النص المفهرس

صفحات 261-280

الفصل الثاني
في عدم التأثير
وهو: عبارةً عمّا إذا كانَ الحكمُ يبقى - بدونِ ما فرِضَ علَّةٌ له.
وأمّا ((العكسُ)) - فهو أن يحصلَ مثلُ ذلك الحكم - في صورة أخرى،
لعلّةٍ (١) تخالفُ العلَّةَ الأولى.
إذا عرفتَ هذا - فنقول:
الدليل على أنَّ عدمَ التأثيرِ - يقدح في [كونِ الوصفِ علَّة(٢) - هو]: أنّ
الحكمَ لمَّا بقيَ بعدَ عدمِهِ، وكانَ موجوداً قبلَ وجودِهِ: علمنا استغناءهَ عنه،
والمستغنى عن الشيء لا یکون معلّلاً به.
واعلم: أنَّ هذا حقَّ - إذا فسَّرنا العلَّةَ بـ ((المؤثِّر)).
أمّا إذا فسَّرناها: ب ((المعرُّفِ)) - فلا؛ لجوازٍ أَنَّ(٣) كونَ الحادثِ معرِّفاً
لوجودِ ما كانَ موجوداً - قبلهُ - ويبقى موجوداً - بعده -: كالعالَمِ مع الباري تعالى.
[ وأمَّا (٤)] أنّ العكسَ غيرُ واجبٍ - في العملِ - فهو قولُنا، وقولُ المعتزلةِ.
وأمّا أصحابُنا - فإنَّهم أوجبوا ((العكسَ)) في العلّل(٥) العقليّة، وما(٦) أوجبوا
في العلَلِ الشرعيَّةِ.
(١) في غيرح: ((بعلّة)).
(٢) سقط ما بين المعقوفتين من ى، وورد بدله: ((العلة و)).
(٣) عبارة ل: ((فلا يجوز أن يكون)).
(٤) سقطت الزيادة من ى.
(٥) في غيرى: ((العلة)).
(٦) لفظ ى: ((كما)).
- ٢٦١ -

والدليلُ على عدمٍ وجوبِهِ - في العلل العقليّة -: أنَّ المختلفين يشتركانِ
في كون كلُّ واحد - منهما - مخالفاً للآخر، [وتلك المخالفةُ - من لوازم
مَاهِيَّتِهِمَا، واشتراكُ اللوازمِ مع اختلافِ (٤)] الملزوماتِ - يدلُّ على قولِنا.
والّذي يدل على جواز ذلك - في العللِ الشرعيَّةِ -: أنَّا سنقيمُ الدلالةَ على
جوازٍ تعليلِ الأحكامِ المتساوية - بالعِلَلِ المختلفةِ - في الشرعيَّاتِ؛ وذلك
يوجبُ القطعَّ - بأنَّ العِكسَ)) غيرُ معتبرٍ.
(١) ساقط من ل.
- ٢٦٢ -

الفصل الثالث
في القلب
[وفيه مسائل :
المسألةُ الأولى:
في حقيقته(١)]:
وحقيقته: أن يعلّق على العلَّةِ - المذكورة في قياسٍ - نقيضُ الحكمِ
المذكورِ فيه، ويردُّ إلى ذلك الأصلِ - بعينِهِ .
وإنَّما شرطنا اتِّحادَ(٢) الأصل، لأنَّهُ لو ردًّ إلى أصلٍ آخر - لكان(٣) ذلك
الأصلُ الآخرُ - إمّا أن يكونَ حاصلًا في الأصلِ الأوَّلِ .
أو لا یکونَ :
فإن كانَ الأوَّلَ -: كان ردُّه إليهِ أولى؛ لأنَّ المستدلَّ لا يمكنُهُ منعُ وجودِ تلك
العلَّةِ فيهِ، ويمكنُهُ منعُ وجودها في أصلٍ آخرَ.
وإن كان الثاني: كان أصلُ القياسِ الآخرِ (٤) نقضاً على تلكَ العلَّةِ لأنَّ ذاك
الوصف حاصلٌ فیه - مع عدمٍ ذلك الحكم .
المسألةُ الثانيةُ :
منهم من أنكرّ إمكانه لوجهين :
(١) ساقط من جـ، ل، ی.
(٢) في ل: ((إيجاد)).
(٣) زاد في ى: ((حكم)).
(٤) عبارة ل، ى: ((فإن أصل القياس الأول))، وفي جـ نحو ما أتينا غير أنه أبدل لفظ
((الآخر)» بالأول.
- ٢٦٣ -

الأوّل :
أنَّ الحكمَ الَّذي علَّقه القالبُ على العلَّةِ - لا بدَّ وأن يكون مخالفاً للحكمِ
الَّذي علَّقه القائس(١) عليها؛ وإلّ لما كانَ إلّ تكريراً في اللَّفِظِ .
ثمّ [إِنَّ(٢)] ذينك الحكمين - إمّا أن يمكنَ(*) انتماعُهما، أو لا يمكن:
فإن كان الأوَّلَ: لم يقدح(*) ذلك في العلَّةِ؛ لأنَّه لا امتناعَ في أن يكونَ للعلَّةِ
الواحدة حكمان غيرُ متنافيين .
والثاني محال؛ لأنَّا بَيْنًا: أنَّ الأصلَ - الذي يردُ إليهِ القالبُ والقائسُ لا بدَّ
وأن يكونَ واحداً، والصورةُ الواحدةُ يستحيلُ أن يحصلَ فيها [حكمان(٣)]
متنافيان .
الثاني :
أنَّ العلَّةَ المستنبطةَ لا بدّ وأن تكونَ مناسبةً للحكم ، والوصفُ الواحد
يستحيلُ أنْ يكونَ مناسباً لحكمين متنافيين(٤).
[و (٥)] الجوابُ (*) عن الأَوَّلِ :
أنَّ ها هنا احتمالاً (٦) آخر®» ۔ وهو: أن لا یکون الحکمان متنافیین - فلا
جرم - يصحُّ حصولُهما في الأصلِ، لكن دلَّ [دليلٌ منفصلٌ(٧)] على امتناع
اجتماعِهما - في الفرع، فإذا بيَّنَ القالبُ: أنَّ الوصفَ الحاصلَ في (*) الفرع -
(١) في ل: ((القياس)).
(٢) سقطت الزيادة من ل، ى، ولم ترد في جـ، أيضاً. وما بعدها جاء بصيغة الرفع:
«ذانك الحكمان».
(*) آخر الورقة (١٣٩) من ح.
(*) آخر الورقة (١٤٢) من جـ.
(٣) لم ترد الزيادة في ح.
(٤) كذا في ح، وهو الصحيح، ولفظ غيرها: ((متناقضين)).
.(٥) هذه الزيادة من ح، جـ، ى.
(*) آخر الورقة (١٣٥) من ل.
(٦) لفظ ل: ((احتمالات)).
(*) آخر الورقة (٨٨) من ی.
(٧) أبدلت في ى يلفظ ((الدليل)).
. (*) آخر الورقة (١٧٥) من س.
- ٢٦٤ -

ليسَ بأن يقتضي أحدَ الحكمين أولى من الآخر: كانَ الأصلُ شاهداً لهما
بالاعتبارِ؛ لما بيِّنَّا(١): أنَّه لا منافاة - بينهما - في الأصلِ.
:
ويقتضي امتناعَ حصولٍ (*) الحكم - في الفرع - لما أنَّه ليسَ حصولُ
أحدِهما أولى من الآخرِ، وقد قامت الدلالةُ على امتناع حصولهما - في الفرع.
وهذا الكلام - كما أنَّهُ جوابٌ عن شبهةِ المنكرِ(٢)، فهو دليلٌ [ابتداءً(٣)]
[على(٤)] إمكانِ القلبِ.
وعن الثاني :
أنَّ المناسبةَ قد لا تكونُ حقيقيّةً؛ [بل إقناعيَّةً، فبالقلب ينكشفُ أنّها ما
كانت حقيقيّة(٥)].
المسألةُ الثالثةُ :
القلبُ معارضةٌ، إلّ في أمرين:
أحدهما:
أنَّه لا يمكنُ فيه الزيادةُ - في العلَّةِ، وفي سائرِ المعارضاتِ يمكنُ(٦).
(٧) الثاني:
أنَّهُ لا يمكنُ منعُ وجودِ العَّةِ - في الفرعِ والأصل ؛ لأنَّ أَصَلَهُ وفرعَهُ - هو
أصلُ المعلِّلِ وفرعُهُ. ويمكنُ ذلك في سائرِ المعارضاتِ.
وأمّا فيما وراءَ هذين الوجهين - فلا فرقَ بينَهُ وبِينَ المعارضةِ .
فعلى هذا: للمستدل أن يمنعَ حكمَ القالبِ - في الأصلِ - وأن يقدحَ في
(١) في غيرح: «بيِّنَاه)).
(*) آخر الورقة (١٣٢) من آ.
(٢) لفظ آ: ((المنكرين)).
(٣) هذه الزيادة في ح.
(٤) لم ترد الزيادة في ى.
(٥) ساقط من ى.
(٦) لفظ ى: ((ممكن)).
(٧) زاد في آ، ی: ((و).
- ٢٦٥ -

تأثير العلَّةِ فيه بالنقض ، وعدم التأثير، وأن يقول بموجَبهِ إذا أمكنهَ - بيانُ أنَّ
اللازمَ من ذلك القلب لا ينافي حكمَهُ، وأن يقلبَ قلبَهُ - إذا لم يكن قلبُ القالبُ
مناقضاً(١) للحكم، لأنَّ قلبَ القالبِ - إذا فسدَ بالقلبِ الثاني: سلِمَ أصلُ
القياسِ من القلب.
المسألةُ الرابعة:
القالبُ إمَّا أن يذكر القلب لإِثباتِ مذهبه أو لإبطالِ مذهب خصمه (٢).
والأولُ مثلُ - أن يقولَ الحنفيُّ في أنَّ الصومَ شرطٌ في صحَّةِ الاعتكافِ:
((لبثُ مخصوصٌ (٣)، فلا يكونُ بدونِ الصومِ قربةً: كالوقوف بعرفةً)»، فيقولُ
القالبُ: ((لبثٌ مخصوصٌ (٣)، فلا يعتبرُ الصومُ في كونِهِ قربةً: كالوقوفِ بعرفةً»؛
فالحكمانِ المذكورَانِ . - في الأصلِ والقلبِ - لا يتنافيَانِ - في الأصل،
ويتنافيانِ - في الفرعِ .
وأما الثاني :
فإِمَّا أن يدلَّ القالبُ على فسادٍ مذهبهِ - صريحاً، أوضمناً - وهو أن يدلَّ
على فساد لازمٍ من لوازم مذهب الخصمِ ..
مثال الأوّل :- قول الحنفيٍّ في المسحِ : ((ركنٌّ من أركانِ الوضوءِ، فلا
يكتفى فيه بأقل ما (٤) يقعُ (٥) عليهِ الاسمُ: كالوجهِ))، فيقولُ القالب: ((فوجبَ أن
لا يتقدَّرَ الفرضُ فيهِ بالربعِ : كالوجهِ))؛ وهذانِ الحكمانِ لا يتناقضان في
ذاتيهما(٦)؛ لأنَّهما حَصَلا في الوجهِ، ولكن(*) يتنافيان - في الفرع - بواسطةٍ
اتّفاق الإِمامین
(١) عبارة ل: ((إذا لم يقلب القالب لزمنا قضاء الحكم)).
(٢) لفظ : ((الخصم)).
(٣) لفظ ى ((محض)) في الموضعين.
(٤) لفظ ل: ((مما)).
(٥) في ى: ((يسمّى)).
(٦) لفظ ص، ى: ((لذاتيهما)).
(*) آخر الورقة (٤٧) من ص.
- ٢٦٦ -

مثال الثاني - قولهم في بيع الغائب: ((عقدُ معاوضةٍ، فيعقدُ مع الجھلِ
بـ [الـ(١)] -عوض كالنكاح»،
فيقولُ القالبُ: ((فلا يثبتُ فيه خيارُ الرؤيةِ: کالنكاح ؛ ویلزمُ من فسادِ خيار
الرؤيةِ - فساد البيعِ))؛ وهذان الحكمانِ غير متنافيين - في الأصلِ - لأنّهُ اجتمعَ
في النكاحِ الصحَّة وعدمُ الخيارِ، لكن لا يمكنُ اجتماعُهما في الفرع .
وقال بعضُهم: هذا النوعُ من القلب (٢) - غيرُ مقبولٍ؛ لأنَّ دلالةَ الوصفِ
على ثبوتِ الحكمِ ، لا بواسطةٍ - أظهرُ من دلالتِهِ على انتفاءِ الحكمِ بواسطةٍ.
واعلم: أنَّهُ يقعُ - في هذا النوع - شيءٌ يسمَّى ((قلب التسويةِ (٣) - مثاله أن
يقولَ الحنفيُّ في طلاق المكره: ((مكلَّفٌ مالكٌ للطلاقِ، فيقعُ طلاقُهُ:
كالمختارِ»، فيقولُ القالب(*): ((فوجب أن يستوي (٤) حكمُ إيقاعِهِ وإقرارِهِ:
کالمختار)» .
وبعضُهم - قدحَ فِيهِ بأنْ قالَ: ((الحاصلُ اعتبارُهما - معاً - [في الثبوتِ فِي
الأصل (٥)] وفي الفرع عند القالب: عدمُ وقوعِهما - معاً - فكيفَ تتحقَّقُ
التسویةُ))؟
(١) كذا في ص، ولم ترد الألف واللام في غيرها. ولفظ ى: ((بعوضة)).
(٢) لفظ ل: ((العلة)) وهو تحريف. ولمعرفة أقسام القلب وأمثلة كل منها ارجع إلى شرح
الإِسنوي وبحاشيته الإبهاج: (٨٢/٣ ,٨٤) ومع تعليقات الشيخ بخيت: (٢١٢/٤) وجمع
الجوامع يشرح الجلال: (٣١٤/٢) والمنخول: (٤١٤)، وإحكام الأحكام: (١٠٥/٤) وما
بعدها ط الرياض والبرهان فق: (١٠٣٢ - ٥٢) والحاصل: (٨٥٣).
(٣) راجع البرهان فق (١٠٤٦، و١٠٥١، و٥٢)، لمعرفة حقيقة هذا النوع والمذاهب
فیه .
(*) آخر الورقة (١٤٣) من جـ.
(٤). كذا في ل، آ، ى، ولفظ غيرها: ((يسوِّي)).
(٥) ساقط من ل، آ، ى، جـ.
- ٢٦٧ -

جوابُهُ :
أنّ عدم الاختلاف بين الحكمين - حاصلٌ في الفرع والأصل (*)، لكن في
الفرع - في جانبِ العدمِ ، وفي الأصل - في جانب الثبوتٍ: وذلك لا يقدحُ
- في الاستواءِ - في الأصلِ.
(*) آخر الورقة (١٧٦) من س.
- ٢٦٨ -

الفصل الرابع
في القول بالموجَب(١)
وحدُّه: تسليمُ ما جعلَهُ المستدلُّ موجَبَ العلّةِ، مع استبقاءِ الخلافِ.
وهو يقعُ(*) ۔ في جانبِ النفي على وجهٍ،
وفي جانبِ الإِثباتِ على وجهٍ آخرَ.
:
أمّا في جانب النفي - فإذا كانَ المطلوب نفي الحكم ، واللازمُ من دلیلِ
المعلِّل - كونُ شيءٍ (٢) معيّن غير موجِبٍ (*) لذلك الحكمِ : كما لو قالَ الشافعيُّ
في المثقّل: ((التفاوتُ في الوسيلةِ - لا يمنعُ وجوبَ القصاصِ: كالتفاوتِ في
المتوسَّل إليهِ))، فيقول السائلُ: ((إنَّ التفاوتَ في الوسيلةِ لا يمنعُ(٣) وجوبَ
القصاص، فلِمَ لا يمتنع وجوبُ القصاصِ بسببٍ آخرَ))؟
ثمّ أنَّ المستدلَّ لوبيَّنَ - بعدَ ذلك -: أنَّهُ يلزمُ (٤) من تسليم ذلك الحكمِ -
٠
(١) ((الموجّب)) بفتح الجيم: ما يقتضيه الدليل، وبكسرها الدليل نفسه. وقد ذكر الإمام له
قسمين: في جانب النفي، وفي جانبِ الإِثبات، وقد رفض ابن السبكي عدّه من مبطلات
العلة، فانظر ما قاله في الإِبهاج: (٨٥/٣) ونهاية السول الموضع نفسه، وجمع الجوامع
بشرح الجلال: (٣١٧/٢)، وتعليقات الشيخ بخيت: (٢٢٤/٤)، والتلويح مع التوضيح:
(٩٤/٢)، وإحكام الأحكام: (١١١/٤)، والحاصل (٨٥٤). واحرص على النظر فيما قاله
إمام الحرمين في البرهان فق (٩٦٥).
(*) آخر الورقة (١٤٠) من ح.
(٢) كذا في ح، أ، جـ، ى، وفي غيرها: ((الشيء).
(*) آخر الورقة (١٣٦) من ل.
(٣) زاد في ح: ((من)).
(٤) في آ: ((يلزمه)).
- ٢٦٩ -

تسليمُ محلّ النزاع : كان منقطعاً - أيضاً - لأنَّه ظهرَ أنَّهُ ما ذكرَ الدليلَ، بل ذكرَ
أحدَ أجزاءِ الدليلِ .
وأمّا في جانب الثبوتِ - فكما لو كانَ المطلوبُ إثباتَ الحكمِ - في
الفرع (*) - والّلازمُ من دليلِ المعلِّل ثبوتُهُ - في صورةٍ مَّا من الجنس كما لو قالَ
- في وجوب الزكاةِ في الخيل -: ((حيوانٌ تجوزُ المسابقةُ عليهِ، فيجبُ فيهِ
الزكاة: قياساً على الإِبل))، فقالَ: ((أقولُ بموجَبِهِ إِنَّهُ(١) تجبُ فيهِ زكاةُ التجارةِ،
والخلافُ واقعٌ في زكاةٍ العين، ومقتضى دليلك: وجوبُ أصلِ الزكاةِ».
(*) آخر الورقة (١٣٣) من آ.
(١) في آ، ى: (لأنّه)).
- ٢٧٠ -

الفصل الخامس
في الفرق(١)
والكلام فيه مبنيّ على أنّ تعليل الحكم الواحد بعلّتين - هل يجوز أم لا؟
وفيه مسألتان(٢):
المسألةُ الأولى :
يجوزُ تعليلُ الحكمِ الواحدِ بعلتين منصوصتين: خلافاً لبعضهم(٣).
لنا :
أنَّ الرِدَّةَ والقتلَ والزِّنى- كلُّ واحدٍ - منها - لو انفردَ: كانَ مستقلاً باقتضاءٍ حلِّ
القتلِ ثمّ إنَّهُ يصحُّ اجتماعها، فعند(٤) اجتماعها ۔ یکونُ حلّ الدمِّ حاصلاً بها
جميعا .
فإن قيل: لا نسلِّمُ أنَّ - هناك - حكماً واحداً، بل أحكاماً كثيرةً: فإنَّ حِلَّ
(١) اختلفت عبارات الأصوليّين في تعريف الفرق، كما اختلفوا في كونه قادحاً، والذي
عليه جمهورهم: أنّه سؤال صحيح قادح في العلّية، وهو نوعان: أحدهما: اعتبار تعيّن الأصل
جزءاً من العلّة. وثانيهما جعل خصوص الفرع مانعاً من ثبوت الحكم فيه. فراجع شرح
الإِسنوي وبحاشيته الا بهاج: (٨٦/٣)، والبرهان فق (١٠٧٧) وما بعدها، وإحكام الأحكام:
(١٠٣/٤) ط الرياض، والمنخول: (٤١٧)، وجمع الجوامع: (٣١٩/٢)، وشرح
المختصر: (٢٧٠/٢). ويسمى ((الفرق)) بسؤال ((المعارضة)) و((المزاحمة)) كما في البحر:
(١٩٩/٣ - ب).
(٢) لفظ جـ، آ: ((مائل)).
(٣) لفظ ى: ((لبعض)).
(٤) في آ ابدلت الفاء واواً.
- ٢٧١ -

القتلِ بسبب الرِدَّةِ - غيرُ حلَّهِ بسبب القتل ؛ والدليلُ عليه وجهانِ :
الأوَّلُ:
أنَّ الرجلَ إذا عادَ إلى الاسلام - زالت الإِباحة الحاصلةُ بسبب الردَّة،
وبقيت الإِباحة الحاصلة بسبب القتلُ والزّنى .
[ثم إذا عفا وليُّ الدم - زالت الإباحة الحاصلة بسبب القتل، وبقيت الإِباحة
الحاصلة بسبب الزنى(١)].
الثاني :
أنَّ القتلَ المستحقَّ بسبب القتلِ - يجوزُ العفو عنهُ لوليّ الدمِ ، والقتلَ.
المتسحَقّ بسبب الردَّةِ - لا يتمكّنُ الوليُّ من إسقاطِهِ: وذلك يدلُّ على تغاير(٥).
الحكمين.
سلّمنا: أنَّ الحكم واحدٌ، ولكن لا نسلِّم أنَّه (٢) يمكنُ حصول هذه الأسباب
الثلاثةِ - دفعةً واحدةٌ - ولم لا يجوزُ أن يقالَ: لا بدَّ وأن يحصلَ منها واحدٌ - قبلَ
حصولِ البواقي؟
وحينئذٍ: يكونُ الحِكمُ محالاً على السابقِ.
سلّمنا: إمكانَ حصولها (٣) - دفعةً واحدةً، لكن لِمَ لا يجوزُ أن يقال: إنّها
بأسرها - مشتركةً في وصفٍ واحدٍ، والعلَّةُ هو ذلك المشتركُ : فتكونُ علَّةُ الحكمِ
شيئاً واحداً.
سلّمنا: أنَّه ليسَ هناك قدرٌ مشترك لكن لِمَ لا يجوز أن يقال: شرطُ کونٍ كلِّ
واحدٍ - منها - عِلَّة مستقلةً - انتفاء الغير، فإذا وجدَ الغير: زالَ شرط الاستقلالِ
بالعليَّةِ ،
فحينئذٍ: لا يكون كلَّ واحدٍ - منها - علَّةٌ تامَّةً - عندَ الاجتماع بل يصيرُ كلّ
(١) ما بین المعقوفتین من ازیادات جـ، آ.
(*) آخر الورقة (٨٩) من ى.
(٢) زاد في ى: ((لا)).
(٣) في آ: ((حصوله)).
- ٢٧٢ -

واحدٍ - منها - عندَ الاجتماع - جزءَ العلَّةِ، والمجموعُ هو العلَّةُ التامَّةُ .
سلّمنا: أنَّ ما ذكرتَهُ - يدلُّ على تعليلِ الحكمِ الواحدِ بعلَتَّين، ولكن -
معنا - ما يمنعُ منهُ، وهو وجوهُ ثلاثةٌ:
الأُوّل :
أنَّ جوازَ تعليلِ الحكمِ الواحدِ بعلَّتين(١)] - يفضي إلى نقضِ العَّةِ،
وذلك باطل - على ما مرّ - فما أفضى إليه مثله.
بيانٌ(*) الملازمةِ(*):
أَنَّه إذا كانَ للحكمِ الواحدِ عِلل كثيرةٌ، فإذا وجدَ منها واحدةٌ حتى حصلَ
الحكمُ، ثمّ وجدت العلَّةُ الثانيةُ - بعدَ ذلك - فهذه الثانيةُ، إِمَّا أن توجبَ حكماً
يماثلُ الحكمَ الأوَّلَ، أو يخالفهُ، أو لا توجبَ حكماً أصلاً.
والأوّل يقتضي اجتماعَ المثلين، وهو محالٌ.
والثاني والثالث - يوجبُ النقض؛ لأنَّهُ وجدت تلك العلَّةُ من غيرِ ذلك
[الحكم(٢)].
الثاني :
أنَّ العَّةَ الشرعيَّةَ مؤثّرةٌ بجعلِ الشرعِ إياها مؤثِّرَةٌ - في ذلك الحكم ، فإذا
اجتمعَ على المعلولِ الواحدِ علَّانِ - فإمَّا أَنْ تكونَ كلُّ واحدةٍ من العلَّتينِ - مؤثرةً
في بعضِ ذلك الحكم ، أو في كلِّه.
والأوّلُ محال؛
أمَّا أَوَلاً - فلأنَّ الحكمَ الواحدَ لا يتبعَّضُ.
وأمَّا ثانياً - فلأنَّ ذلك إخراج لكلِّ واحدةٍ من العلتّين عن أن تكونَ موجبةً
للحكم .
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من جـ.
(*) آخر الورقة (١٤٤) من جـ.
(*) آخر الورقة (١٧٧) من س.
(٢) لم ترد الزيادة في ی.
- ٢٧٣ -

وأمَّا ثالثاً - فلأنَّ على هذا التقدير، معلولُ كلُّ واحدةٍ - منهما غيرُ معلولٍ :
الأخرى.
وأمّا الثاني - فباطلٌ أيضاً؛
لأنَّ الحكمَ لمّا وقع بإحدى العلَّتين - استحالَ وقوعه(*) بالأخرى، لاستحالة
إيقاع الواقعٍ .
الثالث :
أنَّ العلَّةَ لا بدَّ وأن تكونَ مناسبةً للحكم ، فلو كانت علَّةٌ لحكمين: لكانت
مناسبةٌ لشيئين مختلفين: فيلزمُ كونُ الشّيءِ الواحدِ مساوياً لمختلفین،
والمساوي لمختلفين - مختلفٌ: فالشيءُ الواحدُ يكون مخالفاً لنفسِهِ. وهو
محال.
[و(١)] الجوابُ:
قوله: ((لا نسلِّمُ وحدةَ الحكمِ)).
قلنا: الدليلُ عليهِ: أنَّ إبطالَ حياة الشخصِ الواحدِ - أمرٌ واحد؛ وهذا الأمرُ
الواحدُ - إمّا أن يكون (*) ممنوعاً عنه [من(٢)] قبلِ الشرع - بوجهٍ مّا -
أو لا یکون ممنوعاً عنه - بوجهٍ مّا .
والأوّل هو الحرمةُ، والثاني هو الحلُّ :
فإذا كانت الحياةُ واحدةً - كانت إزالتُها - أيضاً - واحدةً: فكان الإِذنُ في
تلك الإِزالةِ واحداً .
فإن قلتَ الفعلُ الواحد يجوزُ أن يكونَ حراماً من وجهٍ، حلالاً من وجهٍ، وإذا
(*) آخر الورقة (١٤١) من خ.
(١) هذه الزيادة من جـ، آ، ى.
(*) آخر الورقة (١٣٤) من آ.
(٢) لم ترد الزيادة في آ.
- ٢٧٤ -

كانَ كذلك: جازَ أن يتعدَّدَ(١) الحلُّ، لتعدُّد جهاتِهِ، فيكونُ الشخصُ الواحدُ -
مباحَ الدمِ من حيثُ إنَّه مرتدًّ، ومن حيث إنَّه زانٍ، ومن حيثُ إنَّه قاتلٌ.
قلت: القول بأنَّ الفعلَ الواحدَ حرامٌ من وجهٍ، حلالٌ من وجهٍ غيرُ معقولٍ ؛
لأنَّ الحلّ(٢) - أن يقولَ الشارعُ: ((مكَّنْتُكَ من هذا الفعلِ ، ولاتبعةَ عليك في فعلِهِ
- أصلاً))، وهذا المعنى إنَّما يتحقَّقُ إذا لم يكن [فيه (٣)] وجهٌ يقتضي المنعَ -
أصلاً؛ بل ليسَ من شرطِ الحرمةِ أن يكونَ حراماً - من جميع جهاتِهِ؛ لأنَّ
الظلمَ حرامٌ، مع [أنْ(٤)] كونَّهُ حادثً وحركةً وعرضاً - لا يقتضي الحرمةَ. إذا ثبتَ
ذلك - فنقولُ: حلّ الدم - على هذا الوجهِ - يستحيلُ أن يتعَّددَ(٥)، والعلمُ بذلك
ضروريٌّ .
قولُهُ: ((الدليلُ على التغايرِ - أنَّهُ لو أسلمَ: زالَ أحدُ الحلّينِ، وبقي الآخر)).
قلنا: لا نسلّمُ أنَّهُ يزولُ أحدُ الحلَّين، بل يزولُ كونُ ذلك الحلّ (٦) معّلاً
بالرِدِّة: فالزائلُ ليس هو نفسُ الحلِّ، بل وصفُ كونِهِ معلَّلاً بالرِدَّةِ .
فإن قلت: إذا كان الحلُّ باقياً - سواءً وجدت الردَّةُ أو زالت - كانَ ذلك الحلُّ
غنّاً - في نفسِهِ - عن الرِدَّةِ، والغنيُّ عن الشيءٍ لا يكونُ معلَّلاً به.
قلتُ: لما كانت العلَّةُ - عندي - عبارةً عن ((المعرِّف)): زالَ عنيّ الإِشكالُ.
قوله: ((وليُّ الدمِ مستقلٍّ بإسقاطِ أحدِ الحكمين)).
قلنا: لا تسلُّمُ، بل هو متمكِّنُ من إزالةِ أحدِ الأسباب، فإذا زال ذلك
السببُ: زالَ انتسابُ ذلك الحكمِ إلى ذلك السببِ. فأمَّا أن يزولَ الحكمُ -
نفسُهُ - فهذا ممنوعٌ .
(١) زاد في ى: ((حكم))، ولفظ ((الحل)) في آ: ((الحكم)).
(٢) لفظ ى: ((الحكم)).
(٣) انفردت بهذه الزيادة آ.
(٤) لم ترد الزيادة في آ.
(٥) زاد في جـ، ى: ((لأنّ هذا الإِطلاق يستحيل أن يتعددٌ)).
(٦) لفظ ى: ((الحكم)).
- ٢٧٥ -

قوله: ((لا نسلم جواز(*) اجتماع هذه العلل)».
قلنا: هذا مكابرةٌ؛ لأنَّهُ لا منافاةَ بين ذواتِ هذه الأمورِ - فيصحُ اجتماعُها،
ونحن نبني الكلام على تقديرِ وقوع ذلك الجائزِ.
قولُه: ((العلّةُ - هي القدرُ المشتركُ بينَ كلِّ هذه الأمور)).
قلنا: هذا باطلٌ؛ لأنَّ الأمَّةَ مجمعةٌ على أنَّ الحيضَ - من حيثُ هو حيضٌ-
مانعٌ من الوطءِ، وكذا العِدَّةُ والإِحرامُ؛ والقولُ بأنَّ العلّةَ - هي القدرُ المشتركُ:
مخالفٌ لهذا الإِجماع .
وأمّا ثانياً - فلأنَّ الحيضَ وصفٌ حقيقيٍّ، والعدَّةَ أمرٌ شرعي، والأمرُ
الحقيقيُّ - لا يشارُ الأمرَ الشرعيَّ إلّا في عمومٍ أنَّهُ أمرٌ، فلو كانَ هذا القدرُ-
هو العلّة للمنعِ من الوطءِ: لانتقضَ بالطَّمِّ والرَّمْ (١).
قوله: ((شرطُ كونٍ كلِّ واحدٍ منها علَّةٌ مستقلةً: عدمُ الآخرِ)).
قلنا: هذا باطلٌ (*)؛ لأنَّ الأمَّةَ مجمعةٌ - على أنَّ الحيضَ يمنعُ من الوطِ:
شرعاً، وذلك يقتضي أن تكون علَّةُ - سواء وجد هذا القيدُ العدميُّ، أم(٢) لا؟
أمَّ المعارضة الأولى - فجوابُها: أنَّ الحكمَ الحاصلَ بالعَّةِ السابقةِ - إنَّما
يمتنعُ حصولُهُ بالعلّةِ الّلاحقةِ، إذا فسَّرنا العلَّةَ بـ((المؤثّر)).
أمّا إذا فسَّرناها بـ ((المعرِّفِ)) - فلِمَ قلتَ: إِنَّهُ يمتنعُ؟
وأمَّا الثانيةُ - فهي مبنيّةٌ على أنَّ ما لا يكونُ مؤثراً في الحكمِ لذاتِهِ: يجعلهُ
(*) آخر الورقة (١٧٨) من س.
(١) قال القرافي في النفائس: (٩٧/٣ - ب) ((الطّم والرمُ - بالفتح: مصدران من ((طمّ
يطمّ طمّاً)) إذا ردم حفرة، وهرمٌ يرمُ)) - إذا صار رميماً - أي: درست عظامه بالبلى. وبالكسر -
هو الشيء المرموم والمطموم به؛ قال: وهو مثل لمن جاء بجمع التراب الذي طم، والرميم
الذي طمّ عليه التراب فلم يدع في القبر شيئاً - ألبثّة - وصيِّرَ ذلك مثلاً لمن جاء بالعدم
المستوعب، فهو مثلٌ للكثرة العظيمة)). ١هـ - وانظر المصباح (٣٢٧ و٥١٧).
(٢) لفظ ى: ((أو).
(*) آخر الورقة (١٤٥) من جـ.
- ٢٧٦ -

الشارعُ مؤثراً فيهِ. وقد تقدَّم إبطالُ هذه القاعدةِ.
وأمَّا الثالثةُ - فلا نُسلِّمُ أنَّ((المناسبةَ)) شرطُ العِلَِّّةِ، ولو سلِّمناها - فلِمَ لا
يجوزُ(*) أن يشتركَ الحكمان - في جهةٍ واحدةٍ، ثمّ إنَّ العَّةَ تناسبهُما - بحسب
ذلك [الوجهِ(١)] الواحدِ؟
واعلم: أنَّه يمكنُ فرضُ الكلامِ - في صورةٍ يسقطُ عنها كثيرٌ من الأسئلةِ،
وهي: مَا إذا جمعتَ لبنَ زوجةِ أخيكَ وأختِك، وجعلتَه في حلقِ المرتِضَعةِ:
دفعةً واحدةً - فإنَّها تحرمُ عليكَ؛ لأنَّكَ خالُها وعمّها، ولا تتوجَّه - في هذه الصورة
- أكثرُ تلك الأسئلةِ(٢).
المسألةُ الثانيةُ(٣) (*)
الحق: أنَّهُ لا يجوزُ تعليلُ الحكم الواحدِ بعلتين مستنبطتين، والدليلُ عليهِ
وجهان .
الأوّل:
أنَّ الإِنسانَ - إذا أعطى فقيراً فقيهاً، احتمل أن يكونَ الداعي له إلى الإِعطاءِ
(*) آخر الورقة (٩٠) من ی.
(١) لم ترد الزيادة في ل.
(٢) راجع تفاصيل أقوال العلماء وأدلتهم في مسألة تعليل الحكم بعلتين في
المستصفى: (٣٤٢/٢)، والبرهان فق (٧٧٧ - ٧٩٥) وقد رجح إمام الحرمين جواز تعليل
الحكم الواحد بعلتين عقلاً وتسويغاً، ومنع ذلك شرعاً. وراجع المنخول (٣٩٢)، والمعتمد:
(٧٩٩/٢)، والمسودة: (٤١٦)، وجمع الجوامع بشرح الجلال: (٢٤٥/٢ و٣٥٧)،
والحاصل (٨٥٧)، واللمع (٥٩)، وشرح المختصر: (٣٧٣/٢)، والكشف: (٤٥/٤)،
وشرح المسلّم: (٢٨٢/٢)، وشفاء الغليل: (٥١٤)، ونفائس الأصول: (٩٧/٣ - آوب)
والروضة (٣٣٣)ط الرياض، وإحكام الآمدي: (٢٣٦/٣)، ومجموع فتاوى ابن تيمية:
(٢٧٣/١٨ و٢٧٤، ١٦٧/٢٠).
(٣) لفظ ى: ((الثالثة))، وهو وهم.
(*) آخر الورقة (١٤٢) من ح.
- ٢٧٧ -

كونُّهُ فقيراً - فقط، أو [كونُهُ(١)] فقيهاً - فقط، أو مجموعَهما، أولا لواحدٍ منهما.
فهذه الإحتمالات الأربعة متنافيةً؛ لأنَّ قولنا: الداعي له إلى الإِعطاءِ هو
الفقرُ لا غيرُ: ينافي أن يكونَ غيرُ الفقر داعياً، أو جزءاً من الداعي .
وإذا كانت هذه الاحتمالاتُ متنافيةً، فإن بقيت على حدِّ التساوي(*): امتنع
الحصولُ ظنٍّ حصولٍ (٢) كلٍّ واحدٍ - منها - على التعيين: فلا يجوزُ الحكِمُ بكونِهِ
علَّةٌ ..
وإن ترجّحَ بعضُها، فذلك الترجيحُ - يحصلُ بأمرٍ وراءَ ((المِنْاسبَةِ
والاقترانِ))؛ لأنَّ ذلك مشترك بين الأربعة.
وحينئذٍ : يكونُ الراجحُ هو العلَّةِ (٣) دون المرجوح.
الثاني :
أنَّ الصحابةَ أجمعوا - على قبولِ الفرقِ؛ لأنَّ عمرَ لَمَّا شاورَ عبد الرحمن
- في قضيّة المجهضةِ (٤) - قالَ: ((إِنَّكِ مؤدِّبٌ، ولا أَرى عليك شيئاً)) فقال عليّ:
(١) لم ترد في جـ.
(*) آخر الورقة (١٣٥) من آ ..
(٢) كذا في آ، جـ، ولفظ غيرهما: ((كون)).
(٣) كذا في ح، وعبارة غيرها: ((تكون العلّة هي الراجح)).
(٤) زاد في ح: ((وهي أن عمر ضرب امرأة حتى ألقت جنيناً ميتاً)) وليست هذه هي القصة
وما كان لسيدنا عمر - رضي الله عنه - أن يضرب أحداً دون حق، والقصة كما أخرجها عبد
الرزاق في المصنف الحديث (١٨٠١٠) (٤٥٨/٩) قال: ((أرسل عمر بن الخطاب إلى امرأة
مغيبة (أي: زوجها غائب عن المدينة ضمن جند المسلمين). كان يُدخل عليها، فأنكر ذلك،
فأرسل إليها، فقيل لها: اجيبي عمر، فقالت: ((يا ويلها ما لها ولعمر؛ قال: فبينما هي في
الطريق فزعت، فضربها الطلق، فدخلت داراً، فألقت ولدها، فصاح الصبيّ صيحتين، ثم
مات، فاستشار عمر أصحاب النبيّ - صلی الله عليه وسلم - فأشار عليه بعضهم: أنه ليس
عليك شي، إنما أنت وال ومؤدب، قال: وصمت عليّ، فأقبل عليه، فقال: ما تقول؟ قال.
: إن كانوا قالوا برأيهم - فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى: أنّ
ديته عليك؛ فإنك أنت أفزعتها وألقت ولدها بسببك قال: فأمر علياً أن يقسم عقله على قريش =
- ٢٧٨ -

((إنْ لم يجتهد - فقد غشّك، وإِن اجتهد - فقد أخطأ، أَرى عليك الغرّة)).
وجه الاستدلال به: أنّ عبد الرحمن شبَّهه بالتأديب المباح ، وأنَّ عليّاً فرّق
بينه وبين سائر التأديباتٍ: بأنَّ التأديبَ الَّذي يكونُ من جِنسِ التعزيراتِ - لا
تجوز فيه المبالغةُ المنتهيةُ إلى حدِّ الإِتلافِ؛ وذلك يدلُّ على إجماعهم على
قبول الفرق.
وهو يقدحُ في جوازِ تعليلِ الحكمِ الواحدِ بعلّتين مستنبطتين(١). والله
أعلم.
= (يعني يأخذ عقله من قريش: لأنه خطأ). وانظر ((١٨٠١)، وراجع المغني لابن قدامة
(٥٧٩/٩)، وأما ابن حزم - فقد صرّح بأن هذه المسألة مما اختلف فيه الصحابة، والواجب
ردّها إلى ظواهر النصوص، وعمر - رضي الله عنه أرسل إليها بحق، ولم يضربها، أو يباشر
فيها شيئاً، ولذلك فإنه لا دية عليه. فانظر المحلى: (٢٤/١١) المسألة (٢١٢).
(١) من التكلّف الظاهر التمثيل بما ذكر لعدم جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين
مستنبطتين، فالصحابة - رضوان الله عليهم - مالاحظوا هذا فالأولون ذهبوا إلى عدم مؤاخذة
سيدنا عمر لأنه لم يفعل إلا ما هو مأمور به، والامام عليّ ربما أراد فيما ذهب إليه: أنَّ على
الامام أن يتحرى أرفق الطرق في تحقيق ما أمر به، والا فهو مؤاخذ.
- ٢٧٩ -