والبراءةَ. بخلافِ هذه المسائل : فإنَّ كلَّ واحدٍ
- من المجتهدين - عرفَ حجّةً صاحبهِ، واطَّلَعَ عليها، فلو كانَ مخطئاً - لكانَ
مصرّاً على الخطأِ بعدَ اطِّلاعِهِ عليه(٥). فأينَ أحدُ البابين من [الباب(٦)] الآخر؟
وهذا هو الجوابُ - أيضاً - عن اختلافِهم في مانعي الزكاة، وقصَّةِ
المجهضة .
قوله - على الوجه الرابع -: ((لمّا جازّ أن تكونَ المذاهبُ المختلفة - في
الدماءِ والفروج - خفيَّةً، فلِمَ لا يجوزُ أن يكونَ الخطأ فيها صغيراً، لا كبيراً)).
(١) هذه الزيادة من ح.
(٢) في غيرح زيادة ((و)).
(٣) عبارة س، ى: ((في كل الاختلافات الشرعية))، وعبارة ح: ((في كل الاختلافات من
المسائل الشرعية».
(٤) لفظ ح: ((هذا)).
(٥) في ح: ((عليها)).
(٦) لم ترد الزيادة في آ، ى.
- ٥٣ -
قلنا: قد ذكرناً الدليل على أنَّ الخطأَ - في هذا الباب - لا بدَّ وأن يكونَ
كبيراً.
ولأنَّه روي(١) أنّه عليه الصلاةُ والسلامُ قالَ: ((مَنْ سَعَىْ في دمِ مسلمٍ، ولو
بشَطْرِ كلمةٍ - جاءَ يومَ القيامةِ - مكتوباً(*) بين عينيه: آيسٌ من رحمةِ اللهِ(٢)). فهذا
وأمثاله - من الأحاديث - الّتي لا حدَّ لها: يدلُّ على أنَّه لو كانَ المفتي في هذه
الوقائع مخطئاً [لكان(٣)] خطؤه كبيرةً، لا صغيرة (٤).
وخامسها:
لو كانَ المجتهدُ مخطئاً - لما حصلَ القطعُ بكونِ الخطأِ فيهِ مغفوراً، وقد
حصلَ ذلك: فهو [ليسَ بمخطىءٍ(*)].
بيانُ الملازمةِ :
أنَّهُ لو حصلَ القطعُ بكونِ الخطأِ مغفوراً - لكانَ في (*) ذلك الوقتِ - إمّا أن
يجوِّزَ المخطىءُ كونَهُ مخلَّا بنظرٍ يلزمُهُ فعلُهُ، أو لا يجوِّزَ ذلك.
(١) في غیرح: ((یروی)).
(*) آخر الورقة (١٨٦) من أ.
(٢) يلفظ ((من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة)) الحديث أخرجه ابن ماجة برقم:
(٢٦٢٠)، وهو في الجامع الصغير: (٢٨٢/٢)، وفي فيض القدير الحديث: (٨٤٧١)،
وفي الفتح الكبير (١٦٤/٣)، وقد ورد لفظ ((مكتوبا)) بالرفع في السنن وفي بعض نسخ الجامع
الصغير وكلاهما صحيح في اللغةِ، وقال المناويّ في الفيض: (( .. رواه أحمد، وقال: ليس
هذا الحديث بصحيح، وقد بالغوا في تضعيفه حتى عده ابن الجوزي في الموضوعات)) انظر:
(٧٢/٦) منه.
(٣) سقطت من س.
(٤) عبارة س، آ، ى: ((كبيراً، لا صغيراً).
(٥) كذا في - ص، ح، وعبارة آ: ((ليس خطأ)، وفي س، ((غير خطأ))، واقتصر في ى
على لفظ ((خطأ)).
(*) آخر الورقة (٢٤٣) من س.
- ٥٤ -
فإن لم يجوّزْ ذلك: كانَ كالساهي عن النظر الزائدِ، فلم يكنْ مكلَّفاً بفعلِهِ،
وإذا لم يكن مكلَّفاً بفعلِهِ - لم يستحقَّ العقابَ بتركِهِ : فلا يكونُ مخطئاً؛ وقد
فرضَ(*) مخطئاً. هذا خلفٌ.
وإن جوِّزَ كونُه مخلا بنظرٍ زائدٍ - لم يخل، إمّا أن يعلمَ في تلك الحالة:
أنَّهُ مغفورٌ له إخلالُه بذلك النظرِ الزائدِ، أو لا يعلم ذلك.
فإن علم ذلك: لم يصحَّ؛ لأنَّ المجتدَلا يعلمُ المرتبةً - التي إذا انتهى إليها
غفر له ما بعدها؛ لأنَّه إن اقتصر على أوَّلِ المراتب: لم يغفر له ما بعدها، وما
من مرتبةٍ ينتهي إليها، إلّ ويجوزُ أن لا يغفر له ما بعدَها. ولا تتميّزُ(١) بعضُ تلك
المراتب من بعض. ولأنَّهُ لو عرفَ تلك المرتبةَ - لكانَ مغرى بالمعصيةِ؛ لأنَّهُ
علمَ أَنَّهُ لا مضرَّةَ عليهِ في تركِ النظرِ الزائدِ، مع كونِهِ مثاباً(٢) عليه.
فثبتَ: أَنَّهُ لا يعرفُ تلك المرتبةَ، وإذا لم يعرفْها - جوِّز أن لا يُغفر له إخلالُه
بما بعدَها - من النظر. وجوِّزَ - أيضاً - في كلِّ مخطىءٍ من المجتهدين: أنَّهم
ما انتهوا إلى المرتبةِ - الّتي(٣) يغفرُ لهم ما بعدَها؛ وفي ذلك تجويزُ كونهم غيرَ
مغفورٍ لهم.
فثبتَ: أَنَّهُ لو كانَ مخطئاً - لما حصلَ القطعُ بكونِهِ مغفوراً له، لكنَّهُ حصل
القطعُ بذلك؛ لأنَّهم اتَّفقوا من لدن عصر الصحابةِ إلى يومِنا هذا: أنَّ ذلك
مغفورٌ لهم(٤): فعلمنا أنَّ المجتهدَ ليسَ بمخطىءٍ .
وسادسُها:
قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتُم))؛
خيّر الناسَ في تقليدِ أعيانِ الصحابةِ، وكان الصحابةُ(٥) مختلفينَ في المسائلِ،
فلو كانَ بعضُهم مخطئاً في الحكمِ ، أو في الاجتهادِ: لكانَ قد حثّهم على
(*) آخر الورقة (٢٠١) من جـ.
(١) في غير ص، ح زيادة: ((له)).
(٢) لفظ س: ((مشاقاً)).
(٤) في س: ((له)).
(٣) في ح زيادة: (لا)).
(٥) لفظ آ: ((أصحابه)).
- ٥٥ -
الخطأِ والمصير إليه! وإنَّهُ لا يجوز (٢).
وسابعُها :
قوله عليه الصلاةُ والسلامُ لمعاذٍ، لما رتَّب الاجتهادَ على السنَّةِ، والسنَّة
على الكتاب: ((أصبتَ)).؛ حكمَ بتصويبهِ - مطلقاً - ولم يفصل بينَ حالةٍ وحالةٍ:
فعلمنا أنَّ المجتهدَ مصيبٌ على الإِطلاقِ(*).
[و(١)] الجوابُ عن الأُوَّلِ :.
أنَّ على الحكم دليلاً ظاهراً، لا قطعيًّاً(٢).
قولُه: ((لِزمَ كفرُ تاركِهِ وفسقُهُ بالآياتِ».
قلنا: عندنا - أنَّ المجتهدَ - قبلَ الخوضِ في الاجتهادِ(٣): كان تكليفُه أنّ
يطلب ذلك الحكمَ - الذي عيَّنْه الله - تعالى - ونصبَ عليهِ الدليلَ الظاهرَ.
فإذا اجتهدَ وأخطأ، ولم يصلْ إلى ذلك الحكم، وغلبَ على ظنِّه شيءٌ
آخر: تغيَّر التكليفُ في حقهِ، وصارَ مأموراً بأن يعملَ بمقتضىَ ظنَّهِ .
وعلى هذا التقدير: يكونُ حاكماً بما أنزلَ الله - تعالى - لا بغير ما أنزلَ الله:
فیسقطُ(٤) ما ذکروہ - من الاستدلال.
وهذا هو الجوابُ(٥) : - أيضاً - عن الحجَّةِ الثانية (٦)؛ لأنَّا نسلِّمُ أنَّ المجتهدَ -
بعدَ أن اجتهدَ، وغلب على ظنّه: أنَّ الحكمَ كذا - فإنَّه يكلّفُ (٧) بأن يعملَ
بمقتضى ذلك الظنِّ، وحكمُ الله - تعالى - [في هذه الحالةِ(٨)] في حقِّه ليسَ إلّ
ذلك. لكن لِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: إِنَّهُ - قبلَ الخوض في الاجتهادِ(٩): كانَ مأموراً
(*) آخر الورقة (١٩٦) من ح.
(*) آخر الورقة (١٢١) من ى.
(٢) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((قطعاً».
(٤) في ح: ((فسقط)).
(٦) لفظ ى: ((الثالثة))، وهو وهم.
(٨) هذه الزيادة من ح ..
(١) هذه الزيادة من خ، آ.
(٣) لفظ ى: ((فكان)».
(٥) زاد في ح: ((الحرف)).
(٧) في ح، ى: ((مكلّف)).
(٩) زاد في ی: ((و)).
- ٥٦ -
.-
بذلك الحكم الَّذي عيَّنه الله - تعالى - ونصبَ عليهِ الدليلَ، لكنَّهُ - بعدَ الاجتهادِ
ووقوع الخطأِ - تغيَّر التكليفُ. وما ذكروه لا ينفي هذا الاحتمالَ.
وأيضاً:
فهذه الدلالةُ منقوضةٌ بما إذا كانَ النصُّ موجوداً - في المسألةِ - والمجتهدُ
طلبهُ ولم يجدْه، ثمّ غلبَ على ظنِّه - بمقتضى القياس (*) خلافُ ذلك الحكمِ:
[فإن(١)] كان تكليفهُ في هذه الحالة - أن يعمل بمقتضى ذلك القياس ، مع
انعقادِ الإِجماع على كونِهِ مخطئاً - في هذه الصورة، فما جعلوه جواباً [لهم(٢)]
عن هذه الصورة - {فهو جوابُنَا عمَّا قالوه.
واعلم: أنَّ من المصوّبةِ من منعَ التخطئَةَ(٣)] - في هذه الصورة. والمعتمدُ:
ما قدَّمناه.
وهو الجوابُ عن الوجهِ الثالثِ - الّذي ذكروه [وعن الوجهِ الرابع (٤)]؛ لأنَّهُ إِنَّما
يجبُ البراءةُ والتفسيقُ لو كانَ عاملاً بغيرِ حكمِ اللهِ - تعالى - لكنّه بعد(٥) الخطأِ
مكلّفٌ بأن يعملَ بمقتضى ظنِّهِ، فيكونُ عاملًا بحكمِ اللهِ - تعالى -: فلا يلزمُ
شيءٌ ممَّا ذكروه.
3
وعن الخامس (٦):
أنَّ المرتبةَ الَّتي - عندَها - يحكمُ بكونِهِ مغفوراً - هي: أن يأتيَ بما يقدرُ
عليهِ، من غيرِ تقصيرٍ.
(*) آخر الورقة (٢٤٤) من س.
(١) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٢) هذه الزيادة من ى.
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من ى، وزاد في س، أبعد لفظ ((المصوية)) ((من)).
(٤) انفردت بهذه الزيادة ح، وهي زيادة مناسبة لما تقدم، ولما بعدها.
(٥) لفظ ح، آ: ((عندي)).
(٦) كذا في ح، آس، وفي النسخ الأخرى: ((الرابع)).
- ٥٧ -
وعن السادس(١):
أَنَّهُ معارضٌ بقولِهِ عليه(*) الصلاةُ والسلامُ: ((مَن اجتهدَ وأَخطأ - فلهُ أَجْرٌ
واحدٌ»(٢).
وأيضاً: فهو خبرُ واحدٍ، وما ذكرناه دلائلُ قاطعةٌ : فلا يحصلُ التغارضُ.
وهو الجوابُ (٣) عن(*) الوجه السابع (٤).
واعلم: أنّا نريد أن نتكلّم في فروعِ القولِ بالتصويب:
مسألةٌ :
الذين قالوا: ليسَ في الواقعةِ - حكمٌ معيَّنٌ، منهم من قالَ [بـ(٥)] الأشبهِ -
على التفسير الَّذي لِخَّصنَاهُ.
ومنهم من [لم(٦)] يقلْ به. وهو الحقُّ.
لنا :
أنَّ ذلك الأشبهَ ـ إمَّا أن يكونَ هو: العملَ بأقوى الأماراتِ، أو غيره.
فإن كان الأوّلَ: فأقوى الأماراتِ - إمَّا أن يكون موجوداً، أو لا يكون:
فإن كان موجوداً: كانَ الأمرُ بهِ وارداً لإِجماع (٧) الأمَّةِ على وجوبِ العَمَلِ
بأقوى الأماراتِ؛ فحينئذٍ: يكونُ الحكمُ بذلك الأشبهِ وارداً؛ [وقد فرضناهُ غيرَ
واردٍ. هذا خلفٌ.
(١) كذا في ح، آ، س، وفي النسخ الأخرى: ((الخامس).
(#) آخر الورقة (١٨٧) من آ.
(٢) جزء من حديث سيأتي تخريجه بهامش ص (٥٩) وما بعدها.
(٣) في جـ، آ زيادة: ((بعينه)).
(*) آخر الورقة (٢٠٢) من جـ.
(٤) كذا في ح، س، وفي غيرهما: ((السادس)).
(٥) هذه الزيادة من ح، آ.
(٦) سقطت الزيادة من ى.
(٧) في ى، آ: ((للإجماع)).
- ٥٨ -
وإن كانَ أقوى الأماراتِ غيرَ موجودٍ: لم يكن الأشبهُ - أيضاً - موجوداً(١)]؛
لأنَّا فرضنا: أنَّ الأشبهَ - هو نفسُ أقوى الأماراتِ .
وأمَّا إن كانَ الأشبهُ [شيئاً(٢)] - غيرَ العملِ بأقوى الأماراتِ، فإمّا أن تكونَ
مفسدةً للمكلَّفِ أو مصلحةً له، أو لا مفسدةً ولا مصلحةً.
[و(٣)] الأوّلُ باطلٌ؛ لأَنَّهُ ليسَ في الأمَّةِ أحدٌ يقول: إنَّهُ يجبُ أن يكونَ في
كلِّ واقعة حكمٌ - لو نصَّ الله - تعالى - على الحكمِ : لنصَّ عليهِ، مع أنَّهُ يكونُ
مفسدةً .
وأمّا الثاني - وهو أن يكونَ مصلحةٌ، فإمَّا أن تجبَ على اللّهِ - تعالى - رعايةٌ.
المصالح ، أو لا تجبَ.
فان وجبت: وجبَ عليهِ التنصيصُ على ذلك الحكم ؛ ليتمكَّنَ المكلَّفُ
من استيفاءِ تلك المصلحةِ .
وإن لم تجبْ عليهِ رعايةُ المصلحةِ: جازَ منهُ تعالى - أن ينصَّ على غيرِ
ذلك الحكم ، وذلك يُبطلُ القولَ بأَنَّهُ لو نصَّ على الحاكم - لما نصَّ إلّ عليه ..
[و(٤)]. أمّا الثالث - وهو: أن يكونَ ذلك الأشبهُ لا مصلحةً ولا مفسدةً - فهذا
إنَّما يمكنُ لو قلنا: إنَّهُ لا تجبُ عليهِ [رعاية(٥)] المصالح ، وكلُّ من قالَ بهذا
القولِ - قالَ: إِنَّهُ لا يتعين عليهِ تعالى أن يحكمَ على وجهٍ معيَّنِ، بل له أن
يحكمَ(*) كيف شاء، وذلك يمنعُ [من(٦) ] القولِ بتعيُّن الأشبهِ.
واحتجَّ القائلون بالأشبهِ - بالنصِّ والمعقولِ :
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من آ.
(٢) انفردت ح بهذه الزيادة.
(٣) هذه الزيادة من ح، آ.
(٤) لم ترد الزيادة في آ.
(٥) لم ترد الزيادة في س.
(*) آخر الورقة (١٩٧) من ح.
(٦) لم ترد الزيادة في آ.
- ٥٩ -
أمَّ النصُّ - فقوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((إِذا اجتهدَ الحاكمُ وأخطأ - فله
أجرٌ واحدٌ (١)؛ صرَّحَ بالتخطئةِ، وهذه التخطئةُ - ليست لأجل مخالفة حكمٍ
(١) بلفظ ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله
أجرٌ)). أخرجه الإمام الشافعيّ في الأم: (٢٠٣/٦، و٨٥/٧)، وفي جماع العلم:
(٢٥٤/٧، و٢٦٢، و٢٧٣)، وفي إبطال الاستحسان: (٢٥٧)، كما أخرجه في الرسالة :
(٤٩٤)، وقد قال رضي الله عنه - في إبطال الاستحسان: (٤٧٤/٧) (( ... فإن قال قائل:
((أرأيت ما اجتهد فيه المجتهدون كيف الحقّ فيه عند الله؟ قيل: لا يجوزفيه-عندناوالله تعالى":
أعلم -: أن يكون الحق فيه عند الله كلّه إلا واحداً؛ لأنّ علم الله - عزَّ وجلَّ - وأحكامه واحدٌ،
الاستواء السرائر والعلانية عنده، وأن علمه بكل واحد - جلَّ ثناؤه - سواء.
فإن قيل: من له أن يجتهد فيقيس على كتاب أو سنَّة هل يختلفون ويسعهم الاختلاف؟.
أو يقال لهم - إن اختلفوا - مصيبون كلّهم أو مخطئون، أو لبعضهم مخطىء وبعضهم
مصيب؟!
قيل: لا نجوِّز على واحد منهم - إن اختلفوا - إن كان ممن له الاجتهاد وذهب مذهباً
محتملاً أن يقال له: أخطأ مطلقاً؛ ولكن يقال لكل واحد منهم: قد أطاع فيما كلّف وأصاب
فيه، ولم يكلّف علم الغيب - الذي لم يطلع عليه أحد.
فإن قال قائل: فمثِّلِ لي من هذا شيئاً؟!
قيل: لا مثال أدلُّ عليه من الغيب عن المسجد الحرام واستقباله: فإذا اجتهد رجلان
بالطريقين عالمان بالنجوم والرياح والشمس والقمر فرأى أحدهما القبلة متيامناً منه، ورأى
أحدهما القبلة منحرفة عن حیث رأی صاحبه: کان علی کل واحد منهما أن يصلي حیث یری،
ولا يتبع صاحبه إذا أُدَّاه اجتهاده إلی غیر ما أدى صاحبه اجتهاده إليه، ولم یکلف واحد منهما
صواب عين البيت، لأنه لا يراه، وقد أدىّ ما كلّف: من التوجُّه إليه بالدلائل عليه !!
فإن قيل : فیلزم أحدهما اسم الخطأ؟!
قيل: أمّا فيما كلّف - فلا، وأمّا خطأ عين البيت فنعم؛ لأنّ البيت لا يكون في جهتين.
فإن قيل: فيكون مطيعاً بالخطأ.
قيل: هذا [مجتهد] يكون مطيعاً بالصواب لما كلّف من الاجتهاد، وغير آثم بالخطأ.
إذلم يكلف صواب المغيّب العين عنه، فإذا لم يكلّف صوابه لم يكن عليه خطأمالم يجعل عليه
صواب عينه ثم أورد - رحمه الله - حديث الباب، وقال فإن قال قائل: فما معنى هذا؟
- ٦٠ -