النص المفهرس
صفحات 281-300
الباب الثالث فيما يظن أنه من مفسدات العلة مع أنه ليس كذلك [و(١)] قبلَ الخوض في تلك الأشياء نذكر تقسيماتِ العلّةِ : التقسيمُ الأوّلُ: كلُّ حكمٍ ثبتَ في محلٍّ، فعلّةُ ذلك الحكم - إمَّ نفسُ ذلك المحلّ، أو ما يكونُ جزءاً من ماهيَّتِهِ وداخلاً فيه، أو ما يكونُ خارجاً عنه. والخارجُ: إِمَّا أن يكونَ أمراً عقلياً أو شرعيًّاً. أو عرفياً أو لغوياً. والعقليّ: إمّا أن يكون صفة حقيقيَّةً أو إضافيّةً أو سلبيّةً، أو ما يتركَّبُ من هذه الأقسام - وهي: الصفةُ الحقيقيّةُ مع الإضافيَّةِ، أو مع السلبيَّةِ (٢). (*) آخر الورقة (١٧٩) من س. (١) هذ الزيادة من ح، أ، جـ. (٢) زاد في جـ، آ: ((أو الإضافيّة مع السلب، أو الحقيقية مع الإضافة أو السلبية)). - ٢٨١ - مثال التعليل بالصفةِ الحقيقيّةِ(١) - فقط -: ((مطعومٌ فيكونُ ربوياً)). مثال الإضافيَّةِ(٢) - قولُنا: ((مكيلٌ فيكونُ ربويا)). مثال السلبيَّةِ - قولُنا في طلاق المكرَه: ((لم يرضَ به: فلا يقعُ)) .. مثال الحقيقيّة مع الإِضافيّةِ [قولُنا (٣)]: ((بيعٌ صدرَ من الأهلِ في المحلّ)). مثال الحقيقيَّةِ مع السلبيّةِ - قولُنا: ((قتلٌ بغير حقٍّ)). مثال الحقيقيَّةِ والإِضافيَّةِ والسلبيّةِ - معاً - قولُنا: ((قتلٌ عمدٌ عدوانٌ)). مثال الوصفِ الشرعيِّ - قولنا في المشاع: ((يجوزُ بيعُهُ فِتجوزُ هبتُهُ)). مثال العرفيّ - قولُنا في بيعِ الغائبِ: (إنه مشتملٌ(٤) على جهالةٍ مجتنبَةٍ في العرف» . . مثال الاسم - قولُنا في النبيذِ: ((أنَّه مسمَّى بالخمر: فيحرمُ - كالمعتصرِ من العنب». واعلم: أن التعليلَ بجزءٍ مسمَّى المحل - إن كانَ بعلَّةٍ قاصرةٍ: وجبَ أن يكونَ [بـ(٥)] الجزء الَّذي يمتازُ ذلك المحلُّ بهِ عن غيره، وأنْ لا يحصلَ الحكمُ في ذلك المشاركِ : فَتصيرُ القاصرةُ متعدِّية (*). (١) الحقيقيّ - هو ما يمكن تعقله من غير توقف على عرف، أو غيره، ولا بدّ أن يكون وصفاً ظاهراً منضبطاً: كالإِسكار بالنسبة للخمر راجع نهاية السول بتعليقات الشيخ بخيت: (٢٥٣/٤ و٢٥٤). (٢) والإضافيّ: ما يتعقل بالإِضافة إلى غيره كالأبوة؛ فإنه لا يمكن تعقلها إلى بتعقل البنوّة ومثال، الخارج العقليّ الإضافي: تعليل ولاية الإِجبار في النكاح بالأبوة، فإنها أمر خارج عن محل الحكم، وهي أمر إضافيّ المرجع السابق، أوهي: النسبة العارضة للشيء بالقياس إلى نسبة أخرى كما في تعريفات السيد (٢٣)، والمرصد الخامس من المواقف (١٧٧). (٣) هذه الزيادة من آ، ى. (٤) كذا في ح، آ، ى وفي غيرها: ((اشتمل)». (٥) لم ترد الیاء في ح، ی. (*) آخر الورقة (١٤٦) من جـ. - ٢٨٢ - وإن كانَ بعَّةٍ متعدِّيةٍ: وجبَ التعليلُ بالجزءِ الَّذي يشاركُ غيره، وإلّ لم توجد تلك العلَّة في غيره: فتصير العلّةُ المتعدِّيةُ قاصرةً (١). التقسيم الثاني: العلَّةُ والحكم - إمَّا أن يكونا ثبوتيَّيْن أو عدمَّيْن؛ وهذا القسمانِ لا نزاع في صحّتِهما. وإمَّا أن يكونَ الحكمُ ثبوتيّاً، والعلَّةُ عدميَّةً؛ وفيه نزاعٌ .. وإمَّا أن يكونَ الحكم عدمياً، والعلَّةُ ثبوتيَّةً؛ وهذا يسمِّيهِ الفقهاء [تعليلاً(٢)] بـ ((المانع)). واختلفوا في أنَّهُ هل من شرطِهِ - وجودُ المقتضي(٣)؟ التقسيمُ الثالثُ: العلَّةُ إِمَّا أن تكونَ فعلًا للمكلَّفِ: كالقتلِ الموجبِ للقصاصِ ، أو لا تکونَ : کالبكارة في ولايةِ الإِجبارِ عندنا. التقسيمُ الرابع : الوصفُ المجعولُ علَّةً - إمَّا أن يكونَ لازماً للموصوفِ: ككونِ ((البِّ) مطعوماً .. (١) العلة القاصرة - هي: التي لم تتجاور المحل الذي وجدت فيه سواء كانت منصوصة أو مستنبطة كتعليل حرمة الربا في النقدين بالجوهرية الثمنيّة. والعلة المتعدية هي : ما تجاوزت المحلّ الذي وجدت فيه إلى غيره كالإِسكار في الخمر والنبيذ، والطعم في المطعومات والقياس لا يتحقق إلا بالعلة المتعدية. وراجع المعتمد: (٨٠١/٢)، والمستصفى: (٣٤٥/٢)، والبرهان (١٠٩٠)، وشفاء الغليل: (٥٣٧)، وشرح الإِسنوي بتعليقات الشيخ بخيت: (٤ /٢٧٦)، وشرح المختصر: (٣٦٤/٢)، وشرح المسلّم: (٢٧٦/٢)، وشرح جمع الجوامع: (٢٥٧/٢)، والإِبهاج: (٨٩/٣) والروضة: (٣٢٠) ط الرياض والإِحكام: (٢١٦/٣). (٢) هذه الزيادة من آ، ى. (٣) أنظر مذاهبهم وأدلة كل منهم في هذه المسألة في نحو شرح الإِسنوي وبحاشيته الإِبهاج: (٩٢/٣). - ٢٨٣ - أو لا يكونَ(*) - فحينئذٍ: يكون متجدِّداً. وذلك المتجدِّدُ - إمّا أن يكونَ ضروريًّا(١) - بحسب العادة - وهو مثلُ انقلاب العصير خمراً، والخمر خلاً. أو لا يكونَ - وهو إمَّا أن [يكونَ(٢)] متعلقًاً باختيارِ أهلِ العرفِ(٣): ككون ((البر)) مكيلاً، أو باختيار الشخصِ الواحدِ: كالرِدَّةِ والقتلِ . التقسيمُ الخامس: العلَّةُ - إِمَّا أن تكونَ ذاتَ أوصافٍ، كقولنا: ((قتل عمدٌ عدوانٌ))، أو لا. تكونَ، كقولنا: ((التفاحُ مطعومٌ: فيكون ربوياً)». التقسيمُ السادس : العلَّةُ قد تكونُ وجهَ المصلحةِ: ككونِ الصلاةِ ناهيةً عن الفحشاءِ، وكونٍ الخمر موقعةً للبغضاءِ .. وقد تكونُ أمارةَ المصلحةِ: كما إذا جعلنا جهالَة أحدِ البدلين (٤) - عَّةً في فسادِ البيعِ ، مع أنَّا نعلمُ أنَّ فسادَ البيعِ - في الحقيقةِ (*) . - معلَّلَ بما يتبعُ الجهالة (٥) من تعذّرِ التسليمِ. ألا ترى أن جواز البيعِ ثابتٌ ــ حيثُ لا تمنعُ الجهالةُ من صحةً التسليمِ : كبيعَ صبرةٍ من الطعامِ - مشارٍ(٦) إليها - لصحَّةٍ تسليمها، وإن كانَ مجهولَ القدرِ. (*) آخر الورقة (١٤٣) من ح. (١) لفظ ى: ((مطعوم)). (٢) لم ترد في آ. (٣) لفظ ح: ((المكلف))، وهو وهم. (٤) لفظ ى: ((البدلين)) وهو تحريف. (*) آخر الورقة (١٣٦) من آ. (٥) أبدلت في ى بلفظ ((مع)). (٦) فيما عداح: ((المشار). - ٢٨٤ - التقسيمُ السابع : الوصفُ قد يعلمُ وجودُهُ - بالضرورةِ ككونِ الخمر مسكراً أو مطرباً؛ وذلك إمّا أن (*) يعلمَ - بالضرورةِ - كونُّهُ من الدينِ: ككون الجماع في نهارِ رمضانَ مفسداً للصوم. وقد لا يكون كذلك، وأمثلته ظاهرة. المسألةُ الأولى: اختلفوا في جوازِ التعليلِ بمحلّ الحكم : والحقُّ: أنّ العلَّةَ إِمَّا أن تكونَ قاصرةً أو متعدِّيّةً. فإن كان الأوّلَ: صح التعليلُ بمحلِّ الحكم - سواء كانت العلّةُ منصوصةٌ، أو مستنبطةً؛ لأنّه لا استبعادَ - في أن يقول الشارعُ: ((حرمت الرِّبا في البرِّ، لكونِهِ برًا)). أو يعرف كونُ ((البرِّ) مناسباً لحرمةِ الرِّبا؟ فإن قلتَ: لو كان محلُّ الحكمِ علَّةً للحكم - لكانَ الشيءُ الواحدُ فاعلاً وقابلاً - معاً - وهو محالٌ لوجهين: الأوَّلُ : أنَّ المفهوم من کونه قابلاً ۔ غیرُ المفهوم من کونه فاعلاً؛ ولذلك صحّ تعقُّلُ(١) كلّ واحدٍ - منهما - معَ الذهولِ عن الآخر؛ فهذان(*) المفهومان إمّا أن يكونا داخلين في ذلك الشيءٍ. أو خارجیْنِ عنه، أو أحدُهما داخلاً، والآخرُ خارجاً. فإن كانَ الأوَّل: كانَ ذلك الشيءُ مركَباً في نفسِهِ، والجزءُ الَّذي هو ملحوقُ (*) آخر الورقة(١٨٠) من س. (١) كذا في ى، وفي غيرها: ((أن يعقل)). (*) آخر الورقة (٩١) من ى. - ٢٨٥ - الفاعليَّةِ - غير الجزءِ الَّذِي هو ملحوقُ القابليَّةِ: فلا يكونُ الشيءُ الواحدُ قابلاً وفاعلاً. وإن كانِ الثاني: كانَ هذان الأمرانِ الخارجان عن تلك الماهيّةِ - لاحقين. لها، وكلُّ لاحقٍ (١) معلولٌ: فيعودُ الأمرُ في أنَّ المفهومَ من كونِ [تلك(٢)] الماهيَّةِ عِلَّةً لأحدِ الْلاَّحِقين - غيّرُ المفهومِ من كونِهِ علّةٌ [للَّحق(٣)] الآخر، ويكونُ الكلامُ في هذين المفهومَيْنِ - كما في الأوَّلِ: فيلزم التسلسلُ؛ وهو مَحَالٌ. وإن كانَ أحدُهما داخلاً في الماهيَّةِ، والآخرُ خارجاً عنها: لزمَ كونُ الماهِيَّةِ. مركّبةً؛ لأنَّ كلَّ ما لَه جزءً - فهو مركَّبُ، ولزمَ أن يكونَ إِمَّ الفاعليَّةُ أو القابليَّةُ جزءاً. من الماهيّةِ؛ وذلك محالٌ؛ لأنَّ الفاعليَّةَ والقابليّةَ نسبةٌ بين الماهِيَّةِ وبينَ غيرِها، والنسبةُ بينَ الشيءٍ و[بين (٤)] غيره - خارجةٌ عن الماهيّةِ، والخارجُ عن الشيءٍ لا يكون داخلاً فيه: فلا يمكنُ أن تكونَ القابليَّةُ أو الفاعليَّةُ داخلةً في الماهيَّةِ. الثاني : وهو: أنَّ نسبةَ القابلِ إلى(٥) المقبولِ - نسبةُ الإِمكانِ، ونسبةُ المؤثِّر إلى الأثر - نسبةُ الوجوب؛ فلو كانَ الشيءُ الواحدُ بالنسبةِ إلى الشيءِ الواحدِ - مؤثِّراً (٦) وقابلاً: لزمَ كونُ النسبةِ(٥) الواحدةِ موصوفةٌ بالوجوب وبالإِمكانِ - معاً . وهو محالٌ. (١) لفظ جـ: ((معلوم))، وهو تحريف. (٢) هذه الزيادة من ى. (٣) هذه الزيادة من ى، آ. (٤) لم ترد الزيادة في جـ، ى. (٥) في جـ: ((القاتل إلى المقتول)) وهو تحريف. (٦) راجع الإشارات: (٢١٥/١) بشرحي الإمام والطوسي، والمحصل (١٠٤)، والمباحث المشرقية: (٤٥٦/١) وما بعدها، والمواقف بشرح الجرجاني، وحاشيته: (١٣٤/٤ - ١٣٧) ومتن المواقف: (٨٧ - ٨٨)، وانظر شرح الإِسنوي وبحاشيته الإِبهاج. (٩٠/٣). (*) آخر الورقة (١٤٧) من جـ. - -٢٨٦ - قلت: قد بيَّنَّا - في كتبنا العقليّةِ - ما في هذين الوجهين: من المغالطةِ. وأمَّا إن كانتْ العلَّةُ متعدِّيةً - لم يصحّ أن يكونَ محلّ الحكمِ علَّةً للحكم ؛ لأنَّ العَّةَ المتعديةَ - هي الّتي توجدُ في غير موردِ النصِّ، وخصوصيّةُ موردٍ النصِّ - يستحيلُ حصولُها في غيرهِ؛ لأنَّ الشيءَ لا يكونُ نفسَ غيرِهِ. المسألةُ الثانية (١): الوصف الحقيقيُّ - إذا كان ظاهراً مضبوطاً: جاز التعليلُ بهِ(٢). أمّا الَّذي لا يكونُ كذلك، مثلُ الحاجة إلى تحصيلِ المصلحةِ، ودفع المفسدةِ - وهي التي يسمّيها الفقهاءُ بـ ((الحكمةِ)) - فقد اختلفوا في جوازٍ التعلیل بهِ . والأقربُ : جوازُهُ. لنا : [أنّا(٣)] إذا ظنّنًا استنادَ الحكمِ المخصوصِ في موردِ النص - إلى ((الحكمة)) المخصوصةِ ثمّ ظنًّّا حصولَ تلك الحكمة - في صورةٍ أخرى تولّد - لا محالةَ - من ذنيك الظنّين - ظنُّ(*) حصولِ الحكمِ في تلك الصورةِ؛ والعملُ بالظنِّ واجبٌ - على ما تقدم. فإن: قيلَ: لا نزاعَ في أنَّه لو حصلَ ظُّ تعليلِ الحكمِ - في الأصل - بتلك الحكمةِ، ثمّ حصلَ ظُّ حصولٍ تلك الحكمة - في صورة أخرى: أنّه (١) لفظ آ: ((الثالثة)). (٢) بالاتفاق، وذلك مثل قصر الصلاة المعلَّل بالسفر - المشتمل على حكمة رفع المشقة المظنونة، وتعليل وجوب الحد على الزاني بالزنى، وتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان . والحكمة المجردة في الأول المشقة، وفي الثاني : اختلاط الأنساب وفي الثالث: حفظ النفس. (٣) لم ترد الزيادة في ى. (*) آخر الورقة (١٤٤) من ح. - ٢٨٧ - ٠٠ يلزمُ حصولُ مثل(*) حكم الأصل(١) - في تلك الصورة الأخرى، لكنَّ النزاعَ. في أنَّ ذنيك الظنّين، هل هما ممكنا الحصولِ ، أم لا؟ وأنتم ما دَلْلتمُ على جوازهِ. ونحن نبيِّنُ امتناعَهُ من وجوهٍ : الأوّل : أنَّ الحكمَ إمّا أنْ يُعَلِّلَ بالحاجةِ المطلقةِ، أو [يعلِّل(٢)] بالحاجةِ المخصوصةِ . والأوّل باطلٌ؛ وإلّ لكانَ كلُّ حاجةٍ معتبرةً. والثاني - أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ الحاجةَ أمر باطنٌ فلا يمكنُ الوقوفُ على مقاديرها، وامتيازُ كلُّ واحدةٍ من مراتبِها - الَّتي لا نهايةَ لها - عن المرتبةِ (*) الأخرى، وإذا تعذّر تعيينهُ: تعذّر التعليلُ بذلك المتعيّن(٣). الثاني : لو صحَّ تعليلُ الحكمِ بالحكمةِ - لما صحَّ تعليلُه بالوصفِ؛ وتعليلُهُ بالوصف جائزٌ فتعلیله(٤) بالحكمةِ غیرُ جائٍ. بيانُ الملازمةِ : أنَّ شرعَ الحكم لا بدَّ وأن يكونَ لفائدةٍ عائدةٍ إلى العبدِ؛ لانعقادِ الإِجماع - على أنَّ الشرائعَ مصالحُ، إمّا وجوباً - كما هو قولُ المعتزلةِ. أو (٥) تفضلاً - كما هو قولنا. (*) آخر الورقة (١٨١) من س. (١) كذا في ح، ى، وفي النسخ الأخرى: ((ذلك الحكم)). (٢) لم ترد الزيادة في ح، أ. (*) آخر الورقة (١٣٧) من آ. (٣) لفظ ى: ((التعيين)). (٥) في ى: ((وإمّا)). (٤) في ح: ((فالتعليل)). - ٢٨٨ - ۔ وإذا كان كذلك: فالمؤثِّرُ الحقيقيُّ - في الحكم - هو الحكمةُ. أمّا الوصف - فليس بمؤثِّر - ألبتَّةَ - وإنَّما جعل مؤثراً لاشتمالِهِ على الحكمةِ - الَّتي هي المؤثّرةُ. إذا ثبتَ هذا - فنقولُ: لو أمكنَ استنادُ الحكمِ إلى الحكمةِ - [لما جازّ استنادُهُ إلى الوصفِ؛ لأنَّ كلَّ ما يقدحُ في استنادِهِ إلى الحكمةِ(١)] يقدحُ في استنادِهِ إلى الوصفِ؛ لأنَّ القادحَ - في الأصلِ - قادحٌ في الفرعِ . وقد يوجدُ ما يقدحُ - في الوصفِ، ولا يكونُ قادحاً - في الحكمة؛ لأنَّ القادحَ - في الفرع قد لا يكونُ قادحاً - في الأصلِ ، فاستنادُ الحكمِ الى الوصفِ - معَ إِمكانٍ استنادِهِ إلى الحكمةِ : تكثيرٌ لإِمكانِ الغلطِ - من غير حاجة إليهِ؛ وإنَّهُ لا يجوزُ. ولمّا رأينا أنَّهُ جازَ التعليلُ [بالوصفِ: علمنا أنَّهُ إنَّما جازَ - لتعذُّرِ التعليلِ بالحكمةِ. الثالثُ: لو جازَ التعليلُ(٢)] بالحكمةِ - لوجبَ طلبُ الحكمةِ، والطلبُ لها غيرُ واجبٍ: فالتعليلُ بها غيرُ جائٍ. بيانُ الملازمةِ: أنَّ المجتهدَ مأمورٌ بالقياس - عندَ فقدانِ النصِّ، ولا يمكنُهُ القياسُ إلا عندَ وجدانِ العلَّةِ، ولا يمكنُهُ وجدانُها إلّ بعدَ الطلب، وما لا يتمُ الواجبُ إلّا بِهِ، فھو واجبٌ. فإذن: طلبُ العَّةِ واجبٌ؛ وإذا كانت الحكمةُ علَّةٌ: كانَ طلبُها واجباً. بيان أَنّ طلبَ الحكمة غیرُ واجب أنَّ الحكمةَ لا تُعرف(*) إلّ بواسطةِ معرفةِ الحاجاتِ، والحاجاتُ أمورٌ باطنةٌ (١) ساقط من ی. (٢) ما بین المعقوفتین ساقط کله من ی. (*) آخر الورقة (٤٩) من ص. - ٢٨٩ - - لا يمكنُ معرفةُ مقاديرها إلّ بمشقَّةٍ شديدةٍ: فوجبَ أن لا تكونَ هذه المعرفةُ واجبةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(١). الرابعُ : أنَّ استقراءَ الشريعةِ - يدلُّ: على أنَّ الأحكامَ معلِّلةٌ بالأوصافِ، لا بالحِكم ؛ لأنَّا لو فرضنا حصولَ الأوصافِ الجليَّةِ: كالبيعِ والنكاحِ والهبةِ . عاريةً(*) عن المصالح: لاستندت الأحكام إليها. ولو فرضنا حصولَ المصالح - دونَ هذه الأوصاف: لم تثبت بها الأحكامُ الملائمةُ لها؛ وذلك يدلُّ - ظاهراً - على امتناع التعليل بالحكْمِ . الخامس : الدليلُ ينفي التمسُّكَ بالعلَّةِ المظنونةِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الثّنُّ إِثْمٌ﴾(٢) وقوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾(٣) خالفناهُ في الأوصافِ الجليَّةِ لظهورها، والحاجةُ ليست كذلك: فتبقى(٤) على الأصلِ . السادسُ : أنَّ الحكمةَ تابعةٌ للحكم ؛ لأنَّ الزجرَ تابعٌ لحصولِ القصاص ، وعلَّةِ الشيءٍ يستحيلُ تأخيرُها عن الشيءِ: فالحكمةُ لا تكونُ عَّةً للحكمِ (٥). [و(٥)] الجوابُ: قولُهُ: ((ما الدليلُ على جواز أن يحصلَ لنا ظنُّ أنَّ الحكمَ - في الأصل -. معلّلٌ بالحكمةٍ))؟ (١) الآية (٧٨) من سورة الحج. (*) آخر الورقة (١٤٨) من جـ. (٢) الآية (١٢) من سورة الحجرات. (٣) الآية (٢٨) من سورة النجم. (٤) لفظ س: ((فبقي)). (#) آخر الورقة (١٨٢) من س. (٥) هذه الزيادة من ى، أ. - ٢٩٠ - قلنا(١): لا نزاعَ - في أنَّ ((المناسبةَ(٢)) طريقُ كونِ الوصفِ علَّةً، والمعنيُّ بذلك: أنَّا نستدلُّ بكونِ الوصفِ مشتملاً على المصلحةِ - على كونِهِ علَّةً، فلا يخلو - إمّا أن يكونَ الدالُّ على علِّتِهِ(*): اشتمالُهُ على مطلَقِ المصلحةِ، أو اشتمالهُ على مصلحةٍ معيّنَةٍ . والأوّلُ باطلٌ؛ وإلّ لكانَ كلُّ وصفٍ مشتملٍ على مصلحةٍ - كيفَ كانت - علَّةً لذلك الحكمِ . ولمّا بطلَ القسمُ الأوَّلُ: تعيّن الثاني - فنقولُ: إمَّا أن يمكنَ الاطلاعُ على المصلحةِ المخصوصةِ أو لا يمكنَ. فإن امتنعَ الاطّلاعُ على المصلحةِ المخصوصةِ: امتنعَ الإِستدلالُ بكونٍ الوصفِ - مشتملاً عليها - على(*) كونِهِ [علَّةً(٣)]؛ لأنَّ العلمَ باشتمالِ الوصفِ عليها - موقوفٌ على العلمِ بها - وحيثُ [لم (٤)] يمتنع [هذا(٥)] الاستدلال: علمنا أنَّ الاطلاعَ على خصوصيَّتها - ممكنٌ . وبهذا الحرف - ظهرَ الجوابُ عن قولِهِ: ((المصالحُ أمورٌ باطنةٌ فلا يمكنُ الاطلاعُ عليها)» . قوله: ((لو جاز التعليلُ بالحكمةِ - لما جازَ التعليلُ بالوصفِ». قلنا: التعليلُ بالحكمةِ - [و(٦)] - إن كان راجحاً على التعليل بالوصفِ، من الوجه الذي ذكرت: فالتعليلُ بالوصفِ راجحٌ على التعليلِ بالحكمةِ من وجهٍ آخرَ - وهو سهولةُ الاطلاع على الوصفِ، وعسُر الاطّلاع على الحكمةِ، فلمَّا (١) في ١: ((قلت)). (٢) لفظ س: ((المناسبة)). (*) آخر الورقة (٩٢) من س. (*) آخر الورقة (١٤٥) من ح. (٣) لم ترد في ى، والعبارة وردت هكذا في جميع الأصول، ولعل الأنسب كان: ((يكون الوصف - مشتملاً عليها - علة)). (٤) سقطت الزيادة من ح، ى. (٥) انفردت بهذه الزيادة آ. (٦) زاد هذه الواوآ. - ٢٩١ - كانَ(*) كلُّ واحدٍ - منهما - راجحاً(١) من وجهٍ - مرجوحاً من وجهٍ آخرَ: حصل الاستواء . قولُهُ: ((لو صحَّ التعليلُ بالحكمةِ - لوجبَ طلبُها)». قلنا: نحنُ - وإن اختلفنا في جوازٍ تعليلِ الحكمِ ، لكنَّا اتَّفقنا على أنَّ كونَ الوصفِ علَّةٌ للحكمِ - معلَّلٌ بالحكمةِ؛ فإن لم يقتض (٢) ذلك وجوب طلب الحكمة: فقد بطلَ قولُك. وإن اقتضى(٣) وجوبَ طلبها: فقد بطلَ قولُك أيضاً ... قولُهُ: ((الاستقراءُ دلَّ على تعليل الأحكام(٤) بالأوصافِ، لا بالحكمة)). قلنا: لا نسلِّمُ: بل التعليلُ بالحِكْمِ (٥) حاصلٌ - في صورٍ كثيرةٍ - مثلٍ : التوسُّطِ في إقامةِ الحدِّ بينَ المهلكِ والزاجرِ. وكذا الفرقُ بين العملِ اليسيرِ والکثیر. قولهُ: ((النافي للقياسِ قائمٌ؛ تُرِكَ العملُ بهِ في الوصفِ لظهورِهِ)). قلنا: الحكمةُ علَّةٌ لِعلِّيَّةِ الوصفَ: فأولى أن تكونَ عَّةً للحكمِ . قوله : ((الحكمةُ ثمرةُ الحکمِ)). قلنا: في الوجودِ الخارجيِّ - لا في الذهن، ولهذا قيل: ((أوَّلُ الفكر آخرُ العمل)). نكتة أخرى في المسألةِ : الحكمةُ علَّةٌ لعلِّيّةِ العلَّةِ - فأولَى أن تكونَ علَّةً للحكمِ . (*) آخر الورقة (١٣٨) من آ. (١) زاد في غيرح، آ، ى: ((على الآخر). (٢) لفظ ى: ((تقنعني)). (٣) في ى: ((أقنعتني)). (٤) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((الحكم)). (٥) كذا في ح، وفي غيرها: ((الحكمة)). - ٢٩٢ - بيانه : أنَّ الوصفَ لا يكونُ مؤثِّراً في الحكمِ إلّا لاشتمالِهِ على جلبِ نفعٍ، أو دفع مضرَّةٍ، فكونُهُ علَّةً معلَّلٌ بهذهٍ(١) الحكمةِ؛ فإن(٢) لم يمكن العلمُ بتلك الحكمةِ المخصوصةِ: استحالَ التوصُّلُ(٣) بهِ إلى جعلِ الوصفِ علّةً. وإن أمكنَ ذلك - وهو مؤثّرٌ في الحكم ، والوصفُ ليسَ بمؤثّرٍ -: كانَ إسنادُ الحكمِ إلى الحكمةِ المعلومةِ - الَّتي هي (٥) المؤثّر [ة(٤)] - أولى من إسناده(٥) إلى الوصفِ الَّذي هو - في الحقيقةِ ليس بمؤثرِ(٦). (١) لفظ آ: ((بتلك)). (٢) أبدلت الفاء في ج بواو. (٣) لفظ ى: «بها)». (٤) لم ترد في جـ. (*) آخر الورقة (١٤٩) من جـ. (٥) في جـ: ((استناده)). (٦) تلخيصاً لما تقدم وإيضاحاً له - نقول: الحكمة - هي الأصل والوصف الفرع؛ لأنّ المطلوب بالذات - هو المصلحة، أو دفع المفسدة، والوصف مطلوب بالعرض، لاشتماله عليها، والقدح في الأصل قدح في الفرع. وقد اتفقوا على جواز التعليل بالوصف الحقيقيّ الظاهر المنضبط: كالبيع والإجارة والقراض والسرقة والغصب والزنى وغير ذلك. واختلفوا في التعليل بالحكمة على مذاهب ثلاث - هي أولاً: جواز التعليل بها مطلقاً. وهو اختيار المصنف. ثانياً: لا يجوز التعليل بها مطلقاً. ثالثاً: يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة. وهو اختيار الآمدي، وابن الحاجب. ولكل من المذاهب الثلاث أدلّته وعلى الأدلة موانع ونقوض واعتراضات وعلى الموانع والنقوض والاعتراضات إجابات ولقد أطالوا وأطنبوا في ذلك كثيراً حتى قال بعض الذين منعوا التعليل بالحكمة: ((يلزم من اعتبار الحكمة أنه إذا أكل إنسان قطعة من لحم امرأة أنها تحرم عليه، لأنها أمّه، وكذلك إذا سرق إنسان صبياناً وغيبهم حتى جهلت أنسابهم واختلطت أن يجب عليه الرجم)) وهذا هذيان لا يليق فما إلى هذا رمى القائلون بالتعليل بالحكمة وفي مقدمتهم الإِمام المصنف، بل أرادوا: أنه إذا وجد بين صورتين قدر مشترك من المصلحة الداعية إلى الحكم بحيث يمكن إضافة الحكم إلى جملة المصالح النوعية - جاز ذلك وذلك كالتعليل بدفع حاجة الفقير فإذا وجدنا صورتين مثلاً يمكن أن نجمع بينهما بهذه الحكمة فإنه يمكن اعتبارها مسمّى المصلحة وفي هذه الحالة لا تنقضُ مثل هذه الحكمة بوجود المسمّى منفكاً عن الحكم في بعض الصور لأن تلك الجملة = - ٢٩٣ - المسألةُ الثالثة : المعلِّلونَ بالحكمةِ لمَّا قيلَ لهم: إنَّ الحكمةَ مجهولَةُ القدرِ؛ فإنَّ حاجةً الإِنسانِ في مبدأ زمانِ الجوع ، دونَ حاجتِهِ في مقطعِ زمانِ الجوع، ولمَّا كإنّ الغالبَ فيها التفاوتُ: لم يكنَ القدرُ الموجودُ - في الأصلِ - ظاهِرَ الوجودِ - في الفرعِ -: فلم يصحَّ القياسُ. فمن الناس من أجابَ عنه(*): بأنّا نعلّلُ بالقدرِ المشتركِ - بين الصورتين - لأَنَّهُ حصلَ - في الأصلِ - قدرٌ معيَّنٌ من المصحلةِ، وفي الفرع - قدرٌ معيَّنْ، وكلُّ مقدارينْ - فلا بدَّ وأَن يكونَ - بينهما - اشتراك في قدرٍ معيَّنِ، وذلك القدرُ المشتركُ - يناسبُ التعليلَ به، لكونها مصلحةٌ مطلوبةً الوجودِ. فإذا قيلَ لهم: إنَّهُ ينتقضُ بالحاجةِ الفلانيَّةِ، فإنّها غيرُ معتبرةٍ - قالوا: نحن إنَّما علَّلْنَا بالقدرِ المشتركِ - بينَ الأصلِ والفرع، ونحن لا نسلِّمُ أنَّ ذلك القدرَ المشتركَ - حاصلٌ في صورةِ النقضِ . واعلم: أنَّ هذا الكلامَ ضعيفٌ، وذلك لأَنَّهُ يحتمِلُ أن لا يكونَ بِيْنَ [القدر (١)] المشتركِ - الحاصل في الأصل، والحاصل في الفرع - اشتراك إلّ في مسمّى كونِهِ مصلحةً، والتعليلُ بهذا المسمّى غيرُ ممكنٍ، وإلّ حصل = من المصالح - لا تكون موجودة في صورة النقض. وقال النقشوانيّ: ((العلة - في الحقيقة - الحكمة لكنها إنّما تنضبط بمقاديرها وإنّما يضبط ذلك الوصف، فكون الوصف علة في الشرع معناه: أنه علامة للحكمة ودليل عليها، فالحكمة هي العلّة الغائّة الباعثة للفاعل، والوصف - هو المعرّف، فإذا قلنا: في الشرع علل معرّفة زيد بذلك الوصف المعرّف العلة الحقيقيّة المؤثرة)) انظر النفائس: (١٠٦٣ - ب)، والكاشف: (٣٠٩/٣ - ٣١٠) - آ)، وراجع المسألة في شرح الإسنوي وبحاشيته الإبهاج: (٩٠/٣)، وتيسير التحرير: (٣٠٢/٣ و٣٠٩)، وجمع الجوامع بشرح الجلال: (٢٣٨/٢)، وشرح المختصر: (٢١٣/٢)، والإِحكام (٢٠٢/٣) ط الرياض، والحاصل (٨٦٥). (*) آخر الورقة (١٨٣) من س. (١) لم ترد الزيادة في ى. - ٢٩٤ - النقضُ بجميعِ المصالحِ المنفكّةِ عن هذا الحكمِ . وأمَّا الاشتراكُ بينَ القدرينِ - في أمرٍ آخرَ وراءَ عمومٍ كونِهِ مصلحةٌ - فغيرُ معلومٍ ولا مظنونٍ؛ وإذا كانَ وجودُهُ غيرَ ظاهرٍ: لم يكن التعليلُ بهِ ظاهراً(١). المسألةُ الرابعةُ: يجوزُ التعليلُ بالعدمِ : خلافاً لبعض الفقهاءِ(٢). لنا: أنّه قد يحصل دوران الحكم مع بعض العدمات(٣)، والدورانُ يفيدُ ظنَّ العَلِيَّةِ(٤) والعملُ(٥) بالظنِّ - واجبٌ. احتجُّوا على أنَّ العدمَ لا يصلحُ للعلِيَّةِ - بوجوهِ(٦): أحدها: أنَّ العلِيَّةَ مناقضةٌ للَّعلِّيَّةِ - المحمولةِ على العدمِ، فَالْلاعلِّيَّةُ عدميّةٌ والعلِّيَّةُ (٧) ثبوتيَّةٌ، فلو حملناها على العدم [المحض(٨)]: كانَ النفيُّ المحضُ (١) نقل الأصفهاني عن صاحب التلخيص قوله: ((ما ذكره المصنف - في هذه المسألة - مناقض لما سبق من كلامه))، وقد دفع الأصفهانيّ التناقض المشار إليه. فراجع ذلك كله في الكاشف: (٣ /٣١٠ - ب - ٣١١ - آ). (٢) والأصوليّن ومنهم الأمديّ على ما في الإحكام: (٢٠٦/٣) ط الرياض، وابن الحاجب على ما في شرح المختصر (٢١٤/٢)، والتبريزي على مافي الكاشف (٣١١/٣-٢). (٣) مثال ذلك أن يقال: ((عدم السبب الشرعيّ - الناقل للملك - موجب لحرمة الانتفاع بما وضعت اليد عليه بالدوران، والدوران يفيد ظنّ العليّة)). (٤) اعترض صاحب التنقيح على قول المصنف: ((بإفادة الدوارن لظن العلّية))، واعتبر قوله هذا باطلاً لأوجهٍ ذكرها، وقد رد الأصفهانيّ على صاحب، التنقيح، ورماه بالجهل والقصور عن فهم كلام المصنف. فانظر الكاشف: (٣١١/٣ - ب - ٣١٢). (٥) عبارة جـ، ى، س: ((والظن واجب العمل به)). (٦) في غيرح: ((بأمور)) . (٧) لفظ ى: ((والعلة)). (٨) لم ترد الزيادة في جـ. - ٢٩٥ - موصوفاً(*) بالصفةِ الوجوديَّةِ . ولو جوَّزناً ذلك - لما أمكننا أن نستدلَّ بكونِ الجدارِ وكثافتِهِ، وحصوله في الحَيِّزِ - على كونِ الموصوفِ بهذه الصفاتِ موجوداً. وهو سفسطةٌ. وثانيها : أنَّ العلَّةَ لا بدَّ وأن تتميّزَ عمَّا ليسَ بعلَّةٍ - سواءٌ أريد بها ((المؤثِّر)) أو ((المعرِّفُ)) أو ((الداعي)؛ والتمييزُ عبارةً: عن كونِ كلِّ واحدٍ من المتميِّزین مخصوصاً - في نفسِهِ ـ بحيثُ لا يكونُ تعيُّنُ هذا حاصلًا لذلك، ولا تعيُّنُ ذلك حاصلاً لهذا. وهذا(١) غير معقول - في العدم الصرفِ؛ لأنه نفيّ محضٍّ، ولأنه لو جاز وقوع التمييز فيه - لجاز ((المؤثّر [في العالم(٢)] عدمٌ صرفٌ))، لست أقولُ. ((ذاتٌ معدومةٌ)) - على ما ذهبَ إليهِ القائلون بأنَّ المعدومَ شيءٌ، لأنَّ ذلك. عندهم - ثابتٌ، بل الإِلزامُ أن نجعلَ النفيَ المحضَ - الّذي لا يكونُ ذاتاً ولا عيناً(*)، ولا أمراً من الأمورِ - مؤثراً في العالم ، وذلك ممّا يسدُّ بابَ إثباتٍ الصانع - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وثالثُها: أنَّ العِدمَ إِمَّا أن يكونَ عارياً عن النسبةِ - من كلُّ الوجوهِ - أو لا يكونَ. فإن كان الأوّلَ: لم يكن له اختصاصٌ بذاتٍ دون ذاتٍ، وبوقتٍ دون وقتٍ - فلا يجوزُ جعلُهُ علَّةً لحكمٍ معيَّنٍ - في وقتٍ معيَّنٍ، و[في (٣)] شخصٍ معيَّنٍ. وإن كان له انتسابُ بوجهٍ(٤) ما، كان ذلك الانتسابُ أمراً ثبوتياً ضرورةً كونه نقيضاً للانتساب، فيلزمُ وصفُ العدمِ بالوجودِ. وهو محالٌ. (*) آخر الورقة (١٤٦) من ح. (١) كذا في ح، آ، ى. وفي غيرها: ((وهو)). (٢) سقطت الزيادة من جـ، ل. (*) آخر الورقة (١٣٩) من آ. (٣) لم ترد الزيادة في ح. (٤) كذا في ى، ولعله الأنسب، وفي غيرها: ((من وجه)). - ٢٩٦ - ورابعُها: أنَّ المجتهدَ إِذا بحثَ عن علَّةِ الحكمِ : لم يجبْ عليه سبرُ الأوصافِ العدميَّةِ؛ فإنَّها غيرُ متناهيةٍ - معَ أنَّهُ يجبُ عليهِ سبرُ كلٌّ وصفٍ يمكنُ كونُهُ علّةً، وذلك يدلُّ على أنَّ الوصفَ العدميَّ - لا يصلحُ للعلِّيَّةِ. وخامسها : قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسْنِ إِلَّ مَا سَعَى﴾(١) والعدمُ نفيٌ محضُ فلا يكونُ من سعيهِ: فوجبَ أن لا يترتَّبَ(*) عليه حكمٌ؛ فإنّ كلَّ حكمٍ يثبتُ - فإنَّهُ يحصل للإِنسانِ بسبِهِ إمّا جلبُ منفعةٍ، أو دفعُ مضرَّةٍ. فثبتَ(*) أنَّ الوصفَ العدميَّ - لا يمكنُ أن يكونَ علَّةً(٥). فإن قلتَ: الامتناعُ عن الفعلِ عدمٌ، مع أنَّهُ قد يكونُ مأموراً بِهِ، ويكونُ منشأً للمصالح و[دفع(٢)] المفاسد. قلتُ: الامتناعُ عن الفعل عبارةٌ: عن أمرٍ يفعلُهُ الإِنسانُ، فيترتَّبُ عليهِ عدمُ ذلك الشيءِ: فثبتَ أنَّ الامتناعَ ليسَ عدماً محضاً. [و(٣)] الجوابُ عن الأُوَّلِ : ما ذكر تموه من الدلالةِ: على أنَّ العلِّيَّةَ صفةٌ ثبوتيَّةٌ - معارضٌ بدليلٍ آخرَ، وهوَ: أَنَّها لو كانتْ ثبوتيَّةً - لكانتْ من عوارضٍ ذاتِ العلَّةِ، فكانتْ مفتقرةً إلى تلك الذاتِ، وكانت (٤) ممكنةٌ، وكانت (٤) مفتقرةً إلى العِلَّةِ: فكانت علِّيَّةُ العلّةِ (١) الآية (٣٩) من سورة النجم. (*) آخر الورقة (١٨٤) من س. (*) آخر الورقة (١٥٠) من جـ. (*) آخر الورقة (٩٣) من ی. (٢) سقطت الزيادة من ح، آ، ص، ى. (٣) لم ترد الواو في آ. (٤) في ح أبدلت الواو بفاء في الموضعين . - ٢٩٧ - لتلك العلَّةِ (١) زائدةً عليها، ولزمَ التسلسلُ(٢). وعن الثاني : نسلِّمُ أَنَّهُ لا بدّ وأن تكونَ العلَّةُ متميّزةً عما ليسَ بعلَّةٍ، لكن لا تسلّمَ أنَّ التميُّزَ يستدعي كونَ المتميِّزِ ثبوتياً؛ فإنَّ عدمَ أحدِ الضدينِ عن المحلِّ - يصحُّحُ حلولَ الضدِّ الآخرِ فيهِ، وعدمُ ما ليسَ بضدٍّ ليسَ كذلك. وأيضاً: عدمُ اللازمِ يقتضيِ عدم الملزومِ ، وعدمُ ما ليسَ بلازمٍ - لا يقتضي ذلك: فقد حصلَ الامتيازُ في العدماتِ(٣). وعن الثالث : أنَّ العَلَّةَ عدمٌ مخصوصٌ . قوله: ((فالخصوصيّةُ صفةٌ قائمةٌ بالنفي المحضِ )). قلنا: لا نسلِّمُ أنَّ الخصوصيَّةَ أمرٌ ثبوتيٍّ؛ فإِنَّها لو كانت أمراً ثبوتياً - لكانت في نفسِها أمراً مخصوصاً: فلزمَ (٤) التسلسلُ. وعن الرابعِ : لا نسلِّمُ أنَّ المجتهدَ لا يبحثُ - في السبر والتقسيمِ - عن الأوصافِ العدميَّة . . (١) لفظ ى: ((العلّية)». (٢) لإيضاح كلام المصنف نقول: ((العلّية من ذات العلة فليست عينها، ولا عارضاً من عوارضها الزائدة عليها، وهي من الممكنات المضافة إلى قدرة الله تعالى، والله تعالى - في ذاته - ليس عِلّة ولا محتاجاً إلى علة: فلا يلزم التسلسلُ)) راجع الكاشف: (٣١٣/٣ -آ). والنفائس: (١٠٨/٣ - آ). (٣) كذا في ح، ى، وهو المناسب، وفي غيرهما: ((العدميّات)). (٤) لفظ آ؛ ((فيلزم)). - ٢٩٨ - سلّمنا ذلك؛ لكنَّ إسقاطَ ذلك التكليفِ لتعذُّرِهِ: فإنَّ العدماتِ(١) غيرُ متناهيةٍ . وعن الخامس : : أنَّا نعلمُ - بالضرورة - كونَنَا مكلِّفين بالامتناع: فدلَّ على أنَّ العدمَ قد يكونُ متعيناً. [قولُهُ: ((الامتناعُ عبارةٌ عن فعل(٢)] يترتَّبُ عليهِ(٣) العدمُ)). قلنا: لو كانَ الامتناعُ (٤) - عبارةً: عن فعل يترتَّبُ عليه العدمُ - لكانَ الممتنعُ عن الفعل - فاعلاً؛ وذلك محال. المسألةُ الخامسةُ : للمانعين من التعليل بالعدم ، أن يمنعوا من التعليل بالأوصاف الإضافيّة - محتجِّينَ: بأنَّها عدمٌ، والعدمُ لا يكونُ علَّةً. [و (٥)] إنَّما قلنا: إنَّها عدمٌ؛ لأنّ مسمّى ((الإِضافةِ)) ليسَ أمراً وجودیًا؛ [وإذا لم يكن المسمَّى وجوديًا - امتنعَ أن يكونَ شيءٌ من (*) الاضافاتِ المخصوصة أمراً وجودیاً. وإنّما قلنا: إنَّ مسمَّى ((الإِضافة)) ليس أمراً وجودياً(٦)] لأنَّه لو كانَ هذا المسمَّى وجوديًّاً - لكان أينما حصل هذا المسمَّى كان وجودياً. فإذا فرضنا في إضافة مَّا كونَها أمراً وجودياً: كانت - لا محالة - صفةً لمحلّ، (١) كذا في ح، آ، ى وفي غيرها: ((العدميّات)). (٢) ساقط من ی. (٣) زاد في ح، آ: ((ذلك)). (٤) زاد في غير ص، ح: ((عن الفعل)). (٥) هذه الزيادة من ى، آ. (٦) ما بين المعقوفتين قد سقط كله من جـ، ل، والعلامة (*) لآخر الورقة (١٤٧) من رح، وكلمة ((الإِضافات)) من ص، ولفظ غيرها: ((الأوصاف))، وكلمة ((أمراً)) بعدها لم ترد في ص. - ٢٩٩ - فكانَ حلولُها - في ذلك المحلِّ -: إضافةً بينها وبين ذلك [المحل(١)]: فكان مسمّى ((الإِضافةِ)) حاصلاً في حلول تلك ((الإِضافةِ)» في ذلك المحل . وإذا(٢) كانَ ذلك المسمَّى أمراً وجودياً - كانت إضافةُ الإِضافةِ أمراً وجودياً زائداً على الإِضافة إلى غير نهاية (٣). [فثبتَ: أنَّ مسمَّى ((الإِضافةِ)) يمتنعُ أن يكونَ وجودياً(٤)]. وإذا(*) ثبت ذلك وجبَ أنْ لا يكونَ شيءٌ - من الإضافات (٥) المخصوصةِ وجودياً؛ لأنَّ ((الإِضافة المخصوصةَ)) ماهيّةٌ مركّبةٌ: من ((الإِضافة))، ومن (الخصوصيّةِ))، فلو كانت أمراً(٦) وجوديّاً(*) - لكان الوجودُ(٧) إِمَّا قيدَ الإِضافةِ، أو قيدَ الخصوصيةِ . والأوّل باطلٌ؛ لما تقدَّم . والثاني - أيضاً - باطلٌ ؛ لأنّ خصوصيّةَ الإِضافةِ - صفةٌ للإضافةِ(*) فلو كانت الخصوصيّةُ أمراً ثبوتياً: لزمَ حلول الوجودِ في النفي المحض؛ وهو(٨) محالٌ .. فثبت: أنَّ سائرَ(٩)، الإِضافات - يمتنعُ أن يكون موجوداً (١٠؟ فهو معدومٌ، والتعليل بالعدم(١١) غير جائزٍ على ما تقدم. (١) لم ترد الزيادة في ح. (٢) في غيرح: ((ف)). (٣) لفظ ح، جـ: ((النهاية)). (٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ص، ل. (*) آخر الورقة (١٤٠) من آ. (٥) لفظ آ: ((الإضافة)). (٦) زاد في ی: ((لا یکون)). (*) آخر الورقة (١٨٥) من س. (٧) في ح، جـ: ((الوجوب)). (*) آخر الورقة (٥٠) من ص. (٨) في غيرح: ((وإنّه)). (٩) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((شيئاً». (١٠) لفظ آ: ((وجوباً». (١١) في غيرح: ((بالمعدوم)). - ٣٠٠ -