النص المفهرس

صفحات 1-20

المُخْصُور
فِيْ عِلِمُ أصُول الفِقْهُ
لِلِإِمَامِ الأصولي النَظَار المفَسّر
فَجْز الدّين محمّد بن عُمَرَ د الحُسين الرازي
٥٤٤ - ٦٠٦ هـ / ١١٤٩ - ١٢٠٩م
دَرَاسَة وَتحقيق
الدكتور طه جَابر فيّاضِ العَلواني
الجُزْءُ السَّادسُ
الرس
مؤسسة
٠٠

-0
\3
45
3

الكلام في الاجتهاد
والنظر في ماهيَّةِ الاجتهادِ،
والمجهتد،
والمجتهد فيه
وحکم الاجتهاد.
- ٥ -

الركن الأول
في الاجتهاد
وهو - في اللّغةِ - عبارةٌ: عن استفراغِ الوسعِ في أيِّ فعلٍ كانَ، يقالُ:
((استفرغُ وسعه(*) في حملِ الثقيلِ))، ولا يقالُ: ((استفرِغَ وسعه في حملٍ
النواة)) .
وأمَّا - في عرفِ الفقهاءِ(١) - فهو: ((استفراغُ الوسع (٢) في النظر فيما لا يلحقُهُ
فيهِ لومٌ، مع استفراغِ الوسعِ فيهِ)).
وهذا سبيلُ مسائلِ الفروع؛ ولذلك تسمَّى هذه المسائلُ - مسائل(*)
الاجتهادِ، والناظُر فيها مجتهدٌ. وليس هذا حالَ الأصولِ (٣).
(*) آخر الورقة (١٧٦) من آ.
(١) عبِّر به دون غيره؛ لأنّ التقدير: استفراغ الفقيه من حيث كونه فقيهاً الوسع.
(٢) بحيث تحسّ النفس بالعجز عن المزيد، كما في كشف الأسرار (١٣٣/٤)،
والمستصفى: (٢ / ٣٥٠)، وقد قال الإِمام الشافعي: (( ... وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده،
والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك)). انظر الرسالة (٥١١)،
وهامش بحثنا في الاجتهاد ص (١٤).
(*) آخر الورقة (١٩٠) من جـ.
(٣) إذا اطلقت كلمة ((الاجتهاد)» من غير تقييد - فإنما يراد بها: الاجتهاد في الفروع،
كما أنّ قولهم: ((استفراغ الفقيه)) - أرادوا به: إخراج غير الفقيه، فلا عبرة باستفراغه وسعه؛
و ((الفقيه)): من صار الفقه ملكة له وسجيّة، وتهيأ لمعرفة الأحكام الشرعية من مصادرها - انظر
جمع الجوامع وشرحه للجلال بهامش حاشيته الآيات البينات: (٢٤٢/٤).
-٦-

الركن الثاني
في المجتهد
وفيه مسائل :
مسألةٌ :
قال الشافعيُّ -رضي الله عنه -: ((یجوزُ أن یکون في أحکام الرسول - صلى
الله عليه وسلّم - ما صدرَ عن الاجتهادِ)). وهو قولُ أبي يوسفَ - رحمه الله.
وقال أبو عليّ وأبو هاشمٍ : إنَّهُ لم يكن متعبِّداً به .
وقالَ بعضُهم: كانَ له أن يجتهدَ في الحروبِ، وأمّا [في (١)] أحكامِ الدّين
- فلا .
وتوقّف أكثر المحقّقين في ذلك(٢).
أمّا المثبتون(*) - فقد احتجّوا بأمور:
أحدها:
عمومُ قولهِ تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُ واْ يَأُوْلِي الْأَبْصَرِ﴾(٣).
وكان عليه الصلاةُ والسلامُ - أعلى الناسِ بصيرةً، وأكثرهم اطلاعاً على
شرائطِ القياس ، وما يجبُ ويجوزُ فيها؛ وذلك إن لم يرجّح دخوله [ في هذا
الأمرِ على دخولِ غيره(٤)] فلا أقلّ من المساواةِ [فيكونُ مندرجاً تحتّ الآية (٥)]:
(١) هذه الزيادة من ح، آ، ی.
(٢) لفظ ح: ((الكلّ)).
(*) آخر الورقة (١١٥) من ی.
(٣) الآية (٢) من سورة الحشر.
(٤) ما بين المعقوفتين لم يرد في جـ، ل. (٥) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، ى، س.
-٧ -

فكانَ مأموراً بالقياس ، فكان(١) فاعلًا له، وإلّ قدحَ في عصمتِهِ،
وثانيها :
أَنَّهُ إِذا غلب على ظنِّ كونُ الحكمِ - في الأصلِ - معلَّلاً بوصفٍ، ثمَّ علمَ
أو ظنَّ حصول ذلك الوصفِ - في صورةٍ أخرى -فلا بدّ(٢) أن يظنّ أن حکمَ اللهِ -
تعالى - في الفرع مثلُ حكمِهِ في الأصلِ ، وترجيحُ الراجحِ على المرجوحِ من
مقتضياتٍ بدائِهِ العقول على ما قرَّرناهُ في كتابِ القياسِ - وهذا يقتضي أن يجبَ
[عليه(٣) العملُ بالقياسِ .
وثالثُها:
أنَّ العملَ بالاجتهادِ - أشقُّ من العملِ بالنصِّ: فيكونُ أكثرَ ثواباً؛ لقولِهِ
عليه الصلاةُ والسلامُ ((أَفْضَلُ العباداتِ أَحمزُها)(٤) - أي: أشقُّها؛ ولو لم يعمل
الرسول - عليه الصلاةُ والسلامُ - بالاجتهادِ، معَ أنَّ أَمَّته عملوا به: كانت الأمَّةُ
أفضلَ منه ۔ في هذا البابِ - وإنَّه غیرُ جائزٍ.
فإن قلتَ: فهذا يقتضي أن لا يعملَ الرسول - صلى الله عليه وسلّم - إلّ
بالاجتهادِ؛ لأنَّ ذلك أفضلُ.
وأيضاً: فإنمَّا يجبُ اتِّصافهُ بهذا المنصب لو لم يجد منصباً(*) أعلى [منه
- لكنَّهُ وجدَهُ؛ لأنه يستدركُ الأحكامَ وحياً. وهذا المنصبُ أعلى(٥)] من
الاجتهاد.
(١) في غيرح: ((و)).
(٢) عبارة ى: ((فلا بد وأن)).
(٣) لم ترد الزيادة ف ی.
(٤) بهذا اللفظ، وفي رواية بالإِفراد (العبادة) أورده في الكشف الحديث (٤٥٩)، وقال:
(قال في الدرر - تبعاً للزركشي -: لا يعرف، وقال: ابن القيم في ((شرح المنازل)): لا أصل
له، وقال المزيّ: هو من غرائب الأحاديث، وقال القاري - في الموضوعات الكبرى -: معناه
صحيح؛ لما في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها -: ((الأجر على قدر التعب)). فانظر
الكشف: (١٧٥/١)، وأسنى المطالب: (٤٧).
(*) آخر الورقة (١٨٥) من ح.
(٥) ساقط من ل.
- ٨ -

قلتُ: الجوابُ عن الأوّل:
أنَّ ذلك غيرُ ممكنٍ؛ لأنَّ العملَ بالاجتهادِ - مشروط بالنصِّ على أحكامِ
الأصولِ ، وإذا كانَ كذلك: تعذَّرَ العملُ في كلِ الشرع بالاجتهادِ.
وعن الثاني :
أنَّ الوحيَ وإن كانَ أعلى درجةٌ من الاجتهادِ، لكن ليسَ فيه تحمُّلُ المشقَّةِ
- في استدراكِ الحكمِ ، ولا يظهرُ فيهِ أثرٌ دقَّةِ الخاطِر، وجودةِ القريحةِ، وإذا كانَ
هذا نوعاً مفرداً من الفضيلةِ: لم يجزْ خلوّ الرسولِ عنهُ بالكلّيَّةِ.
ورابعها :
قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((العُلَماءُ وَرَثَةُ الأنبياء)(١)، وهذا يوجبُ أن تثبتَ
لهُ درجةُ الاجتهادِ - ليرثوه عنهُ، إذ لو ثبت لهم ذلك - ابتداءاً: لم يكونوا وارثين
عنه .
فإن قلت: أرادَ به - في إثباتِ أركانِ الشرعِ .
قلتُ: إِنَّه تقييدٌ من غيرِ دليلٍ :
وخامسها :
أنّ بعضَ السنن - مضافةً إلى الرسولِ - صلى الله عليه وسلَّم - ولو كانّ
الكلّ (*) بالوحي: لم يبقَ لتلك الإِضافةِ مزيدُ فائدةٍ.
(١) قال الحافظ السخاويّ في المقاصد الحديث (٧٠٣): ((رواه أحمد وأبو داود
والترمذيّ، وآخرون عن أبي الدرداء به مرفوعاً)) فانظر المقاصد: (٢٨٦)، والكشف،
الحديث (١٧٤٥)، (٨٣/٢) وهو في الكنز الحديث (٢٨٦٩) وانظر: (٢٨٦٦٨) أيضاً.
والفتح الكبير: (٢٥١/٢)، وأسنى المطالب (١٤٥)، وقال: ((رواه جمع وصححه الحاكم وابن
حبَّان)) وهو - عند أبي داود والترمذيّ وابن ماجه جزء من حديث طويل بلفظ: ((وإن العلماء
ورثة الأنبياء)). انظر سنن أبي داود (٣٦٤١)، والترمذيّ (٢٦٨٣)، وابن ماجه (٢٢٣)،
ومجمع الزوائد: (١٢٦/١).
(*) آخر الورقة (٢٣١) من س.
- ٩ -

كما أنَّ الشافعيَّ - رضي الله عنه - إذا أثبتَ حكماً بالنصِّ الظاهر الجليِّ - .
الّذي لا يفتقرُ فيه - ألبتَّة - إلى اجتهاد (١)، لا يقالُ: إنَ ذلك مذهبُ الشافعيِّ ،
فلا يقالُ : مذهبُ الشافعيِّ - رضي الله عنه - وجوبُ الصلواتِ الخمس.
وأمَّا الّذي يثبتُه بضربٍ من اجتهادٍ(٢) فإنَّه يضافُ إليه: فكذا هاهنا.
[و(٣)] أمَّا الّذي يدلُّ على أنَّه كانَ مجتهداً - في [أمر(٤)] الحروب: ((أنّه
اجتهدَ في أَخذِ الفداءِ عن أَسارَى بدرٍ (٥)) [بعد ما(٦)] وكان راجعهم(٧) في تلك
الحالِ ، وذلك لا يمكنُ إلّ مع الاجتهادِ.
واحتجَّ المانعون - بأمورٍ :
أحدها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾﴾(٨).
وثانيها :
أنّ بعضَ الصحابةِ - راجعَهُ في منزلٍ نزِلَهُ، وقالَ: ((إِنْ كانَ هذا بوحي اللهِ :
- تعالى - فالسمعُ والطاعةُ، وإلّ فليسَ هو بمنزلٍ مكيدَةٍ(٩) فدلَّ هذا على جوازِ
(١) لفظى: ((الاجتهاد)).
(٢) في غيرح، ى: «الاجتهاد)).
(٣) هذه الزيادة من ح، آ.
(٤) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٥) أخرجه أبو داود مختصراً الحديث رقم (٢٦٩٠)، وانظر سنن الترمذيِّ: الحديث
(١٥٦٧)، ومنتقى الأخبار مع شرحه نيل الأوطار: (١٤٣/٨) وقال: رواه أحمد ومسلم، وانظر
تفسير الطبريِّ: (٣٠/١٠) وما بعدها، والقرطبيٍّ: (٤٦/٨) وما بعدها، وابن كثير:
(٣٢٥/٢)، والإمام المصنف: (١٩٧/١٥) وما بعدها، والشوكانيّ: (٣٢٥/٢)، والألوسيّ:
(٣٢/١٠) وما بعدها، والخازن: (٣ / ٤٢ - ٤٣)، وبهامشه البغويّ، والشفاء: (٨١٨/٢)،
وما بعدها وحاشية الشهاب على البيضاوي: (٢٩٢/٤ - ٢٩٣)، وسيرة ابن هشام: (٦٤٨/١
- ٦٢، و ٧٦ - ٧٧).
(٦) كذا في ح، ى، وفي غيرهما: ((و)).
(٧) لفظ ح: ((راجعهم)).
(٨) الآية (٣) من سورة النجم ..
(٩) الصحابيّ الذي قال لرسول الله - * - هذا القول هو: الحباب بن المنذر بن =
- ١٠ -

مراجعتهِ - في اجتهادهِ، ولا تجوزُ مراجعته - في أحكامِ الشرع : فيلزمُ أن لا
یکونَ فيها ما هو باجتهادِهِ .
وثالثها :
أنَّ الاجتهادَ - لا يفيدُ إلّ الظنَّ، وأنَّه عليه الصلاة والسلامُ - كانَ قادراً على
تلقيِّهِ(١) من الوحي، والقادرُ على تحصيلِ العلمِ - لا يجوزُ لهُ الاكتفاء(*) بالظنِّ:
كالمعاين للقبلةِ لا يجوزُ له أن يغمضَ عينيه ويجتهدَ فيها .
ورابعُها:
أنَّ مخالِفهُ عليه الصلاةُ والسلام - في الحكم - يُكَفِّرُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَاَ
وَرَبِّكَ لَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾(٢) والمخالفُ - في هذه
المسائلِ الشرعيَّةِ - لا يُكَفَّرُ؛ لأنَّ الرجلَ إذا اجتهدَ وأخطأ فيها - فله أجرٌ
[واحدٌ(٣)]، والمستوجبُ للأجرِ لا يمكنُ تكفيرُهُ.
وخامسها:
لو جازَ له العملُ بالاجتهادِ - لما توقَّفَ في شيءٍ من الأحكامِ الشرعيَّةِ على
الوحي؛ لأنَّ حكمَ الوحي - في الكلُّ - كانَ معلوماً له، وطرقُ الاجتهادِ كانت
مظنونةً(٤) له - فعندَ وقوع الواقعةِ التي [ما (*)] أنزل [عليه(٦)] فيها وحيٌّ كانَ مأموراً
بالاجتهادِ: فكانَ ينبغي أن لا يتوقّفَ إلى نزول الوحي، لكنَّهُ توقَّفَ: كما في
= الجموح الخزرجيّ الأنصاريّ، قاله في غزوة بدر. انظر ترجمته وقوله هذا في الإصابة الترجمه
(١٥٥٢)، وطبقات ابن سعد: (٣//٥٦٧) ط جامعة الإمام، ومشورته لوحدها نقلتها كتب
السير، منها: الروض الأنف للسهيلي: (٩٧/٥)، والسيرة النبوية لابن هشام: (٦٢٠/١)
ط الحلبي الثانية.
(١) لفظ ى: ((تيقنه))، والمراد: تلقي الحكم الشرعي.
(٥) الورقة (١٩٢) من جـ.
(٣) لم ترد الزيادة في ی.
(٥) سقطت الزيادة من ح.
(٥) الورقة (١٧٧) من آ.
(٢) الآية (٦٥) من سورة النساء.
(٤) لفظ ح: ((معلومة)).
(٦) هذه الزيادة من ح، آ، ى.
١١ -

مسألةِ الظُّهارِ (١) واللِّعَانِ(٢).
وسادسها :
لو جازَ لهُ الاجتهادُ - لجازَ لجبريلَ عليه السلامُ؛ وحينئذٍ: لا يُعرفُ أنَّ هذا
الشرعَ الَّذي جاءَ به [إلى (٣)] محمد - صلى الله عليه وسلَّم - من نصِّ اللهِ - تعالى
أو من اجتهادٍ جبريلَ عليه السلامُ.
[و(٤)] الجوابُ [عن الأوَّلِ:
أنَّ الله تعالى(٥)] متى قالَ لهُ: ((مهما ظننتَ كذا - فاعلم أنَّ حكمي كذا)»
فها هنا: العملُ بالظنِّ عملٌ بالوحي، لا بالهوى.
وعن الثاني :
أنَّهُ يدلُّ على جوازِ مراجعتِهِ - في الآراءِ والحروبِ، والأحكامُ خارجةٌ عن
ذلك.
(١) يشير إلى توقف رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في أمر المجادلة والآيات
الكريمة التي أنزلت في شأنها بعد ذلك، والأحاديث في أسباب نزول الآيات التي بينت حكم
الظهار بعد مجادلة المظاهر منها، وبعض ما يتعلق به، والتي بعضها في البخاري فانظر فتح
الباري: (٣٨٢/٩)، و(٣١٥/١٣) وما بعدها. وتأمل ما قاله الحافظ في الفتح في
الموضعين، وأخرج بعضها أحمد وأبو داود فانظر نيل الأوطار: (٥٥/٧) وما بعدها. وتفسير
القرطبيّ: (٢٦٩/١٧ - ٢٨٨)، والطبريّ: (٢/٢٨) وما بعدها، والإِمام المُصنف:
(٢٤٩/٢٩ -٢٦٢) ويدائع المنن: (٣٨٨/٢)، وتفسير ابن كثير: (٣١٨/٤) وما بعدها.
(٢) إشارة إلى توقف رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن إجابة من سأله عما
يفعل من وجد مع امرأته رجلاً، والأحاديث في هذا متعددة وقد وردت في كثير من كتب السنة
كالبخاري انظر: (٣٩٢/٩ -٣٩٣)، وبقيَّة الصحاح الستَّة، ومسند أحمد. راجع بعض ذلك
والأحكام المستنبطة من تلك الأحاديث في نيل الأوطار: (٦١/٧) وما بعدها، وتفسير
الطبريّ: (٦٤/١٨ - ٦٨)، والقرطبيّ: (١٨٢/١١ -١٩٤)، والإِمام المصنّف: (١٦٤/٢٣
- ١٧١) وابن كثير: (٢٦٥/٣ - ٢٦٨).
(٣) هذه الزيادة من آ.
(٤) هذه الزيادة من ى.
(٥) ساقط من س.
-١٢ -

وعن الثالث :
أَنَّا إنّمَّا نجوِّزُ الاجتهادَ - فيما لم يوجد [فيه(١)] نصٌّ من اللهِ - تعالى - [و(٢)]
لم يكن متمكناً من معرفةِ الحكمِ بالنصِّ.
وعن الرابع :
أَنَّهُ لا يمتنعُ أن يقالَ: الحكمُ وإن كانَ مظنوناً أولاً، إلّ أنه عليه الصلاةُ
والسلامُ - لمَّا أفتى به: وجبَ القطعُ به، كما قلنا: في الإِجماعِ الصادرِ عن
الاجتهادِ.
وعن الخامس :
أنَّ العمل بالاجتهادِ - مشروطٌ بالعجز عن وجدانِ النصٍّ، فلعلَّه عليه
الصلاةُ والسلامُ - كانَ يصبرُ مقدارَ ما يعرف [به(٣)] أنّ الله - تعالى - لا ينزّلُ فيه
وحياً.
وعن السادس :
أنَّ ذلك الاحتمالَ مدفوعٌ بالإِجماع (٤).
(١) لم ترد الزيادة في ى.
(٢) لم ترد الواو في ی.
(٣) هذه الزيادة من ح.
(٤) تلخيصاً لهذه المسألة والمذاهب فيها نقول :-
اختلف الأئمة في جواز تعبد الأنبياء بالاجتهاد على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: الجواز مطلقاً وهو: مذهب مالك والشافعيِّ وأحمد والقاضيين أبي
يوسف وعبد الجبار، وأبي الحسين البصريّ. قال ابن السبكيّ وهو مذهب أكثر الأصحاب.
انظر الإِبهاج (١٦٩/٣). وقال الإِسنوي: وهو مذهب الجمهور (١٧٢/٣). وقد اختاره
الغزالي في المستصفى: (٣٥٥/٢)، والآمدي في الإِحكام: (١٦٥/٤)، والإمام المصنف
والبيضاوي وابن الحاجب وابن السبكي، وهو مذهب الحنفيّة إلّ أنهم قد اشترطوا في وقوع
التعبد بالاجتهاد أن يكون بعدانتظار الوحي واليأس من نزوله. وراجع شرح المختصر:
(٢٩١/٢)، والتقرير والتحبير: (٢٩٤/٣).
=
- ١٣ -

المذهب الثاني: المنع مطلقاً: وهو مذهب أبي علي الجبائيّ. وابنه أبي هاشم كما في
الإِسنوي، وقال القاضي في التقريب: كل من منع القياس أحال تعبَّد النبي بالاجتهاد. قال
الزركشيُّ: وهو ظاهر اختيار ابن حزم. كما في البحر المحيط (٢٩٤/٣ -آ).
المذهب الثالث: أنه يجوز فيما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا دون غيرها.
المذهب الرابع :- التوقف في هذه الثلاثة اهـ.
أما وقوع تعبّدهم بالاجتهاد فقد اختلف فيه القائلون بجواز تعبّدهم فيه على خمسة
مذاهب:
المذهب الأول: الوقوع مطلقاً. ذهب إليه الجمهور ونسبه القرافيّ إلى الشافعيّ ونسببه
الآمديّ إلى أحمد وأبي يوسف، واختاره هو وابن الحاجب على ما يظهر من تقريرهما للخلاف
والمذاهب فيه. قال الإِسنوي: وهو مقتضى اختيار الإمام وأتباعه: فإنّ الأدلة التي ذكروها تدل
عليه .
المذهب الثاني: الوقوع: إذا انتظروا الوحي ولم ينزل. فعليهم أولا أن ينتظروه فإذا
انتظروه ولم ينزل كانوا مأمورين بالاجتهاد.
وهذا مذهب أكثر المتقدمين من الحنفيّة، واختار المتأخرون منهم ثم اختلفوا في تقدير
مدة انتظار الوحي، فقيل: هي ثلاثة أيام. وقيل: هي مقدرة بانتظار (انقطاع) رجاء الوحي
في الحادثة، وخوف فواتها بلا حكم. وذلك يختلف بحسب الحوادث. وهذا هو : : الصحيح
عندهم. إذ لا دليل على خصوص الثلاثة.
المذهب الثالث: عدم الوقوع مطلقاً.
المذهب الرابع: التفصيل؛ وهؤلاء المفصِّلون قد اختلفت عباراتهم: فمنهم من قال:
إنه كان متعبَّدا به في أمور الحرب، دون الأحكام الشرعية كما في منتهى السول للأمديِّ
(القسم الثالث ص ٥٨)، ومثل أمور الحرب: سائر أمور الدنيا على ما يفهم من حاشية السعد
على المختصر. (ومنهم) من: يفصل بين حقوق الآدميّين وحقوق الله، فيوجب الاجتهاد في
القسم الأول دون الثاني :
المذهب الخامس: التوقف بين الوقوع وعدمه، وهو الأصح عند الغزالي.
والمختار من هذه المذاهب وقوع التعبد بالاجتهاد مطلقاً فيجب عليهم نفس الاجتهاد،
ويجب عليهم العمل بالحكم الذي أدى إليه اجتهادهم. وراجع حجية السنة لشيخنا عبد
الغني عبد الخالق: (١٥٧ - ١٩٤).
- ١٤ -

٠٤
مسألةٌ :
إذا جوَّزنا له - صلى الله عليه وسلَّم - الاجتهادَ - فالحقُّ: عندنا - أنَّه لا يجوزُ
أن يخطىءَ.
وقال قومٌ: يجوزُ(*) بشرطِ أن لا يُقَرَّ عليهِ.
= أما في وقوع نفس الاجتهاد منهم فالذي يفهم من كلام أكثر القائلين بوقوع تعبُد الأنبياء
: بالاجتهاد أنهم يقولون أيضاً: بوقوع نفس الاجتهاد منهم: حيث استدلوا على وقوع التعبد
بنحو قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ التوبة (٤٣) وقوله: ﴿مَا كَان لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾.
الأنفال (٦٧)؛ وبقوله ﴿: ((لو استقبلتُ من أمري ما أُستدبّرت لم أسق الهدي)) أخرجه مسلم
: وأبو داود عن جابر. على ما في الفتح الكبير: (٤٣/٣)، وقوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وسُلَيْمَنَ
إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الأنبياء (٧٨)، ونحو ذلك الحديث القضاء في الحوادث. والحقُّ
أنّ هذه الأدلة لا دلالة فيها على وقوع التعبّد بالاجتهاد، ولا على عدم وقوعه في حق نبيِّنا عليه
الصلاة والسلام ومن هذا يُعْلَمُ أنه لا يوجد نصُّ قاطع على وقوع نفس الاجتهاد منهم.
فإن قيل: إنكم قد اخترتم فيما سبق القول بوقوع التعبّد بالاجتهاد، وهذا يستلزم وقوع
أمس الاجتهاد منهم حيث إنّهم كلفوا به وهم: ﴿لَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمْرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُوْنَ﴾.
التحريم (٦)
قلت: هذا الاستلزام إمّا أن يكون فيما إذا كان الخطاب الموجه إليه غير معلّق على عدم
نزول النصِّ. كأن يقول الله له: ((اجتهد». فأما إذا كان معلّقاً على ما ذكر: كان يقول له:
«اجتهد إذا لم ينزل عليك نصّ)): فلا يستلزم ذلك وقوعَ المأمور به لاحتمال أنَّ الشرط المعلَّق
عليه لم يتحقق وأنه كان ينزل عليه النص في كل حادثة. كما إنْ قيل: للمكلّف «زك إذا
ملكت النصاب وحال عليه الحول)). فإنَّه لا يكون مكلفاً بالزكاة إلا بعد ملك النصاب ومضيِّ
.الحول. ولما كان التعبد بالاجتهاد الذي قد بيَّنَّه فيما سبق محتملا لأن يكون بخطاب غير
مُعلّق، ولأن يكون الخطاب معلقاً ولم نجد ما يعيِّنُ أحد الاحتمالين لم يلزم من هذا التعبُّد
وقوع نفس الاجتهاد لقيام الاحتمال الثاني ا. هـ.
فراجع المراجع المذكورة آنفاً، والبرهان فق (١٥٤٤)، والمعتمد: (٧١٩/٢)، وجمع
الجوامع بشرح الجلال: (٣٨٦/٢)، والبحر المحيط: (٢٩٣/٣ - ب ٢٩٦ - آ)، والحاصل
(٩٥٠)، وحجية السنة (٢٠٣ - ٢٠٤).
(*) آخر الورقة (١٨٦) من ح.
---
- ١٥ -

لنا :
:
أَنَّا مأمورونَ باتِّباعِهِ - في الحكمِ - لقوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوَكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوْا فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً(*) مِّمَّا
قَضَيْتَ﴾(١) فلو جازَ عليهِ الخطأّـ لكُنَّا مأمورين بالخطأ: وذلك ينافي كونَّهُ خطأً.
واحتجَّ المخالفُ بقولهِ تعالى: ﴿عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾(٢)؛ فهذا (٣)
يدلُّ على أنَّهُ أَخطأ - فيما أذنَ لهم.
وقالَ تعالى - في أسارى بدرٍ: ﴿لَوْلاً كِتَبٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآَ
أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤) فقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لو نَزَلَ عذابٌ من اللهِ لَمَا
نَجًا إلا ابنُ الخطّاب(*)) وهذا يدلّ على أنَّه أخطأَ في أخذِ الفداءِ.
(*) آخر الورقة (٢٣٢) من س.
(١) الآية (٦٥) من سورة النساء.
(٢) الآية (٤٣) من سورة التوبة.
(٣) كذا في آ، وفي ى: ((وهذا)) وفي غيرهما: ((وذلك)).
(٤) الآية (٦٨) من سورة الانفال.
(٥) بلفظ: ((لو عُذّبنا في هذا الأمر ياعمر ما نجا غيرك)) أورده الطبريّ في تفسيره:
(٣٤/١٠)، والإمام المصنف في تفسيره: (١٩٨/١٥) وفيه زيادة، وراجع أسباب النزول
للواحدي: (١٨٠) ط عالم الكتب ببيروت، فقد ذكر حديث عمر - رضي الله عنه - بدون
القول المذكور، وقد رواه البغويّ - كاملاً - في تفسيره وبلفظ ((لو نزل عذاب من السماء ما
نجا منهم غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ)). فانظر تفسيره بهامش الخازن: (٤٣/٣)
ونحوه في الخازن - الموضع نفسه. وقد أخرج مسلم في صحيحه حديث اختلاف الصحابة
في مشورتهم على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - واختياره عليه الصلاة والسلام ما
ذهب إليه الصديق - رضي الله عنه - ومن معه من قبول الفداء، فلما كان الغد يقول سيدنا
عمر - رضي الله عنه -: جئت فإذا رسول الله - صلی الله عليه وآله وسلم - وأبو بكر قاعدین
يبكيان - الحديث، وليس فيه: ((لو نزل عذاب ... الخ)). وقال شارحه الأبيّ: هذا الفصل
من مشكل القرآن والأحاديث قال: أمّا الحديث - فلأنّ العذاب إنما يكون لارتكاب محرَّم،
ولم يتقدم نهي عن الفداء، بل تقدمت إباحته في سرية عبد الله بن جحش الكائنة قبل بدر
بأزيد من عام، وقتل فيها ابن الحضرميّ - كافراً - وفودي فيها ابن كيسان وصاحبه فما عاتبهم =
٤
-١٦ -

ولأنّهُ تعالى قالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾(١) فَلَمَّا جازَ الخطأِ على غيرِهِ:
جازَ - أيضاً - علیهِ.
ولأنّ النبي - صلى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنّكَمُ تَخْتَصِمُونَ لَدَيَّ وَلَعَلّ
بعضَكُم أَلَحنُ بحَجّتِهِ من غيرِهِ فمن قضيتُ له بشيءٍ من حقِّ أُخيه فلا يأخذنَّهُ
إنَّما أقطعُ له قطعةً من النارِ(٢)» فلو لم يجزْ أن يقضيَ لأحدٍ إلّ بحقِّهِ: لم يقلْ
هذا.
ولأَنَّهُ يجوزُ أن يغلطَ في أفعالِهِ: فيجوزُ(٣) أن يغلطَ في أقوالِهِ - كغيرِهِ من
المجتهدین .
[ و(٤)] الجواب :
عن هذهِ الوجوهِ - مذكورٌ في الكتاب الَّذي صنّفْاهُ في ((عصمة الأنبياءِ))(٥)
فلا فائدةَ في الإِعادةِ .
= ولا ذمَّهم. وأمّا القرآن فكذلك فانظر هذا والأجوبة عليه وبعض النقول المفيدة في الشرح
المذكور: (٨٨/٥ - ٨٩) وانظر ما قاله - ايضاً - في شرحه للحديث المذكور: (٨٦/١٢)
ط المصرية، وراجع هامش ص ١٦ الفقرة (٥) من هذا القسم من الكتاب.
(١) الآية (١١٠) من سورة الكهف.
(٢) أخرجه الإمام الشافعي في الأم: (١٢٨/٥)، وفي المسند (٢٣٢/٢) بشرح
الساعاتي، وانظر حاشية الرسالة (١٥٥ - ١٥٦)، ومالك في الموطأ: (٧١٩/٢)، واحرص
على النظر في شرح الزرقانيّ عليه، الحديث (١٤٦٠)،: (٣٨٣/٣)، والبخاريّ في
الأحكام: (١٥١/١٣)، والشهادات: (٢١٢/٥)، ومسلم في الأقضية: (٤/١٢) ط
المصرية، وأبو داود في الأقضية الحديث (٣٥٨٣)، والترمذيّ في الأحكام الحديث
(١٣٣٩)، والنسائيّ في القضاء، الحديث (٥٤٠٣)، وابن ماجه في الأحكام الحديث
(٢٣١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى: (١٤٩/١٠) في الشهادات.
(٣) لفظ س: ((فجاز)).
(٤) هذه الزيادة من ح، ی.
(٥) من كتبه المطبوعة، طبع منفرداً مرتين، كما طبع ضمن كتابه المطبوع - أيضاً -
((الأربعين في أصول الدين)) . .
- ١٧ -

مسألةٌ:
[اتّفقوا (١)] على جوازِ الاجتهادِ - بعدَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلَّم.
فأمَّا في زمان الرسول - عليه الصلاةُ والسلامُ - فالخوضُ فيهِ قليلُ الفائدةِ؛
لأَنَّهُ لا ثمرةً له في الفقْهِ(٢).
ثمّ نقولُ: المجتهدُ إمّا أن يكون بحضرة الرسول - عليه الصلاةُ والسلامُ،
أو یکون غائباً عنه .
أمّا إن كان(٣): بحضرته - فيجوزُ تعبُّده بالاجتهاد: عقلًا، لأنّهُ لا يمتنعُ أن
يقولَ الرسول - عليه الصلاةُ والسلامُ - له: لقد أوحي إلى بأنَّك مأمورٌ بأن (٤)
تجتهد(*)، أو مأمورٌ بأن (٥) تعملَ على وفق ظنِّكَ. ومنهم من أحاله عقلاً.
واحتجِّ عليه: بأنَّ الاجتهادَ في معرضِ الخطأِ، والنصُ آمنُ منه، وسلوكُ.
السبيلِ المخوفِ، مع القدرةِ على سلوكِ السبيلِ الآمن: قبيحٌ عقلًاً.
وجوابُهُ :
أنَّ الشرعَ لمَّا قالَ له: أنتَ مأمورٌ بأن تجتهدَ وتعملَ على وفق ظنِّك: كانَ
آمناً من(٥) الغلط؛ لأنَّه بعدَ الاجتهادِ يكونُ آتياً بما أمرَ بهِ.
[و (٦)] أمّا وقوعُ التعبّدِ به - فمنعه أبو عليٍّ وأبو هاشم.
وأجازَهُ قومٌ بشرطِ الإِذنِ .
وتوقَّفَ(*) فيه الأكثرون.
:
(١) سقطت الزيادة من جـ، ى.
(٢) لأنّه إذا بلغ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأقرّه أصبح سنّة. وإن لم يقرّه.
فلا عبرة به .
(٣) في غيرح: ((الكائن)).
(٤) في س: ((بأنّك)).
(٥) في غير ص، ح: ((بأنّك)) .
(٦) هذه الزيادة من ح.
(*) آخر الورقة (٦٤) من ص.
(*) آخر الورقة (١٩٣) من جـ.
(*) آخر الورقة (١٧٨) من آ.
- ١٨ -

احتجَّ المانعون - بوجهين:
الأوّل :
أنّ الصحابةَ لو اجتهدوا - في عصرهِ - كما اجتهدوا - بعدَه - لنقلَ: كما نقل
اجتهادُهم بعدَه.
الثاني :
أنّ الصحابةَ كانت تفزعُ في الحوادثِ إلى الرسول - صلی الله عليه وسلَّم،
ولو كانوا مأمورين بالاجتهادِ: لما فَزِعوا (١) إليه .
واحتجَّ القائلون بالوقوع بأمور(٢):
الأولُ :
أنّه عليه الصلاةُ والسلامُ حكّم سعد بن معاذٍ في بني قريظةً، فحكم بقتلِ
مقاتليهم، وسَبْي ذَراريهم، فقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (لَقْد حكْمْتَ بحكم
اللهِ - تعالى - من فوقٍ سبعةٍ أُرقعةٍ(٣)).
[الثاني (٤)]:
أنّه عليه الصلاةُ والسلامُ قال لعمرو بن العاصِ ، وعقبةَ بنِ عامرِ الجهنيِّ(*)
- لمّا أمرهما أن يحكما بين خصمين: «إنْ أَصَبتُما فَلَكُمَا عشَرُ حَسَنَاتٍ، وإن
(١) كذا في ى، وفي غيرها: ((لفزعوا)) وعلى ما أثبتنا يعود الضمير إلى رسول الله - صلو
- وعلى ما في النسخ الأخرى يعود إلى ((الاجتهاد)).
(٢) في غير آً: ((بأمرين))، وهو وهم.
(٣) جزء من حديث طويل أخرجه بطوله الحافظ نور الدين الهيثمي، وقال: ((في
الصحيح بعضه، ورواه أحمد)»، ورواه الطبراني أيضاً. فانظر مجمع الزوائد: (١٣٧/٦ -
١٤٢)، وهو في سيرة ابن هشام: (٢٣٩ - ٢٤٠)، والروض الأنف: (٢٨٨/٦)، وتفسير
الطبريَّ: (٢٨٨/٢١)، وتفسير النيسابوري: (٩٥/٢١ - ٩٩)، وابن كثير: (٣//٤٧٧ -
٤٨٠)، والقرطبيّ: (١٣٩/١٤ - ١٤٢)، والخازن: (٢٠٧/٥ - ٢١٠)، وبهامشه البغويّ:
(٢٠٦/٥)، والشوكانيّ: (٢٧٤/٤).
(٤) لم ترد الزيادة في آ، س، ی.
(*) آخر الورقة (١١٦) من ی.
- ١٩ -

أُخْطَاتُما فلكما حسنة واحدةٌ(١).
الثالث (٢):
أنّه عليه الصلاة والسلام - كان مأموراً بالمشاورة: لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمْرِ﴾(٣)، ولا فائدةَ في ذلك إلّ جوازُ الحكمِ على حسبِ اجتهادِهم.
[و(٤)] الجوابُ عن الأُوَّلِ:
لعلَّه قلَّ اجتهادُهم - في حضرةِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم ينقلْ،
لقلَّتِهِ .
وأيضاً: فقد نقلَ اجتهادُ سعدِ بنِ معاذٍ، وعمرو بن العاصِ .
وعن الثاني :
لعلّهم فزِعوا إليهِ - فيما لم يظهرْ لهم فيهِ وجهُ الاجتهادِ، ولعلَّهم تركوه
لصعوبته، وسهولة وجدانِ النصِّ.
وعن الثالث (٥) :
وهو خبرُ(*) سعدٍ وعمروٍ: أَنَّه خبرُ واحدٍ، فلا يجوزُ التمسُّكُ به إلّ في مسألةٍ
عمليَّةٍ (٦)، وهذه المسألةُ لا تعلُّق لها بالعملِ .
وعن الرابع :
أنَّ ذلك في الحروبِ ومصالحِ الدنيا، لا في أحكامِ الشرعٍ .
(١) بنحو هذا اللفظ رواه الحاكم من حديث عقبة بن عامر في المستدرك: (٨٨/٤)،
والدار قطنيّ في السنن: (٢٠٣/٤)، وأخرج الإِمامان الشافعيّ وأحمد عن عمرو نحوه: انظر:
الأم: (١٠٣/٦)، وتلخيص الحبير: (٢٠٧٢). وراجع جامع الأصول الحديث (٧٦٦٢)،
وتأمل ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (٢٦٩/١٣)، وانظر ما سيأتي في ص (٧٣) من
هذا الجزء من المحصول.
(٢) لفظ س، آ، ى: ((الثاني)).
(٣) الآية (١٥٩) من سورة آل عمران .
(٤) هذه الزيادة من جـ، آ، ى.
(٥) لفظ ى: ((الثاني)).
(*) آخر الورقة (٢٣٣) من س.
(٦) لفظ ى: ((علميَّة)) وهو تصحيف.
- ٢٠ -