النص المفهرس
صفحات 341-360
في جميعِ وجوهِ الإِعراب، وأنّ (١) كلَّ ضربٍ - منها - اختصِّ بأمرِ انفردَ به، ولم يثبتْ ذلكَ إلّ قياساً، لأنَّهم لمّا وصفوا بعضَ الفاعلين به، واستمروا على(٢) ذلك: عُلمَ أَنَّه ارتفعَ الفاعلُ، لكونِهِ فاعلاً، وانتصبَ المفعولُ لكونِهِ مفعولاً . فإن قلتَ: كيفَ يصحُّ ذلك، وقد وُجدَ المفعولُ - غيرَ منتصبٍ، وكذا الفاعلُ قد لا يرتفع (٣) لعارض؟ قلت: تخلُّفُ الحكمِ عن العلَّةِ لمانعٍ - لا يقدحُ في العلِّيَّةِ عند من يقولُ بتخصيصِ العلَّةِ. ومن لا يقولُ به - يجعلُ ذلك القيدَ العدميَّ جزءاً من العلّةِ. الثالثُ: وهو: أنَّ أهلَ العربيّةِ أجمعوا على أنَّ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، إنَّما ارتفعَ - لكونِهِ شبيهاً بالفاعل - في إسنادِ الفعلِ إليهِ. ولم تزل فرقُ النحاةٍ من الكوفيِّين والبصرِيِّين - يعلِّلُونَ في الأحكامِ الإِعرابيّة (٤)- بأنَّ هذا يُشبهُ ذاكَ في كذا: فوجبَ أَنْ يشبهَهُ في الإِعرابِ؛ وإجماعُ أهلِ الْلغةِ - في المباحثِ الّلغويُّهِ - حجَّةُ (٥). لرابعُ : أن (٥) نتمسّك بعموم قوله تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُ وا﴾(٦)، فإنَّهُ يتناولُ كلَّ الأقيسة واعتمادهم(٧) - في الفرقِ - على أنَّ المعاني لا تناسبُ الألفاظَ: فامتنعَ جعلُ (١) عبارة آ، ى: ((وإذا كان)). (٢) لفظ ح: ((في)) .. (٣) كذا في ح، وفي غيرها ((يعارض)). (٤) كذا في ح، وهو الأنسب، ولفظ غيرها: ((العربية)). (*) آخر الورقة (١٥٦) من ح. وانظر الجزء الرابع، ص ١٩٨ من هذا الكتاب للاطلاع على ما أورده الإِمام المصنف في مسألة «إجماع أهل الاجتهاد في كل فن)). (٥) كذا في ح، آ، ى. ولفظ غيرها: ((يتمسك)). (٦) الآية (٢) من سورة الحشر. (٧) في جـ، س، ى: ((واعتماده). - ٣٤١ - المعنى علَّةً للاسمِ ، بخلافِ الأحكامِ الشرعيَّةِ؛ فإنَّ المعاني قد تناسبُها. لكنًا قد بيَّنَّا سقوطَ هذا الفرقِ. واحتجَّ المخالفُ بأمورٍ: أحدها: قولُهُ تعالى(*): ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ (١) وَلَّت الآيةُ: على أنّها بأسرها(*) توقيفيَّةٌ(٢) فيمتنعُ في شيءٍ منها أن يَتْبُتَ بالقياسِ . وثانيها : أنَّ أهلَ اللغةِ لو صرَّحوا، وقالوا: ((قیسوا)) - لم يجز القياسُ، كما إذا قال :. ((أعتقتُ غانماً لسوادِهِ))، ثم قالَ: ((قيسوا)) - [فإنّه لا يجوزُ القیاسُ؛ فإذا(٣)] لم يجز القياسُ - عند التصريح - بالأمرِ بالقياسِ ، فَلَّأَنْ لَّا يجوزَ ذلك - معَ أنَّهُ لم ينقلْ عن أهلِ اللغةِ نصُِّ في ذلك - كانَ أولى . وثالثها : أنَّ القياسَ إنَّما يجوزُ: عندَ تعليلِ الحكمِ (*) في الأصلِ، وتعليلُ الأسماءِ غيرُ جائزٍ؛؟ لأنَّهُ لا مناسيةً بين شيءٍ من الأسماءِ، وبين شيءٍ من المسمِّياتِ، وإذا لم يصحَّ التعليلُ: لم يصحَّ القياسُ الْبَّةَ . ورابعها : أنَّ وضعَ اللغاتِ - ينافي جوازَ القياسِ ، فإِنَّهم سمّوا الفرسَ الأسودَ (*) آخر الورقة (١٩٦) من س. (١) الآية (٣١) من سورة البقرة. (*) آخر الورقة (١٦١) من جـ. (٢) لفظ س: ((توقيف))، وقد تقدم في (ج١، ص ١٧٧) وما بعدها: أن الإِمام المصنف اختار في المسألة التوقف، لا التوقيف، ونصره. واعتبره مذهب جمهور المحققين. (٣) ما بين المعقوفتين ساقط من ى. (*) آخر الورقة (٩٩) من ى. - ٣٤٢ - ((أدهم))، ولم يسمُّوا الحمارَ الأسودَ به. وسمُّوا الفرسَ الأبيضَ ((أشهبَ))، ولم يسمّوا الحمار الأبيض(١) به. وسمّوا صوتَ الفرسِ ((صهيلاً))، وصوتَ الحمارِ ((نهيقاً)، وصوت الكلب ((نباحاً)). وأيضاً: ((القارورةُ)) إنّما سمّيت بهذا الاسمِ - لأجلِ الاستقرارِ، ثمّ إنَّ ذلك المعنى حاصلٌ في الحياضِ والأنهارِ، مع أنَّها لا تسمَّ بذلك. و ((الخمرُ) إنّما سمّيت بهذا الاسم ، لمخامرتِها العقلَ، ثمّ المخامرةُ حاصلةً في ((الأفيونِ)) وغيرهِ، ولا يسمَّى خمراً(*). : [و(٢)] الجوابُ عن الأوَّل: أَنَّهُ ليسَ في الآيةِ - أنَّهُ تعالى علمٍّ آدَمَ الأسماءَ (٣) كلَّها: توقيفاً، فيجوزُ أن يكونَ علَّم البعضَ توقيفاً، والبعضَ(٤) تنبيهاً بالقياس . ولأنَّهُ يجوزُ أن يدركَ آدم علمها توقيفاً، ونحن نعلمُها قياساً: كما أنَّ جهات القبلة - قد تدَّرُ حسّاً، وقد تدَركُ اجتهاداً (٥). وعن الثاني : أَنّا ندَّعي: أنَّه نقل إلينا - بالتواترِ - عن أهلِ اللغةِ: أنَّهم جوَّزوا القياسَ، ألا ترىَ أنَ جميعَ كتبِ النحوِ والتصريفِ والاشتقاقِ - مملوءةٌ من الأقيسةِ ، وأجمعت الأمّةُ على وجوب الأَخذِ بتلك الأقيسة؟ فإنَّه لا نزاعَ أنَّه لا يمكنُ تفسيرُ القرآنِ والأخبارِ إلّ بتلك القوانين: فكانَ ذلك إجماعاً، معلوماً بالتواثِرُ. (١) لفظ ى: ((الأبلق)). (*) آخر الورقة (١٤٩) من آ. (٢) هذه الزيادة من ح، آ، جـ، ى. (٣) عبارة ح: ((علم آدم كل الأسماء)). (٤) في آ، ى: ((بينها)) . (٥) لفظ ح: ((قياساً)). - ٣٤٣ - وعن الثالث: ما قد بيًَّا: أنَّا نفسّرُ العلَّةَ بـ ((المعرفَ))، لا بـ ((الداعي ولا ((المناسب))؛ وحينئذٍ : لا يقدحُ عدمُ المناسبةِ فيه. وعن الرابع : أنَّ أقصى ما في الباب ۔ أنَّهم ذكروا صوراً لا يجري فيها القیاسُ، وذلك لا يقدحُ في العملِ بالقياس، كما أنَّ ((النظام)) لمّا ذكر صوراً كثيرة - في الشرع - لا يجري فيها القياسُ: لم يدلَّ ذلك على المنعِ من القياس في الشرع (١) . (١) مذهب الإمام المصنف - في هذه المسألة - كما هو ظاهر: اجراء القياس في اللغات. وإليه ذهب ابن سريج وابن أبي هريرة والقاضي والشيرازي وهو مذهب معظم أهل العربيّة وفقهاء الشافعية. وذهب الآخرون: إلى أنه لا يجري القياس في اللغات، ومنهم إمام الحرمين والغزالي وتبعهما الآمدي وابن الحاجب ومعظم علماء الشافعية والحنفية . أما الإِمام أحمد - فقد نقل أبو الخطاب عن الأثرم أنّه قال لأحمد: ((كل نبيذ غرّ العقل خمر)؟ قال: (نعم)). وهذا يعني: أنه - رحمه الله - يثبت الأسماء اللغوية بالقياس. فانظر التمهيد ورقة (١٦١) مصورة عن مخطوطة الظاهرية. ولتحرير محل النزاع نقول: ما يستفاد من اللغة إما حكم لغويُّ، وإما لفظيُّ، فالأحكام - مثل كون الفاعل مرفوعاً والمفعول منصوباً لا خلاف في أن القياس لا يجرى فيها؛ لأن ذلك من قبيل القواعد التي يعتمد فيها على الاستقراء. وأما الألفاظ - فهي إما أعلام أو صفات أو أسماء أجناس فأما الأعلام - فهي مشخصة بالذات فلا يمكن القياس فيها، وأما الصفات فهي تطرد - بمقتضى الوضع - حيث وجدت المعاني : فلا حاجة فيها إلى القياس. وأما أسماء الأجناس - فهي على نوعين: نوع له معنى يمكن أن يلاحظ في غير جنسه، ونوع لا یکون كذلك. والأول: هو محل النزاع نحو، كلمة ((خمر)) فإنها اسم جنس وضعت لعصير العنب إذا غلا وقذف بالزبد، لأنه يخامر عقل شاربه ويغطيه، فاذا وجد هذا المعنى في النبيذ ونحوه، فهل يجوز اطلاق اسم ((الخمر)) عليه، فيحرم آنذاك بالنص، لا بالقياس؟ أم لا يجوز ذلك؟ . = - ٣٤٤ - المسألةُ الثالثةُ : المشهورُ: أَنَّه لا يجوزُ إجراءُ القياسِ في ((الأسبابِ)). والدليلُ عليه: أنَّا إذا قسنا الّلواط - مثلاً على الزنى في كونه موجباً للحدِّ - فإِمَّا أن نقولَ: إِنَّ كونَ الزنى موجباً للحدِّ، لأجلِ وصفٍ مشترك بينَه وبينَ اللواطِ ، وإما أن(١) لا نقول ذلك. فإن كان الأوّل: كانَ الموجبُ للحدِّ - هو ذلك المشتركُ. وحينئذٍ: يخرجُ الزنى والّلواطُ عن كونِهما موجبين للحدِّ؛ لأنَّ الحكمَ لمّا أسند إلى القدر المشترك - استحالَ مع ذلك إسنادُهُ إلى خصوصيّةٍ كلُّ واحدٍ منهما. فإذن: شرطُ القياس - بقاءُ حكم الأصل، والقياسُ في ((الأسباب)) ينافي بقاءَ حكمِ الأصلِ ، بخلافِ القياسِ في ((الأحكامِ))؛ فإنَّ ثبوتَ الحكمِ - في الأصل - لا ينافي كونَه معلَّلا بالقدْرِ المشتركِ بينَه وبين الفرعِ . وأمَّا إن قيلَ: كونُ الزنى موجباً للحدِّ - ليسَ لأجلِ وصفٍ مشتركُ بينَه وبينَ اللواطِ : استحالَ قياسُ اللواطِ عليه؛ لأنَّهَ لا بدَّ في القياسِ من الجامعِ . فإن قلتَ: الجامعُ بينَ الوصفين - لا يكونُ له تأثيرٌ في الحكمِ ، بل تأثيرُهُ = أما الثاني: من أسماء الأجناس - فلا نزاع في عدم جريان القياس فيه. فراجع أقوال العلماء في المسألة ومذاهبهم فيها، في المستصفى: (٣٣١/٢)، والمنخول (٧١)، وشفاء الغليل: (٦٠٠)، والمعتمد: (٧٨٩/٢)، وشرح المختصر: (٦١/١)، وشرح جمع الجوامع: (٢٧٧/٢)، وأصول السرخسيّ: (١٥٦/٢) وشرح المسلّم: (١٨٥/١)، والتبصرة: (٢ /٤٧٢)، والتلويح والتوضيح: (٥٧/٢)، والمرآة: (٢٨٦/٢)، وشرح الإِسنوي وبحاشيته الإبهاج: (٢٥/٣)، والتمهيد: (ورقة ١٦١) مصورة عن مخطوطة الظاهرية، والكاشف: (٣٣٤/٣) وما بعدها، والنفائس: (١٢٢/٣ - ب) وما بعدها، والحاصل (٨٨٦)، ومذكرة زهير: (٥٣/٤) وما بعدها. (١) كذا في ح، ى. وفي غيرهما: «أو لا نقول)». - ٣٤٥ - في علَّيَّةِ الوصفين، وأمَّا الحكمُ - فإنَّما يحصُل من الوصفين. قلتُ: هذا باطلٌ؛ لأنَّ ما صلح لعلِّيَّةِ العلّةِ - كانَ صالحاً لعلَّيَّةِ الحكمِ : فلا حاجةٌ - حينئذٍ - إلى الواسطة (٥) (١). المسألةُ الرابعةُ : الحكمُ الَّذي طلبَ إثباتُه بالقياسِ - إمّا النفيُّ الأصليُّ، أو الحكم الثبوتيّ : المعلومُ، أو المظنونُ . . فلنتكلّم في هذه الثلاثةِ - فنقول : اختلفوا: في أنَّ النفيَ الأصليَّ - هل يمكنُ التوصُّلُ إليهِ بالقياس (٢) أم لا؟ بعد اتِّفاقِهم على أنَّ استصحابَ حكمِ العقلِ كافٍ(٣) فیهِ. والحقُّ: أَنَّهُ يُستعملُ(٤) فيهِ ((قياسُ الدلالةِ))، لا («قياسُ العلَّةِ)). أمّا ((قياسُ الدلالةِ (*) - فهو: أن يستدلَّ بعدمِ آثارِ الشيءِ وعدمِ خواصِّهِ على عدمه . (*) آخر الورقة (١٩٧) من س. (١) ذهب معظم الشافعية إلى أن القياس يجري في الأسباب والشروط، ويكون حجّة. فيها. وذهب أكثر الحنفية والمالكية إلى أن القياس لا يجري فيها، وهو اختيار الإمام والأمدي وابن الحاجب والبيضاوي. وإتماما للفائدة إليك أمثلة لما تقدم: فمثال القياس في الأسباب : : قياس القتل بالمثقَّل على القتل بالمحدّد بجامع القتل العمد العدوان، والمحدّد سبب لوجوب: القصاص فالمثقّل يقاس عليه، ويكون سبباً لوجوب القصاص. ومثال القياس في الشروط ... قياس الوضوء على التيمم بجامع الطهارة، والنية شرط في الطهارة بالتيمم: فتكون شرطاً في الوضوء كذلك. وراجع المسألة في إحكام الأحكام: (٦٥/٤) ط الرياض، وشرح جمع الجوامع: (٢٠٥/٢) وشرح الإِسنوي وبحاشيته الإبهاج: (٢٥/٣ و٢٦)، وشرح المسلم: (٣١٩/٢)، والكاشف: (٣٣٣/٣ -آ)، والنفائس: (١٢٥/٣ - ب)، وشفاء الغليل: (٦٠٣) والروضة (٣٣٥) ط الرياض، والحاصل: (٨٩٠)، والمستصفى: (٣٣٢/٢). (٢) لفظ ى: ((أولا)). (٣) كذا في ح، س. ولفظ غيرهما: ((كان)). (٤) كذا في ح، جـ. وفي غيرهما: ((مستعمل)). (*) آخر الورقة (١٦٢) من جـ. - ٣٤٦ - وأمّا تعذُّرُ ((قياس العلّة)) - فلأنَّ الانتفاءَ الأصليَّ حاصلٌ قبل الشرع: فلا يجوزُ تعليلُه بوصفٍ يوجدُ بعدَ ذلك. ولقائل أن يقول: علَّةُ الشرع لا معنى لها إلّ ((المعرِّف))، وتأخرُ الدليل عن المدلول جائزٌ. واعلم: أنَّ هذا الكلامَ يختصُّ بـ ((العدم))، فأمَّا ((الإِعدامُ)) - فإِنَّهُ حكمٌ شرعيٍّ : يجري فيه القياس(١). وأمَّا الَّذي طريقُهُ العلمُ - فقد اختلفوا في أنَّه هل يجوزُ استعمالُ القياسِ فیه؟ وعندي: أنَّ هذا الخلافَ لا ينبغي أن يقعَ في ((الجوازِ الشرعيّ))، فإنَّهُ لو أمكنَ تحصيلُ اليقين بعلَّة الحكم ، ثمّ تحصيلُ اليقين بأنَ تلك العلَّةَ حاصلةٌ في هذهِ الصورة -: لحصلَ العلمُ اليقينِيُّ بأن(٢) حكَمَ الفرع - مثلُ حكمٍ الأصلِ ، بل(٣) البحثُ ينبغي أن يقعَ في أَنَّه هل يمكنُ تحصيلُ هذين اليقينين (٤) - في الأحكامِ الشرعيَّةِ - أم لا؟ وأمّا الَّذي طريقُهُ الظُّ - فلا نزاعَ في جوازِ استعمالِ القياسِ فيه(٥). (١) لفظ آ: ((القياسات)). (٢) في ل، ى: ((فإنّ)) . (٣) لفظ آ: ((بلى)). (٤) في ى: ((القسمين)). (٥) راجع المسألة في المستصفى: (٣٣٢/٢)، وراجع البرهان: فق (٧٣٧، ٨٢٥، و ٨٣٤، وما بعدها)، وذلك لتطلع على تفسير إمام الحرمين والغزالي لقياس الدلالة وقياس العلة، تفسيراً مغايراً لتفسير الإمام المصنف لهما، وراجع الكاشف: (٣٣٧/٣ - ب) وما بعدها للاطلاع على ما أورد على المصنف في هذه المسألة ودفعه، وانظر النفائس :. (١٢٦/٣ - ب) وما بعدها لتطلع على إيرادات النقشوانيّ والتبريزيّ واعتراضات كل منهما على الإِمام، والحاصل: (٨٩٠)، وشرح جمع الجوامع: (٢٠٨/٢)، وتيسير التحرير: (٢٨٦/٣)، والروضة: (٣٣٨) ط الرياض، والشفاء: (٦١٩). .. ٣٤٧ - المسألةُ الخامسة : اختلفوا: في أنَّهُ هل يمكنُ إثباتُ أصولِ العباداتِ بالقياسِ ، أم لا؟ فقال الجبَّائيُّ والكرخِيُّ: لا يجوزُ؛ وبنى الكرخِيُّ عليه: أنَّه لا يجوزُ إثباتُ الصلاةِ بإيماءِ الحاجبِ، بالقياسِ . واعلم: أنَّ هذا الخلافَ يمكنُ حملهُ على وجهين : الأوّل: أن يقالَ: ((الصلاةُ(*) بإيماءِ الحاجب - [لو كانت مشروعة(١)] لوجبَ على: النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - أنْ يبيِّنَها بياناً شافياً، وينقله أهلُ التواتر إلینا-حتىٌّ يصيرَ ذلكَ معلوماً لنا قطعاً، فلمَّا لم يكن كذلك: علمنا أنَّ القولَ بَها باطلٌ)). والثاني : أن يقالَ: ((لا ندَّعي: أنَّها لو كانت مشروعةٌ - لحصلَ العلمُ بها: يقيناً، ولکنا مع ذلك ـ نمنعُ من استعمال القیاس فیه)). أمّا الأول - فهو باطلٌ بـ ((الوترِ)) فإنَّه واجبٌ - عندهم مع أنَّه لم يُعلم وجوبُه قطعاً . فإن قلتَ: إذا جوّزتَ في ذلك أن لا يبلغَ مبلغ التواتر - فلعلَّه عليه الصلاةُ والسلامُ أوجبَ صومَ شوّال، ولم ينقل ذلك بالتواتر. قلت(٢): المعتمد في نفيه - الإجماع. وأمّا الثاني - فتحكّم محضٌ؛ لأنَّهُ إذا جازَ الاكتفاءُ فيهِ بالظنِّ - فلِمَ لا يُكتفى بالقياس ؟ ثمّ إنَّا نستدلُّ على جوازِهِ - بعموم قولهِ تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُ واْ﴾ (٣) أو بما(٤) أنّـ (*) آخر الورقة (١٥٠) من آ. (١) ساقط من ل، آ. (٢) في غير جـ: ((قلنا)). (٣) الآية (٢) من سورة الحشر. (٤) أبدلت «أو» في غیرح بواو. - ٣٤٨ - يفيدُ ظنَّ الضررِ: فيكونُ العملُ بِهِ واجباً (١). المسألةُ السادسةُ: مذهبُ الشافعي - رضي الله عنه -: أنَّه يجوزُ إثباتُ التقديراتِ والكفّاراتِ (٢) والحدودِ والرخصِ - بالقياسِ . وقال أبو حنيفةً وأصحابهُ - رحمهم الله -: [إنّه(٣)] لا يجوز. وحاصلُ الخلافِ: أنَّهُ هل في الشريعةِ جملةٌ من المسائل - يعلمُ أنَّهُ لا يجوزُ استعمالُ القياس فيها، أو ليسَ كذلكَ، بل يجبُ البحثُ عن كلّ مسألةٍ (٤) -: أنّه(*) هل يجري القياسُ فيها أم لا؟ لنا : التمسُكُ بعموم قولهِ تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُ وا﴾ (٥)، وبإطلاق قول معاذ: ((أجتهد(٦))، مع أن الرسولَ - صلّى الله عليه وسلَّم - صوَّبه في (٧) إطلاقِهِ، وبأنَّهُ (١) نقل أبو الحسين الخلاف - في هذه المسألة - في المعتمد، ومثل له بإثبات صلاة سادسة بالقياس ناقلا ذلك عن أبي علي، كما ذكر منع أبي علي «إثبات صلاة بإيماء الحاجب بالقياس)) فانظر المعتمد: (٧٩٤/٢). وأما الغزالي - فقد نقل عن أبي زيد الدبوسي كلاماً أشار إلى تناقضه مع كلام آخر له في تعليل الأسباب، ومما قاله فيه: ((وأما أصل الحكم فكالاختلاف في أن الركعة الواحدة مشروعة صلاة أم لا؟ والأربعة مشروعة على المسافر أم لا، وصوم بعض اليوم مشروع أم لا)؟ فانظر الشفاء (٦٠٦)، وراجع المسألة من ص (٦٠٣ - ٦١٠)، وقد قال في آخره: ((فنقول: الآن ارتفع النزاع الأصوليّ - فلا ذاهب إلى تجويز القياس حيث لا تعقل العلة)» فاحرص على النظر فيه لتتبين حقيقة الموضوع. وراجع الكاشف: (٣٣٩/٣ - آو ب). (٢) في ى: ((كالكفارات)». (٣) لم ترد في ح، جـ. (٤) زاد في ح، ى: «مسألة)). (٥) آخر الورقة (١٩٨) من س. (٥) الآية (٢) من سورة الحشر. (٦) إشارة إلى حديث معاذ المعروف، وقد تقدم تخريجه في (٣/١/ ٩٩). (٧) في ح، ى: ((على)). - ٣٤٩ - يجبُ العملُ بالصوابِ المظنونِ(١). فإن ادَّعوا: أنَّه لا يمكنُنا وجدانُ العَّةِ - في هذه المسائلِ. فذلك إنَّما يظهرُ بالبحثِ عن كلِّ واحدٍ من هذه المسائل ، فإن وجدنا العلّةُ فيها: صحَّ القياسُ، وإلا فلا. ولكن هذا المعنى غيرُ مختّصٍ بهذه المسائل، بل كلُّ مسألةٍ لا نجدُ العلّة فيها: تعذّر علينا(*) القياسُ. واعلم: أنَّ الشافعيَّ - رضي الله عنه - ذكر مناقضاتهم في هذا الباب - فقالَ: ((أمَّا الحدودُ - فقد كثرتْ أَقيستهمُ فيها حتى تعدَّوها إلى الاستحسانِ، فإِنَّهِمِ زعموا - في شهودِ الزوايا(٢): أنّ المشهودَ عليهِ يجبُ رجمُهُ بالاستحسانِ مع أنّه على خلافِ العقلِ - فلأن يعملَ بما وافقَ العقلَ: كانَ أولى. وأما ((الكفّارات)) - فقد قاسوا الإفطارَ بالأكل، على الإفطارِ بالوقاع ، وقاسوا قتلَ الصَيدِ - ناسيا - على قتلِهِ - عمداً - مع تقييدِ النصِ بالعمدِ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾(٣)(٥). - نـ (١) في جميع الأصول ((بالضرر المظنون)) وقد أثبت ناسخ ((ص)) كلمة ((بالصواب)) فوق السطر عن مقابلة بنسخة رمز بها ب ((خ))، وهو الصواب فأثبتناه. (*) آخر الورقة (١٠٠) من ی. (٢) كذا في س، وهو الصحيح، وفي ى: ((الزواج) وهو تحريف، وفي ل: ((الرؤيا))، وفي النسخ الأخرى: ((الزنى))، وكله تصحيف والمراد بشهود الزوايا: أن تختلف شهادة شهود الزنیفیشهد كل منهم بأنه: رأى الزانيين يزنيان في زاوية من البيت غير الزاوية التي شهد الشاهد الآخر بأنه رآهما على الزنى فيها، فإن كانت الزوايا متباعدة سقطت الشهادة، واعتبر الشهود قذفة عند أحمد ومالك والشّافعي، خلافاً لأصحاب الرأي. وإذا تقاربت الزوايا كملت الشهادة، وحد المشهود عليهما عند الحنابلة والحنفية والمالكية، وقال الشّافعيّ: لا حد عليه، لأنَّ الشهادة لم تكتمل. انظر مختصر المزني بهامش (ج٢٥٩/٥) من الأم، والمغني: (١٨٣/١٠). (٣) الآية (٩٥) من سورة المائدة. (*) آخر الورقة (١٥٨) من ح. - ٣٥٠ - فإن قلت: ليسَ هذا بقياسٍ ، وإنّما [هو(١)] استدلالٌ على موضع الحكمِ - بحذف الفوارق الملغاة . قلتُ: إنّكم لمّا لم(٢) تبيِّئُوا: أنَّ الحكمَ - في الأصلِ - يجبُ أن يكونَ معلَّلاً، وأنَّ العلَّةَ إِمَّا الَّذي به الاشتراكُ بينَ الأصل والفرع، أو الَّذي به الامتيازُ. وباطلٌ أن لا يكونَ معلَّلاً، وباطلٌ أن(*) يكون معلّلًا بما فيه الامتيازُ: فوجبَ التعليلُ بما بهِ الاشتراك؛ ويلزمُ من حصولٍ ذلك المعنىَ - في الفرع - حصولٌ الحكمِ فيه وهذا نفسُ القياسِ ، واستخراجُ العلَّةِ بطريقِ السبر والتقسيمِ . وأمّا المقدَّرات - فقد قاسوا فيها، حتى [إنهم(٣)] ذهبوا إلى تقديراتِهم - في (الدلو والبئرِ(٤)). وأمّا الرخص - فقد قاسوا فيها، وبالغوا، فإنّ الاقتصار على الأحجار - في الاستنجاءِ [من(٥)] أظهرِ الرخصِ (٦) ثم حكموا بذلك - في كل النجاساتِ - نادرة كانت، أو معتادة، وانتهوا فيها إلى نفي إيجابِ استعمالِ الأحجارِ. وقالوا - أيضاً -: العاصي بسفره - يترخّص، فأثبتوا الرخصة بالقياس، مع (١) لم ترد الزيادة في جـ. (٢) عبارة ح: ((إنكم ما لم تثبتوا)). (٥) آخر الورقة (١٦٣) من جـ. (٣) هذه الزيادة من ح. (٤) فقالوا: ((تطهر البئر إذا وقعت فيها فأرة أو عصفورة فماتت - ولم تنتفح أو تنفسخ - بعشرين دلواً تنزح، وإذا كانت سنوراً أو دجاجة فطهارتها بنزح أربعين دلواً، أما إذا انتفخت أو تفسخت نزحت كلها حتى يغلب الماء فيكون ذلك طهارة لها»، وهذا تحكم لا دليل من الكتاب أو السنة عليه. فانظر مختصر الطحاوي (١٦)، ورد الإِمام الشافعي عليهم في الأم: (١٤/١ - ١٦) الحاشية، ط الفنية. (٥) لم ترد الزيادة في ی. (٦) وقاسوا على الأحجار ما سواها: من كل طاهر ينقى المحل. انظر مختصر الطحاوي (١٨). - ٣٥١ - -- أَنّ القياس - ينفيها، لأنّ الرخصة إِعانة، والمعصية لا تناسب الإعانة))(١). احتجّ الخصمُ بقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : - ((ادرؤا الحدود بالشبهاتِ (٢)» والقياسُ - لا يفيدُ القطعَ: فتحصلُ الشبهةُ . وأمَّا ((المقدّراتُ)) - فهي كالنَّصُبِ في الزكواتِ، والمواقيتِ في الصلواتِ. (١) هذه النصوص المنقولة عن الإمام الشافعي، نقلها إمام الحرمین عنه، وتبعه في ذلك. الإِمام المصنف. فانظر البرهان فق (٨٦٩ - ٨٧٥). وراجع من الأم: (١٤/١ و ١٥ و١٦، و ١٨٤، و١٨٥، و٢٥٧/٧، و٢٧٦، و٢٧٧، وتأمل في ٣٠٣) وراجع كتاب الرد على محمد بن الحسن في الأم: (٣٠٦/٧ - ٣٣٣) ومن الرسالة فق (١٤٥٨، و ١٥٩٧) وما بعدها، ففي هذه المواضع تجد معاني هذه النقول عن الإِمام الشافعي - رضي الله عنه - وراجع لمعرفة مذهب الحنفية في هذا، شرح معاني الآثار: (٤٢٨/١). (٢) حديث ((ادرؤا الحدود بالشبهات)) أخرجه الترمذي في «باب ما جاء في درء الحدود)» الحديث (١٤٢٤) بلفظ: ((ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإِمام أن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة)) وأورده في المنتقى وشرحه نيل الأوطار: (١٠٥/٧) عن الترمذيّ، وأخرجه - أيضاً - الحاكم والبيهقي قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وعبدالله بن عمرو، وقال: حديث عائشة لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عائشة عن النبيّ - ۶۶ - ورواه وکیع عن یزید بن زياد ونحوه ولم يرفعه، ورواية وكيع أصح. وقد روي نحو هذا عن غير واحد - من أصحاب النبي - بار - أنهم قالوا مثل ذلك، ويزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في الحديث، ويزيد بن أبي زياد الكوفي أثبت من هذا وأقدم. فانظر السنن: (١١٣/٥)، وأخرج ابن ماجه نحوه عن أبي هريرة، وجعله في «باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات». فانظر الحديث (٢٥٤٥)، وهو في كنز العمال: (٣٠٥/٥) الحديث (١٢٩٥٧)، والسنن الكبرى: (٢٣٨/٨)، وانظر المستدرك: (٣٦١/٤) الهامش، وراجع الفتح الكبير: (١٠٦)، ونصب الراية: (٣٠٥/٣)، وكشف الخفا الحديث (١٦٦)، وقد نقل عن الحافظ ابن حجر قوله: ((اشتهر على الألسنة، والمعروف في كتب الحديث: أنه من قول عمر بن الخطاب بغير لفظه)). والدراية الحديث (٦٤٠)، والتلخيص الحبير، الحديث: (١٧٥٥)، والمقاصد الحسنة: الحديث (٤٦)، وتاريخ الخطيب: (٢٣١/٥)، وأسنى المطالب: (٢٥). - ٣٥٢ - : وقالوا: العقولُ لا تهتدي إليها. وأمَّا ((الرخصُ)) - فقالوا: إنَّها منحُ من اللهِ - تعالى - فلا يعدَلُ بها عن مواضعِها. وأمّا ((الكفّاراتُ)) - فإنَّها على خلافِ الأصل، لكونها منفيَّةٌ بالنصِّ النافي للضرر. والجوابُ عنها: أنّها تُشكلُ بالمسائلِ الَّتي ذكرها الشافعيُّ رضي الله عنه. ثمّ نقولُ: هذه الأدلَّةُ خُصّت(١) بخبر الواحد: فإنّه يجوز إثبات هذه الأشياء بخيرِ الواحدِ، مع أنَّه لا يفيدُ العلم، وما لأجلِهِ صارَ خبرُ الواحدِ مخصِّصاً لها ۔ قائمٌ في القياسِ الخاصِّ: فوجب(*) تخصيصُها بالقياسِ . المسألةُ السابعة: قال الشيخ أبو اسحاقَ الشيرازيُّ - رحمه الله -: ((ما طريقُهُ العادةُ والخلقةُ: كأقلُّ الحيضِ وأكثرهِ، وأقلُّ النفاسِ وأكثرِهِ - لا يجوزُ إثباتُه بالقياس ، لأنَّ أسبابَها غيرُ معلومةٍ، لا قطعاً: ولا ظاهراً فوجبَ الرجوعُ فيها إلى قولٍ الصادق(٢))). المسألةُ الثامنة: الأمورُ الَّتي لا يتعلقّ بها عملٌ - لا يجوزُ إثباتُها بالقياسِ (*): كِقرانِ النبيّ - (١) لفظ ى: ((حصلت)). (٥) آخر الورقة (١٥١) من آ. (٢) لأبي إسحاق - رحمه الله - تفصيل في المسألة لم يذكره المصنف فراجع اللمع (٥٥). وهذه المسألة تجاوزها الشارحان الأصفهاني والقرافيّ فلم يعلقا عليها بشيء. كما لم يذكرها الأمدي وابن الحاجب، وانظر شرح الإِسنوي وبحاشيته الإبهاج: (٢٦/٣)، وشرح جمع الجوامع: (٢٠٩/٢). (٥) آخر الورقة (١٩٩) من س. - ٣٥٣ - صلى الله عليه وسلَّم - وإفراده، ودخولِهِ مكّةَ صلحاً أو عنوةً؛ فإنَّ مثلَ هذه الأمور. تُطلبُ لتعرفَ(١)، لا ليعملَ بها: فلا يجوزُ الاكتفاءُ فيها بالظنِّ. المسألةُ التاسعة: : القياسُ إذا وردَ بخلافِ النصّ - فالنصُّ إِمَّا أن يكونَ متواتراً أو آحاداً. فإن كانَ متواتراً: فالقياسُ إن نسخّهُ: كانَ مردوداً، وإن خصَّصَهُ فقد ذكرنا الخلافَ فيه - في بابِ العمومِ والخصوصٍ (٢). وإن كانَ آحاداً - فهو ما إذا وردَ خبرُ الواحِد [على خلافِ القياس (٣)] وقد شرحنا الحالَ فيه - في بَابِ الخبرِ(٤). المسألةُ العاشرةُ: یجوزُ التعبدُّ بالنصوص - في كلِّ الشرع - فإنَّهُ یمکنُ أن ینصَّ الله - تعالی: - على أحكامِ الأفعالِ : على الجملة - ويدخلَ تفصيلَها فيها: كما إذا نصَّ على: حرمةِ الرِّبا في كلِّ مطعومٍ : فيدخلُ فيهِ كلُّ مطعومٍ وأمّا التعبُّدُ بالقياس - في الكلِّ - فمحالٌ؛ لأنَّ القياسَ لا يصحُّ إلّ بعدًا ثبوتِ الحكمِ في الأصلِ ، لكنَّ أحكامَ الأصولِ شرعيَّةٌ، لأنَّ العقلَ لا يدلُّ إلّ على البراءةِ الأصليَّةِ، فما عداها لا يثبتُ إلّ بالشرع ، فلو كانت تلك الأحكام (١) قوله: ((لتعرف)) فيه نظر، فهو يوحى: بأن المراد مجرد المعرفة، والحق أنّه يتعلق: بها بيان الأفضل من ناحية، كما أن بعض العلماء كالإمام مالك يرتبون بعض الأحكام عليها : فالأرض المفتوحة عنوة تحبس أراضيها على المسلمين وتهدم دور عبادة الكفار فيها. وراجع النفائس: (١٢٨/٣ - آ)، والكاشف: الجزء الثالث، ص ٩٦، من كتابنا هذا. ۔۔۔ (٢) راجع أقوالهم في المسألة في : . (١/ق١٤٨/٣) من كتابنا هذا. (٣) ساقط من س. (٤) راجع ذلك في الجزء الرابع، ص ٤٣٠، وما بعدها من كتابنا هذا. - ٣٥٤ - مثبتَةٌ بالقياسِ: لزمَ الدورُ. وهو محالٌ (١). (١) جوز بعض العلماء ثبوت كل الأحكام بالقياس - على معنى: أن كل حكم - من الأحكام - من حيث هو حكم مفرد، يجوز أن يثبت قياساً على أصل يصح القياس عليه، أما القول بجواز ثبوت جميع أحكام الشرع جملة بالقياس، فذلك لا يقول به عاقل. وراجع : المستصفى، (٣٣٢/٢)، والنفائس: (١٢٨/٣ - آ)، وشرح الإِسنوي وبحاشيته الإبهاج (٢٢/٣ و٢٣)، وشرح جمع الجوامع: (٢٠٩/٢) والإحكام: (٦٧/٤) ط الرياض، واللمع (٥٤)، والحاصل (٨٩٥). ... . - ٣٥٥ - - الباب الثاني في شرائط الاصل اعلم: أنّ الحكمَ [في (١)] المقيسِ عليهِ - إمَّا أن يكونَ على وفقِ قیاسِ الأصول (٢)، [أو على خلافٍ قياسِ الأصول (٣)]. فلنذكرْ حكمَ كلِّ واحدٍ - من هذين القسمين - ثم نذكرُ ما ظُنَّ أنَّه شرطٌ في هذا الباب - مع أنَّه ليسَ بشرطٍ . (١) سقطت الزيادة من ی. (٢) بأن يكون الفرع موافقاً للأصل في الحكم. (٣) ما بين المعقوفتين سقط من ى، وخلاف قياس الأصول: أن يكون الحكم في الفرع معدولاً به عن موافقه الأصل كالعرایا. - ٣٥٧ - القسم الأول في شرائطِ الأصل: إِذا كانَ حكمُهُ على وفقٍ قياسِ الأصولِ . وهي ستةٌ : الأوّلُ: ثبوتُ حكم الأصل ؛ لأنَّ القياسَ عبارةٌ: عن تشبيهِ الفرع بالأصلِ - في الحكم - وذلك لا يمكنُ إلّ بعدَ ثبوتِ الحكمِ في الأصلِ . الثاني : أن يكونَ الطريقُ إلى معرفةٍ ذلك الحكمِ سمعياً(١)، وهو (٢) ظاهرٌ على مذهبنا: أنَّ جميعَ الأحكامِ لا تعرفُ إلّ بالسمعِ. أمّا على مذهب من يثبتُ(*) هذه الأحكامَ(*) - عقلًا - فقد احتجوا عليه: بأنّه لو كانَ ذلكَ الطريقُ عقلياً - لكانتْ معرفة ثبوتِ الحكمِ - في الفرعِ - عقليّةً: فكانَ القياسُ عقليّاً، لا سمعيًّاً. وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ ثبوتَ الحكمِ - في الفرع - يتوقْفُ على ثبوتِ الحكمِ - في الأصل ، وعلى كونِ ذلك الحكم معلَّلاً بالوصفِ الفلانيّ. وعلى حصولِ ذلك الوصفِ - في الفرعِ - فبتقديرِ أن تكون معرفةُ (٣) الأوّلِ عقليَّةً - يحتملُ أن تكون [المعرفتان(٤)] الباقيتانِ سمعیتین، (١) كذا في ح، جـ. ولفظ غيرهما: ((سمعا)). (٢) لفظ ى: ((وهذا)). (*) آخر الورقة (١٥٩) من ح. (٣) عبارة غيرح: ((المعرفة الأولى)). (*) آخر الورقة (١٦٤) من جـ. (٤) لم ترد الزيادة في ح. - ٣٥٩ - وحينئذٍ: لا يمكنُ معرفةُ حكم الفرع إلّ بمقدَّماتٍ سمعيَّةٍ، والمبنيُّ على السمع (١) سمعيُّ: فيكونُ ثبوتُ الحكم - في الفرع سمعيًَّ(٢). الثالثُ: أن لا يكونَ طريقُ ثبوتِ الحكمِ - في الأصلِ - هو القياسَ؛ لأنَّ العلَّةَ .. الّتي يلحقُ(٣) بها الأصلُ القريبُ بالأصلِ البعيدِ، إمّا أن تكونَ هي الَّتي بها: يلحقُ الفرعُ بالأصلِ القريبِ، أو غيرها. فإن كانَ الأوَّلَ: أمكنَ ردُّ الفرع إلى الأصلِ البعيدِ. فيكونُ دخولُ الأصل القريب لغواً . وإن كانَ الثاني: لِزُمَ تعليلُ حكمِ الأصلِ القريبِ - بعلّينِ، وهو(٤) محالٌ .. أَمَّا أَوَّلاً - فلأنَّا بيّنًا: أنَّ تعليلَ الحكمِ الواحدِ بعلَّتِينَ مستنبطتين محالٌ (٥). وأمَّا ثانياً - فلأنَّه لا يمكنُنا إثباتُ الحكمِ في الأصلِ القريب إلّ بأن يتوصَّلَ إليه بالعلَّةِ الموجودة - في الأصلِ [البعيد(٦)]، ومتى توصَّلنا إلى ثبوتِهِ بتلك العلَّةِ: امتنعَ تعليلهُ بالعِلَّةِ الموجودة في الفرع ، لأنَّ تلكَ العلَّة إنَّما عُرفَتْ بعدَّ أن عُرفَ تعليلُ الحكم بعلةٍ أخرى، ومتى غُرِفَ ذلك - كانت(*) العلَّةُ الثانيةُ عديمةَ الأثر: فيكونُ التَعَلِيلُ بها ممتنعاً (٧). (١) في ح، ى: ((السمعيّ)). : (٢) هذا الشرط إنما يستقيم على القول بمنع القياس في العقليّات واللغويَّات أما على القول بجوازه فيهما - كما هو مذهب الجمهور -: فلا؛ إلاّ إذا أضيف إليه عبارة نحو: ((حيث كان المطلوب اثباته بالقياس حكماً شرعياً». وراجع جمع الجوامع بشرحه للجلال: (٢١٥/٢)، والحاصل: (٨٩٦). (٣) في غيرح: ((بها يلحق)). (٤) في ح، ى: ((هذا)). وانظر ص (٢٧١) من هذا القسم من الكتاب. (٥) راجع ص (٢٧٧) وما بعدها من هذا القسم من الكتاب. (٦) سقطت هذه الزيادة من غيرح. (*) آخر الورقة (٢٠٠) من س. (٧) وذهب بعض الحنابلة، وأبو عبد الله البصري وأبو إسحاق في التبصرة إلى عدم اشتراط هذا الشرط. فراجع المسوّدة (٣٩٥)، والروضة: (٣١٥) ط الرياض، والتمهيد : = - ٣٦٠ -