النص المفهرس

صفحات 381-400

وأمَّا أَنَّهُ في الشرع غيرُ واقعٍ، فالدليلُ عليهِ: أنَّهُ لو تعادلَتْ أمارتان(١) على
كونِ هذا الفعلِ محظوراً ومباحاً، فإمَّا أنْ يعملَ بهما معاً، أو يتركا(٢) معاً، أو
يعملَ بإحداهما دونَ الثانيةِ (٣).
[والأولُ محالٌ؛ لأَنَّه يقتضي كونَ الشيءِ الواحدِ في الوقتِ الواحدِ من
الشخصِ الواحدِ - محظوراً مباحاً؛ وهو محال.
والثاني - أيضاً محالٌ (٤)]؛ لأنَّهما لمّا كانتا - في نفسيهما - بحيثُ لا يمكنُ
العملُ بهما ألبتّةَ: كانَ وضعُهما عبثاً، والعبثُ غيرُ جائزٍ على الله تعالى.
[وأمَّا الثالثُ(٥)] - وهو أنْ يعملَ بإحداهما دونَ الأخرى -: فإمَّا أن يعملَ
بإحداهما على التعيين، أو لا على التعيين .
والأوَّلُ باطلٌ؛ لأنَّهُ ترجيحٌ من غيرِ مرجِّحٍ : فيكونُ ذلك قولاً في الدين
بمجرِّدِ التشهي. وإنَّه غيرُ جائٍ(*).
والثاني - أيضاً - باطلٌ؛ لأنَّا إذا خيرَّنَاهُ بين الفعل والتركِ فقد أبحنا له
الفعل: فيكون [هذا (٦)] ترجيحاً لأمارةِ الإِباحةِ - بعينِها - على أمارةِ الحظرِ،
وذلك هو القسمُ الَّذي تقدمَ إبطالُهُ.
فثبتَ: أنَّ القولَ بتعادلِ الأمارتين في حكمين متنافيين والفعلُ واحدٌ -
يُفضِي إلى هذه الأقسامِ الباطلةِ: فوجبَ أن يكونَ باطلاً.
(١) لفظ آ: ((أمارات)).
(٢) كذا في ح، آ، ى، وفي غيرها: ((أو لا يعمل بواحدة منهما)).
(٣) في آ: ((الثاني)).
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط، من آ. وفي غيرح أبدل بقوله: ((فان عمل بهما - معاً -
فهو محال؛ لأنّ الشيء الواحد لا يكون محظوراً مباحاً. وإن لم يعمل بواحدة - منهما - فهو
محال».
(٥) سقطت الزيادة من آ.
(٥) آخر الورقة (٢٠٣) من س.
(٦) هذه الزيادة من ح.
- ٣٨١ -

فإن قيل(١): لِمَ لا يجوزُ العملُ بإحدىَ الأمارتين(*) على التعيين، إمّا لأنّها
أحوطُ، أو لأنَّها أخذٌ بالأصل(٢)؟!
سلَّمنا ذلك؛ فلِمَ لا يجوزُ أن يكونَ مقتضى التعادل هو التخيير؟
قولُهُ: ((القولُ بالتخييرِ(*) إباحةُ [الفعلِ، فيكونُ ذلك ترجيحاً لأمارةٍ
الإباحة)».
قلنا: لا نسلّمُ أنَّ الأمرَ بالتخيير إباحةً(٣)].
بیانُه :
أنَّه [يجوزُ(٤)] أن يقولَ الله تعالى: ((أنتَ مخيرٌ في الأخذِ بأمارة الإِباحةِ،
وبأمارةِ الحظر، إلّ أَنَّكَ متى أخذتَ بأمارةِ الإِباحةِ: فقد أبحتُ لك [الفعلَ(٥)].
وإن أخذتَ بأمارةِ الحرمةِ: فقد حرَّمْتُ الفعلَ عليكٌ))؛ لهذا لا يكونُ إذناً
في الفعلِ والتركِ مطلقاً، بل إباحةً في حالٍ(٦)، وحظراً(٧) في حالٍ(٦) أخرى.
ومثاله في الشرع: أنَّ المسافرَ [مخيّرٌ(٨)] بينَ أن يصلِّيَ أربعاً فرضاً وَبِيْنَ
أن يتركَ ركعتين. فَالركعتانِ واجبتانٍ، ويجوزُ تركهُما بشرطِ أنْ يقصِدَ
الترخَّصَ(٩).
وأيضاً: من استحقَّ أربعةَ دراهمَ على غيرهِ، فقالَ: ((تصدّقْتُ عليكَ
(١) لفظ ح: ((قلت)).
(*) آخر الورقة (١٦٢) من ح.
(٢) لفظ ح: ((بالأقل)، والمناسب ما أثبتنا، إذ المراد: أن الأصل عدم تعدد الأمارة
(٥) آخر الورقة (١٦٧) من جـ.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من آ. ولفظ ((ذلك)) من زيادات ح.
(٤) هذه الزيادة من خ، آ ..
(٥) هذه الزيادة من آ.
(٦) لفظ آ: ((حالة)) في الموضعين.
(٧) زاد في ح: «له».
(٨) سقطت الزيادة من ی.
(٩) زاد في ح: ((بشرط)). ولمعرفة مذاهب العلماء في قصر صلاة السفر، وهل هي
رخصة أو عزيمة؟ راجع المغني والشرح: (٩٠/٢ - ١٠٣) ونيل الأوطار: (٣٦٢/١ - ٣٦٣)
والسنن الكبرى: (١٤٠/٣ - ١٤١)، والمحلَّى: (٢٦٤/٣).
- ٣٨٢ -

بدرهمين - إن قبلتَ؛ وإن لم تَقْبَلْ، وأتيتَ بالأربعةِ: قبلتُ الأربعةَ عن الدَّيْن
الواجب))؛ فان شاءَ: قبلَ الصدقةً وأتى بدرهمين، وإن شاء: أتى بالأربعةِ عن
الواجب.
فكذا في مسألتنا: إذا سمعَ قولَهُ تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوْا بَيْنَ آلْأُخْتَيْنِ﴾(١) -
حَرُمَ عليهِ الجمعُ بينَ المملوكتين .
وإنَّما يجوزُ لهُ الجمعُ: إذا قصدَ العملَ بموجَبِ الدليلِ الثاني، وهو قولهُ
تعالى: ﴿إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾(٢) [كما قالَ عثمانُ - رضي الله عنه -:
((أَحَلَّتْهُما آيةٌ، وحرَّمَتَهْمًا آيَةٌ(٣)])).
سلَّمنا ذلك؛ لكن هذه الدلالةَ إنَّما تتمُّ: عندَ تعارض أمارةِ الحظر
والإباحة .
وأمَّا عندَ تعارض [أمارة(٤)] الحظر والوجوب(*) - إذا قلنا بالتخيير -: لم
(٢) الآية (٢٤) من سورة النساء ..
(١) الآية (٢٣) من سورة النساء.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من ح، وفي ى نسب الأثر إلى سيدنا عمر - رضي الله
عنه -: وأثر عثمان - رضي الله عنه - هذا قد أخرجه الإمام المصنف - أيضاً - في التفسير:
(٣٦/١٠) وفيه زيادة: ((والتحليل أولى)). وهو في تفسير الخازن: (٤٢١/١) ويزيادة على
لفظ الإمام المصنف وأما الآلوسي، فقد نسب الأثر إلى الإِمام عليّ - كرم الله وجهه ورضي عنه -
ثم قال: ((وحكي مثله عن عثمان)». فانظر تفسيره: (٤ /٢٦٠) وانظر فتح القدير: (٤٤٧/١
- ٤٤٨)، وتفسير ابن كثير: (٤٧٢/١ - ٤٧٣)، والقرطبيّ: (١١٧/٦)، والكشاف:
(٥١٨/١)، وحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي: (١٢٢/٣)، وتأمل ما قاله أبو جعفر في
تفسير قوله تعالى ﴿وأن تجمروا بين الأختين﴾ في: (٢٢٣/٤) من تفسيره، وراجع أحكام
القرآن لابن العربي: (٣٧٩/١)، وأحكام القرآن للجصاص: (١٥٨/٢) وذكر أن الخلاف
في جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين قد انتهى بحصول الإِجماع على تحريم الجمع
بينهما بذلك، وراجع نيل الأوطار: (٣٠٣/٦)، والسنن الكبرى للبيهقي، وقد أخرج الأثر عن
عثمان وعلي ونحوه عن ابن عباس - رضي الله عنهم - فانظر: (١٦٣/٧-١٦٥)، وراجع
مصنف عبد الرزاق: (٢٧٣/٦) رقم (١٠٨٠٩)، (ج٣، ص ١٥) من هذا الكتاب.
(٤) هذه الزيادة من ح، ی.
(٥) لفظ س: ((الإباحة))، وهو وهم.
- ٣٨٣ -

يلزمْ ترجيحُ إحداهما على الأخرىَ؛ فدليلكُمُ على امتناعِ التعادلِ - غيرُ متناولٍ.
لكلِّ الصورِ.
سلَّمنا فسادَ القولٍ بالتخييرِ؛ فلِمَ لا يجوزُ التساقطُ؟
قوله: ((لأنَّهُ عبثٌ)).
قلنا: لا نسلِّمُ؛ ولِمَ لا يجوزُ أن يقال: [إنَّ(١)] لله - تعالى - [ فيه(٢)] حكمةٌ
خفيَّةً: لا يُطْلَعُ عليها.
وأيضاً:
فهبْ أَنَّ التعادلَ - في نفسِ الأمرِ - ممتنعٌ، لكنْ لا نزاعَ في وقوع التعادلِ
بحسب أذهانِنَا، فإذا جازَ أن لا يكونَ التعادلُ الذهنِيُّ - عبثاً، فلِمَ لا يجوز أنْ
[لا(٣)] يكون التعادلُ الخارجيُّ عبثاً أيضاً؟!
ثّ ما ذكرتموه يشكلُ بْما إذا أفتى مفتيانِ: أحدُهما بالحلِّ، والآخِرُ
بالحرمِة، واستويا - في ظنِّ المستفتي، ولم يوجدِ الرجحانُ: فإنَّهما - بالنسبة .-
إلى العامّي كالأمارةٍ(٤).
[و(٥)] الجوابُ:
قوله: ((لِمَ لا يجوزُ العمل(٦) بإحداهما لأنَّه أحوط، أو لأنّه أصلٌ(٧))؟
قلنا: [إن(٨)] جازَ الترجيحُ بهاتين الجهتين - فوجودُهُ ينافي التعادُلَ؛
وإنْ لم يجزْ - فقد بطلّ كلامك(٩).
(١) هذه الزيادة من ح.
(٢) هذه الزيادة من آ.
(٣) سقطت الزيادة من ى.
(٤) هكذا في سائر الأصول، ولعل الصحيح: ((كالأمارتين)).
(٥) هذه الزيادة من ح، آ، جـ، ی.
(٦) كذا في آ، وهو المناسب، وعبارة غيرها: ((يعمل بإحداهما)).
(٧) في غيرح: ((أقل))، والمناسب ما أثبتنا لما تقدم.
(٨) سقطت الزيادة من آ.
(٩) كذا في ح، جـ. وفي غيرهما: ((كلامه).
- ٣٨٤ -

قولهُ: ((لم قلتَ: إِنَ التخييرَ إباحةٌ))؟
قلتُ: لأنَّ ((المحظور) - هو الَّذي مُنعَ من فعلِهِ؛ و((المباحَ)) - هو الّذي لم
يُمْنَعْ من فعلِهِ؛ فإذا(*) حصلَ الإِذنُ في الفعلِ : فقد ارتفعَ الحجرُ [فلا يبقى
الحظرُ ألبتَّةَ(١)]. ولا معنى للإِباحةِ إلّ ذلك.
قولُه: (([ذلك(٢)] الفعلُ محظورٌ بشرطِ أن يأخذَ بأمارةِ الحظرِ، ومباحٌ
بشرطِ(*) أن يأخذ بأمارةِ الإِباحةِ)».
قلنا: هذا باطلٌ من وجهين:
[الوجهُ (٣)] الأوّلُ:
هو: أنَّ أمارةَ الإِباحةِ وأمارةَ الحظر: إمّا أن تقوما على ذاتِ الفعلِ وماهيّتِهِ
باعتبار واحدٍ،
أو ليسَ كذلك؛ بل تقومُ أمارةُ الإِباحةِ على الفعلِ المقيَّدِ بقيدٍ [وتقومُ أمارةُ
الحظرِ على الفعل المقيّدِ بقيدٍ (٤)] آخرَ.
فإن(٥) كان الثاني: كانَ ذلك مغايراً لهذه المسألةِ ـ الّتي نحنُ فيها لأنَّ هذه
المسألةَ - هي: أن تقومَ الأمارتانِ على إباحةِ شيءٍ واحدٍ وحظره؛ وعلى التقدير
الَّذي قالوا -: قامت أمارةُ الإِباحة (٦) على شيء، وأمارة الحظرِ على شيءٍ آخرَ؛
فإنَّهم لمّا قالوا: عندَ الأخذِ بأمارةِ الحرمةِ يحرمُ الفعلُ عليهِ؛ فمعناه: أنَّ أمارةَ
الحرمةِ قائمةٌ على حرمةِ هذا الفعل - حالَ الأخذِ بأمارةِ الحرمةِ. وأمارةُ الإِباحةِ
- قائمةٌ على إباحةِ هذا الفعلِ - حالَ [عدم(٧)] الأخذِ بأمارةِ الحرمةِ. فالأمارتان
(*) آخر الورقة (١٥٥) من آ.
(١) ساقط من غير ح، ا، ى.
(٢) هذه الزيادة من جـ، ح، آ.
(*) آخر الورقة (٢٠٤) من س.
(٣) زيادة مناسبة لم ترد في غيراً.
(٤) ما بين المعقوفتين سقط من غير ص، ح.
(٥) أبدلت الفاء في ح بواو.
(٦) لفظ ح: ((الحظر))، وهو وهم.
(٧) سقطت الزيادة من ح.
- ٣٨٥ -

إنّما قامتا على شيئين متنافيين(١): غيرِ متلازمين، لا على شيءٍ واحدٍ؛ وكلامنا
في قيامِ الأمارتين على حكمين متنافيين: في شيءٍ واحدٍ، لا في شيئين.
وإذا بطل هذا القسمُ: ثبتَ القسمُ الأوّلُ - وهو: أنَّ أمارةَ الحظرِ وأمارةً
الإِباحةِ، قامتا على ذاتِ الفعلِ وماهيَّتِهِ(*) - باعتبارٍ واحدٍ.
فإن رفعنا الحظر (٢) عن ماهيَّةِ الفعلِ: كانَ ذلك إباحةً، فيكونُ ترجيحاً
لإحدى الأمارتين(*) بعينها .
وإن لم نرفع ذلك: كان [ذلك(٣)] حظراً، فيكون ترجيحاً للأمارة الأخرى.
بعینھا .
الوجهُ الثاني في الجوابِ - أن نقول:
ما المرادُ(*) بالأخذ بإحدى الأمارتين؟
إن عنيتم بهذا الأخذِ - اعتقادَ رجحانِها فـ [ـهذا(٤)] باطلٌ؛ لأنَّها إذا لم تكن
راجحةٌ: کان اعتقادُ رجخانها جهلاً.
وأيضاً:
فنفرضُ الكلامَ فيما إذا حصلَ العلمُ بأنَّه لا رجحانَ، ففي هذهِ الصورةِ -
يمتنعُ (٥) حصولُ اعتقادِ الرجحانِ.
وإن عنيتم بهذا الأخذِ: العزمَ على الإِتيانِ بمقتضاها، فذاك العزمُ - إمَّا أَنَّ
يكونَ عزماً جزماً، بحيث بتصَّلُ بالفعلِ - لا محالة،
أو لا يكون كذلك.
فإن كان الأوَّلَ: كانَ الفعلُ في ذلك الوقتِ - واجبَ الوقوع: فيمتنعُ ورودٌ
(١) لفظ آ: ((متباينين)).
(*) آخر الورقة (١٦٨) من جـ.
(٢) في غيرآ: ((الحجر)) ..
(*) آخر الورقة (١٦٣) من ح.
(٣) هذه الزيادة من ح، آ. ولفظ ((حظر)) في آ ورد بالألف واللام.
(٥) آخر الورقة (١٠٣) من ی.
(٤) هذه الزيادة من ح، آ، جـ، ى.
(٥) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((تمنع)).
- ٣٨٦ -

الإِباحة والحظر؛ لأنَّهُ يكون [ذلك(١)] إذناً في إيقاع ما يجبُ وقوعُهُ، أو منعاً عن
إيقاع ما يجبُ وقوعُهُ.
وإن كان الثاني: وهو أن يكون العزمُ عزماً فاتراً - فها هنا: يجوزُ له الرجوعُ؛
لأَنَّه إذا عزمَ عزماً فاتراً على التركِ - فلو أرادَ الرجوعٌ عن هذا العزم، وقصدَ الإِقدامَ
على الفعل -: جازَ له ذلك، فعلمنا أنَّ ما قالوه فاسدٌ .
قولُه: ((هذه الدلالةُ لا تطرّدُ: عند تعارضِ أمارتي الوجوبِ والحظرِ)).
قلنا: لا قائلَ بالفرقِ.
وأيضاً:
فالإِباحةُ منافيةٌ للوجوب والحظر، فعندَ تعادلٍ أمارتي الوجوب
[والحظر(٢)] - لو حصلت الإِباحةُ: لكانَ ذَلك قولاً بتساقطهما، وإثباتاً لحكمٍ
لم يدلُّ علیه دلیل أصلاً.
قوله: ((لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ في التساقطِ حكمةٌ [خفيّة(٣)]»؟
قلنا: لأنَّ المقصودَ من وضعِ الأمارةِ - أن يُتَوسَّلَ بها إلى المدلولِ ، فإذا
كانَ هو - في ذاتِهِ - بحيثُ يمتنعُّ التوسّلُ به(٤) إلى الحكم : كان خالياً عن
المقصودِ الأصلّيِ منه، ولا معنى للعبثِ إلّ ذلك.
وهذا بخلافِ [وقوع(٥)] التعارض في أفكارنا؛ لأنَّ الرجحان لمّا كانَ
حاصلاً في نفسِ الأمر -: لم يكن واضعُهُ عابثاً؛ بل غايتُهُ: أنَّا - لقصورنا، أو
تقصيرنا(*) ۔ ما انتفعنا به .
أمّا إذا كانَ الرجحانُ مفقوداً (٦) في نفس الأمر: كان الواضعُ عابثاً.
(١) لم ترد الزيادة في ى.
(٢) سقطت الزيادة من ى.
(٣) عبارة ى: ((في التساقط حكم)).
(٤) لفظ آ: ((بها)).
(*) آخر الورقة (٢٠٥) من س.
(٥) هذه الزيادة من ح.
(٦) لفظ آ: ((قصوداً)) وهو تحريف.
- ٣٨٧ -

[و(١)] أُمَّا القسم الثاني : - وهو تعادلُ الأمارتين في فعلين متنافيين، والحكمُ
واحدٌ - فهذا جائزٌ، ومقتضاهُ: التخييرُ.
والدليلُ على جوازِهِ: وقوعُهُ في صور:
إحداها:
قوله عليه الصلاةُ والسلامُ - في زكاةِ الإِبلِ : ((في كلَّ أربعينَ بنتُ لبونٍ،.
وفي كلَّ خمسين حِقَّةً(٢)، فمن ملك مائتين - فقد ملكَ أربع خمسينات،
وخمس أربعينات، فإن أخرجَ الحقاقَ: فقد أدَّى الواجبَ؛ إذ عملَ بقوله: ((في
كلِّ خمسين حِقَّةٌ)).
وإن أخرِجَ بناتِ اللَّبونِ - فقد عملَ بقوله عليه الصلاة والسلامُ: ((في كلّ
أربعين بنتُ لبونٍ)). وليسَ أحدُ اللَّفظينِ أولى من الآخرِ: فيتخيُّرْ(٣).
وثانيها :
من دخلَ الكعبةَ - فله أن يستقبلَ أيَّ جانبٍ(*) شاء(٤)، لأنَّهُ كيفَ فعلَ
[فهو (٥)] مستقبلٌ شيئاً من الكعبةِ .
أنَّ الوليَّ إذا لم يجد من اللبن إلا ما يسدُّ(٦) رمقَ أُحدِ رضيعيهِ، ولو قسمَهُ
وثالثها :
(١) هذه الزيادة من .
(٢) الحدیث (٦٢١) من سنن الترمذي، و (١٥٦٨) من سنن أبي داود، و(١٧٩٨) من
سنن ابن ماجه. وحسّنه الترمذي، وقال: العمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء، وراجع
الأم: (٣/٢ - ٥)، وما استشهد به المصنف جزء من الحديث المرويِّ. وانظر الموطأ:
(٢٥٧/١) الحديث (٢٣)، والسنن الكبرى: (٩٠/٤)، وراجع نيل الأوطار: (١٨٢/٤).
(٣) كذا في آ، ولفظ غيرها: ((فيخير)»، ولمعرفة وصف أسنان الإِبل وأسمائها في كل سن
من أسنانها، انظر ما قاله الإمام الشافعيّ رحمه الله في آداب الشافعي ومناقبه ص (٢٤٢ -
٢٤٦).
(*) آخر الورقة (١٥٦) من آ.
(٤) عباراً: ((منها شاء)).
(٥) هذه الزيادة من: أ.
(٦) زاد في آ: «به)).
ھ
- ٣٨٨ -

عليهما، أو منعهما - لماتا، ولو سقى(١) أحدَهما - ماتَ الآخر، فها هنا: هو مخيّر
بينَ أن يسقي(٢) هذا - فيهلك ذاك، أو ذاك : - فيهلك هذا، ولا سبيلَ إلّ
التخيير.
ورابعها :
أنّ ثبوتَ الحكمِ - في الفعلين المتنافيين - نفسُ إيجابِ الضدّين، وذلك
يقتضي إيجابَ فعلٍ كلِّ واحدٍ منهما بدلاً عن الآخر.
واحتجِّ الخصمُ على فسادِ التخييرِ:
بأنَّ أمارةَ وجوب كلِّ واحدٍ - من الفعلين - اقتضَت وجوبَهُ على وجهٍ لا
يسوغ (٣) الإِخلالُ به، والتخييرُ بينه وبين ضدِّه يسوِّغُ الإِخلالَ به. فالقولُ بالتخيير
مخالفٌ لمقتضى الأمارتين معاً.
[و(٤)] الجوابُ:
أمّا [أمارة(*)] وجوبِ الفعلِ - فتقتضي وجوبَه قطعاً.
و(٦) أمّا المنعُ من الإِخلالِ به - على كلِّ حالٍ - فموقوفٌ على عدم الدلالةِ
على قيامٍ غيرِه مقامَه(٧)، وإذا كانَ كذلك: لم يكن التخيير(*) مخالفاً لمقتضى
الأمارتین .
فرعٌ :·
هذا التعادلُ إن وقعَ للإنسانِ في عملِ نفسِهِ: كانَ حکمهُ فیهِ التخييرَ.
وإن وقعَ للمفتي: كانَ حكمُهُ أن يخيِّرَ المستفتي في العملِ بأَيُّهما شاء،
(١) لفظ ح: ((أطعم)).
(٢) في خ: ((يطعم)).
(٣) في آ، ى: ((يمنع)).
(٤) هذه الواو من زيادات ی، آ.
(٥) سقطت من ی.
(٦) كذا في ح، وفي غيرها أبدلت الواو فاءاً.
(٧) في غيرح، أَ: ((ف)).
(٥) آخر الورقة (١٦٩) من جـ.
- ٣٨٩ -

كما يلزمهُ [ذلك(١)] في أمرِ نفسِهِ.
وإن وقعَ للحاكمِ : وجبَ عليه التعيينُ؛ لأنَّ الحاكمَ نُصِبٍَ لِقطعٍ.
الخصومات، فلو خيرَّ الخصمين - لم تنقطعْ خصومتُهما؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ ـ
منهما(*) - يختارُ الذي هو أوفق(٢) له، وليسَ كذلك حالُ المفتي.
فإن قلتَ: فهل للحاكم أن یقضی ۔ في الحکومة - بحکم إحدى
الأمارتين، إذا كانَ قد قضى فيها - من قبلُ - بالأمارةِ الأخرى؟
قلتُ: لا يمتنعُ ذلك عقلاً، كمن(٣) يجوّز لمن استوى عنده جهتا القبلة،
أن يصلّي مرّة إلى جهةٍ، ومرة(٤) إلى جهة أخرى.
إلّا أنّه منع منه دليل شرعيّ؛ وهو: ما روي [أنّه(*) عليه الصلاةُ والسلامُ قالِ
لأبي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - ((لا تقضينَّ في شيءٍ واحدٍ بحكمين مختلفين)).
فأمّا ما روي(٥)] عن عمر - رضي الله عنه - أنّه قضى في ((المسألةِ
الجماريَّةِ))، بحكمين، وقال: ((ذاك على ما قضَينا، وهذا على ما نَقْضي(٦)) -
فيجوزُ أن يكونَ ذلك ليسَ لتعادلِ الأمارتين، بل لأنَّهُ ظنَّ في المرّةَ الأولى قوّة
(١) هذه الزيادة من ح.
(*) آخر الورقة (١٦٤) من ح.
(٢) لفظ ج: ((موافق)).
(٣) لفظ ى: ((كما).
(٤) زاد في آ: ((أخرى)).
(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من آ. وهذا الخبر يورده الأصوليون بهذا اللفظ : فقد ورد
في نهاية السول: (١٣٤/٣)، كما أورده ابن السبكي في الإِبهاج في الموضع المتقدم،
وقال: ((هذا الحديث لا أعرفه، وقد سألت عنه شيخنا الذهبيّ فلم يعرفه)). والحديث أخرجه
النسائي في سننه عن أبي بكرة، لا عن أبي بكر - كما هو في سائر الأصول - تصحيفاً وبلفظ:
((لا يقضينّ أحد في قضاء بقضائين، ولا يقضِ أحد بين خصمين وهو غضبان)). فانظر
السنن: (٢٤٧/٨)، والفتح الكبير: (٣٦٨/٣). والعلامة لآخر الورقة (٥٦) من ص. وانظر
الجزء الثالث، ص ٩٦، من هذا الكتاب.
(٦) هذه المسألة من مسائل الفرائض الهامّة، لمعرفة تفاصيلها ومذاهب العلماء فيها
راجع المغني والشرح: (٢١/٧ - ٢٤). وفتح القريب: (٦٠/١) ..
- ٣٩٠ -

تلك الأمارة، وفي [المرّة(١)] الثانية - قوَةَ هذهِ الأمارةِ.
المسألةُ الثانيةُ:
إذا نقلَ عن المجتهدٍ قولان، فإمّا أن يوجدَ له في المسألةِ قولان: في
موضعٍ واحدٍ، أو في موضعين.
فإن وجد القولان - في موضعين - بأن يقول(*) في كتابٍ بتحريمٍ شيءٍ،
وفي كتابٍ آخرَ بتحليلِه - فإمّا أن يعلمَ التاريخُ،
أو لا يعلم.
فإن علم التاريخُ: فالثاني منهما رجوعٌ عن الأوّل ظاهراً.
وإن لم يعلم التاريخ: حكي عنه القولان، ولا يحكمُ عليهِ بالرجوع إلى
أحدهما بعينه .
وإن وجدَ القولانِ في الموضعِ الواحدِ -: بأن يقولَ: في المسألةِ قولان -
فإمّا أن يقولَ عقيبَ هذا القول - ما يشعرُ بتقويةِ أحدهما: فيكونُ ذلك قولاً له؛
لأنَّ قولَ المجتهد ليسَ إلّ ما ترجَّح عنده.
وإن لم يقل ذلك - فها هنا: من الناس ، من قال: (([إنّه(٢)] يقتضي
التخييرَ))، إلّ أنّا أبطلنا ذلك.
وأيضاً : .
فبتقدير صحَّتِهِ(٣) - يكون له في المسألة قولٌ واحدٌ، وهو: ((التخييرُ))، لا
قولان. بل الحقُّ: أنَّ ذلك يدلُّ على أنَّه كانَ متوَقِّفاً في المسألةِ، ولم يظهر له
وجهُ رجحانٍ. والمتوقّفُ - في المسألةِ ؛ لا يكون له [فيها (٤)] قولٌ [واحدٌ (*)]،
فضلاً عن القولينِ.
(١) لم ترد الزيادة في ى.
(٢) هذه الزيادة من ح.
(*) آخر الورقة (٢٠٦) من س.
(٣) لفظ ى: ((الصّحة)).
(٤) هذه الزيادة من ى، آ.
(٥) لم ترد الزيادة في ح.
- ٣٩١ -

۔۔
أمّا إذا لم يعرف قولهُ في المسألةِ، وعِرِفَ (١) قوله في نظيرها - فهل يجعلُ
قولُهُ - في نظيرها - قولاً له فيها؟ فنقولُ:
إن كانَ بين المسألتين فرقٌ يجوزُ أن يذهبَ إليهِ ذاهبٌ: لم يحكم بأنَّ قَولَهُ
في المسألةِ - كقوله في نظيرِها؛ لجوازٍ أن يكونَ قد ذهبَ إلى الفرقِ ..
وإن لم يكن بينهما فرقٌ - ألبتَّةَ -: فالظاهرُ أنَّ قولَه في إحدى المسألتين
قولٌ (٢) له في الأخرى.
وأمّا(٣) الأقوالُ المختلفةُ عن الشافعيّ - رضي الله عنه - فهي على وجوهٍ:
أحدها:
أن يكون قد ذكر في كتبه القديمةِ شيئاً، وفي كتبه الجديدة شيئاً آخر،
والناسُ نقلوهما: دفعةً واحدةً، وجعلوهما قولين له - فالمتأخرِّ كالناسخِ
للمتقدم .
وهذا النوعُ من التصرُّفِ - يدلُّ على علوِّ شأنِهِ في العلمِ(٤) والدِّينِ.
أمَّا في العلمِ - فلأنَّهُ يعرفُ به: أنّه(*) كانَ طولَ عمره مشتغلاً(*) بالطلب
والبحث والتدبّر.
وأمّا في الدِّين ـ فلأنَّهُ يدلُّ على أنَّه متى لاحَ له في الدِّين شيءٌ: أظهرَه؛
فإنّه ما كانَ يتعصَّبُ لنصرة قولِهِ، وترويج مذهبه؛ بل كانَ منتهى مطلبِهِ إرشادَ
الخلقِ إلى سبيلِ الحقِ.
(١) في آ: ((أو عرفت)).
(٢) في غيرح، آ ى: ((قوله)).
(٣) في غير ح، أ: ((فأمّا)).
(٤) في ح، آ، ى: ((وفي)). وإعادة ذكر الخافض في العطف مذهب لسيبويه كما هو
معروف، قال ابن مالك :
ضمير خفض لازماً قد جعلا
وعود خافض لدى عطف على
في الشعر والنثر الصحيح مثبتا
وليس عندي لازماً إذ قد أتى
الألفية عطف النسق .
(*) آخر الورقة (١٠٤) من ى.
(*) آخر الورقة (١٥٧) من آ.
- ٣٩٢ -

وثانيها :
أن يكونَ قد ذكر القولين في موضعٍ واحدٍ، ونصَّ على الترجيح ، كقوله -
في بعض ما ذكر فيه قولَين: ((وبهذا أقولُ، وهذا أولى، وبالحقِّ أشبهُ)).
وأيضاً:
فقد يفرِّعْ على أحدِهما، ويتركُ التفريعَ على الآخرِ: فيعلمُ أنَّ الّذي فَرِّع
علیه - أقوى عنده.
وأيضاً:
فربّما نَّه في آخر كلامه على الترجيحِ ، لكنَّ المطالعَ قد لا يَتْبِعُ كلامَه إلى
آخره، وقد يملُّ فلا يتنبّه لموضعَ الترجيحِ .
وثالثها :
أن يقول: ((في هذه المسألةِ قولان»، ولا ينّه على الترجيح ألبتّةَ. فها هنا
احتمالان :
أحدهما:
أنّه قال: ((في هذه المسألة قولان))، ولم يقل: ((لي فيها قولان))؛ فيمكن
أن يكونا قولين لبعض الناس ، وإنّما ذكرهما لينبّه(*) الناظرَ في كتابِهِ - على
مأخذِهما، وإيضاحِ القَولِ فيما لكلِّ واحد منهما وعليهما.
ولأنَّهُ لولم يذكرهما [فربمًا(١)] خطرَ ببالِ إنسانٍ وجهً في قوَّتَهِ، إلّ أنَّهُ لا
يمكنهُ القولُ به(*)، لظنّه أنّه قوْلٌ(٢) حادثٌ، خارقٌ للإِجماع؛ فإذا نقلَهُ - عُرِفَ
أنَّ المصيرَ إليهِ ليسَ خرقاً للإِجماع . ثمّ جاءَ الناقلُ فجعلهما قولين للشافعيّ.
(*) آخر الورقة (١٧٠) من جـ.
(١) لم ترد في س، آ ..
(*) آخر الورقة (١٦٥) من ح.
(٢) في غيرح: ((علم)).
- ٣٩٣ -

فهذا لا يكونُ عيباً على الشافعيِّ، بل على الناقلِ . فإنَّ الشافعيَّ لم يقل
((لي فيها قولان))؛ بل قالَ: ((فيها قولانٍ))، فإذا جزمُ الراوي بكونهما قولين:
للشافعيِّ -: كانَ الغِيبُ على الناقلِ .
وثانيهما :
لعلَّ مرادَ الشافعيِّ بقوله: ((فيها قولانٍ)» - أنَّ في المسألةِ احتمالين يمكنُ
أن يقولَ بهما قائلٌ، وذلك إذا كانَ ما سوى ذينك القولَين - ظاهرَ البطلانِ .
فأمَّا ذانك القولانِ(*) - فيكونان قوبيِّن، بحيثُ يمكن نصرةُ كلُّ واحدٍ -
منهما - بوجوه جلّيَّةٍ ظاهرةٍ، ولا يقدرُ على تمييز الحق - منهما - عن الباطل إلّ
البالغ(١) في التحقيقِ فلا جرمَ أفردَهما بالذكرِ، دونَ سائرِ الوجوهِ(٢) ..
وكما أنَّهُ يجوزُ أن يقالَ - للخمر الَّتي في الدنِّ -: إنَّها مسكرةٌ، وللسكّين
الَّتي لم تقطع: إنَّها قاطعةٌ، والمرادُ منه: الصلاحيَّةُ، لا الوقوعُ. فكذلك ها
هنا.
:
ثمّ إنَّه لم يرجّح أحدهما على الآخرِ؛ لأنَّهُ لم يظهرْ له فيه وجهُ الترجيحِ
ونقل الشيخُ أبو اسحاقَ الشيرازيُّ عن الشيخِ أبي حامد الأسفرايينيِّ - أنَّه
قالَ: ((لم يصحَّ عن الشافعيِّ - رضي الله عنه - قولان على هذا الوجهِ إلّ [في (٣)]
سبعَ عشرةَ مسألةً)).
أقول: وهذا - أيضاً - يدلُّ على كمالِ منصبِهِ في العلم (٤) والذّين.
أمّا (٥) العلم ، فلأنَّ كلَّ من كانَ أغوصَ نظراً، وأدقَّ فكراً، وأكثر إحاطةً
(*) آخر الورقة (٢٠٧) من س.
(١) في ي: ((بالغ))، وفي س، ل: ((المبالغ)).
(٢) زاد في أ: ((الممكنة)).
(٣) هذه الزيادة من ى.
(٥) زادى: «في)».
(٤) زاد ح، آ، ى: ((في)).
- ٣٩٤ -

بالأصولِ والفروع، وأتمّ وقوفاً (١) على شرائط الأدلَّةِ -: كانت الإِشكالاتُ عنده
أكثرَ (٢).
(٣) أمّا المصرُّ على الوجهِ الواحد - طولَ عمره - في المباحثِ الظنِّةِ بحيثُ
لا يتردّدُ فيه -: فذاك لا يكونُ إلّ من جمودِ الطبع ، وقلةِ الفطنةِ، وكلالِ
القريحةِ، وعدم الوقوفِ على شرائطِ الأدلّةِ والاعتراضاتِ.
وأمّا الدين - فمن وجهين :
الأوَّلُ :
أَنَّه لمّا لم يظهرُ له فيهِ وجهُ الرجحانِ: لم يستحِ من الاعترافِ بعدمٍ
العلمِ ، ولم يشتغل بالترويجِ والمداهنة، بل صرَّحَ بعجزهِ عمَّا هو عاجزٌ فيهِ .
وذلك لا يصدرُ إلّ عن الدين المتينِ.
كيفَ - وقد نقلَ عن عمرَ - رضي الله عنه - اعترافُهُ بعدمِ العلمِ ، في كثيرٍ
من المسائِل(٤). وجميعُ المسلمين عدّوا ذلك من مناقبه وفضائِلِه، فكيفَ
جعلوه عيباً ها هنا؟!
والثاني(٥) :
وهو أنّه - رضي الله عنه - لم يقل ابتداءاً ((إني لا أعرفُ هذه المسألة))، بل
وجدّ المسألةَ واقعةٌ بينَ أصلين، فذكرَ وجهَ وقوعِها بينهما، وكيفيَّةً اشتباهِها
بهما، ثمّ لمَّا لم يظهرْ له الرجحانُ - تركها (٦) على تلك الحالةِ ليكونَ ذلك بعثاً (٧)
(١) كذا في ح، آ، ى. وفي غيرها: ((وقوع).
(٢) لفظ آ: ((أكبر)).
.(٣) زاد في ح، أ: ((ف)).
(٤) نحو هذا روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - في مواضع كثيرة، منها ما يتعلق
بميراث الجد والأخوة، وميراث الكلالة، وبعض أبواب الربا، وقد أخرج ذلك عنه البخاري
ومسلم وغيرهما. وانظر سنن البيهقي: (٢٤٥/٦)، وفتح القريب (٣٩/١).
(٥) في غيرح، آ: ((وثانيهما)).
(٦) لفظ آ: ((تركنا).
(٧) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((محثاً)).
- ٣٩٥ -

له على الفكر بعدَ ذلك، وحثّاً لغيره - من المجتهدين على طلب الترجيحٍ
وهذا هو اللاثقُ يَالدِّين المتين، والعقلِ الرصين، والعلمِ الكاملِ ؛ بل من
أُنصفَ واعترفَ بالحقِّ: علمَ أنَّ ذَلَك(*) ممّا يدلُّ على رجحانِ حالِهِ، على حالٍ
سائر المجتهدين: في العلمِ والدِّينِ(١).
أ.
(*) آخر الورقة (١٥٨) من آ.
(١) راجع تفاصيل ذلك في كتاب الفخر المطبوع: (مناقب: الإِمام الشافعي)).
-٣٩٦ -

القسم الثاني: في مقدّماتِ الترجيحُ.
وفيه مسائل:
[الـ(١)] -مسألة الأولى:
الترجيحُ: تقويةُ أحدِ الطريقينِ على الآخرِ، ليعلم(٢) الأقوى، فيعملَ به
ويطرحَ الآخرُ.
وإنّما قلنا: ((طريقين)) لأنّهُ لا يصحُ الترجيحُ بين أمرين إلّ بعدَ تكاملٍ
كونهما طريقين، لو انفردَ كلُّ واحدٍ منهما (٣)؛ فإنَّه لا يصحُ ترجيحُ الطريق على
ما ليسَ بطريقٍ(٤).
المسأَلَةُ الثانية (٥):
الأكثرون اتَّفقوا: على جوازِ التمسُّكِ بالترجيحِ .
وأنكرَهُ بعضُهم، وقالَ: عندَ التعارضِ يلزمُ التخييرُ أو التوقُّفُ.
(١) لم ترد في جـ، آ، ی.
(٢) في غير جـ: ((ف)).
.
(٣) لا بد من تقدير نحو قولنا: ((لكان أمارة، أو طريقاً).
(٤) يريد ((بالطريق)) ما هو أعمّ من أن يكون دليلاً أو أمارةً، كما تقدم في (ج١، ص ٨٠)،
وعبرّ البيضاويّ ((بالأمارتين))، ورجح ابن السبكيّ تعبيره على تعبير المصنّف فانظر الإِبهاج مع
شرح الإِسنوي: (١٣٨/٣ - ١٣٩)، وعند الشوكانيّ وردت عبارة المصنف بلفظ ((الطرفين))
فانظر الإِرشاد: (٢٧٣).
(٥) في: جـ، ى، آ: ((الأولى)).
:
- ٣٩٧ -

لنا وجوه :
الأوّلُ:
إجماعُ الصحابةِ على العملِ بالترجيح ؛ فإنَّهم قدَّموا خبرَ عائشةَ - رضي
الله عنها -: في ((التقاءِ الختانين))، على قولِ من روى: ((إنَّما الماءُ من الماءِ)).
وخبرَ من روت(١) من أزواجه: ((أَنَّهُ كان يصبحُ جنباً)) على ما روى أبو هريرة
أنّه «من أُصبح جُنباً - فلا صومَ له(٥).
وقوّى عليَّ خبر أبي بكر: فلم يحلِّفه، وحلّف غيره.
وقوَّى أَبو بكر خبر المغيرة - في ميراث الجدة(٢)، بموافقةٍ(٢) محمّدٍ بن
مسلمةً .
وقوّى عمر خبر(*) أبي موسى - في الاستئذانِ، بموافقةٍ أبي سعيد
الخدري .
الثاني :
أنّ الظنِّين - إذا تعارضَا، ثمّ ترجَّحَ أحدُهما على الآخر: كانَّ العملُ.
بالراجحِ متعيّناً عرفاً؛ فيجب(٤) شرعاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما رآه
المسلمون حسناً - فهو عند الله حسن)).
الثالث :
أنَّه(*) لو لم يعمل بالراجحِ: لزمَ العملُ بالمرجوحِ ، وترجيحُ المرجوحِ
على الراجحِ ممتنع - في بدائِهِ(٥) العقولِ .
(١) في غيرح: ((روى)).
(*) آخر الورقة (١٧١) من جـ.
(٢) حرفت في غيرح إلى ((الجد).
(٣) في غير جـ: ((الموافقة)).
(*) آخر الورقة (١٦٦) من ح.
(٤) زاد في سن، جـ، ل ((العمل)).
(٥) لفظ ى: ((بديهة)).
- ٣٩٨ -

واحتجَّ المنكرُ بأمرين:
الأوّل:
أنّ الترجيحَ لو اعتبرَ في ((الأمارتِ)) - لاعتبر في ((البيّناتِ)» في الحکوماتِ،
لأنّهُ لو اعتبر لكانت العلَّةُ - في اعتبارِهِ - ترجيحَ الأظهر على الظاهر. وهذا
المعنى قائمٌ ها هنا.
الثاني :
أنّ [إيماء(١)]: قوله تعالى: ﴿فَأَعْتبرُ واْ﴾(٢)، وقوله عليه الصلاةُ والسلامُ:
((نحنُ نحكُم بالظاهر)) - يقتضي إلغاءَ زيادةٍ الظنِّ.
[و(٣)] الجوابُ عن الأوّلِ والثاني:
أنّ ما ذكرتَه(٤) دليلٌ ظنّيٌّ، وما ذكرناه قطعيٍّ، والظنيُّ لا يعارضُ القطعيَّ.
المسألةُ الثالثة(٥):
الترجيحُ لا يجري (٦) في الأدلَّةِ اليقينيّةِ، لوجهين:
الأوّل:
أنّ شرطَ الدليلِ اليقينِيِّ أن يكونَ مركَّباً من مقدِّمات ضروريّةٍ، أو لازماً(٧)
عنها: لزوماً ضرورياً، إمّا بواسطةٍ واحدةٍ، أو [بـ(٨)] وسائطَ(٩) - شأنُ كلِّ واحدٍ
منها ذلك.
وهذا لا يتأتىَّ إلّ عند اجتماع علومٍ أربعةٍ:
(*) آخر الورقة (٢٠٨) من س.
(١) انفردت بهذه الزيادة المناسبة ح.
(٢) الآية (٢) من سورة الحشر.
(٤) لفظ ح، آ: ((ذکرتموه)) ..
(٦) عبارة جـ، آ، ى: ((لا يجوز).
(٨) هذه الزيادة من ح.
(٣) هذه الزيادة من ح، آ، ى.
(٥) في جـ، ى، آ: ((الثانية)) ..
(٧) لفظ آ: ((لازمة)).
(٩) في ص ((بواسطتين)).
- ٣٩٩ -

أحدها :
العلمُ الضروري بحقيقةٍ(١) المقدِّماتِ - إمّا ابتداءاً، أو استناداً.
وثانيها :
العلمُ الضروريُّ بصحَّةٍ تركيبها.
وثالثها :
العلمُ الضروريُّ بلزومِ النتيجةِ عنها.
ورابعها :
العلم [الضروريّ(٢)] بأنَّ ما يلزمُ عن الضروريّ لزوماً ضرورياً: فهو
ضروريٌّ .
فهذه(*) العلومُ الأربعةُ يستحيلُ حصولُها في النقضيين معاً؛ وإلّ لزمَ القدحُ
في الضروريَّاتِ، وهو سفسطةٌ. وإذا استحالَ(٣) ثبوتُها: امتنعَ التعارضُ.
الثاني :
أنّ الترجيحَ عبارةٌ: عن التقويةِ، والعلمُ اليقينِيُّ - لا يقبلُ التقويةَ لأنَّهُ إِن
قارنه اختمالُ النقيضَ، ولو على أبعدِ الوجوهِ: كانَ ظنّاً لا علماً.
وإن لم يقارنه [ذلك(٤)]: لم يقبل التقويةً.
المسألةُ الرابعةُ (٥):
أشتهرَ في الألسنةِ: أنَّ ((العقلِيَّاتِ)) لا يجري الترجيحُ فيها.
وهذا فيهِ تفصيلٌ؛ فإنَّا إن لم نكلِّف العوامَّ بتحصيل العلم بالمعتقدات،
(١) لفظ س: ((بأحقية)).
(٢) سقطت هذه الزيادة من ی.
(*) آخر الورقة (١٠٥) من ی.
(٣) كذا في ح، وهو الصحيح لأن المراد استحالة ثبوت هذه العلوم الأربعة في
النقيضين، ولفظ غيرها: ((علم))، ولعلها وهم، أو تصحيف لـ ((عدم)).
(٤) لم ترد الزيادة في ی.
(٥) لفظ جـ، آ، ى: ((الثالثة)).
- ٤٠٠ -