النص المفهرس
صفحات 101-120
قلنا: هذا منقوضٌ بما أنَّهُ لا يجبُ على القاضي أنْ يعملَ بقولِ الشاهدِ الواحدِ، إذا غلبَ على ظنّهِ صدقُهُ، وأن يعملَ - في الزنا - بقولِ الشاهدين، إذا غلبَ على ظنّه(١) صدقُهما. وبما إذا ظهرت مصلحةٌ لا يشهدُ باعتبارها حكمٌ شرعيَّ - ألبتَّةَ - وبما إذا ادَّعى الرجلُ الَّذي غلب على الظنُّ صدقُهُ - للنبوة. وبما إذا غلبَ على ظنِّ [الدهريّ و(٢)] اليهوديّ أو النصرانيّ [والكافر (٣)] قبحُ هذه الأعمالِ الشرعيَّةِ: فإنَّ غلبةَ الظنِّ حاصلةٌ - في هذه الصور(٤)، ولا يجوزُ العملُ بها. فإن قلتَ: المظنَّةُ إنّما تفيد الظنَّ، إذا لم يقم(٥) دليل قاطعٌ على فسادِها؛ وفي هذه الصورِ [قد(٦)] قامت(*) الدلالةُ على فسادِها: فلا يبقى الظنُّ. قلتُ: فعلى هذا التقدير - القياسُ إنَّما يفيد ظنّ [دفع(٧)] الضرر إذا لم يوجد دليلٌ يدلُّ على فسادِ القياس : فيصيرُ نفيُ ما يدلُّ على فسادِ القياسِ جزءاً من المقتضى لظنِّ الضررِ، فعليْكم أنْ تُثْبتوا أنّه لم يوجد ما يدلُّ على نفي القیاسِ ، حتیٍّ یمکنکم ادعاءُ حصولٍ ظنِّ الضررِ. وبعد (٨) المجاوزة عن النقض(٩) - نقولُ: متى يجبُ الاحترازُ عن الضرر (١) كذا في آ، ى، ولفظ غيرهما: ((الظن)). (٢) انفردت بهذه الزيادة ح. (٣) لم ترد في ح، س، ی. (٤) كذا في ح، آ، ص، وفي غيرها: ((المواضع)). (٥) كذا في ح، أ، جـ، وفي غيرها: ((يعلم)). (٦) هذه الزيادة من ی. (*) آخر الورقة (١٠٤) من جـ. (٧) انفردت بهذه الزيادة آ، ولا يصح الكلام بدونها. (٨) في ل: ((وبعده)). (٩) لفظ ى: ((النقل)) وهو تصحيف. - ١٠١ - : المظنونِ، إذا أمكنَ تحصيلُ العلمِ بهِ، أم(١) إذا لم يمكن؟ الأوّل(٢) ممنوعٌ: فإنَّ الشيءَ إذا أمكنَ تحصيلُ العلمِ بهِ(٣)] فالاكتفاءُ بالظنِّ معَ جوازِكونه (خطأ - اقدام على ما لا (٤) يؤمن کونُهُ قبيحاً مع إمكان الاحتراز عنه). ؛ وهو غيرُ جائزٍ بالاتفاق .. والثاني مسلّمٌ(٥) ولكن إنَّما يجوزُ الاكتفاءُ بالظنَّ في الوقائعِ الشرعيَّةِ - إذا بَيِّنْتَمُ أَنَّه لا طريقٌ إلى تحصيلِ العلمِ بها - ألتَّة - وذلك إنّما يصحُّ لو ثبتَ أنَّه لم يوجد في كتابٍ اللّهِ - تعالى - و[لا في(٦)] سنَّةِ رسوله - صلى الله عليه وسلَّم - ما يدلُّ على أحكام تلكَ الوقائع ، ولم يوجدْ في الزمان إمامٌ معصومٌ يعرِّفنا تلك الأحكام - فإنَّ بتقدير وجودٍ أحد هذه الأمور كان تحصيلُ اليقينِ بالحكمِ ممكناً. سلمنا: أنَّه لا طريق إلى تحصيلِ العلم بها، لكن لم قلت: [إنّه (٧)] لم يوجد ما يقتضي ظناً - هو أقوى من الظنُّ الحاصلِ بالقياسِ؟ فانَّ بتقديرِ إِمكانٍ ذلك - كانَ التعويلُ على القياسِ اكتفاءً بأضعفِ الظنّين معَ القدرة على تحصيلِ الأقوى(٨)، وإنَّه غيرُ جائٍ. ثمّ نقولُ: إن دلَّ ما ذكرتموه (٩) على (*) صحَّةِ القياس - فمعنا ما يدلُّ على (١) لفظ ى: ((أو)). (٢) في ى: ((م)). (٣) ما بين المعقوفتين سقط من ل، وجاء بدله فيها: ((بيان أن)). (٤) كذا في ح، آ، ى، وفي النسخ الأخرى: ((لم يأمن))، وقد أبدل ما بين الهلالين في ل بقوله: ((مخطئاً مع امكان الاحتراز عنه يكون قبيحاً)). (٥) في ى: ((م)). (٦) هذه الزيادة من ح، آ. (٨) لفظ ى: ((أقواهما)). (٧) هذه الزيادة في ح، آ فقط . (٩) عبارة ح: «أن ما ذكرتموه إن دل)). (*) آخر الورقة (١٣٢) من س. - ١٠٢ - فسادِهِ، وهو: الكتابُ والسنّةُ، . وإجماعُ الصحابةِ، وإجماعُ العترةِ، والمعقولُ: أمّا الكتابُ - فقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ آللهِ وَرَسُولِهِ﴾(١)؛ والقولُ بالقياس تقديمٌ بين يديِ اللهِ ورسوله. صلى الله عليه وآله وسلم. وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا ليسَ . لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٣) والقولُ بالحكمِ - في الفرعِ - لأجلِ القياسِ قولٌ بالمظنونِ، لا بالمعلوم . وأيضاً: قالَ الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزْلَ آلله﴾ (٤)، والحكمُ بالقياسِ حكمٌ بغير ما أنزلَ الله تعالی . : وأيضاً : قال الله تعالى(*): ﴿وَلَ رَطْبٍ وَلَ يَابِسٍ إِلَّ فِي كِتَبِ مُّبِينٍ﴾ (٥) ﴿مَا فَرَّطْنَا في الكِتَبِ مِن شَيْءٍ﴾ (٦)، فهذه الآية(٧)، دالَّةٌ على اشتمالٍ الكتاب على الأحكام [الشرعيّةِ (٨)] - بأسرها - فإذن: كلُّ ما ليسَ في الكتاب - وجبَ أن لا يكونَ حقاً، وعندَ ذلكَ نقول: ما دلَّ عليهِ القياسُ، إنْ دلَّ عليهِ الكتابُ - فهو ثابتٌ بالكتاب لا بالقياسِ .. (١) الآية (١) من سورة الحجرات. (٢) الآية (١٦٩) من سورة البقرة، و(٣٣) من سورة الأعراف. (٣) الآية (٣٦) من سورة الإِسراء. (٤) الآية (٤٩) من سورة المائدة . (*) آخر الورقة (١٠٦) من ح. (*) آخرِ الورقة (٩٨) من آ. (٥) الآية (٥٩) من سورة الأنعام . (٦) الآية (٣٨) من سورة الأنعام. (٧) كذا في ى، وهو المناسب ولفظ غيرها: ((الآيات)). (٨) انفردت بهذه الزيادة ل. : - ١٠٣ - وإن لم يدلَّ عليهِ الكتابُ : كانَ باطلاً. وأقوى ما تمسَّكوا به من الآياتِ - قوله تعالى : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِن الْحَقِّ شَيْئاً﴾(١)؛ وجهُ الاستدلالِ بهِ: أنّ [في (٢)] القياسِ الشرعيّ لا بدَّ وأنْ يكونَ تعليلُ الحكم(*) - في الأصلِ (٣) - وثبوتُ تلكَ العَّةِ - في الفرع - ظنّاً، ولو وجبَ العملُ بالقياسِ - الصدقَّ على ذلك الظنِّ أنَّهُ أغنى من الحقّ [شيئاً(٤)]، وذلكَ يناقضُ عمومَ النفي . فإن قلتَ: يشكلُ التمسُّكُ بهذهِ النصوص - بالفتوى والشهادات، وأمارات(٥) القبلة . قلتُ: تخصيصُ العامِّ - في بعضِ الصورِ - لا يخرجُهُ عن كونِهِ حجَّةٌ. وأما السنَّةُ - فخبرانِ : الأوّلَ : قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((تعملُ هذه الأمّةُ برهةً بالكتاب، وبرهةٌ بالسنَّةِ، وبرهةً بالقياسِ ، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلُّوا(٦). الثاني : . قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((تَفْتَرِقُ أُمَّتي على بضعٍ وسبعين(٧) فرقةٌ، (١) الآية (٣٦) من سورة يونس. (٢) هذه الزيادة من ى. (٥) آخر الورقة (١٠٠) من ل. (٣) في ح: ((أو). (٤) هذه الزيادة في ى. (٥) في غيرح، آ: ((الشهادة وأمارة)). (٦) الحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده على ما في الفتح الكبير: (٣٢/٢) ومجمع الزوائد (١٧٩/١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم: (١٣٤/٢)، والبغدادي في الفقيه (١٧٩/٢) وليس فيه تصريح بلفظ القياس؛ بل بلفظ ((الرأي) وكذلك أورده ابن حزم في الإحكام: (٥١/٦). (٧) في غيرل، ى، ((ستّين)»، وهووهم، وهذا اللفظ أورده أبو عمر في جامع بيان العلم: (٣٤/٢) والخطيب في الفقيه (١٨٠/١) وكلاهما من حديث عوف بن مالك، وانظر أحاديث = - ١٠٤ - أَعظمهُم فتنةً قومٌ يقيسونَ الأمورَ برأيهم، فيحرِّمونَ الحلالَ، ويحلِّلون الحرامَ». فإن قلت: خبرُ الواحدِ [ا(١)] يعارض الدليل(٢) العقليَّ الَّذي ذكرناه. قلتُ: الدليلُ الَّذي ذكرتموه - هو أنَّ القياسَ [يفيد الضرر المظنون، فيجب الاحتراز عنه، ولا شك أنَّ خبر الواحد يفيد الظن، فإذا ورد في المنع من القياس(٣)] - أفاد(*) ظنَّ(٤): أنَّ التمسُّكَ بهِ سببُ الضررِ، وذلكَ يوجبُ الاحتراز [عنه(٥)]. وأمَّا إِجماع الصحابة - فهو أنَّه نقلَ عن كثيرٍ منهم التصريحُ بذِّمِ القياسِ - على ما تقدَّم بيانُهُ - ولم يظهرْ من أحدٍ - منهم - الانكارُ على ذلك الذمّ: وذلك يدلُّ على انعقادِ الإِجماع (٦) على فسادِ القياسِ. فإِنْ قلتَ: هذا معارضٌ بأنَّهُ نقلَ - عنهم -: أنَّهم اختلفوا - في مسائلَ - مع أنَّه لا طريقَ لهم إلى تلكَ المذاهب إلّ القياس -. 4 قلتُ: ما ذكرناه أولى؛ لأنَّ التصريحَ راجحٌ على ما ليسَ بتصريحٍ. [و(٧)] أَمّا إِجماع العترة - فلأنّا [كما (٨)] نعلم - بالضرورة - بعد مخالطة = افتراق الأمة في سنن أبي داود: (٤٥٩٦، و٩٧) وسنن الترمذي (٢٦٤٢) وابن ماجه (٣٩٩١) 4 من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: ((حسن صحيح)). وأورده الخطيب في التاريخ: (٣٠٩/١٣)، وانظر المقاصد: (٣٤٠)، والكشف (١٠٠١)، وأسنى المطالب (٨٧)، وانظر الجزء الرابع، ص ٨٣، من كتابنا هذا. (١) سقطت الزيادة من آ. (٢) عبارة ى: ((دليل العقل)). (٣) ما بين المعقوفتين ساقط من ل. (*) آخر الورقة (١٠٥) من جـ. (٤) كذا في ح، ل، ى، وفي النسخ الأخرى: ((الظن)). (٥) لم ترد الزيادة في ح، ل. (٦) لفظ آ، ىُ: ((إجماعهم)). (٧) هذه الزيادة من آ، ى. (٨) هذه الزيادة من ح، آ. - ١٠٥ - أصحاب(١) النقل -: أنَّ مذهبَ الشافعيّ - رضي الله عنه - وأبي حنيفة ومالكِ - رحمهما الله - القولُ بالقياسِ: فكذا نعلم - بالضرورة - أنْ مذهب أهلِ البيت: كالصادقِ والباقرِ إنكارُ القياسِ . وقد تقدمَ - في باب الإِجماع - أنّ إجماع العترة حجّةٌ. [و(٢)] أُمّا المعقولُ - فمن وجوهٍ: الأوّل: لو جازّ العملُ بالقياس - لما كانَ الاختلافُ منهّياً عنه، لكنَّه منهيٍّ عنه: فالعملُ بالقياسِ غیرُ جائٍ. بيان الملازمة: أنَّ العملَ بالقياسِ يقتضي اتّباعِ الأماراتِ، وذلك يقتضي وقوعُ الاختلاف(٢) - لا محالةَ - ووقوعُ ذلكَ شاهدٌ على [صحة (٤)] ما قلناه . بيانُ أَنَّه لا تجوزُ المخالفةُ - قولُهُ تعالَى: ﴿وَلاَ تَتَزَعُوا فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾(٥) .. الثاني : أنَّ الرجلَ لو قالَ: «أعتقتُ غانماً لسوادِهِ(*)، فقيسوا (٦) عليهِ)) - لم يعتقْ سائرُ عبيدهِ السودِ، فضلاً عمَّا إذا لم يأمرْ بالقياسِ . فإذا قالَ الله - تعالى -: (حَرَّمْتُ الرِّبا فِي الْبُرِّ، فكيف يجوزُ القياس عليه؟. فهذا كلُّه كلامُ من لم (٧) يمنع القياس عقلًا. (١) لفظ ى: ((أهل)). (٢) هذه الزيادة من ی. (٥) آخر "ررقة (١٣٣) من س. (٣) في غيرح: ((الخلاف)). (٤) لم ترد الزيادة في ى. (٥) الآية (٤٦) من سورة الأنفال. (*) آخر الورقة (٣٥) من ص. (٦) كذا في ص، ح، وفي غيرهما أبدلت الفاء واواً. (٧) في غیرح، ى: ((لا)). - ١٠٦ - أمّا المانعون منه - عقلًا - فقد ذكرنا: أنَّ منهم من خصِّ ذلك المنعَ بهذا الشرع . ومنهم من منعهُ في كلِّ الشرائعِ (*). أمّا الأوّلُ - فهو قولُ النظّامِ. ٦٠١٠ واحتجّ عليهِ: بأنَّ مدارَ هذا الشرع على الجمع بين المختلفاتِ، والفرقِ بينَ المتماثلاتِ، وذلك يمنعُ من القياسِ في هذا الشرع. بیانُ الأوَّل بصورٍ : إحداها: : أنَّهُ جعلَ بعضَ الأزمنة والأمكنةِ أشرفَ من بعضٍ ، مع استواءِ الكلِّ - في الحقيقةِ؛ قالَ الله - تعالى -: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾(١)، وفضَّلَ الكعبةُ على سائرِ البقاعِ . وثانیتھا : جعلَ الترابَ طهوراً، مع أنَّهُ ليسَ بغسَّالٍ، بل يزيدُ (٢) في تشويهِ الخلقةِ. وثالثُها: فرضَ الغسلَ من المنيّ، والرجيعُ أنتنُ منهُ. ورابعتها: نهانا عن إرسالِ السبعِ على مثلِهِ، وأقوى منه، ثم (٣) أباحَ إرسالَه على البهيمةِ الضعيفةِ . وخامستُها : نقَّص من صلاةِ المسافرِ الشطرَ (٤) مِمَّا كانَ عددهُ أربعاً، وترك ما كانَ رکیتین. (#) آخر الورقة (٦٥) من ی. (١) الآية (٣) من سورة القدر. (٤) لفظ ل: ((المشقة)). (٣) في ی: ((و)). (٢) لفظ ل: ((يه)). - ١٠٧ - وسادستُها: أسقطَ الصومَ والصلاةَ عن الحائضِ ، ثم أوجبَ عليها قضاءَ الصومِ، مَعَ أنَّ الصلاة أعظمُ قدراً من(*) الصوم. وسابعتُها: جعلَ الحرّةَ القبيحةَ الشوهاءَ تُحْصِنُ، والمائةَ من الجواري الحسانِ لا بحصِنَّ. وثامتُها(*): حرَّمَ النظرَ إلى شعرِ العجوزِ الشوهاءِ، معَ أنَّها لا تفتنُ الرجالَ الشبَّنَ - ألبتة - وأباحَ النظر إلى محاسنِ الأمةِ الحسناءِ، مع أنَّها تفتنُ الشيخٌ . ء وتاسعتها : قطعَ سارقَ القليلِ ، وعفا عن غاصبِ الكثيرِ(*). وعاشرتها : جلدَ بالقذفِ بالزِّنى، ولم يجلدْ بالقذفِ بالكفرِ. وحادية عشرِها (١): قبلَ في الكفرِ والقتلِ شاهدين، ولم يقبلْ في الزِّنى إلّ أربعةً، وهو دونهما. وثانية عشرها: جلدَ قاذِفَ الحرِّ الفاجرِ، وعفا عن قاذفِ العبدِ العقيفِ. وثالثة عشرها : أوجبَ على الصبيّةِ المتوفىَّ عنها زوجُها العدَّةَ، وفرَّقَ - في العدَّةِ - بين (*) آخر الورقة (٩٩) من آ. (*) آخر الورقة (١٠٧) من جـ. (*) آخر الورقة (١٠١) من ل. ١ (١) كذا في ى، وفي غيرها؛ ((وحادي))، وكذلك الفاظ العدد بعدها. -١٠٨ - الموتِ والطلاقِ، معَ أنَّ حالَ الرحمِ لا يختلفُ فيهما. ورابعة عشرها(*): جعلَ استبراءَ الأمةِ (١) بحيضةٍ، والحرِّةِ المطلّقةِ بثلاثٍ حيضٍ . وخامسة عشرها: يخرجُ الريحُ من موضعِ الغائطِ، وفرضَ تطهيرَ موضعٍ آخر، مع أنَّ غسل [ذلك (٢)] المكان أولى. إذا ثبت هذا - فنقول: [إنّ(٣)] مدارَ القياس على أنَّ الصورتينَ لمَّا تماثلتا - في الحكمةِ والمصلحةِ -: وجبَ استواؤهما - في الحكم - لكنَّ هذه المقدّمةَ لو كانت حقَّة (٤) - لامتنعَ التفريقُ بينَ المتماثلاتِ، والجمعُ بينَ المختلفاتِ - في تلك الصورِ - فلمَّا لم يمتنعْ ذلك: علمنا فسادَ تلكَ المقدَّمةِ؛ وإذا فسدت تلك المقدَّمة: بطلَ القولُ بالقياسِ . وأمَّا الَّذِين منعوا من القياسِ - في كلُّ الشرائعِ (*) - فقد عرفتَ أنَّهم ثلاثُ فرقٍ : الفرقة الأولى : الذين أنكروا كونَ القياسِ طريقاً إلى الظنِّ - وهؤلاء قد تمسَّكوا بوجوه: أحدها: أنَّ البراءةَ الأصليّةَ [معلومةٌ(٥)] والحكم(٦) الثابتُ بالقياسِ، إمّا أن يكون على وفقِ البراءةِ الأصليّةِ، أو لا على وفقِها. فإن كان على وفقِها - لم يكن في القياس فائدةٌ .. (*) آخر الورقة (١٠٦) من جـ. (١) لفظ ح: ((الإِماء)). (٢) هذه الزيادة : من ى. (٤) لفظ ل: ((خفيّة))، وهو تصحيف. (٣) هذه الزيادة من آ. (*) آخر الورقة (١٣٤) من س. (٥) سقطت الزيادة من ی. (٦) كذا في ح، ى، وفي غيرها أبدلت الواو فاء. - ١٠٩ - وإن كان على خلافِها - كانَ ذلك القياسُ معارضاً للبراءَةِ الأصليّةِ لكن البراءة الأصليَّةَ دليلٌ قاطعٌ، والقياسُ دليلٌ ظنيُّ، والظنيُّ إذا عارضَ اليقينيّ: كان الظنيُّ باطلًا: [فيلزمُ كونُ القياسِ باطلًّا(١)]. وثانيها : أنّ القياسَ لا يتمُّ في شيءٍ من المسائل إلّا إذا سلَّمنا أنَّ الأصل في كل شيءٍ (٢) بقاؤُهُ على ما كانَ، إذ لو لم يثبتْ ذَلكَ - فهبْ أنّ الشارع(٣) أمر(٤) بالقياس، ولکن کیف یعرف [أنَّه بقيَ ذلك التكليف. وإذا نصَّ على حكم الأصلِ فكيف يعرفُ(٥)] أنَّ ذلك الحكمَ باقٍ في هذا الزمانِ: فثبَتَ أنَّ القياسَ لا يتمُّ إلَّ معَ المساعدةِ على هذا الأصلِ. إذا ثبتَ ذلك - فنقولُ: الحكمُ المثبتُ بالقياسِ ، إما أنْ يكونَ نفياً أو إثباتاً: فإن كانَ نفياً - فلا حاجة(٦) فيه إلى القياس؛ لأنَّا علمنا أنَّ هذا الحكمَ كانَ معدوماً - في الأزلِ - والأصلُ في كلِّ أمرٍ بقاؤهً على ما كانَ: فيحصلُ لنا ظُنُّ ذلكَ العدمِ ، فيكونُ إثباتُ ذلكَ الظنِّ بالقياسِ مرَّةً أخرى عبئاً. فإن قلتَ: ثبوتهُ بدليلٍ لا يمنعُ من ثبوتِهِ بدليلٍ آخرَ. قلتُ: نعم؛ ولكن بشرط أنْ لا يفتقرَ الدليلُ الثاني إلى الأوَّلِ؛ [و(٧)] أمّا إذا افتقرَ إليه - كان التمسُّكُ بالدليلِ الثاني تطويلاً محضاً: من غير فائدةٍ. [و(٨)] أمّا إن كانَ الحكمُ المثبتُ بالقياسِ إثباتاً -فنقول: قد بيَّنًا: أنَّ قولنا: ((إنَّ الأصلَ في كلٍّ أمرٍ بقاؤهُ على ما كانَ)) - يقتضي [ظنَّ(١)] عدم ذلكَ الحكم (١) ما بين المعقوفتين ساقط من س. (٢) لفظ ى: ((أمير)). (٣) كذا في ح، وهو المناسب، ولفظ غيرها: ((الشرع)). (٤) زاد في س، آ: ((بالعمل)). (٥) ما بين المعقوفتين ساقط من غير س، آ، ح. (٦) في آ زيادة: (أنا)). (٧) هذه الواوزادها ح. (٨) هذه الزيادة من ح، آ. (٩) سقطت هذه الزيادة من ى. - ١١٠ - ٠۶ - في الحالِ - فلو اقتضى القياسُ ثبوتهَ - في الحالِ - مع أنَّ القياسَ متفرِّعٌ على تلك المقدّمةِ: [لزم وقوعُ التعارضِ بينَ تلكَ المقدَّمةِ (١)] - التي هي الأصلُ - وبينَ القياسِ - الذي هو الفرعُ - ولا شكّ أنَّ في مثل هذ التعارض يجبُ ترجيحُ الأصلِ على الفرع : فوجبَ القطعُ - ها هنا - بسقوط القياسِ. م وثالثها : أنَّ القياسَ لا يفيدُ ظنَّ الحكمِ إلّ إذا ظنّا كونَ الحكم - في الأصل معلَّلاً بالوصفِ الفلانيِّ، وذلكَ الظنُّ محالٌ؛ لما سيأتي - في الباب الثاني - أنَّ تعليلَ الحكمِ الشرعيِّ محالٌ. الفرقة الثانية : الّذين سلّموا أنَّ القياسَ يفيدُ الظنَّ، لكنَّهم قالوا: لا يجوزُ التكليفُ باتِّباع الظنِّ؛ قالوا: لأنَّ الظنَّ قد يخطئُ، وقد يصيبُ - فالأمرُ به أمرٌ بما يجوزُ أن يكونَ خطأ . وذلك غير(*) جائز. الفرقة الثالثة : الَّذين قالوا: يجوزُ التكليفُ باتِّباعِ الظنِّ، لكنَّه غيرُ جائزٍ - ها هنا [قالوا (٢)]: لأنَّ الاكتفاءَ(*) بالقياسِ اقتصارٌ على أدونِ البابين (٣) مع القدرة على أعلاهما؛ وذلك غير جائز(*). إنّما قلنا: ((إِنّه اقتصارٌ على أَدون البابين(٤))، لأنَّا نعلمُ - بالضرورة - أنَّ تنصيص صاحبٍ(*) الشرعِ أظهرُ في بابِ البيانِ من التفويضِ إلى القياسِ . (١) ما بين المعقوفتين ساقط من ى. (*) آخر الورقة (١٠٠) من آ. (٢) لم ترد الزيادة في ی. (*) آخر الورقة (١٠٧) من جـ. (٣) في ح، آ، ى: ((البيانين)). (*) آخر الورقة (١٠٢) من ل. (٤) لفظ ح، آ، ى: ((البياثين). (*) آخر الورقة (١٠٨) من ح. - ١١١ - وإنَّما قلنا: ((إِنَّهُ معَ القدرة على أَعلاهما))، لأَنَّهُ لا امتناعَ في التنصيصِ. على أحكامِ القواعدِ الكليّةِ. واحترزنا بهذا عن الشهادة والفتوىَ وقيم المتلفاتِ وأروش الجناياتِ ، والتمسُّك بالأماراتِ - في معرفةِ القبلةِ - والأمراضِ والأرباحِ والأمورِ الدنيويَّةِ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ تختلفُ باختلافِ الأشخاصِ والأوقاتِ والأمكنةِ والاعتباراتِ. فالتنصيصُ عليها كالتنصيصِ (١) على ما لا نهايةً(*) له؛ وهو محال. وإنَّما قلنا: ((إِنَّ الاقتصارَ على أَدونِ البابين(٢) معَ القدرة على أعلاهما غيْرٌ جائز)) لأنَّه إذا لم يقعْ البيانُ على أقصىَ الوجوهِ - حسنَ من المكلَّفِ أن يحملَ (*) اليقين على صعوبةِ البيانِ، لا على تقصيرِ نفسِهِ، فالإِتيانُ بكمالِ البيانِ إزاحةٌ لعذرِ المكلفِ: فيكونُ ((كاللّطفِ)) وترك المفسدة في الوجوب. [ و(٣)] الجوابُ: أمَّا النقوضُ - فقد ذكرنا أنَّ الدليلَ الشرعيَّ لمَّا قام على عدمِ الالتفاتِ إلى تلكَ المظانّ: لم يبقَ الظنُّ. قوله : ((فحينئذٍ يصيرُ عدمُ الدليلِ المبطلِ للقياسِ جزءاً من المقتضي)». قلنا: ليس كلُّ ما وجودُهُ يمنعُ من عملِ المقتضي - كانَ عدمهُ جزءاً من المقتضي ؛ فإنَّ الَّذي يمنعُ الثقيلَ من النزولِ لا يصيرُ عدمهُ جزء المقتضي. للنزولٍ ؛ لاستحالةِ كونُ العدمِ من العلَّةِ(٤) الوجوديّةِ. قوله: ((جوازُ الرجوع إلى الظنِّ - في الشرعيَّاتِ - مشروطٌ بعدمِ التمكُّنِ من تحصيلِ العلمِ)) . : (١) لفظ ى: ((تنصص)). (*) آخر الورقة (١٣٥) من س. (٢) في ى، آ: ((البيائين)) .! (*) آخر الورقة (٦٦) من . (٣) هذه الزيادة من ح، آ، ى. (٤) كذا في ص، ح، وعبارة غيرهما: ((من علَّةِ الوجود)). - ١١٢ - [قلنا: لا نسلِّمُ، فإنّه (١)] إذا حصلَ الظُّ الغالبُ بسبب القياسِ ، باشتمال(٢) أحدِ الطرفين على المفسدةِ، والآخرِ على المصلحةِ - فإلى أن يُستَقْصىَ في طلبِ العلمِ(٣) - لا بدَّ في الحالِ من أَن يرجَّح أحد الطرفين على الآخرِ؛ لامتناعِ تركِ النقيضين(٤) - وصريحُ العقلِ يشهدُ بأنَّهُ لا يجوزُ تَرجيحُ المرجوحِ : فتعيَّن ترجيحُ الراجحِ . وهو الجوابُ : - أيضاً - عن الإِمام المعصوم. [و(٥)] أمَّ المعارضاتُ - فتقول: أمّا التمسُّك بالآياتِ - فالجوابُ عنها: أنَّ الدلالة لمَّا دَلَّت على وجوب العمل بهذا الظنِّ - صارَ كأنَّ الله - تعالى - قال: ((مهما ظننتَ أنَّ هذه الصورَةَ تُشبهُ تلكَ الصورةَ - في علَّةِ الحكمِ - فاعلم قطعاً أنَّكَ مكلِّفْ بذلكَ الحكم )). وحينئذٍ: يكونُ الحكمُ معلوماً، لا مظنوناً - ألبّة. وأمَّا الاحاديثُ - فهي معارضة بالأحاديثِ الدالّةِ على العملِ بالقياسِ ، وطريقُ التوفيقِ أن نصرفَّ الأمرَ بالقياسِ إلى بعضِ أنواعِهِ، والنهي إلى نوعٍ آخرَ. وأمّا إجماعُ الصحابةِ فقد سبقَ الجوابُ عنه. وأما إجماع العترة - فممنوعٌ. ورواياتُ(٦) الإِماميَّةِ معارضةٌ بروايات (٦) الزيديَّةِ: فإنَّهم ينقلونُ عن الأئمةِ جواز العملِ بالقياس. قوله: ((العملُ بالقياسِ يستلزمُ وقوعَ الاختلافِ)). (١) ساقط من ی. (٢) لفظ غيرح، ص: ((واشتمال)). (٣) في ى: ((فلا)). (٤) كذا في ح، وفي غيرها: ((وصريح)). (٥) هذه الزيادة من ی. (٦) كذا في ى، ولفظ غيرها: ((برواية)) في الموضعين. - ١١٣ - ٠ ، قلنا: وكذا العملُ بالأدلَّةِ العقليّةِ والنصوصِ (١) يستلزمُ وقوعَ الخلافِ(٢)، فما هو جوابكم - هناكِ - فهو جوابنا - ها هنا. قوله: (لو قالَ لوكيلِهِ: أعتق غانماً لسوادِهِ، فإنَّه لا يعتقُ عليهِ كل عبيدهِ السود)). قلنا: إنَّهُ لو صرَّح بعد (٣) ذلك - فقال: ((قيسوا عليهِ سائرَ عبيدي)): لم يعثق عليه سائرُ عبيده؛ ولو نَصَّ الله - تعالى - على حكمٍ (٤)، ثمَّ قال: ((قيسبوا عليه)) فلا نزاعَ - في جوازِ القياس - فظهرَ الفرقُ بين الصورتين، والسببُ فيهِ: أنَّ حقوق العباد مبنيَّةٌ على (*) الشحِّ والضِنَّةِ لكثرةِ حاجاتهم، وسرعةِ رجوعهم عن دواعيهم وصوارفهم . وأمّا شبهةُ (٥) النظَّامِ - فجوابُها: أنَّ غالبَ أحكام الشرع معلَّلُ (٦) برعايةٍ المصالحِ المعلومةِ، والخصمُ إِنَّما بَّنَ خلافَ ذلك في صورٍ قليلةٍ جداً، وورودُ الصور النادرةِ - على خلاف(*) الغالبِ - لا يقدح في حصولِ الظنِّ: كما أنَّ الغيمَ الرطبَ إذا لم يمطر - نادراً لا يقدحُ في ظنِّ نزولِ المطرِ منه(٤). (١) كذا في ح، ولفظ غيرها ((والنص)). (٢) في ل، آ، ح: ((الاختلاف)). (٤) لفظ ح: ((الحكم). (٣) في ل، آ: (مع). (٥) لفظ ى: ((شبه)». (*) آخر الورقة (١٠٨) من جـ. (٦) كذا في خ، ولفظ غيرها: «معللة)». (*) آخر الورقة (١٠١) من آ. : (٧) مرة أخرى يسهب المصنّف في عرض شبهات هذا الضال ويقتصد في الرد عليها ولقد أورد الأصوليُّون هذه الشبهات، فمنهم منْ ناقشها على سبيل الإجمالكما فعل الإِمام المصنف - ومنهم من ناقشها على التفصيل فانظر المستصفى: (٢٦٤/٢)، والمعتمد (٧٤٦/٢) ونهاية السول (١٥/٣) وبحاشيته الإِبهاج: (١٣/٣ - ١٥) وقد عقب على ما ذكره النظام بقوله: ((واعلم: أن ما ذكره النظام من أن الشريعة مبنية على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات كذب وافتراء وإنما حمله على ذلك زندقته وقصده الطعن في الشريعة المطهرة، وقد كان زنديقاً يبطن الكفر ويظهر الاعتزال صنَّف كتاباً في ترجيح التثليث على التوحيد لعنه الله)) انظر ص (١٤) وانظر (٢٣٣/٢) منه أيضاً، وانظر بعض فضائحه في الملل= - ١١٤ - = والنحل: (٧٧/١ - ٨٧) ط الازهر. وسواء أكانت هذه الأباطيل من أفكار النظام ومبتكراته - كما يقول الأصوليون - أم هي من أفكار ابن الرواندي الملحد ونسبت إلى النظام لتشويه سمعة المعتزلة - كما يشير إلى ذلك الخياط المعتزلي في كتابه ((الانتصار)) فإنها من الأمور المبنية على المغالطة - واللجاجة - والتي ما كان ينبغي الالتفات إليها، أو العناية بتقريرها وحفظها، وإن كان الجمهور - ومنهم الإمام المصنّف - قد ردوا على النظام وغيره ذلك، تارة بالإجمال وأخرى بالتفصيل: أما الرد الإجمالي فمبناه على منع مقدمات دليله كلها ثم منع النتيجة. وأما الرد التفصيليّ - فقد أوضحوا أولاً: أن الأحكام الشرعية منها ما هو معلّل، ومنها ما ليس بمعلّل، والمعلل منه ما يدرك العقل علته وحكمة مشروعيته، ومنه ما ليس كذلك. = قال الغزاليّ - رحمه الله -: ((الأحكام ثلاثة أقسام: قسم لا يعلّل أصلاً وقسم يعلم كونه معلّلاً كالحجر على الصبيّ؛ فإنه لضعف عقله، وقسم يتردد فيه، ونحن لا نقيس ما لم يقم لنا دليل على كون الحكم معللاً، ودليل على عين العلة المستنبطة، ودليل على وجود العلة في الفرع)) المستصفى (٢٦٤/٢)، وشفاء الغليل: (١٩٩ - ٢٠٧). وأما ثانياً - فإن الصور التي ذكرها -وإن اختلفت في بعض الصفات فقد تكون متماثلة في العلة التي استوجبت الحكم، وذلك لأن المختلفات - كما قال العضد -: لا يمتنع اشتراكها في صفات ثبوتيّة وأحكام. انظر شرح مختصر ابن الحاجب: (٢ /٢٥٠)، ونحوه ما قاله قاضي القضاة: من أن القياس يقتضي الجمع بين الشيئين في الحكم، واختلافهما فيه إذا اشتركا أو افترقا في علته، لا في الصورة على ما في المعتمد (٧٤٧/٢). وأما ثالثاً - فعلى فرض تسليم ما ذكره: من أن شريعتنا جمعت بين المتفرقات وفرّقت بين المتماثلات، وأثبتت أحكاماً لا مجال للعقل فيها - فان هذا لا يستدعي التسليم بأن كل شريعة هذا شأنها يستحيل عقلاً التّعْبُدُ فيها بالقياس في جميع الأحكام وفي كل الصور والأحوال، وإنما يخصص ذلك بالصور التي ثبت فيها التفريق بين المجتمع، والجمع بين المختلف، والصور غير المعقولة المعنى، وذلك لأمور. أولها: ما ذكره الإمام المصنف: من أن هذه الصور - بالنسبة لغيرها - صور نادرة، والنادر لا یقاس علیه، ولا یعترض به علی غیرہ. وثانيها: أن الصور المذكورة لم یجر فيها القیاس، ولم تتوفرفيها شروطه فالاعتراض بها باطل، وعدم ظهور الحكمة فيها لمثل النظام لا يجعلها دليلاً على أن كل أحكام الشريعة = - ١١٥ - قوله: ((البراءةُ الأصليّةُ معلومةٌ، والقياسُ دليلٌ ظنيُّ، والظنُّ لا يعارضُ اليقين(*)). قلنا: ينتقضُ ذلك بجوازِ العملِ بالفتوى والشهادةِ، وتقويمِ المقوِّمين وبجوازِ العملِ بالظنَّ في الأمورِ الدنيويَّةِ. قولُهُ: ((القياسُ إِمَّا أنْ يردَ على وفقِ حكمِ الأصلِ، أو على خلافِهِ)). قلنا: ينتقضُ بالأمورِ المذكورةِ . . [قوله: ((الظنُّ قد يخطىء(*) وقد يصيب)). قلنا: ينتقض بالأمور المذكورة(١)]. قوله: ((الاكتفاء بالقياس اكتفاءً بأدون البابين(٢)، مع القدرة على أعلاهما)». قلنا(*): إنَّه كذلكَ، فلمَ لا يجوزُ؟ فإنْ قالوا: لأنَّه لطفٌ، واللطفُ واجبٌ. = الإسلامية غير معلّلَة وبالتالي لا يصح الأخذ بالقياس فيها. وثالثها: أن العلماء قد تناولوا هذه الصور تفصيلاً، وبيّنوا الحكم والعلل التي يمكن تعليل كل منها بها، وهي حكم وعلل معقولة المعنى لا ينكرها إلّ غبيّ أو معاند أو جاحد. ولمعرفة جملة من هذه الشبهات، أو اكثرها أنظر إعلام الموقعين الفصل الخاص بـ((تناقض القياسيّين دليل على فساد القياس)). وفصل ((القياسيون يجمعون بين ما فرّق الله ويفرقون بين ما جمع)) وانظر تأويل ابن القيِّم - رحمه الله - لذلك كله في الجزء الثاني من كتابه إعلام الموقعين فإنّه - رحمه الله - قد تعرض لبيان الحكمة في كل ما ظنه النفاة خالياً منها، كما فعل ذلك كثير من الفقهاء. فارجع إليها لمعرفة علة كل ما زعم أنّه خالٍ من العلة والحكمة وراجع إحكام الآمدي: (٧/٤ - ٢٣) ط الرياض. (*) آخر الورقة (١٣٦) من س. (١) ما بين المعقوفين ساقط من ى، والعلامة لآخر الورقة (١٠٣) من ل. (٢) في ل، آ، ح: ((البيانين)). (*) آخر الورقة (١٠٩) من ح. - ١١٦ - قلنا: الكلام على هذه الطريقةِ سبقَ - في بابِ الاجماعِ - على الاستقصاء(١). المسألةُ [الثانيةُ (٢)]: قالَ النظامِ: ((النصُّ على علَّةِ الحكمِ يفيدُ الأمر بالقياسِ)). وهو قولُ أبي الحسين البصرِيّ، وجماعةٍ من الفقهاء. [و(٣)] منهم من أنكرهُ. وهو المختارُ. وقالَ أبو عبد اللهِ البصريّ: إنْ كانت العلَّةُ علَّةً - في الفعلِ - لم يكن التنصيصُ عليها تعبُّداً بالقياسِ . [وإنْ كانت علَّةٌ - في التركِ - كانَ التنصيصُ عليها تعبُّداً بالقياسِ (٤)]. لنا : أنَّ قولَهُ: ((حرَّمتُ الخمرَ لكونها مسكرةً) يحتملُ أنْ تكونَ العلّةُ هي الإِسكارُ، وأن تكونَ [العلَّةُ(٥)] - هي إسكارُ الخمر، بحيثُ يكونُ قيدُ كونِهِ مضافاً إلى الخمر - معتبراً في العلَّةِ؛ وإذا احتملَ الأمرين: لم يجزِ القياسُ إلّ عندَ أمرٍ مستأنفٍ بالقياسِ . فإن قيلَ: لا نسلِّمُ أنَّ قيدَ [كونِ(٦)] الإِسكارِ - في ذلكَ المحل - يحتملُ أنْ يكونَ جزءاً من العلَّةِ، فإِنَّا لوجوَّزْنا ذلك [[] ◌ِلِزمنَا تجويزُ مثلِهِ - في العقليّاتِ - حتىّ (٧) نقولَ: هذه الحركةُ إنَّما اقتضت المتحركيَّةَ لقيامِها بهذا المحلِّ، فالحركةُ القائمةُ لا بهذا المحلِّ لا تكونُ علَّةٌ للمتحركيَّةِ. (١) انظر: الجزء الرابع، ص ١٠١، من كتابنا هذا. (٢) اقتصر في ص على لفظ ((مسألة)). (٣) لم ترد الواو في ی. (٤) ما بين المعقوفتین ساقط من ی. (٥) لم ترد في حے، ی. (٧) لفظ آرف)). (٦) لم ترد الزيادة في آ .. - ١١٧ - سلّمنا إمكانَ كونِهِ معتبراً - في الجملة - لكنَّ العرفَ يدلُّ على سقوطِ هذا القيدِ عن درجةِ الاعتبارِ؛ لأنَّ الأبَ إذا قالَ لابنهِ: ((لا تأكلْ هذِهِ الحشيشةَ لأنّها سمٌ)) - يقتضي منعَهُ عن أكلِ كلّ حشيشةٍ تكونُ سمَّاً. وإذا أثبتَ ذلكَ - في العرفِ - ثبتَ مثلُهُ - في الشرع - لقوله عليه الصلاةَ والسلام: ((ما رآه المسلمون حسناً - فهو عندَ اللهِ حسنٌ)». سلّمنا: أنَّه غيرُ ساقطٍ - في العرفِ إلّا أنَّ الأغلبَ على الظنِّ سقوطُهُ؛ لأنَّ علَّة الحكم - وجبَ أنْ تكونَ منشأَ الحكمةِ، ولا مفسدةً في كونِ الإِسكارِ قائماً بهذا المجلُّ أو بذاكَ، بل منشأ المفسدةِ كونُهُ مسكراً فقط؛ فإذا غلب على ظنِّنا ذلكَ: , وجبَ الحكمُ بِهِ احترازاً عن الضررِ المظنون. سلّمنا: أنّ(١) هذا القيد غيرُ ظاهرٍ، لكنَّ دليلكُمُ إنَّما يتمشّى فيما إذا قالَ الشارعُ: ((حرَّمتُ الخمر لكونها مسكرةً(٢)). أمَّا لو قالَ: ((علَّةُ حرمةِ الخمر - إنَّما هي الإِسكارُ) لا يبقى ذلك الاحتمال. سلَّمنا: أنَّ دليلكَمُ يُمِنعُ من القياسِ ، لكن - ها هنا - ما يدلُّ على جوازِهِ: فإنَّ قولَ الشارع: ((حرَّمتُ الخمرَ لكونها مسكرةً)) - يقتضي إضافة الحرمة إلى الإِسكار(*)، وذلكَ يدلُّ على أنَّ العلّةَ - هي الإِسكارُ: فوجبَ أن يترتَّبَ الحكمُ. عليهِ أينما وجدَ . وأمّا من فَرَّقَ بينَ الفعلِ والتركِ - [فقد(٣)] قالَ: إنّ من ترك أكلَ رمَّانَةٍ لحموضتها وجبَ عليه أن يتركَ أكل كلِّ رمَّانةٍ حامضةٍ، أمّا من أكلَ رمَّانَةٌ الحموضتها لا يجبُ عليهِ أن يأكلَ [كلّ (٤)] رمَّانةٍ حامضةٍ . [ و(٥)] الجوابُ(*): قوله: ((هذا الاحتمالُ قائمٌ في الحركةِ)». (١) زاد في ح، ى: ((ف)». (٢) عبارة ح: ((لكونه مسکراً)) .. (٣) لم ترد هذه الزيادة في ح. (*) آخر الورقة (٣٦) من ص. (٤) سقطت الزيادة من ل (٥) هذه الزيادة من ح، آ، ى. (*) آخر الورقة (١٠٩) من جـ. - ١١٨ - قلنا(١): إن عنيتَ ((بالحركة)) معنى يتقضي المتحركيَّةَ - فهذا المعنی یمتنعُ فرضُهُ بدونِ المتحركیّةِ. وإن عنيتَ(*) (بالحركةِ)) شيئاً آخرَ - بحيثُ يبقى فيهِ(*) هذا(٢) الاحتمال - فهناك نسلّمُ أَنَّهُ لا بدَّ في إبطالِ ذلكَ الاحتمالِ من دليلٍ منفصلٍ. قولُهُ: ((العرفُ يقتضي إلغاءَ(٣) هذا القيدِ)). قلنا: ذاك إنَّما عرفَ بالقرِينةِ - وهي: أنَّ شفقتهَ تمنعُ من تناول كل ما يقتضي ضرراً، فلِمَ (*) قلتَ: إنَّ هذا المعنى حاصلٌ في العلَّةِ المنصوصةِ؟ قوله: ((الغالب على (٤) الظنّ إلغاءُ هذا القيدِ)). قلنا: هب أنَّ الأمرَ كذلك؛ ولكن إنَّما يُلْحِقُ الفرعُ بالأصلِ، لأنَّهُ لِمَّا غلبَ على ظَبِّنَا كونُهُ في معناه، ثمَّ الدليلُ دلَّ على وجوبِ الاحترازِ من الضررِ المظنونِ - فحينئذ: يجبُ علينا أن نحكم - في الفرع - بمثلِ حكم الأصل ، ولكن هذا - هو الدليلُ الَّذي دلَّ على كونِ القياسِ حجّةٌ، فالتنصيصُ على علَّةِ الحكمِ لا يقتضي إثباتَ مثلِهِ - في الفرع - إلّ معَ الدليلِ الدالِّ على وجوبٍ · العملِ بالقياسِ. قولهُ: ((لو صرَّح بأنَّ العلَّةَ - هي الإِسكارُ - لا يبقى فيهِ هذا الاحتمال(٥). قلنا(*) :- في هذه الصورة - نسلم أنَّه أينما حصلَ الإِسكارُ: حصلت الحرمةُ، لكنَّ ذلكَ ليس بقياسٍ ؛ لأنَّ العلمَ بأنَّ الإِسكارَ - من حيثُ هو إِسكارٌ (١) زاد في آ. ((له)). (*) آخر الورقة (١٣٧) من س. (٢) لفظ آ: ((ذلك)). (٣) لفظ ح: ((بقاء))، وهو وهم. (٤) زاد في ى: ((هذا)). (٥) لفظ آ: ((الأصل)). (*) آخر الورقة (٦٧) من ى. (*) آخر الورقة (١٠٢) من أ. (*) آخر الورقة (١٠٤) من ل. - ١١٩ - - يقتضي الحرمةَ: يوجب(١) العمل (٢) بثبوتِ هذا الحكم - في كلِّ محالَّه. ولم (٣) يكن العلمُ بحكمِ بعضِ تلكَ المحالِّ متأخِّراً عن (٤) العلم بالبعضِ ، فلم يكن جعلُ البعض فرعاً(٥)، والآخر أصلا - أولى من العكس: فلا يكونُ هذا قياساً؛ بل إنَّما يكونُ قياساً لو قالَ: ((حرَّمتُ الخمرَ لكونها مسكرةٌ) . فحينئذ: یکونُ العلمُ شبوتِ هذا الحکم - في الخمر أصلاً للحكم به في النبيذ. ومتى قالَ - على هذا الوجهِ - انقدحَ الاحتمالُ المذكورُ. قوله: ((إنَّ قولَهُ حرَّمتُ الخمرَ لكونها مسكرة(٦) - يقتضي إضافةً الحرمةِ إلى نفسِ الإِسكار)» . قلنا(*): لا نسلِّمُ، فلعلَّ قيد كونِ الاسكارِ فيه - معتبرٌ في العليَّةِ على ما حققناه . قوله: ((من تركَ أُكلَ رمّانةٍ لحموضتِها يجب(٧) عليه أن يتركَ الكلَّ)). قلنا: لا نسلَّمُ، لاحتمالِ أن يكونَ الداعي [له(٨)] إلى التركِ، لا مطلقٌ حموضةِ الرمّانةِ، بل حموضة هذه(٩) الرمّانة، وإنَّها غيرُ حاصلةٍ - في سائرٍ(١٠) الرمَّاناتِ . سلَّمناه؛ ولكن لا فرقَ - في ذلكَ - بين الفعلِ والتركِ. قوله: ((من أكل رمّانةً لحموضتِها، لا يجبُ عليهِ أن يأكلَ كلَّ رمَّانةٍ حامضة» . (١) كذا في آ، وهو الأنسب ولفظ غيرها: ((فوجب)). (٢) لفظ ح: ((العلم)) والأصح ما أثبتنا. (٤) لفظ ل: ((في)). (٦) عبارة ح: ((لكونه مسکراً)). (٧) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((وجب)). (٩) عبارة ح: «هذا الرمان)). (٣) في ى زيادة: ((ما)). (٥) زاد في ى: ((جعل)). (٥) آخر الورقة (١١٠) من ح. (٨) هذه الزيادة من ح، ى. (١٠) لفظ ح، ل: ((هذه)). - ١٢٠ -