النص المفهرس
صفحات 441-460
الخامسُ: النافي للحدِّ مقدَّمٌ على المثبتِ له - عندَ بعضِ الفقهاءِ. وأنكره المتكلمون . وجهُ الأوّل ۔ من وجوه : أحدها: أنَّ الحدَّ ضررٌ، فتكونُ شرعيَّتُهُ - على خلافِ الأصلِ، والنافي له - على وفق الأصلِ . فيكون النافي له راجحاً. وثانیھا : أنَّ ورودَ الخبر في نفي الحدِ، إن لم يوجب الجزمَ بذلك النفي - فلا أقلّ من أن يفيد شبهةً [فيه(١)]، إذا حصلت الشبهةُ: سقطت الحدودُ؛ لقوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((ادرؤوا الحدودَ بالشبهاتِ(٢)). و [ثالثها (٣)]: إذا كانَ الحدُّ يسقطُ بتعارض البينتين (٤) مع ثبوتِهِ - في أصلِ الشرع - فلأنْ يسقطَ بتعارضِ الخبرين في الجملة، ولم يتقدّم له ثبوت - أولی . القولُ في الترجيحاتِ [الحاصلةِ(٥)] بالأمور الخارجةِ: وهي من وجوه : (١) هذه الزيادة من ح. (٢) الحديث رواه ابن عدي في جمعه لحديث أهل مصر والجزيرة من حديث ابن عباس، وفيه ابن لهيعة. وقد رواه الترمذي والحاكم دون قوله: «بالشبهات)) من حديث عائشة، وصححه الحاكم، وضعف الترمذي رفعه. على ما في تخريج الزين العراقي الحديث (٨٨) ص (٣٠٨) من مجلة البحث العلمي. والحديث في الجامع الصغير: (١٤/١)، والفتح الكبير (٦٠/١). وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة والترمذي والحاكم والبيهقي بألفاظ أخرى، وببعض زيادات. فراجع ذلك في الفتح، الموضع المذكور. (٣) لم ترد الزيادة في ى، آ. (٤) لفظ ح: ((السببين)). (٥) لم ترد الزيادة في س، ل. - ٤٤١ - أحدها : الترجيحُ بكثرةِ الأدلَّةِ. وقد سبقَ القولُ فيهِ(*). وثانيها : أن يقولَ بعضُ أئمةِ الصحابةِ، أو يعملَ بخلافِهِ، والخبرُ لا يجوزُ خفاؤه عليه . وهذا - عند البعض - يحملُ على نسخِهِ، أو أنَّهُ لا أصلَ له. إذ لولاه لما خالفَ . وعند الشافعيّ - رضي الله عنه -: لا يحملُ على ذلك؛ لكن إذا عارضَهُ خبرُ - لا يكونُ كذلك -: كانَ راجحاً عليهِ . وثالثُها: إذا عملَ بأحدِهِمَا أكثرُ السلفِ ممن لا يجبُ تقليدُهُم . قال عيسى بن أبان: يجبُ ترجيحهُ؛ لأنَّ الأكثرَ يوفُّقونَ للصواب مالا(١) يوفَّقُ له الأقُ. وقالَ آخرونَ: لا يحصلُ الترجيحُ؛ لأنَّهُ لا يجِبُ تقليدهم . ورابعُها: أنّ خبرَ الواحدِ - فيما تعمُّ به البلوى -: يكونُ مرجوحاً، إمّا لاختلافِ المجتهدين في قبوله، أو لأنَّ كونَهُ مِمَّا تعم به البلوى، إن لم يوجب القدحَ فِيهِ - فلا أقلَّ من إفادتِهِ المرجوحِيَّةَ. واعلم: أنَّ بعضَ ما يرجِّحُ بِهِ الخبرُ قد يكونُ أقوى من بعضٍ ، فينبغي(٢) إذا استوى الخبرانِ في كميَّةِ وجوهِ الترجيح : أن تعتبرَ الكيفيّةُ . فإن(٣) كانَ أحد الجانبين أقوی کیفیّةً: وجبَ العملُ بهِ . (*) آخر الورقة (١٨٢) من جـ: (٢) زاد في ى: ((أنّه)). (١) عبارة آ: ((بأن لا نوفق)) .. (٣) لفظ ح: ((فإذا)). - ٤٤٢ - وإن كان أحدُ الجانبين أكثرَ كميّةً، وأقلِّ كيفيَّةٌ - والجانبُ الآخرُ على العكسِ [منه(١)] : - وجبَ على المجتهدٍ أن يقابلَ ما في أحدِ الجانبين بما في الجانب الآخرِ، ويعتبر حالَ قُوَّةِ الظنِّ. والكلامُ في قوّةِ [كثير(٢)] من وجوهِ الترجيحاتِ - طريقُهُ الاجتهادُ. (١) هذه الزيادة من ح، آ، ى. (٢) أبدلت في ى بلفظ ((الظن)). - ٤٤٣ - القسمُ الرابعُ: في تراجيحِ الأقيسةِ . وهي - إمَّا أن تكونَ بحسب ماهيَّةِ العلَّةِ، أو بحسب(*) ما يدلُّ على وجودها، أو بحسب ما يدلُّ على عِلِّيَتِهَا، أو بحسب ما يدلُّ على ثبوتِ الحكمِ في الأصل، أو بحسب مجلّ [ذلك(١)] الحكم، أو بحسبِ محالها، أو بحسبٍ أمورٍ منفصلةٍ عن ذلك. النوعُ(٥) الأوّلُ: في التراجيحِ المعتبرةِ بحسب ماهيَّةِ العَّةِ. فنقولُ: إِنَّا بَيًِّا: أنَّ الحكم الشرعيَّ - إمّا أن يكونَ معلَّلا بالوصفِ الحقيقيِّ، أو بالحكمةِ، أو بالحاجةِ، أو بالوصفِ العدميّ، أو بالوصفِ الإضافي، أو بالوصفِ التقديريِّ، أو بالحكمِ الشرعيّ. وعلى كل التقديرات: فالعلَّةُ إِمَّا أن تكونَ مفردةً، أو مركبةً من قيدين(٢) أو أکثر. . واعتمدَ بعضُهم - في التراجيحِ الواقعة(٣) في هذا الباب - على أمرين: أحدهما: أنَّ كلَّ ما كانَ أشبهَ بالعلَلِ العقليّةِ - فهو راجحٌ على مالا يكونُ كذلك، لأنّ العقلَ أصلُ النقل(٤)، والفرعُ كلَّما كانَ أشبهَ بالأصل : كانَ أقوى. (*) آخر الورقة (٢٢١) من س. (*) آخر الورقة (١٧٧) من ح. (١) هذه الزيادة من آ، ى. (٢) لفظ ى: ((صفتين)). (٣) كذا في ح، س، ولفظ غيرهما: ((الواردة)). (٤) في س، ل، جـ: ((لأن الأصل العقل))، وعبارة ى: ((لأن العقل هو الأصل»، وعبارة ص: ((لأن العقل أصل، والنقل فرع))، وفي آ نحو ما أثبتنا. - ٤٤٤ - وثانيهما : أنَّ كل ما كانَ(١) [متفقاً عليه، فهو أولى ممّا يكون مختلفاً فيه، وكلّ ما كان(٢)] الخلافُ فيهِ أقلَّ - فهو راجحٌ على ما يكونُ الخلافُ فيه أكثر، والسببُ فيهِ: أنَّ وقوعَ الخلافِ فيهِ يدلُّ على حصولِ الشكِّ والشبهةِ. وهذان المأخذانِ ضعيفانٍ جداً إلّ في شيءٍ واحدٍ، وهو: أنّ [كلّ(٣)] ما. كانَ متَّفْقاً عليه - فهو أولى مِمَّا يكونُ مختلفاً فيهِ؛ وذلك لأنَّ المقدَّمةَ إذا (*) كانت مجمعاً عليها - كانت يقينيّةً، والقياسُ الَّذي يكونُ بعضُ مقدِّماتِه يقينيّاً، وبعضُه ظنّاً - أقوى من الَّذِي [يكون (٤)] كلُّ مقدِّماتِه (*) ظنياً؛ لأنَّ الاحتمالَ في الأوَّلِ أقلُّ مِمَّا في الثاني، ومتى كانَ الاحتمالُ أقلَّ: كانَ الظرُّ أقوى. إذا عرفتَ هذا الأصلَ - فلنرجع إلى التفصيلٍ . وفيه مباحث : أحدها : [أنّ(٥)] التعليلَ بالوصفِ الحقيقيِّ - أولى من التعليلِ بسائرِ الأقسام؛ لأنَّ جوازّ التعليلِ بالوصفِ الحقيقيِّ مجمعٌ عليهِ: بين القائسين، والتعليلُ بسائر الأقسامِ مختلفُ فيه. فيكونُ القياسُ الَّذي يكونُ الحكمُ - في أصلِهِ - معللاً بالوصفِ الحقيقيِّ، أقوى ممّا لا یکونُ كذلك. وثانیھا : التعليلُ بالحكمةِ - أولى من التعليلِ بالعدمِ ، وبالوصفِ الإِضافيِّ، (١) في غير ص أبدلت الواو بفاء. . (٢) ما بين المعقوفتين ساقط من ل، آ. وأبدل لفظ ((أولى)) في جـ بـ ((أقل)). (٣) لم ترد الزيادة في ی. (*) آخر الورقة (١١١) من ى. (٤) انفردت بهذه الزيادة ح. : (*) آخر الورقة (١٦٩) من آ. (٥) لم ترد الزيادة في آ، ی. - ٤٤٥ - وبالحكمِ الشرعيِّ، [وبالوصف التقديريّ(١)]. أمّا [أنه أَوْلِى (٢)] من العدمِ - فلأنّ العلمُ (٣) بالعدم لا يدعو إلى شرع الحكم إلّ إذا حصلَ العلمُ باشتمالٍ ذلك العدم على نوع مصلحةٍ: فيكونُ الداعي إلى شرع الحكم - في الحقيقةِ - هو المصلحةَ، لا العدم. [وإذا كانت العلّةُ هي المصلحةَ، لا العدمِ(٤)] - كانَ التعليلُ بالمصلحةِ أولى من التعليل بالعدم . فإن قلتَ: فهذا يقتضي أن يكونَ التعليلُ بالمصلحةِ - أولى من التعليل بالوصف . قلتُ: كانَ الواجبُ ذلك، إلّا أنَّ الوصفَ أدخلُ - في الضبطِ من الحاجةِ، فلهذا المعنى ترجَّح (٥) الوصفُ على المصلحةِ، والعدمُ المطلقُ لا يتقيَّدُ إلّ إذا أضيف إلى الوجود، فهو - في نفسِهِ - غيرُ مضبوطٍ، فالعدمُ ليسَ بمؤثّرٍ - في الحقيقةِ - وليس بضابطٍ (٦) في نفسِهِ. فظهرَ الفرقُ (*). وإذا ثبتَ أنّ التعليلَ بالحكمةِ - أولى من التعليل بالعدم ، وقد ثبتَ أنّ (الإِضافات)) ليستْ (٧) أموراً وجوديَّةُ -: لزمَ أن يكونَ التعليلُ بالحكمةِ أولى من التعليل بـ ((الإضافات)). وأمَّا أنَّهُ أولى من الحكمِ الشرعيِّ، والوصف التقديريّ - فلأنَّ التعليلَ بالحاجةِ تعليلٌ بنفس المؤثِّر، وهذا يمنعُ من التعليلِ بَغيرِهِ، تُرِكَ العملُ بهِ في (١) كذا في ح، آ، ى، ص. وعبارة ل، س: ((وبالوصف التقديري، وبالوصف (الشرعيّ)) بدلاً من ((بالحكم)) فيما أثبتنا. وسقط ما بين المعقوفتين من آ. (٢) زيادة يقتضيها المقام، مناسبة لما سيأتي. (٣) لفظ ح: ((الحكم)). (٤) ساقط من غير ص، ح. وزيد على ((كان)) في غيرهما: ((ف)). (٥) كذا في ح، وفي غيرها: ((يرجع)). (٦) لفظ آ: ((مطابقاً))، وهو تصحيف. : (*) آخر الورقة (١٨٣) من جـ. (٧) في آ: ((بأمور)). - ٤٤٦ - أ الوصفِ الحقيقيّ بالإِجماع ، ولأنَّه اشتبه (١) بالعللِ العقليَّةِ: فيبقى في هذه الصورة على الأصل. وثالثُها: (٥) التعليلُ بالعدمِ أولى، أم بالحكمِ الشرعيّ؟ يحتملُ أن يقالَ: العدمُ أولى؛ لأنَّه أشبهُ (٢) بالأمورِ الحقيقيَّةِ، و[يحتملُ(٣)] أن يقالَ: بل [بـ (٤)] -الحكمِ الشرعيِّ أولى؛ لأنّهُ أشبهُ بالوجودِ. ورابعُها: التعليلُ بالعدمِ أولى، أم بالصفاتِ(٥) التقديريَّةِ؟ [و(٦)] الأشبهُ - هو الأوَّلُ؛ لأنَّ المقدَّرَ معدومٌ أُعطي حكمَ الموجودِ، فكلُّ ما في المعدومِ من المحذوراتِ - فهو حاصلٌ في المقدَّرِ معَ مزيدٍ محذورٍ آخرَ، وهو: أنَّهُ مِعَ كونِهِ معدوماً - أُعطِيَ حكمَ الموجودِ: [فكان المعدوم أولى(٧)]. وخامسها : تعليلُ الحكمِ الوجوديّ، بالعلَّةِ الوجوديَّة - أولى من تعليلِ الحكمِ العدميِّ، بالوصفِ العدميِّ، ومن تعليلِ الحكمِ العدميِّ بالوصفِ الوجوديِّ، والحكمِ الوجودّي بالوصف العدميِّ؛ لأنَّ كونَ العلّةِ والمعلولِ عدميّيْن - يستدعي تقديرَ كونِهما(*) وجوديَيْن؟ لأنَّا بَيِّنًا: أنَّ العلَّةَ والمعلولَ وصفانٍ ثبوتيَّان، فحملُهما على المعدومِ لا يمكنُ إلّ إذا قُدِّرَ المعدومُ موجوداً. (١) كذا في آ، ولعله الأنسب ولفظ غيرها: ((أشبه)). (*) آخر الورقة (٢٢٢) من س. (٢) لفظ آ: ((اشتبه)). (٣) انفردت بهذه الزيادة ح. (٤) لم ترد الباء في ى. (٥) لفظ ص: ((بالإضافات)). (٦) هذه الزيادة من ص. (٧) ما بين المعقوفتين ساقط من س، ل، جـ. (*) آخر الورقة (١٧٨) من ح. - ٤٤٧ - وتعليلُ العدمِ بالعدم - أولى من القسمين الباقيين، للمشابهةِ. وأمَّا أنَّ تعليلَ العدمِ بالوجودِ أولى(١)، أم تعليلُ الوجودِ بالعدم ؟ - ففيه. نظرٌ. وسادسُها : التعليلُ بالحكمِ الشرعيَّ - أولى من التعليلِ بالوصفِ المقدر؛ لأنَّ الأوّلَ على وفقِ الأصلِ ، والثاني على خلافِ الأصلِ . وسابعُها : ۔ التعليلُ بالعلَّةِ المفردةِ - أولى من التعليل بالعلَّةِ المركَّبةِ؛ لأنَّ الاحتمالَ في المفردِ(٢) أقلُّ مّما في المركَّب؛ لأنَّ المفردَ لو وجدَ - لوجدَ بتمامِهِ (٣)، ولو عدمَ + لعدم بتمامِهِ . [و(٤)] أمّا المركَّبُ - فليسٌ كذلك؛ لأنَّ المركَّبَ من قيدين فقط - يحتمل في جانبِ الوجودِ احتمالاتٍ ثلاثة، وهي: أن يوجدَ الجزءُ بدلاً عن ذاك، وذاك بدلاً عن هذا(٥)، ويوجدَ المجموع. وكذا القولُ - في جانبِ العدمِ المركَّبِ من قيودٍ ثلاثةٍ: يوجدُ فيه احتمالاتٌ سبعةٌ(٢) في طرفِ الوجودِ،، وسبعةٌ(٦) في طرفِ العدمِ ؛ ومعلومٌ أنَّ مَا كانَ الاحتمالُ فیه أقلَّ : كانَ أولى. فهذه جملةُ التراجيح العائدةِ إلى ماهيَّةِ العلَّةِ . : (١) لفظ ى: ((أقل)). (٢) كذا في آ، ى. وفي غيرهما: ((المفردة)). (٣) كذا في ح، وهو المناسب، ولفظ غيرها: ((بذاته)). (٤) لم ترد الواو في ح، آ،(ی. (٥) كذا في غير ص، ح، آ، ى. وفيها: ((أو). (٦) في ص، آ، ى: ((تسعة)) في الموضعين. - ٤٤٨ - [النوع الثاني (١) ]: القولُ في التراجيح(٥) العائدةِ إلى ما يدلُّ على أنَّ ذاتَ العلَّةِ موجودةٌ . اعلم: أنَّ العلمَ بوجودِ تلك الذواتِ(٢) - إمّا أن يكونَ بديهيّاً، أو حسيّاً، أو استدلالياً. والاستدلالُ - إمّا أن يفيدَ العلمَ، أو الظنَّ. وعلى التقديرين: فذلك الدليلُ ـ إمَّا أن يكونَ عقلياً محضاً، أو نقلياً محضاً، أو مركباً منهما. فلنتكلّم في هذه الأقسام - فنقول: أمّا إذا كانَ الطريقُ مفيداً لليقين(٣) سواءً كان بديهيّاً، أو حسّيّاً، أو استدلالياً يقينيّاً، وسواء كان عقليّاً محضاً، أو نقلياً محضاً، أو مركّباً منهما، وسواء كثرت المقدَّمات، أو قلَّت(٥) -: فإنَّه لا يقبلُ الترجيحَ . وكلامُ أبي الحسين - يدلُّ على أنَّه يقبلُ. أمّا أن القطعيَّاتِ لا تقبلُ الترجيحَ - فِلِما تقدّمَ. فإن قلتَ: الضروريُّ أولى من النظريُّ؛ لأنَّ الضروريَّ لا يقبلُ الشكّ [والشبهة (٤)]، والنظريّ يقبلُ ذلك. قلتُ: النظريُّ واجبُ الحصولِ - عندَ حصولٍ جميعٍ مقدِّماتِهِ المنتجة له، كما أنَّ البديهيَّ واجبُ الحصول - عند(٥) حصول تصوُّرِ طرفیهِ . وكما أنَّ النظريَّ يزولُ - عند زوالٍ أحدِ الأمورِ الَّتي لا بدَّ منها في حصولٍ (١) زيادة مناسبة لم ترد في الأصول. (*) آخر الورقة (٦١) من ص. (٢) لفظ س، آ، ى: ((الذات)). (٣) في آ: ((فسواء)). (*) آخر الورقة (١٧٠) من آ. (٤) لم ترد هذه الزيادة في غيرح. (٥) كذا في ص، ح. وفي غيرهما: ((بعد))، وهو تصحيف. - ٤٤٩ - جميع مقدِّماتِه المنتجة [له(١)] - فكذلك الضروريُّ: یزولُ عندَ زوال أحدٍ التصوُّراتِ الَّتي لا بدَّ (٢) منها. فإذن: لا فرق في وجودِ الجزم عند(*) حضور موجباتِهِ في البابين، بل. الفرقُ [هو (٣)]: أنَّ النظريّ يتوقّفُ على أمورٍ أكثرَ ممَّا يتوقَّفُ عليهِ الضروريُّ. فلا جرمَ كانَ زوالُ النظريِّ - أكثرَ من زوالِ الضروريِّ. فأما(٤) وجوبُ الوجود، وامتناعُ العدم - عند حصول کل ما لا بدَّ منہ - فلا فرقَ بين الضروريِّ والنظرِيِّ [فيه(٥)] - ألبتَّةً . أمّا إذا كانَ الطريقُ(٦) الدال(*) على وجود العلّةِ ظَنّياً - فقد قيلَ: كلَّما كانت المقدَّماتُ المنتجةُ لذلك الظنِّ أقلَّ: كانَ القياسُ أقوى؛ لأنَّ المقدّماتِ متى كانت أقلَّ: كانَ احتمالُ الخطأِ أقلَّ، ومتى كانَ احتمالُ الخطأِ أقلٍّ: كَانَ ظِنُّ الصواب أقوى. واعلم: أنَّ هذا الكلامَ - على عمومِهِ - ليسَ بحقِّ؛ لأنَّ الظنِّ يقبلُ التفاوتَ في القوّةِ والضِعفِ، فإذا فرضنا دليلاً - كانت مقدِّماتُهُ قليلةً إلّ أنَّ كلَّ واحدةٍ منها كانت مظنونةً ظنّاً ضعيفاً، ودليلاً آخرَ ظنّاً معارضاً للأوَّلِ - مقدِّماتُهُ كثيرةٌ إلّ أن كلِّ واحدةٍ منها، كانت مظنونةً ظناً قوياً -: فالقوةُ الحاصلةُ في (٧) أحد الجانبين - بسبب قلَّةِ الكميَّة - قد تصيرُ معارضةً من الجانب الآخر، بسبب قوّةِ الكيفيَّةِ، [وقد تكون قوّةُ الكيفيَّة(٨)] في أحدِ الجانبين، أزيدَ من قلَّةِ الكمِّيَّةِ في الجانب الآخرِ، حتى إنَّ الدليلَ الظنَِّّ - الَّذِي يكونُ مركَّباً من مائةٍ مقدِّمةٍ - قد يفيدُ ظنّاً (١) هذه الزيادة من ح، آء ى. (٢) زاد في خ: ((له)). (*) آخر الورقة (٢٢٣) من س. (٣) لم ترد الزيادة في آ، ى. (٥) هذه الزيادة من ل. (*) آخر الورقة (١٨٤) من جـ. (٨) ما بين المعقوفتين ساقط من آ. (٤) زاد في ح: ((في)). (٦) لفظ جـ: ((الظنّ)). (٧) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((من)» - ٤٥٠ - أقوى من الظنِّ الحاصلِ من الدليلِ المركَّب من مقدِّمتين. فإذن: لا بدَّ من اعتبار هذا التفصيل الّذي ذکرناه. إذا عرفت هذا، فنقولُ: الدليلُ الظنيُّ - الَّذي يدلُّ على وجودِ العلَّةِ - إِمَّا أن يكونَ نصّاً، أو إجماعاً، أو قياساً. أمَّا القياسُ - فالكلام(*) فيه كما في الأوَّلِ، ولا يتسلسلُ، بل ينتهي إلى النصِّ أو الإِجماعِ . أمَّا النصُّ - فطرقُ الترجيحِ فيهِ ما تقدَّم في القسمِ الثالثِ من [هذا (١)] الكتاب . وأمَّا الإِجماعُ - فإن كانا قطعيّين: لم يقبل الترجيحَ . وإن كان أحدُهما قطعياً، والآخر ظنًّ: لم يقبل الترجيح؛ لأنّ الإِجماعَ المعلوم - مقدّمٌ على المظنونِ. أمّا إذا كانا مظنونين - فهذا يقعُ على وجهين: أحدهما: الإِجماعان(٢) المختلفُ فيهما - عندَ المجتهدين -: كالإِجماع الّذي يحدثُ عن قولِ البعضِ ، وسكوتِ الباقين. وثانيهما : الإِجماعُ المنقولُ بطريقِ الآحادِ. فهذان القسمان في محلِّ الترجيحِ . وأمّا الّذي (٣) يقالُ: إنَّ أحدَهما متّفقٌ عليه، والآخرُ مختلَفُ فيه - فإنْ أريدَ ۔۔ (*) آخر الورقة (١٧٩) من ح. (١) هذه الزيادة من ح. (*) آخر الورقة (١١٢) من ی. (٢) لفظ ى: ((الإِجماعات)). (٣) في ى: ((الذين)). -٤٥١ - به عدمُ الاختلاف في أحدهما، ووقوعهُ في الآخر ۔ فذلك ليس من باب الترجيحِ ؛ لأنَّ تقدُّمَ المعلومِ على المظنون قطعيّ . وإن عُنِيَ به قلّةُ الاختلافِ في أحدِهما، وكثرتُهُ في الآخرِ - فلا نسلّمُ أنَّ هذا القدر یوجبُ الترجيحَ . ولنختم هذا الفصل بشيء، وهو (١): [أنَّه] إذا تعارضَ قياسان، وكانَ وجودُ الأمر - الَّذي جعل علَّةٌ لحكم الأصل - في أحدِ القياسين معلوماً، وفي الآخر مظنوناً -: كان الأوَّلُ راجحاً. لما بيَّنَّا: أنَّ [القياسَ(٢)] - الَّذي بعض مقدِّمَاتِهِ معلومٌ - راجحٌ على ما كان كلّ مقدماتِهِ مظنوناً. [النوع الثالث(٣)] القولُ في التراجيحِ الحاصلةِ بسبب الطرقِ الدالّة على علّيَّةِ الوصفِ في الأصلِ وقد ذكرنا في كتاب القياسِ : أنَّ الطرقَ الدالَّةَ علىَ عليّةِ الوصفِ - في الأصلِ - إمّا الدليلُ النقليُّ، أو العقليُّ . أمّا الدليلُ النقليُّ - فإِمَّا أن يكونَ نصّاً أو إيماءاً. أمَّا النصُّ - فقد يكونُ بحيثُ لا يحتملُ غيرَ العلّيَّةِ، وهو ألفاظ ثلاثة (٤)، وهي قوله: ((لعلَّةِ كذا، أو لسبب كذا(*)، أو لأجل كذا)»(٥)، فهذا مقدَّمٌ على جميعِ الطرقِ النقليّةِ . وأمَّا الَّذي يحتملُ غيرَ العليَّةِ، ولكنَّه ظاهرٌ جدّاً - فألفاظٌ ثلاثةُ، وهي. ((اللامُ، وإنَّ، والباء)»، وحرفُ ((اللام)) مقدَّمُ على ((إنَّ والباء))(٦)؛ لأنَّ ((الَّلامَ))(*) (١) هذه الزيادة من حے، ی، س. (٢) لم ترد في آ. (٣) لم يرد ما بين المعقوفتين في س، ل، جـ، وفي آ، ى: ((القسم)). (٤) لفظ ح: ((كثيرة)). (*) آخر الورقة (٢٢٤) من س. (٥) زاد في ح: ((أو لأجل أنّه كذا)). (٦) تكررت هذه العبارة في ى. (*) آخر الورقة (١٧١) من آ. - ٤٥٢ - ظاهرٌ جدّاً في التعليل، [و(١)] أمَّا لفظُ ((إنَّ)) - فقد يكونُ للتأكيدِ، ولفظُ ((الباء)» قد يكونُ للإلصاقِ - كقولك: ((كتبتُ بالقلم ))، وقد يفيدُ كونَهُ محكوماً بهِ - كقوله عليه الصلاة والسلامُ: ((أَنا أقضي بالظاهرِ)). أمَّا حيثُ تأتي - لا للآلةِ(٢)، ولا لأن تكونَ محكوماً به -: كان مرادفاً(٣) لِلَّمِ، فإنَّهُ لا فرقَ بين أن يقالَ: ((قتلته لجنايتِهِ))، و(«قتلتُه بجنايته)). وأمّا ((الباء وإنّ)(٤) أيّهما المقدّم؟ - [فـ(٥)] -فيه احتمالٌ. وأمّا الإِيماءاتُ - ففيها أبحاثٌ: أحدها: أَنَا بَيًّا أنَّ دلالةَ الإِيماء علىَ عليَّةِ الوصفِ في الأصلِ - لا تتوقّفُ(٦) على كونه مناسباً، ولكنَّ الوصفَ الّذي يكونُ مناسباً راجحٌ علىَ مَالا يكونُ كذلكَ. وثانيها : أنَّ إيماء الدلالةِ اليقينيَّةِ - راجحٌ على إيماء الدلالةِ الظَنِيَّةِ؛ لما عرفتَ: أنّ الدليلَ - الّذي بعضُ مقدّماتِهِ يقينيَّ، والبعضُ ظنيُّ - راجحٌ على ما يكونُ كلُّ مقدّماتِهِ ظنّاً . و [أُمَّا(٧)] إذا ثَبَتَتْ عليَّةُ الوصفينِ(*) بإيماء خبرِ الواحدِ - فوجوهُ الترجيحِ فيهِ ما ذكرناه في باب خبرِ الواحدِ . وثالثُها: أنَّ الجمهور اتفَّقوا على أنَّ ما ظهرت عليَّتَهُ بالإِيماء، راجحٌ على ما ظهرت (١) هذه الزيادة من ح، (٢) في س، ى: ((للدلالة))، وهو تصحيف (٣) لفظ س: ((مراده))، وهو تصحيف. (٥) هذه الزيادة الواجبة من ا، ى. (٧) لم ترد الزيادة في جـ. (٤) زاد في ح: ((ف)). (٦) في غيرح: ((يتوقف». (*) آخر الورقة (١٨٥) من جـ. - ٤٥٣ - عِلِّيَّتُهُ بالوجوهِ العقليَّةِ - [من المناسبةِ والدوران، والسبر. وهذا فيه نظر، وذلك لأنَ الإِيماء لمَّا لمْ يوجد فيهُ لفظُ يدلُّ على: العِلِّيَّةِ(١)] فلا بدَّ وأن يكونَ الدالُّ على عليَتِهِ(٢) أمرٌ آخرُ سوى اللفظِ، ولمَّا بحثنا لم نجد شيئاً يدل على عليَتْها إلّ أحدُ أمورٍ ثلاثةٍ: المناسبةِ والدورانِ [والسبرِ(٣)] ـ على ما مرّ(٤) ذلك في باب الإِيماءاتِ. وإذا ثبت أنَّ الإِيماءاتِ لا تدلُّ إلّ بواسطةِ أحدِ هذه الطرقِ الثلاثةِ كانَّ الأصلُ ۔ لا محالة ۔ أقوی من الفرع . فکان کلَّ واحدٍ ۔ من هذه الثلاثةِ - أقوى من الإِيماءاتِ. ورابعُها: أنّا قد ذكرنا: أنَّ أقسامَ الإِيماءاتِ خمسةٌ. وكلُّ واحدٍ من تلك الأقسام يندرجُ تحتّهِ أقسامٌ كثيرةٌ، واستيفاء القولِ في هذا - يقتضي أن نتكلّم في تفاصيل كلُّ واحدٍ من [أقسام(٥)] تلك الأقسام (٦)، معَ ما يشاركُهُ في جنسِهِ، ومعَ ما هو خارجٌ من جنسِهِ؛ لأنَّهُ لا يبعدُ أن يكونَ أحدُ الجنسين - أقوى من الجنسِ الآخرِ، ويكونَ بعضُ أنواع (٥) الضعيفِ - أقوى من بعض أنواع القويّ، لكنًّا تركنا هذا لطولها وكثرتها . أمّا الطرقُ العقليّةُ - فقد ذكرنا منها ستّةٌ، وهي: المناسبُ، والمؤثّر، والشبهُ، والدورانُ، والطردُ، والسبرُ. فلنتكلّم في تفاصيلِ هذه الأجناسِ، ثمّ في تفاصيلِ [أنواع (٧)] كلُّ واحدٍ من هذه الأجناسِ . (١) ما بين المعقوفتين ساقط من ى. (٢) لفظ آ: ((عليه)). (٣) سقطت الزيادة من س، آ، ى. (٤) في س، ل، جـ: ((شرح)). (٥) لم ترد في س، ی. (٦) زاد في ى، آ: «الخمسة مع صاحبه، ثم نتكلم في كل واحد من أقسام تلك الأقسام». (*) آخر الورقة (١٨٠) من ح. (٧) انفردت بهذه الزيادة ح. -٤٥٤ - أمّا تفاصيلُ هذه الأجناسِ - ففيها أبحاثُ: أحدها: [أنَّ (١)] المناسبة أقوى من الدورانِ . وقالَ قومٌ: الدورانُ أقوى، وعبَّروا عن ذلك: بأنَّ العلَّةَ المطّردةَ المنعكسةَ . أقوى مما لا یکونُ کذلك. لنا : أنَّ الوصفَ إنَّما يؤثّرُ في الحكمِ لمناسبتِهِ، فالمناسبةُ علّةٌ [لعليَّةٍ(٢)] العلَّةِ، وليس تأثيرُ الوصفِ في الحكمِ لدورانِهِ: [معه(٣)]، لأنَّ الدورانَ - في الحقيقة - ليسَ من لوازمِ العلميّةِ(٤)؛ لأنَّ العلّةَ إذا كانت أخصَّ من المعلولِ: كانت العَّيَّةُ(*) منفكّةً (٥) - هناك - عن الدورانِ. وقد ينفكُّ الدورانُ عن العلِيَّةِ - كما في الصورِ الَّتي عددناها في باب الدورانِ . وإذا كانَ كذلك: كانَ الاستدلالُ بالمناسبةِ على العلَّّةِ - أقوى من الاستدلال بالدورانِ علیھا. احتجَّ المخالفُ - بوجهين(٦): الأوَّلُ : أنَّ العلَّةَ المطّردةَ المنعكسةَ - أشبهُ بالعِلَلِ العقلِيَّةِ فتكونُ أقوى. الثاني : أنَّهم أجمعوا على صحّةِ المطّردِ(٧) المنعكسِ. ومن الناسِ من أنكرَ العَّةَ الّتي لا تكونُ منعكسةً. (١) لم ترد الزيادة في ی. (٣) هذه الزيادة من ح، آ. (٥) لفظ آ: ((منفصلة)). (٦) لفظ ص: ((بأمرين)). (٢) هذه الزيادة من ح، آ، ى. (٤) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((العلة)). (*) آخر الورقة (٢٢٥) من س. (٧) زاد في ی: ((و)» . - ٤٥٥ - بے [و(١)] الجوابُ عن الأَوّلِ: لا نسلِّمُ أنَّ العكسَ واجبٌ في العِلَلِ العقليّةِ، وقد بَيْنَاه في كتبنا العقليّةِ سلّمناه؛ لكن لا نسلّمُ أنَّ الأشبهَ بالعِلَلِ العقليّةِ - أولى. وعن الثاني : . أنَّ ذلك يقتضي ترجيحَ المناسب المطّردِ المنعكسِ ، على المناسب الّذي لا يكونُ مطّرداً منعكساً وَلا نزاع [فيه(٢)]. أمّا [أُنّا لا نقضي بـ(٣)] ترجيح الدورانِ المنفكُ عن المناسبة على المناسب المنفكُ عن الدورانِ - فلأنَّهُ إذا وجد الدورانُ بدونِ المناسبةِ، فقد لا تحصلٌ العلَّةُ (٤): كرائحةِ الخمرِ مع حرمتِها. وثانيها : [أنَّ (٥)] المناسبة أقوى من التأثير؛ لأنَّهُ لا معنى للتأثير إلَّ أنَّه عرفَ تأثيرُ هذا الوصفِ - في نوعِ هذا الحكم (٦) وفي جنسِهِ، وكونُ الشيء مؤثّراً في شيء - لا يوجبُ کونَهُ مؤثّراً فیما یشارِكُهُ في جنسِهِ. أمّا كونُه مناسباً [فـ(٧)] هو الّذي لأجلِهِ صارَ الوصفُ مؤثراً في الحكمِ. فكانَ الاستدلالُ بالمناسبةِ على العلّيَّةِ(٨) أقوى من الاستدلال بالتأثير عليها. وثالثها : أنَّ ((السبر)»، إمّا أن يكونَ قاطعاً في مقدّماتِهِ،، أو مظنوناً في مقدَّماتِهِ، أو (١) هذه الزيادة من آ، ی. (٢) لم ترد الزيادة في ے، س، ی. (٣) ما بین المعقوفتین من ص، خ. (٤) لفظ ح: ((العلّية)). (٥) انفردت بهذه الزيادة ح. (*) آخر الورقة (١٧٢) من آ. (٦) لفظ ح: ((أو). (٧) زيادة واجبة لم ترد في الأصول. (٨) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((العلة)). - ٤٥٦ - قاطعاً في بعض مقدّماته ومظنوناً في البعض(١). فإن كان قاطعاً في كل مقدِّماتهِ: كانَ العملُ به متعيّناً، وليس هذا بترجيحٍ أمّا إِذا كانَ مظنوناً في كلِّ (*) مقدّماته - مثل أن يدلُّ دليلٌ ظنيٍّ على أنَّ الحكمَ معلَّلٌ، ودليلٌ آخرُ ظنيٍّ على أنَّ العلَّةَ - إمّا هذا الوصفُ، أو (٢) ذاكَ، ودليلٌ آخر ظنيّ [على (٣)] أنَّ العلَّةَ ليستِ ذلك الوصفَ - فيحصلُ - ها هنا - ظنّ أنَّ العلَّةَ ليست إلّ هذا الوصفَ؛ فها هنا: العملُ بالمناسبةِ - أولى من العملِ. بهذا السبر؛ وذلك: لأنَّ الدليلَ الدالَّ على هذهِ المقدِّمات الثلاثِ - الَّتي لا بدَّ منها في السبرِ - إمّا النصُ أو الإِيماءُ، أو الطرقُ العقليّةُ. فإن كان هو النصَّ: صارتْ تلكَ المقدَّماتُ يقينيّةٌ - وقد فرضناها ظنّةٌ - هذا خلفٌ: وإن كان إيماءاً - فقد عرفتَ أنَّ الإِيماءِ مرجوحٌ بالنسبة إلى المناسبةِ . [و(٤)] أمّا الطرقُ العقليّةُ - فالمناسبةُ أولى من غيرها؛ لأنَّ المناسبةَ مستقلّةُ بإنتاجٍ العلّيَّةِ، والسبرُ لا ينتجُ العَلَيَّةَ إلَّ بعدَ مقدِّماتٍ كثيرةٍ، والمثبتُ لتلك المقدِّماتِ - إمَّا المناسبةُ، أو غيرُها. فإن كان الأوّلَ(*): كانت المناسبةُ أولى من السبر؛ لأنَّ في إثباتِ الحكم بالمناسبةِ - تكفي المناسبةُ الواحدةُ في الإِنتاجِ ، وفي السبرِ لا بدَّ من ثلاثٍ مقدَّماتٍ . والكثرةُ دليلُ المرجوحيَّةِ . . وإن كان الثاني: كانت المناسبةُ أولى؛ لأنَّ المناسبةَ عَّةٌ لعلّيَّةِ العلَّةِ، وغيرُ المناسبةِ - ليس كذلك(*) فالاستدلالُ (٥) بالمناسبه على العلّيَّةِ أولى .. (١) كذا في آ، وعبارة غيرها: ((دون البعض)). (*) آخر الورقة (١٨٦) من جـ. (٢) في غيرح، آ، ى: ((وإمّا)). (٤) لم ترد الواو في آ، ى. (٣) لم ترد الزيادة في س. (*) آخر الورقة (١١٣) من ی. (*) آخر الورقة (٦٢) من ص. (٥) كذا في س، ص، ل، وفي النسخ الأخرى: ((فالتعليل)». - ٤٥٧ - وأمَّا إن كانَ السبرُ مظنوناً في بعضِ المقدماتِ(*)، مقطوعاً في البعض -: عادّ الترجيحُ المذكورُ في تلك المقدّماتِ المظنونةِ. ورابعها : [أنَّ(١)] المناسبةَ أقوى من الشبهِ(٢) والطردِ، وذلك واضحُ: لا حاجةَ بهِ إلى الدليل . فهذا هو الكلام في تراجيحِ هذه [الطرق(٣)] الستّةِ العقليَّةِ - بحسب الجنس ، ولنتكلّم - الآن - في أنواع كل واحدٍ منها. وفيه مسائل. [الـ (٤)] -مسأَلةُ الأولى: ترجيحُ بعضِ المناسباتِ على بعضٍ - إمَّا أن يكونَ بأمورٍ عائدةٍ(٣) إلى ماهيَّاتِها، أو بأمورٍ خارجةٍ عنها. أُمَّ القسمُ الأوّلُ - فتقريرهُ: أَنَّك قد عرفتَ أنَّ كونَ الوصفِ مناسباً، إمّا(١) أن يكونَ لأجل مصلحةٍ دنيويَّةٍ، أو دينيّةٍ، والمصلحةُ الدنيويَّةُ - إمّا أن تكونَ في محلِّ الضرورةِ، أو في محلِّ الحاجةِ، أو في محلّ الزينةِ والتتمّةِ . وظاهرٌ أنَّ المناسبةَ - الَّتي من بابِ الضرورةِ - راجحةٌ على الَّتي من باب الحاجةِ، والّتي من باب الحاجةِ - مقدَّمَةٌ على الَّتي من بابِ الزينةِ . ثُمَّ قد عرفتَ: أنَّ المناسبةَ ـ الَّتي من بابِ الضرورةِ - خمسةٌ؛ وهي: مصلحةُ النفوسِ والعقولِ والأديانِ والأموالِ والأنساب؛ فلا بدَّ من [بيانٍ (١٧)] كيفيَّةِ ترجّحِ بعضِ هذه الأقسامِ على بعضٍ. (*) آخر الورقة (١٨١) من ح. (*) آخر الورقة (٢٢٦) فن س. (٢) لفظ آ: ((التأثير)). (٤) لم ترد في جد، آ، ى. (٦) زاد في ح: ((له)». (١) هذه الزيادة من ح. (٣) هذه الزيادة من خ. (٥) لفظ ح: ((راجعة)). (٧) انفردت ح بهذه الزيادة. -٤٥٨ - ثمّ عرفتْ: أنَّ الوصفَ المناسبَ للحكمِ - قد يكونُ نوعهُ مناسباً لنوع الحكم، وقد يناسبُ جنسُهُ نوعَ الحكمِ ، وقد يناسبُ نوعُهُ جنس الحكمِ، وقد يناسبُ جنسُه جنسَ الحكمِ . ولا شكّ في تقدُّمِ الأوَّلِ على الثلاثةِ الأخيرة؛ والثاني والثالث. : و [أمّا(١)] الثاني والثالثُ [فـ(٢)] ـهما كالمتعارضين، ولا شك في تقدّمهما على الرابع . ثمَّ الجنسُ قد يكونُ قريباً، وقد يكونُ بعيداً، والمناسبةُ المتولّدةً من الجنسِ القريبِ: تقدَّمُ على المناسبةِ المتولّدةِ من الجنسِ البعيدِ. [ ثم (٣)] المناسبةُ في كلُّ قسمٍ(٤) من هذه الأقسام - قد تكونُ جليَّةً، وقد تكونُ خفیّةً. أمَّا الجليُّ - فهو: الذي يلتفتُ الذهنُ إليهِ في أوَّلِ سماع الحكمِ ، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقضي القاضي وهو غضبانُ))؛ فإنَّه يلتفتُ الذهنُ - عند سماع هذا الكلامِ - إلى أنَّ الغضبَ إنَّما منعَ من الحكمِ ، لكونه مانعاً من استيفاء الفكر(٥). وأمَّا الخفيُّ - فهو: الَّذي لا يكونُ كذلكَ. ولا شكّ في تقدُّم (٦) (*) الجليِّ على الخفيِّ. [ وَأَمَّا (٧)] القسمُ الثاني - وهو ترجيحُ بعضِ المناسباتِ على بعضٍ ، بأمورٍ خارجٍ عنها - فذلك على وجوهٍ: (١) انفردت بهذه الزيادة ح. (٢) هذه الزيادة من ح، آ. (٣) لم ترد الزيادة في ى. (٤) لفظ ح، ى: ((واحد)». (*) آخر الورقة (١٩٣) من آ. (٦) لفظ آ: ((تقديم)). (٥) لفظ ح: ((الفكرة)). (٧) هذه الزيادة من ح، آ، ى. - ٤٥٩ - أحدها: أنَّ المناسبةَ المتأيّدةَ بسائر الطرقِ - أعني: الإِيماء والدورانَ والسبرَ - راجحةٌ على مالا يكونُ كذلك؛ ويرجعُ حاصلُهُ إلى الترجيحِ بكثرةِ الأدلَّةِ وثانيها : · المناسبةُ الخاليةُ عن المعارض (٥) - راجحةٌ على ما لا يكونُ كذلك؛ فإنَّ المناسبةَ، وإن كانت لا تبطل بالمعارضـ [ـة(١)] لكنَّها مرجوحةٌ - بالنّسبةِ إلى مالا تكونُ معارضةٌ. وثالثُها: الذي يناسبُ الحكمَ من وجهين - راجحٌ على مالا يناسبُ إلاّ من وجهٍ: واحدٍ. وعِلَّتْهُ ظاهرةٌ. وأيضاً (٢): كلّما كانت الجهاتُ أكثرَ، كانت أرجحَ . مسألةٌ : الدورانُ الحاصلُ في صورةٍ واحدةٍ - راجحٌ على الحاصل في صورتين؛ لأنَّ احتمالَ الخطأ(٣) في الدورانِ الحاصلِ في الصورةِ الواحدةِ - أقلُّ من احتمالِهِ في الدورانِ الحاصلِ في صورتين، ومتى كانَ احتمالُ الخطأِ أقلَّ : كانَ الظُّ أقوى .. بيانُ الأَوَّلِ : · أنَّ العصير [لما (٤)] لم يكن مسكراً في الزمانِ الأوَّلِ - فلم يكن محرَّماً، ثمّ صارَ مسكراً بعدَ ذلك: فصار محرَّماً، ثمَّ لمّا زالت المسكريّةُ مرَّةً أخرى: زالت الخرمةُ؛ فها هنا - نقطعُ بأنَّ شيئاً من الصفاتِ(*) الباقيةِ في الأحوالِ. (*) آخر الورقة (١٨٧) من جـ. (١) لم ترد الزيادة في ى. (٢) في ح، آ: «فكلّما». (٤) انفردت آ بهذه الزيادة. -- (٣) لفظ ى: ((الخفاء)). (*) آخر الورقة (٢٢٧) من س. - ٤٦٠ -