النص المفهرس

صفحات 301-320

[والجوابُ :
لا تسلّمُ أنّ «الاضافاتِ)) أمورٌ عدميَّةٌ، والتسلسلُ مدفوعٌ؛ لاحتمال أن تكونَ
الإِضافةُ إلى محلّها لذاتِها؛
وإن سلمَّنا: أنَّها عدميَّةٌ - في الحقيقةِ - لكنّها ثبوتيَّةٌ في المعتقداتِ(٥) -
فيحسنُ جعلها علَّةً للأحكامِ الشرعيَّةِ .
وإن سلمنا كونها عدميَّةً - مطلقاً - ولكن لا نسلِّمُ أنّ الأمورَ الذهنيَّةَ لا تصلحُ
للعليَّةِ. والله أعلمُ (١)].
المسألةُ السادسة (٢):
تعليلُ الحكمِ الشرعيّ(٣) - جائزٌ: خلافاً لبعضِهم.
لنا :
أنَّ الدورانَ يفيدُ ظنَّ العلَّيَّةِ، فإذا حصلَ في الحكمِ الشرعيِّ: حصلَ ظُنُّ
العلِّيَّةِ.
[و(٤)] احتجّ المانعون :
[بأن قالوا: الدوران لا يفيدُ ظنّ العلِّيَّةِ فيما له صلاحيَّةُ العلّةِ، ولا نسلِّمُ أنّ
(١) ما بين المعقوفتين انفردت بإيراده جـ وحدها، والعبارات من حيث المعنى صحيحة
ومتممة للمسألة، وقد أوردها الأصفهانيّ في شرحه ونسبها إلى رسالة المصنف في القياس:
(الرسالة البهائية) فراجع الكاشف: (٣١٥/٣ - أ و ب) والنفائس (١٠٩/٣ - ب) والعلامة
(*) آخر الورقة (١٥١) من جـ.
(٢) راجع هذه المسألة في المعتمد: (٧٨٩/٢)، والكاشف: (٣١٦/٣) - أ، ب)،
والنفائس: (١٠٩/٣ - ب)، والحاصل (٨٦٩)، وشرح الإِسنوي وبحاشيته الإبهاج: (٩٢/٣
و٩٣) والمسودة: (٤١١) والإحكام: (٢١٠/٣)، والروضة (٣١٩) ط الرياض، والتيسير:
(٣٤/٤)، وشرح المختصر: (٢٣٠/٢)، وحاشية الأزميري: (٣٠٥/٢)، والتمهيد ورقة
(١٦٧).
(٣) عبارة ح، أ، جـ، ص: ((يجوز تعليل الحكم)).
(٤) هذه الزيادة من ح، آ، جـ، ی.
- ٣٠١ -

۔۔
الحكم الشرعيَّ يصلحُ أن يكون علَّةً للحكمِ الشرعيِّ .
وبیانه (١) بأمور:
أحدُها:
أنَّ الحكمَ الشرعيَّ - الّذِي فِرُضَ علَّةً - يحتملُ كونُهُ متقدَّماً على الحكمِ
الَّذي جعلَ معلولاً، ويحتملُ كونُهُ متأخراً، ويحتملُ كونُهُ مقارناً.
وعلى تقدير التقدُّم (٢): لم يصلحْ للعلّةِ؛ [وإلّ لزم تخلَّفُ الحكمِ عن
علَّتِهِ (٣).
وعلى تقدير التأخّرِ: لم يصلحْ للعلِّيَّةِ (٤)]؛ لأنَّ المتأخرَ - لا يكونُ علَّةٌ
للمتقدَّمِ (٥).
وعلى تقدير المقارنة - يحتمل أن تكون العلّة هو، وأن تكونّ غيرَه :
فإذن هو على [الـ(٦)] تقديراتِ الثلاثةِ - لا يكونُ علَّةً - وعلى تقديرٍ واحدٍ:
يكونُ علَّةٌ، ولا شكّ أنَّ العبرةَ - في الشرعِ - بالغالبِ، لا بالنادرِ: فوجبَ الحكمُ
بأنَّهُ ليسَ بعَّةٍ .
وثانيها :
أنَّ تفسيرَ العلَّةِ، إما بـ ((المعرِّفِ)) أو ((الداعي)) أو ((المؤثّر)).
فإن فسَّرناها(٧) بالمعرِّف: امتنعَ تعليلُ حكمِ الأصلِ بحكمٍ آخر؛ لأن
المعرّف لحكمِ الأصلِ - هو النصُّ، لا غيرُه.
(١) ما بين المعقوفتين لم أجده في غيرجـ، ويصح الكلام بدونه، ولكنه زيادة مناسبة.
(٢) كذا في ح، آ، ى. ولفظ غيرها: ((التقديم».
(٣) أي: فتوجد العلة بدون المعلول، فيلزم انتقاض العلّة؛ وهو باطلٌ.
(٤) ساقط من ح، ولفظ ((التأخرّ) في غير آ، ى: ((التأخير)).
(٥) لأنّه يلزم - في هذه الحالة - تقدم المعلول على علّته؛ وهو محال.
(٦) سقطت الألف واللام من ح.
(٧) في غيرح: «فسرناه)).
- ٣٠٢ -

،وأما الثاني والثالث - فباطلان؛ لأنَّ من يقولُ بالمؤثِّر والداعي - يقولُ: المؤثّرُ
والداعي - جهاتُ المفاسدِ والمصالح ، فالقولُ بأنَّ الحكم الشرعيَّ مؤثّرٌ أو
داعٍ : خرقٌ للإِجماع ؛ وهو باطلٌ.
وثالثُها:
أنَّ شرطَ العلَّةِ - التقدمُ على المعلولِ ، وتقدُّمُ أحدِ الحكمينِ على الآخرِ -
غيرُ معلومٍ .
فإذن: شرط العلِّيّةِ(١) مجهولٌ؛ فلا يجوزُ الحكمُ بالعلِّيَّةِ .
ورابعُها:
: أنَّ الشرعَ إذا أثبتَ حكمين - في صورةٍ واحدةٍ - فليس لأحدهما مزيّةٌ على
الآخرِ في الوجودِ والافتقارِ والمعلومِيَّةِ، فليسّ جعلُ أحدِهما علةً للآخر - أولى
من العكس . فإمّا أن نحكمَ بكونِ كلِّ واحدةٍ - منهما علَّةٌ للآخر؛ وهو محَالٌ.
أو لا يكونَ واحدٌ - منهما - علَّةً للآخر؛ وهو المطلوب.
[و (٢)] الجوابُ عن الأَوَّلِ :
لا نسلّمُ أنَّ بتقديرِ التأخر - لا يصلحُ للعليَّةِ؛ لأنَّ المرادَ من العلَّةِ
((المعرِّفُ))، والمتأخِّرُ يجوزُ كونُهُ معرَّفاً للمتقدِّمِ.
وعن الثاني :
أنَّا نفسِّرُ العلَّةَ بـ ((المعرُّفِ)).
قولُهُ: ((الحكمُ في محلِّ النصِّ - معرَّفٌ بالنصِ لا بغيرِه)).
قلنا: سبقَ الجوابُ عنه - في مقدّمةِ الباب [الثاني(٣)].
وعن الثالث:
لا نسلِّمُ أنّ التقدُّمَ شرطُ العَلَّيَّةِ. على ما بَّناه.
(١) لفظ ى: ((العلة)).
(٢) هذه الزيادة من ح، آ، ى.
(٣) لم ترد الزيادة في آ، وانظر ص: (١٢٥) من هذا الجزء من الكتاب.
- ٣٠٣ -

وعن الرابع، [نقول:
قوله: ((ليس جعلهُ علَّةً للآخرِ - بأولى من العكس».
قلنا: لا نسلّم؛ فإنه ربّما لا تتأتى المناسبة من الجانب الآخر. وإن سلّمنا
ذلك - فنقول(١)].
إنّه يجوزُ كونُ كل واحد - منهما - علَّةٌ لصاحبه، بمعنى كونٍ كلّ واحد .-
منهما - معرِّفاً لصاحبِهِ(٢).
فرعٌ:
إذا جوزنا تعليل الحكم الشرعيّ بالحكم الشرعيّ(٣) ۔ فهل يجوز تعليلُ
الحكم الحقيقيّ بالحكمِ الشرعيّ؟
ومثاله: أن نعلّل إثباتَ الحياةِ - في الشِّعَرِ - بأنَّهُ يحرمُ بالطلاقِ، ويحل
بالنكاح : فیکون حیاً کالیدِ.
والحقُّ: أنَّهُ جائزٌ: لأنَّ المرادَ - من هذه العلَّةِ - ((المعرِّفُ))؛ ولا يمتنعُ أن
يُجعلَ (*) الحكمُ الشرعيُّ - معرِّفاً للأمرِ الحقيقيّ.
المسألةُ السابعةُ :
يجوزُ التعليلُ بالأوصافِ العرفيَّةِ - وهي: الشرفُ(*) والخسَّة، والكمالُ
والنقصانُ - ولكن بشرطَينْ(٥):
(١) ما بين المعقوفتين انفردت به جـ، وهي زيادة مناسبة ومفيدة، وإن كان الكلام
صحيحاً بدونها .
(٢) زاد في س: ((وأمّا بمعنى المؤثّر - فهو محال)). وزاد في جـ عبارة: ((وهو محال))
فقط، وذلك وهم.
. (٣) لفظ جـ: ((فنقول).
(*) آخر الورقة(٩٤) من ی.
(*) آخر الورقة (١٤٨) من ح.
(٥) آخر الورقة (١٥٢) من جـ.
- ٣٠٤ -

أحدهما:
أن يكونَ مضبوطاً متميّزاً عن غيرِهِ(٥).
والثاني :
أن [يكون(١)] مطَّرداً: لا يختلفُ باختلافِ الأوقاتِ؛ فإنَّهُ لو لم يكنْ
كذلكَ ـ لجازَ أن لا يكون ذلك العرفُ حاصلاً في زمانِ الرسول - صلی الله علیه
وسلم -.
وحينئذٍ : لا يجوزُ التعليلُ بهِ.
المسألةُ الثامنةُ :
يجوزُ التعليلُ بالوصفِ المركَّبِ عندَ الأكثرِينَ .
وقالَ قومٌ: لا يجوزُ.
لنا :
أنَّ المناسبةَ - معَ الاقتران والدوران - تفيدُ ظنَّ العلِّيَّةِ: فيجبُ العملُ بهِ.
احتجُّ المنكرون بأمورٍ ثلاثةٍ:
أحدها:
أنّ جوازَ التركيب - في العلَّةِ - يوجبُ تطرُّقَ النقضِ إلى العلَّةِ العقْلِيَّةِ،
والَّلازمُ محال (٢): فالملزومُ مثلُهُ.
بيانُ الملازمةِ :
أنَّ كلَّ ماهيّةٍ(*) مركّبةٍ - فإنَّ عدمَ كلِّ واحدٍ - من أجزائها - علَّةٌ لعدمٍ علِيَّةٍ
تلكَ الماهِيَّةِ؛ لأنَّ كونَ الماهيّةِ علَّةً: صفةٌ من صفاتِ الماهِيَّةِ، وتحقَّقُ الصفةِ
- يتوقّفُ على تحقَّقِ الموصوفِ.
(*) آخر الورقة (١٨٦) من س.
(١) لم ترد الزيادة في ی.
(٢) في غيرح، آ، س: ((باطل)).
(*) آخر الورقة (١٤١) من أ.
- ٣٠٥ -
٠

وإذا كانَ كذلك: كانَ عدمُ كلّ واحدٍ من أجزاء الماهيَّةِ - عّةً تامَّةً لعدم:
علَِِّّ تلك الماهيَّةِ [فإذا عدمَ جزءٌ من أجزائها - فقد عدمت العلِّيَّةُ، فإذا عدمُ ـ
بعد ذلك - جزء آخرُ: لم يكنْ عدمُ هذا الجزء الثاني - علّةٌ لعدمٍ علِّيَّةِ تلك
الماهيَّةِ(١)]؛ لأنَّ ذلك [قد(٢)] حصلَ عندَ عدمِ الجزء الأوَّلِ: فلا يحصل مرَّةً (٣)
أخرى بعدم (٤) الجزء الثاني، فقد حصلَ عدمُ جزء الماهيَّةِ - معَ أنَّهُ لم يترتَّبْ
عليهِ عدم علِيَّة(٥) تلك الماهيَّةِ: فقد وجدَ النقضُ - في العلَّةِ العقلية - لأن
[كون(٦)] عدم جزء الماهيَّةِ [علَّةً لعدمَ علِّيَّةِ الماهيَّةِ(٧)] أمرٌ حقيقيٍّ سواءٌ كانت
علَّيَّةُ الشيءٍ عقليَّةً أو وضعيّةً.
فإن قلتَ: فهذا يقتضيٍ أن لا يكونَ - في الوجودِ - ماهيَّةٌ مركَّبَةٌ، لأنَّ عَدِمٍُ
كلِّ واحدٍ من أجزائها - علَّةٌ مستقلةً لعدمِ تلكِ الماهِيَّةِ. ويعودُ المحالُ.
قلتُ: ليست الماهيَّةُ أمراً وراءَ مجموع (٨) تلكَ الأجزاءِ: فلم يكن عدمُ.
[أحدِ(٩)] تلك الأجزاءِ علَّةً لعدمٍ شيءٍ آخرَ.
[و] أمَّا علِّيَّةُ المَاهِيَّةِ - فهي حكمٌ زائدٌ على ذاتِ الماهيَّةِ، وعدمُها معلّل:
بعدم كلُّ واحدٍ من أجزاءِ الماهيَّةِ: فظهرَ الفرقُ.
وثانيها :
أنَّ كونَ الشيءِ علَّةٌ لغيرِهِ - صفةً لذلك الشيءِ. سواءٌ حصلت [لهُ: ] تلك:
الصفةُ بذاتِهِ، أو بالجعلِ .
(١) ما بين المعقوقتين ساقط من ى ..
(٢) هذه الزيادة من ح.
(٣) لفظ غيرح: ((ثانية)) ..
(٤) كذا في آ، وزاد قبلها واواً، وفي غيرها: ((لعدم)).
(٥) كذا في ح، آ، ى. ولفظ غيرها: ((علة)).
(٦) هذه الزيادة من ح.
(٧) ساقط من غيرح.
(٩) هذه الزيادة من ح، آ، ى.
(١١) هذه الزيادة من ح، آ، ى.
(٨) لفظ س: ((المجموع)).
(١٠) هذه الزيادة من ح.
- ٣٠٦ -

فإذا(١) كان الموصوفُ بالعلِّيَّةِ أمراً مركَّباً - فإِمَّا أن يقالَ: حصلت تلكَ الصفةُ
بتمامِها لكلّ واحدٍ من تلكِ الأجزاءِ؛ وهو محالٌ .
أمّا أوّلاً - فلاأَنَّهُ يلزمُ كون الصفةِ الواحدةِ في المحالُّ الكثيرةِ؛ وهو(٢)
محالٌ.
وأمّا ثانياً - فلأنَّهُ يلزمُ كونُ كلِّ واحدٍ - من تلك الأجزاءِ - عَّةً تَامَّةً؛ لأنّهُ لا
معنىَ لكونِ الشيءِ علَّةٌ إلّ حصولُ العلِّيةِ فيهِ .
وإمّا أن يقالَ: حصلَ في كلِّ واحدٍ من أجزاءِ العلَّةِ - جزءٌ من تلك العِّيّةِ (٣)،
وهذا - أيضاً محالٌ؛ لأنَّهُ يقتضي انقسامَ الصفةِ العقليَّةِ، حتىَّ يكونَ للعلِّيَّةِ نصفٌ
وثلثٌ وربعٌ. وهو (٤) محالٌ.
وثالثها:
أنّ [كل واحدٍ من(٥)] تلك الأجزاءِ - لم يكن علَّةً، فعندَ انضمامِها إمَّا أن
یکونَ قد حدث أمرٌ لم يكنْ.
أو ما كانَ كذلكَ.
فإن حدث أمرٌ - فالمقتضي لحدوثِ ذلكِ الأمر، إمّا كلَّ واحدٍ من تلك
الأجزاء، أو مجموعُها.
فإن كان الأوّل: كانَ كلُّ واحدٍ - من الأجزاء - مستقلًا باقتضاء (٦) العلِّيَّةِ:
فوجبَ كونُ كلِّ واحدٍ - منها - علَّةُ تامَّةً؛ وذلك محال(٩).
وإن كان الثاني: كانَ الكلامُ في اقتضاءِ ذلك المجموع لذلك الأمر
(١) في غيرح: ((فإن)).
(٢) في غيرح، آ، ى: ((وهذا)).
(٣) كذا في ح، ولفظ غيرها ((العلة)).
(٤) في غيرح: ((وذلك)).
(٥) ما بین المعقوفتین من زیادات ح، ی.
(٦) زاد في ح بعدها: ((ما يستقلّ باقتضاء)».
(*) آخر الورقة (١٨٧) من س.
- ٣٠٧ -

الحادثِ، كالكلامِ في اقتضاءِ ذلك المجموع للعلَّةِ. فيلزمُ أن يكون بواسطةٍ
حدوثِ شيءٍ آخرَ، ولزمَ التسلسلُ. وهو محال.
وإن قلنا: إنَّهُ لم يحدثْ أمرٌ لم يكن حاصلاً - فتلكَ الأجزاءُ حالة
الاجتماع ، كهي: حالة الانفرادِ ولكنَّها(١) حالةَ الانفرادِ - ما كانتْ علَّةً: فكذا
عندَ الاجتماعِ .
[ و(٢)] الجوابُ عن الأَوَّلِ :
أنَّ النقضَ إنّما يلزمُ لو جعلنا عدمَ جزء الماهيَّةِ علَّةً لعدم علِّيَّةِ الماهيَّةِ
وهو بناءً على كونِ العدمِ علَّةٌ؛ وهو ممنوعٌ.
وعن الثاني :
أنَّ العِلِيَّةَ(*) ليست صفةً ثبوتيةً، وإلّ لزمَ التسلسلُ - على ما قررناه ..
وإذا لم تكن صفةً ثبوتيَّةً: امتنعَ القولُ بأنَّها إمّا أن تحلُّ كلُّ واحدٍ - مِنْ
الأجزاءِ - بتمامها، أو تنقسمَ بحسبِ انقسامِ أجزاءِ الماهِيَّةِ .
وعن الثالث:
أنَّهُ منقوضٌ بكل(*) واحدٍ من العشرةِ، فإنَّهُ ليس بعشرةٍ، وعند اجتماعهما ۔
يكونُ المجموعُ عشرةً: فکذا ها هنا.
فرعان(٣):
الأولُ:
نقلَ الشيخُ أبو اسحاقَ الشيرازيُّ - رحمه الله - عن بعضِهم، أنَّهُ قالَ: ((لا
(١) كذا في ح، ى. وفي غيرها: ((وهي)).
(٢) الواو من زیادات جـ، آ.
(*) آخر الورقة (١٥٣) من جـ.
(*) آخر الورقة (١٤٩) من ح.
(٣) قال الأصفهانيّ: ((واعلم أنّه إنّما يتصوّر تفريع هذين الفرعين على القول بتركُّب العلة
الشرعيّة؛ وأمّا إذا لم يقل بذلك - فلا يتصوّر هذا التفريع)) فانظر الكاشف: (١٣٩/٣ - ب).
- ٣٠٨ -

يجوزُ أن تزيدَ الأوصافُ على سبعةٍ(١)). وهذا الحصرُ لا أعرفُ له حجَّةً (٢).
الثاني :
في الفرقِ بين جزء العلَّةِ ومحلّها، وشرطِ ذاتِ العلَّةِ وشرطِ علِّيّتها.
وقبلَ الخوض فيه - لا بدَّ من حدِّ ((الشرطِ))، [و(٣)] ذكروا فيه وجهين :
الأوّلُ:
أنّه الّذي يلزمُ من عدمِهِ عدمُ الحكم ، ولا يكونُ جزءاً من العلَّةِ .
[و(٤)] الثاني(٥):
أنَّه(٦): الّذي يلزمُ من عدمِه مفسدةٌ دافعةٌ لوجودِ الحكمِ .
إذا عرفت ذلك - فمن الناس من أنكرَ هذا الفرقَ، ومنهم المثبتونَ للطردِ،
والمنكرونَ لتخصيصِ العلَّةِ .
.-
واحتجّوا عليه -: بأنَّ العلَّةَ الشرعيّةَ: ما يكونُ معرِّفاً للحكم ، وهو إنَّما
يكونُ معرِّفاً [للحكم (٧)] عندَ اجتماع كلُّ(*) القيودِ: من الشرطِ والإِضافة إلى
(١) كذا فيما عداح، وهو الصحيح، ولفظها: ((خمسة))، وهو ما قاله المصنف في
((الرسالة البهائية))، وليس في المحصول.
(٢) وادعى صاحب التنقيح أنّ له حجة، فقال: (( .. غاية ما يتوقف عليه الحكم سبعة:
إيجاب وقبول صدرا من العاقل البالغ في المحل، مع وجود الشرط، وانتفاء المانع، وهي
سبعة: فكل ما زاد على هذا - فهو تفاصيل هذه الجمل، ويمكن ردّه إلى ما ذكرنا، وعدم الرد
عجز وعيّ))؛ وقد عقب الأصفهانيّ على ما قاله صاحب التنقيح بقوله: ((هذا ما قاله هذا
المتحذلق، وهو فاسد، وذلك لأن الكلام في أوصاف العلة، لا في الشرط والمانع والفاعل
والمحل)) ثم استشهد بكلام للغزالي ورد في الشفاء. فانظر الكاشف: (٣١٨/٣آب)،
وشفاء الغليل: (٤٩٨)، واللمع؛ (٦٠).
(٣) هذه الزيادة من ح، آ، ی.
(٤) هذه الزيادة من ح، آ.
(٥) زاد في ح: ((و).
(٧) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٦) في غيرآً: ((هو).
(٥) آخر الورقة (١٤٢) من آ.
- ٣٠٩ -

الأهل والمحلِّ، فيكونُ كلُّ واحدٍ - من هذه القيود - جزءاً من المعرِّف للحكمِ:
فيكونُ جزءاً من العلَّةِ .
بلى؛ لا تنكرُ أنَّ بعضَ هذه القيودِ أقوى - في الوجود - من بعضٍ فإنَّ القتلَ
له ذاتٌ وحقيقةٌ، ثمّ له صفةٌ، وهي إضافتهُ إلى القاتِل و[إلى (١)] المقتولٍ.
وذاتُ القتل أقوى - في الوجود - من هذهِ الإِضافاتِ(٢)، لاحتياجِها إليهِ [في
الوجود(٣)].
وقد يكونُ بعضُ تلك القيودِ - مناسباً دونَ البعض ، أو يكونُ بعضُها أقوى
في المناسبةِ من بعضٍ؛ ولكن مع تسليم هذا المقام: فالمعتبرُ في تعريفِ.
الحكمِ - هو المجموع .
وحينئذ: لا يبقىَ بين جزء العلَّةِ و[بينَ (٤)] شرطها - فرقٌ.
و(٥) فائدةُ هذا البحثِ -: أنَّهُ إذا صدرَ بعضُ تلكَ الأجزاءِ عن إنسان، وصدرَ:
الثاني عن إنسانٍ آخرَ: فإن كانت تلك الأجزاء متساويةٌ - في القَّةِ والمناسبةِ +
اشتركا. وإلّ: نسبَ الفعلُ إلى فاعل الجزء الأقوى. وهذه الفائدة حاصلةٌ سواءٌ
سمّيناه جزءً العلّة، أو شرطَها.
ومن النّاس من سلَّم الفرقَ، وزعمَ: أنَّ العلّة إنّما تعرَفُ علِّيَّتُها بالنّصِّ، أو
بالاستنباطِ .
فإن كان الأوّل ــ فالقدرُ الَّذي دلَّ النصُّ على كونِهِ مناطاً للحكم، هو
العِلَّةُ. وسائرُ القيودِ الَّتي عرفَ اعتبارها بدلائلَ منفصلةٍ - نجعلُها شرائطَ .
وإن كان الثاني - فَالَّذي يكونُ مناسباً، هو العلَّةُ، والّذي يكون معتبراً في
(١) هذه الزيادة من ح، آ، ى.
(٢) لفظى: ((الأوصاف)).
(٣) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٤) زادها ح.
(٥) في غيرح أبدلت الواو يفاء.
- ٣١٠ -

تحقَّق المناسبة، ولا يكونُ كافياً فيها - هو جزءُ العلَّةِ. والّذي لا يكونُ مناسباً،
ولا جزءاً منه(١) - فهو الشرطُ.
. هذا إذا عرفنا علِّيَّةَ الوصفِ بـ ((المناسبةِ)).
أمّا إذا عرفناها بسائرِ الطرق(*): لم [يتجَّه(٢)] هذا الفرقُ(٣).
المسألةُ التاسعة :
اتَّفقوا: على أنَّه لا يجوزُ التعليلُ بالاسم: مثلُ تعليلِ تحريم ((الخمرِ)) -
بأنَّ العربَ سمَّتْه خمراً؛ فإنَّ(٤) نعلمُ - بالضرورةِ - أنَّ مجرَّدَ هذا اللفظِ لا أثرَلَه.
فإن أريدَ بهِ تعليلُهُ بمسمَّى هذا الاسم : من كونِهِ مخامراً للعقل فذلك(*)
(١) لفظ ح: ((من العلة)). والأنسب اعادة الضمير إلى المناسب، لا إلى العلة.
(*) آخر الورقة (٩٥) من ی.
(٢) لم ترد الزيادة في ى.
(٣) هذا الفرع قد عقده المصنف لبيان الفرق بين ذات العلة وجزئها وشرطها ولا زمها
ومحلها وركنها: وأمّا ركن العلة - فهو بعضها، وذات العلة نفسها، ومحل العلة شرط من
شروطها. ولا غموض في شيء من ذلك وإنما الغموض في الفرق بين جزء العلة وشرطها.
وفي العلة وشرطها، قال الغزالي في الشفاء: ((الشرط والمحل والركن عبارات أطلقها الفقهاء،
وغمض مدركها على الأكثر؛ لأنهم يعبرون بها عن مقاصد مختلفة، ولم يتفقوا على حدّ معلوم
بالاصطلاح، ونحن ننبه على الغرض، ثم لا حرج في الإِطلاقات)) وقد ساق بعد ذلك جملة
من الأمثلة التوضيحيّة لبيان ما تقدم. فانظر ص (٤٩٨ - ٥٠٠) وفي ص(٥٤٧) وما بعدها،
تكلم بتفصيل في الفرق بين العلة والشرط والعبارات التي أضافها الفقهاء إلى العلة: كركن
العلة وشرطها، ومحلها ووصف العلة وبعضها ونفس العلة، وقال: ((أما محل العلّة - فأرادوا
به شرط العلّة، وأمّا بعض العلة وركنها وذاتها فأرادوا به: نفس العلة أوبعض أجزائها إذا كانت
العلة متركبة من أوصاف؛ فليقصر الناظر نظره على معرفة العلة والشرط كيلا ينتشر نظره)) ..
وراجع النفائس: (١١٠/٣) وما بعدها، والكاشف (٣١٩/٣ - ٣٢٠ ])، وشرح الاسنوي
بتعليقات الشيخ بخيت: (٤ /٣٤٩) وكشف الأسرار (١٦٩/٤، و١٧٢، و٢٠٢)، وشرح
المسلم: (٢ /٤٠٤ , ٣٠٩)، والحاصل (٨٧٤).
(*) اخر الورقة (١٨٨) من س.
(٤) كذا في ح، وفي غيرها: ((فإنه)).
- ٣١١ -

يكونُ تعليلاً بالوصفِ، لا بالاسمِ (١).
المسألةُ العاشرةُ:
مذهب الشافعيِّ - رضي الله عنه -: أنَّه يجوزُ التعليلُ بالعلَّةِ القاصرةِ؛ وهو
قول أكثر المتكلّمين.
وقالَ أبو حنيفةً وأصحابُه: لا يجوزُ. ووافقونا في العلَّةِ المنصوصةِ(٢).
لنا :
أنَّ صِحَّةَ تعديةِ العلَّةِ إلى الفرع - موقوف [ةٌ(٣)] على صحّتِها في نفسِها،
(١) للعلماء في التعليل بالاسم ثلاثة أقوال: أحدها: أنّه يجوز. وهو قول بعض الشافعية
والمالكية. والثاني: عدم الجواز مطلقاً. وهو قول آخرين من الشافعية والمالكية، والثالث:
الفرق بين المشتق وغيره، فإن كان مشتقاً: جاز، وإلّ: فلا. نقله الياجي.
ونقل أبو الخطاب عن الإِمام أحمد جواز التعليل به علماً كان أو مشتقاً أو لقباً، أما
المشتق - فظاهر كقولنا: ((زان وسارق))، وأما الاسم فكقولنا ((ماء وتراب، ففي رواية الميمونيّ:
«يجوز (أي: عند أحمد) الوضوء بماء الباقلا والحمصّ؛ لأنّه ماء، وإنما أضفته إلى مالا
يفسده)). قال أبو الخطاب: وبه قال أكثر الفقهاء من الحنفية والشافعية، فانظر التمهيد: ورقة
(١٦٣) مخطوطة الظاهرية. وراجع الكاشف: (٣٢٠/٣ - ب)، والنفائس: (١١٠/٣ -
ب). والاختلاف في هذه المسألة مبني على اختلافهم في جواز إثبات اللغة بالقياس، وراجع
شرح الإِسنوي بتعليقات الشيخ بخيت: (٢٥٤/٤ و٥٥) وجمع الجوامع بشرح الجلال:
(٢٣٤/٢)، والإِيهاج: (٨٩:٣)، واللمع (٥٥)، والحاصل: (٨٧٥).
(٢) راجع هذه المسألة في المعتمد: (٨٠١/٢)، والبرهان فق (١٠٩٠ - ١١٠١)،
والمستصفى (٣٤٥/٢)، والشفاء (٥٣٧)، والتمهيد ورقة (١٦٩) مخطوطة الظاهرية، وإحكام
الأحكام: (٢١٦/٣) ط الرياض، والروضة: (٣٢٠) ط الرياض، وشرح المختصر:
(٣٦٤/٢)، وشرح الإِسنوي بتعليقات بخيت: (٢٧٦/٤) وشرح جمع الجوامع:
(٢٥٧/٢)، والتيسير: (٥/٤)، وشرح المسلم: (٢٧٦/٢)، والتبصرة: (٤٨١/٢)
والإِبهاج: (٩٣/٣) والتلويح: (٩٤/٢)، والمشكاة: (٢٩/٣) والمرقاة: (٣١١/٢)،
والمسوّدة (٤١١) والكاشف: (٣٢٠/٣ - ب) وما بعدها، والنفائس (١١٣/٣ -آ) وما بعدها،
والحاصل (٨٧٦).
(٣) لم ترد التاء في جـ، آ، ى.
- ٣١٢ -

فلو تَوَّقفتْ صحَّتها - في نفسِها - على صحّةٍ تعديتِها إلى الفرع : لزمَ الدورُ.
وإذا لم تتوقّفْ على ذلك فقد صحّت العلَّةُ - في نفسِها - سواءٌ كانت
متعدیةً، أو لم تكنْ.
فإن قيلَ: لِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: [إنّ(١)] صحَّتها - في نفسِها - لا تتوقَّفُ على
صحَّةٍ تعديتها، بل على صحَّةِ وجودِها في غيرِ الأصل، وحينئذٍ: ينقطعُ الدورُ.
سلّمنا ذلك؛ [و(٢)] لكن وجدَ - ها هنا - ما يدلُّ على فسادِ العلَّةِ القاصرةِ،
وهو من وجوه :
الأوَّلُ :
أنَّ العلَّة القاصرةَ - لا فائدةَ فيها(*)، وما لا فائدةَ فيهِ: كانَ عبئاً - وهو على
الحکیم غیرُ جائزٍ.
[و(٣)] إنَّما قلنا: إنَّهُ لا فائدةَ فيها، لأنَّ الفائدة من العلَّةِ: التوسّل(٤) بها إلى
معرفةِ الحكمِ [وهذه الفائدةُ مفقودةٌ - ها هنا - لأنَّهُ(٥)] لا يمكنُ في القاصر [ةٍ(١)]
أن يتوسَّلَ بها إلى معرفة الحكم - في الأصلِ - لأنَّ ذلك معلومٌ بالنصُّ، ولا
يمكنُ التوسُّلُ بها إلى معرفةِ الحكمِ - في [غير (٧)] الأصل - لأنَّ ذلك إنَّما
يمكنُ (*) أن لو وجد(٨) ذلك الوصفُ في غيرِ الأصلِ، فإذا لم يوجدْ: امتنعَ
حصولُ تلكَ الفائدةِ .
(١) انفردت ح بهذه الزيادة.
(٢) هذه الزيادة من ح.
(*) آخر الورقة (١٥٤) من جـ.
(٣) هذه الزيادة من ح.
(٤) عبارة ح، آ، جـ،ى. ((من ذلك أن يتوسل به).
(٥) ما بين المعقوفتين ورد في ح، آ، ى. وفي س، ل وردت ((و)) قبل كلمة ((لا)).
(٦) لم ترد الزيادة في ى، آ. وما بعدها فيهما: ((التوسل)).
(٧) سقطت الزيادة من آ.
(*) آخر الورقة (١٥٠) من ح.
(٨) كذا في ح، وعبارة غيرها: ((إذا وجد)).
- ٣١٣ -

وإنَّما قلنا: إنَّ ما لا فائدةَ فيه عبثٌ؛ وإنَّ العبثَ غيرُ جائزٍ. فذلك (١)
[للإجماع.
الثاني :
الدليلُ ينفي القولَ بالعلَّةِ المظنونةِ؛ لأنَّهُ أَتِّبَاعُ الظنُّ، وهو غيرُ جائِ(٢)]،
لقول تعالى: ﴿إِنَّ الظُّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئً﴾ (٣) تُرِكَ العملُ بهِ - في العلَّةِ
المتعدِّيَةِ - لأنَّ فيها فائدةً، وهي (٤): التوسّل(٥) بها إلى معرفةِ الحكم في غيرِ
محل النصِّ، وهذه الفائدةُ(٦) مفقودةً في القاصرةِ: فوجبَ بقاؤها(٧) على
الأصلِ.
الثالث :
العَّةُ الشرعيَّةُ أمارةٌ، فلا بدَّ وأن (٨) تكونَ كاشفة عن شيءٍ، والعلَّةُ القاصرةُ
لا تكشفُ عن شيءٍ من الأحكام - فلا تكونُ أمارةً(*): فلا تكونُ علَّةً.
[و (٩)] الجوابُ:
قولُهُ: ((لِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: صحَّةُ كونِها علَّةٌ - موقوف [ـةٌ] على صحّةٍ
وجودها في غيرِ ذلك المحلِّ؟)).
(١) أبدلت الفاء بواو في آ.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، وقوله: «للإجماع))، كما في ح، وفي غيرها .:
(بالإجماع)).
(٣) الآية (٢٨) من سورة النجم: ولفظها ((وإن)).
(٤) في ى: ((وهو).
(٥) لفظ أ، ى: ((التوصل)).
(٦) لفظ س: ((العلة)).
(٧) كذا في ح، ى وفي غيرهما: ((بقاؤه)).
(٨) في غيرحٍ، آ أبدلت الواو بـ ((من)).
(*) آخر الورقة (٥١) من ص.
(٩) هذه الزيادة من ح، آ، جـ، ى.
(١٠) لم ترد الزيادة في جـ، آ.
- ٣١٤ -

قلنا: لأنَّ الحاصلَ - في محلٍ (١) آخرَ- لا يكونُ هو (٢) بعينه، لاستحالةِ
حلولِ الشيءِ الواحدِ فِي محلَّين، بل يكونُ مثلَهُ.
وإذا [كان كذلك(٣)] - فنقولُ: كلُّ ما يحصلُ له من الصفاتِ - عندَ حلول
مثلِهِ في محلّ آخرُ: يكونُ ممكن الحصول لهُ - عندَ عدم حلولٍ مثلِهِ في محلّ
آخرَ؛ لأنَّ حكمَ الشيءِ حكمُ مثلِهِ. فإذا أمكن حصول [كلّ(٤)] تلك الأمور -
فبتقدير تحقق ذلك(*): وجبَ أن تكونَ علَّةً؛ لأنَّ تلك العلِّيَّةَ ما حصلتْ إلّ
بسبب تلكَ الأمورِ.
[و(٥)] أمَّا المعارضةُ الأولى - وهي: أنَّهُ لا فائدةَ فيها ..
قلنا: لا نسلِّمُ.
قولُه: ((الفائدةُ أن یتوسّل بها إلى معرفة الحکمِ)).
قلنا: نسلِّم أنَّ معرفةَ الحكمِ فائدةٌ، لكن لا نسلِّم أنَّهُ لا فائدةَ إلّ هي،
فما الدلالةُ على هذا الحصر؟
ثمّ إنَّا نبيِّن(٦) فائدتين أخريين:
الأولى :
أن نعرفَ أنَّ [الـ(٧)] -حكمَ الشرعيَّ - مطابقٌ لوجهِ الحكمةِ والمصلحةِ .
وهذه فائدةٌ معتبرةً؛ لأنّ النفوسَ إلى قبولِ الأحكامِ المطابقةِ للحِكم
والمصالح - أميلُ (٨)، وعن قبولِ التحكّمِ الصرفِ والتعبُّدِ المحض(٩) - أبعدُ.
(١) كذا في ح، وعبارة غيرها: ((المحل الآخر)).
(٢) زاد في جـ آ، ى: ((هو).
(٣) لم ترد الزيادة في ح.
(٤) هذه الزيادة من ح.
(*) آخر الورقة (١٤٣) من آ.
(٥) هذه الزيادة من ح، جـ، ى.
(٦) زاد في جـ: ((على سبيل التبرع)).
(٧) لم ترد الألف واللام في ح، ولفظ ((الشرعيّ)) - بعدها - ورد بلفظ ((الشرع)).
(٨) في آ: ((أقبل)).
(٩) عبارة ى، آ: ((الحكم المحض، والتعبّد الصرف))، ولفظ ح، س، ل: ((الحكم)).
- ٣١٥ -

الثانيةُ :
أنَّهُ لا فائدةَ أكثرُ من العلمِ بالشيءِ؛ لأنَّا إذا علمنا الحكمَ، ثمّ اطلعْنا على:
علَّته: صرنا عالمين أو ظانين بما كنَّا غافلين عنه، وذلك محبوبُ القلوبِ.
ولا يمتنعُ - أيضاً - أن يكونَ لنا فيه(*) مصلحةُ.
سلَّمنا: أَنَّهُ لا بدَّ وأن يُتَوَسَّلَ بالعلّةِ - إلى معرفةِ الحكمِ ، لكن في جانب
الثبوت، أو في جانبِ العدمِ؟
الأوّلُ ممنوعٌ،
والثاني مسلَّمُ (١). وها هنا أمكنَ التوسُّل به إلى عدمِ الحكم.
بیانُه :
أنَّهُ إِذا غلبَ على ظنّنَا كونُ حكمِ الأصلِ - معلَّلاً بعلَّةٍ قاصرةٍ، امتنعنا
من القياسِ [عليهِ: فلا يثبتُ الحكمُ في الفرع .
فإن قلتَ: يكفي في الامتناعِ من القياسِ - أن لا نجدّ علَّةً متعدِّیةٌ،
فأمَّا التعليلُ بالعلَّةِ القاصرةِ - فلا حاجةَ إليهِ في الامتناعِ من القياسِ (٢)].
قلتُ: يجوزُ أن يوجدَ - في الأصلِ - وصفٌ متعدٍ مناسبٌ لذلك(٣) الحكم ،
فلو لم يجزِ التعليلُ بالعلَّةِ القاصرةِ - لبقيَ ذلك الوصفُ المتعدِّي [خالياً من
المعارض ، فکان یجبُ التعليلُ به.
وحينئذٍ: كانٍ يلزمُ ثبوتُ الحكمِ في الفرعِ .
أمَّا لو جاز التعليلُ بالوصفِ القاصرِ - صارَ (٤)] معارضاً لذلك الوصف
المتعدِّي .
(*) آخر الورقة (١٨٩) من سٍ.
(١) في ی، آ: ((ع، م)) ..
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من س، ل. (٣) في ح: «يناسب ذلك)).
(٤) ساقط من ى، ولفظ ((لو) في ح: (إذا)).
- ٣١٦ -

وحينئذٍ: لا يثبتُ القياسُ، ويمتنعُ الحكمُ.
سلّمنا: أنَّهُ لا فائدةَ فيها. فلِمَ قلتمُ: إِنَّها تكونُ باطلةً؛ فإنَّهُ لا يمتنعُ كونُها
علَّةٌ مؤثرةً في الحكم ، مع أنَّ الطالبَ لها يكونُ طالباً لما [لا(١)] ينتفع به - [حينَ
يتشاغلُ بطلب ما هو مستغنٍ عنه(٢)].
سلّمنا: أنَّ ما لا فائدةَ فيه لا يجوزُ إثباتهُ، [و(٣)] لكن لا يجوزُ ذلك قبلَ أن
يعلمَ أَنَّهُ لا فائدة(*) فيهِ، أو بعدَ أن يعلمَ ذلك؟!
وها هنا: المستنبطُ للعلَّةِ - حالَ طلبِهِ لها - لا يعلمُ أنَّ تلكَ العلَّةَ متعدِّيةٌ،
أو قاصرةٌ. فلا يمكن منعهُ عن ذلك الطلب. وبعد وقوفه (٤) على العلَّةِ القاصرةِ
لا يمكنُ منعهُ عن معرفتها؛ لأنَّ ذلك خارجٌ عن وسعِهِ .
سلَّمنا: كلَّ ما ذكروه، [و(٥)] لكنَّهُ منقوضٌ بالتنصيص على العلّةِ
القاصرةِ؛ فإنَّ كلَّ ما ذكروه حاصلٌ فيها، مع جوازها.
قوله: ((الدليلُ ينفي القولَ بالعلّةِ المظنونة)».
قلنا: لا نسلِّمُ، والتمسُّكُ بالآيةِ سبقَ الجوابُ عنه: في مسألةِ إثباتٍ
القياس .
وأيضاً: قد بَيِّنًا: أنَّ العلَّةَ المتعدِّيّةَ - كما أنَّها وسيلةٌ إلى إثباتِ الحكم،
فالعلّة القاصرة وسيلةٌ إلى نفي الحكم: فوجبَ كونُ القاصرة صحيحةٌ؛ لأنَّها على
وفق النافي(٦)، والمتعدِّيةُ على خلافِها.
قولُهُ: ((هذه الأمارةُ لا تكشفُ عن حكمةٍ)).
(١) سقطت الزيادة من غيرح.
(٢) ما بين المعقوفتين لم يرد في غير جـ، وهو زيادة يصح بدونها الكلام.
(٣) هذہ الواو من زیادات ح، آ، ی.
(*) آخر الورقة (١٥٥) من جـ.
(٤) كذا في جـ، ى. ولفظ غيرهما: ((وقوعه).
(٥) لم ترد الواو في ی.
(٦) كذا في جـ، آ، وهو المناسب، ولفظ غيرهما: ((المنافى)).
- ٣١٧ -

قلنا: لا نسلِّمُ، بل تكشفُ عن المنعِ (١) من استعمالٍ القياس.
سلّمناه؛ لكنه يكشفُ عن حكمة الحكم.
سلّمناه(*)؛ لكنَّهُ منقوضٌ بالعلَّةِ القاصرةِ المنصوصةِ(٢).
فرع :
اختلفوا: في أنَّ الحكمَ في موردِ النصِّ - ثابتٌ بالنصِّ، أو بعلَّةِ
[النصّ(٣)].
فقالت الحنفيةٌ(٤): لا يمكنُ ثبوتُهُ بالعلَّةِ؛ لأنَّ الحكمَ معلومٌ، والعلّةُ
مظنونةٌ، والمظنونُ لا يكونُ طريقاً إلى المعلومِ .
وأصحابُنا جوَّزوهُ.
والخلافُ فيه لفظيُّ؛ لأنَّا نعني بالعلَّةِ - ها هنا - أمراً مناسباً، يغلبُ على
الظنِّ أنَّ الشرعَ أثبتَ الحكمَ لأجلِهِ، وذلكَ مَمّا لا يمكنُ إِنكارُهُ(٥).
المسألةُ الحادية عشرة :
الحقُّ: أنَّهُ لا يجوز التعليلُ بالصفاتِ المقدَّرةِ: خلافاً لبعض الفقهاء
(١) كذا في جـ، آ. ولفظ غيرهما: ((عن)).
(*) آخر الورقة (١٥١) من ح.
(٢) لفظ ى: ((المظنونة))، وهو تحريف.
(٣) هذه الزيادة من جـ، آ، ى.
(٤) في آ: «أبو حنيفة)).
(٥) المراد من هذا الفرع ليس حقيقة التفريع على المسألة السابقة، بل هذه مسألة
تولدت عن قول الحنفيّة؛ ((الحكم في مورد العلة القاصرة عرف بالنص، فلا فائدة في العلة
لا في الأصل ولا في الفرع، وإذا كانت العلة متعدية في مورد النص: فالحكم - في مورد
النص - ثابت بالنص، لا بالعلة))، والغزالي قد ذكر هذا الفرع في المستصفى دون فصل عن
المسألة، وقال في النزاع: إنه لا تحقيق تحته. فانظر المستصفى: (٣٤٦/٤)، وراجع
المسلّم (٢٩٣/٢)، والكاشف: (٣٢٣/٣ - ب)، وجمع الجوامع بشرح الجلال:
(٢٣١/٢).
- ٣١٨ -

العصرِيِّين(١). مثالُهُ قولُهم: ((الملكُ معنى مقدَّرٌ شرعيٍّ في المحلِّ، أثرُهُ إطلاقُ
التصرُّفاتٍ))، وربّما قالوا: ((الملكُ الحادثُ يستدعي سبباً حادثاً، وذلك هو
قولُه: بعتُ واشتريتُ، وهاتان الكلمتان مركَّبتانِ من الحروف المتواليةِ، وكلُّ
واحدٍ - من تلك الحروف - لا يوجدُ عندَ وجودِ الحرفِ الآخر. فإذن: ليس لهاتين
الكلمتين وجودٌ حقيقيّ، لكنَّ لهما وجوداً تقديرياً - وهو: أنّ الشارع قدَّر بقاءَ
تلك الحروفِ إلى حين حدوثِ الملكِ - ضرورة أنَّه لا بدَّ من(٥) وجود السبب،
حال(*) حصولِ المسَّببِ(٢)).
وقد يذكرون هذا التقدير في (*) جانب الأثرِ فيقولون: ((إنْ من علیهِ الدين،
يكونُ ذلك الدينُ مقدرًّاً في ذمِّتِهِ».
واعلم أن هذا الكلامَ من جنسِ الخرافاتِ؛ لأنَّ ((الوجوبَ)) إمّا أن يكونَ
مفسَّراً بمجرَدِ تعلُّقِ خطابِ الشرع على ما هو مذهبنا.
أو يكونَ الفعلَ - في نفسِهِ - بحيثُ يكونُ لإِخلال به(٣) مدخلٌ في استحقاقِ
الذمّ - على ما هو قولُ المعتزلةِ.
(١) كذا في ح، وهو الصحيح، ولفظ غيرها: ((البصريين)). وراجع البحر المحيط
للزركشي: (١٢٤/٣ - ب). مخطوطة الأزهر.
(*) آخر الورقة (٩٦) من ی.
(*) آخر الورقة (١٤٤) من آ.
(٢) قال المحقق المحلي: ((كأن الإمام ينازع في كون الملك مقدراً ويجعله محققاً
شرعً)، وقال البنّاني شارحاً موقف الإمام المصنف الذي أشار المحلي إليه: (( .. ويقول إن
له تحققاً في نفسه لا يتوقف على اعتبار معتبر، بمعنى أنّ في نفس الأمر معنى - هو مسمّى
الملك شرعاً .. وأن الملك -: هو قدرة خاصة على تصرفات خاصة، وتلك القدرة معنى
محقق، لا مقدر)). فراجع شرح جمع الجوامع بحاشية البناني: (٣٥٢/٢)، وبحاشية
العطار: (٢٩٥/٢)، وراجع الكاشف: (٢٣٤/٣) - آ، والنفائس: (١١٤/٣) - أو ب).
(*) آخر الورقة (١٩٠) من س.
(٣) كذا في ح، ى. وعبارة غيرهما: ((الإخلال به يدخل).
- ٣١٩ -

فإن كان الأوّل: لم يكن لتعلُّق الخطاب حاجةٌ۔ إلى معنى محَدثٍ، يكونُ
علَّةُ [له(١)]؛ لأنَّ ذلك التعلّقَ قديمٌ أزليّ، فَكيفَ يكونُ معلَّلاً بالمحدَثِ؟
وإن كان الثاني: فالمؤثِّرُ في الحكم (٢) جهاتُ المصلحةَ والمفسدةِ - فلا
حاجة فيهِ إلى بقاءِ الحُروفِ.
وأيضاً :.
فالمقدَّرُ يجبُ أن يكونَ على وفقِ الواقع ، والحروفُ لو وجدت - مجتمعة
لخرجت عن أن تكونَ كلاماً، فلو قدَّر الشرعُ بقاءَ الحروفِ - الّتي حصلَ منها
قولُه «بعتُ واشتريتُ))؛ لم يحصلْ عند اجتماعِها - هذا الكلامُ.
وأمَّا تقديرُ المالِ - في الذمَّةِ - فهو ساقطٌ جدّاً، بل لا معنى له إلّ أنَّ الشرعَ
مكّنه، إمَّا في الحالِ ، أو في الاستقبالِ - من أن يطالبَه بذلك القدرِ منْ
المال : فهذا معقول شرعاً وعرفاً (٣).
فأمّا التقدير - في الذِمَّةِ - فهو من التَرَّهاتِ الّتي لا حاجةَ في العقلِ والشرعِ
إليها.
المسألةُ الثانيةَ عشرةَ:
[ها هنا أبحاثٌ:
الأوّلُ(٤)]: العلّةُ قد يكونُ لها حكمٌ واحدٌ، وهو ظاهرٌ.
وقد يكون حكمها أكثرَ من واحدٍ ، وتلك الأحكامُ - إمّا أن تكونَ متماثلةً،
أو مختلفةً غيرَ متضادَّةٍ، أو مختلفةً متضادّةً.
فالأوّلُ - إمّا أن يكونَ في ذاتٍ واحدةٍ،
أو في ذاتين(*):
(١) لم ترد الزيادة في ح.
(٢) لفظ ح: ((حکم)).
(٣) ورد في ح فوق هذه الكلمة قوله: ((وعقلا)). كأنه مقابلة مع نسخة أخرى.
(٤) لم ترد الزيادة في ح، آ، جـ، ى. (*) آخر الورقة (١٥٦) من جـ.
- ٣٢٠ -