النص المفهرس
صفحات 21-40
القسم الأول في إثبات أن القياس حجة اختلف الناسُ في القياسِ الشرعيِّ . - فقالت طائفةٌ: العقلُ يقتضيِ جوازَ التعبُّد بهِ في الجملةِ . وقالت طائفةٌ: العقلُ يقتضيِ المنعَ من التعبُّدِ بِهِ . والأوّلونَ(١) قسمانِ: = الحكم، وقد أورد بعضهم اعتراضات على هذين التفسيرين للحجيّة وأجاب عنها، ثم رجع أن المراد بلفظ القياس من قولهم: ((القياس حجّة)): المساواة في العلة، وأما لفظ ((حجّة)) - فالمراد به: أنّه أصل ودليل من قبل الشارع نصبه لاستنباط الحكم الشرعيّ منه: كالكتاب والسّنة. انظر نبراس العقول: (٥٢/١ - ٥٥). وأما الذين عبِّروا بـ ((التعبّدِ)) - فقد اختلفوا في معناه على قولين: الأول: أنّه عبارة عن إثبات الأحكام به واعتقاده حجّة في الشرع - وهذا ما جرى عليه الآمدي فانظر الإحكام: (٥/٤) ط الرياض. وعلى هذا المعنى اعتراضات أربعة لا نطيل بذكرها وذكر أجوبتها. والمعنى الثاني للتعبد: وجوب العمل بمقتضى القياس، وهذا ما جرى عليه الإمام المصنف، والعضد في شرح المختصر: (٢٤٨/٢) والبيضاوي في المنهاج فانظره بشرح الإِسنوي وابن السبكي: (٧/٣) وانظر ما قاله الكمال في هذين التفسيرين في التحرير بشرحه التيسير: (٢٦٦/٣ - ٢٦٧)، وبشرحه التقرير (١١٨/٣ -١١٩) وإن كان التعريف الثاني - وهو: العمل بمقتضاه - هو الراجح والأقرب إلى مقاصد الفن. (١) أبدلت الواو في ی بـ (ف)). - ٢١ - منهم من قال: وقعَ التعبُّدُ بِهِ . ومنهم من قالَ: لم يقع. أمَّا من اعترفَ بوقوع التعبُّدِ بِهِ - فقد اتَّفقوا: على أنَّ السمعَ دلَّ عليهِ، ثم اختلفوا في ثلاثةِ مواضِعَ : أحدها: أَنَّه هل في العقلِ [ما يدلُّ عليهِ؟ فقالَ القفّالُ - منّا وأبو الحسين البصريُّ - من المعتزلةِ -: العقلُ] يدلُّ على: وجوب العمل بهِ. وأمَّا الباقون - مِنَّا، ومن المعتزلةِ - [فقد(٢)] أنكروا ذلك. وثانيها : أنَّ أبا الحسين البصريّ - زعمَ أنَّ دلالةَ الدلائلِ السمعيَّةِ عليهِ ظَنَّةُ، والباقون قالوا: قطعيَّةٌ (*). وثالثها : القاشانيُّ والنهروانيُّ (٣) ذهبا إلى العملِ بالقياس - في صورتين: (١) ما بين المعفوفتين سقط من آ، ولفظ ((القفال)). أبدل في ى بـ ((الفقهاء)). (٢) سقطت الزيادة من ل. (*) آخر الورقة (٥٣) من ى، و(٨٩) من ح. (٣) عبارة ى: ((ذهب القاشاني والنهروانيّ)). والقاشانيّ نسبة الى ((قاشان))، ناحية مجاورة ((لقم))، ویالسين: ناحية من نواحي أصبهان - وهو: محمد بن إسحاق كان داودياً ثم: انتقل إلى مذهب الشافعيّ، وصار رأساً فيه، ومتقدماً عند أهل النظر، له كتاب في الرد على داود في ((إبطال القياس))، وغيرها انظر الفهرست: (٣٠٠). وطبقات الشيرازي: (١٧٦) وقد : جزم الشيخ عفيفي في تعليقاته على إحكام الأحكام بأنه جعفر بن محمد الرازي فانظر (٢٤/٤). والنهروانيّ - هو: المعافى بن زكريا بن يحيى يكنى بأبي الفرج، ويلقب بالجريريّ لأنه على مذهب ابن جرير الطبريّ توفي سنة (٣٩٠)هـ انظر طبقات الأصوليين: (٢١١/١). - ٢٢ - إحداهما(*): إذا كانت العلّةُ منصوصةٌ بصريح اللفظ، أو بإيمائه. والثانية (١): كقياسٍ تحريمِ الضرب على تحريمِ التأفيفِ. أمَّا جمهورُ العلماءِ - [فقد(٢)] قالوا بسائرِ الأقيسةِ. وأمَّا القائلون بأنَّ التعبّدَ لم يقع بهِ ـ فمنهم من قالَ: لم يوجد في السمعِ ما يدلُ على وقوع التعبّدِ بهِ: فوجبَ الامتناعُ من العملِ بِهِ. ومنهم من لم يقنع(٣) بذلك، بل تمسَّكَ في نفيهِ بالكتاب والسنّةِ، وإجماع الصحابة وإجماع العترةِ. وأمَّا القسم الثاني - وهم الّذين قالوا: بأنَّ العقلَ يقتضيِ المنعَ من التعبُّدِ به - فهم فريقان : أحدهما : خصَّص(٤) ذلك المنعَ بشرعناً؛ [و(٥)] قال: لأنَّ مبنى شرعِنا على الجمعِ بين المختلفات، والفرقِ بينَ المتماثلاتِ؛ وذلكَ يمنعُ من القياس . وهذا (٦) قولُ النظام. وثانيهما : الّذين قالوا: يمتنعُ ورودُ التعبّدِ به(٧) في كلِّ الشرائعِ. وهؤلاء فرقٌ ثلاثٌ. إحداها : الّذِين قالوا: يمتنعُ أن يكونَ القياسُ طريقاً إلى العلمِ والظّنّ. (٥) اخر الورقة (٨٥) من جـ. (١) لفظ ي: «وثانيهما)». (٢) لم ترد الزيادة في ى. (٥) آخر الورقة (٢٩) من ص. (٣) لفظ أ: ((يقتنع)). (٤) عبارة ى: ((الذين خصّصوا)). (٥) هذه الزيادة من ح. (٦) لفظ ى: ((وهو). (٧) كذا في ل، ى، آ، جـ، ح، ولفظ س، ص: ((بالقياس)). - ٢٣ - وثانیتھا : الّذين سلَّموا(١) أَنَّه يفيدُ الظنَّ، لكنهم قالوا: لا يجوزُ متابعةُ الظنِّ؛ لأنَّهُ قد یخطىءُ وقد يصيبُ. وثالثتها : الّذين سلَّموا أنَّهُ يجوز متابعةُ الظنِّ (٢) - في الجملةِ - ولكن حيثُ يتعَّذِرُ النصُّ: كما في قيمِ المتلفاتِ وأروشِ الجناياتِ، والفتوى، والشهادات لأنَّهُ لا نهايةَ لتلكَ الصورِ: فكانَ التنصيصُ على حكمٍ كلُّ واحدٍ منها - متعذراً. أمّا في [غير(٣)] هذه الأحكام - فإنَّه يمكنُ التنصيصُ عليها: فكان الاكتفاءُ بالقياس اقتصاراً على أدنى البابين (٤)، معَ القدرة على أعلاهما؛ وأنَّهُ غیرُ جائزٍ. وهذه (٥) طريقةُ داود (٦) وأتباعِهِ من أهلِ الظاهر. فهذا تفصيل المذاهب. (١) لفظ ى: ((قالوا)). (٢) في ی: ((متابعته)). (٣) سقطت الزيادة من ل، ى. (٤) في ل، ى، آ: ((البيانين)). (٥) لفظ ح: ((وهذا)). . (٦) هو: أبو سليمان داود بن عليّ بن خلف البغداديّ الأصبهانيّ إمام أهل الظاهر، كان : أحد الأئمة، في العلم والزهد والورع، وإلیه انتهت رئاسة العلم ببغداد كان شديد الإعجاب بالإمام الشافعيّ، وألف في مناقبه، وكانت بينه وبين الإِمام أحمد جفوة لما نقل للإِمام عنه من قوله في القرآن - رحمهم الله جميعاً - توفي سنة (٢٧٠) هـ ببغداد، له ترجمة في طبقات ابن السبكي: (٢٨٤/٢) وتاريخ بغداد: (٣٦٩/٨)، والتذكرة: (١٣٦/٢)، وطبقات العبادي: (٥٨)، والشيرازي: (٩٢)، وطبقات المفسرين الداودي: (١٦٦/١)، والميزان: (١٤/٢)، والعبر: (٤٥/٢)، وأخبار أصبهان: (٣١٢/١)، واللسان: (٤٢٢/٢)، والوفيات: (٢٦/٢). هذا: وقد ذكر الزركشيُّ في البحر المحيط: ((أن أول من باح بإنكار القياس النظام، وتابعه قوم من المعتزلة، وتابعه على نفيه - من أهل السنة - داود الظاهريّ)). انظر النبراس: (٦٠/١). وقال ابن المنير في شرحه: ((ذكر القاضي بكر بن العلاء - من أصحابنا -: أن: القاضي إسماعيل أمر بداود - منكر القياس، فصفع في مجلسه بالنعال، وحمله إلى الموفق في البصرة ليضرب عنقه، لأنه رأى أنه جحد أمراً ضرورياً من الشّريعة في رعاية مصالح العباد))= - ٢٤ - . = المرجع السابق. وقد نقلوا عن داود: أنّه لا ينكر القياس الجليّ .. صرح بذلك في جمع الجوامع. فانظره مع حاشية العطار: (٢٤٢/٢ - ٢٤٣) ونقل العطار في الحاشية - عن ابن السبكي أنه قال: ((وعندي مختصر لطيف لداود - أيضاً - في أدلة الشرع لم يذكر فيه القياس، لكنه ذكر شيئاً من الأقيسة الجلية سمّاها الاستنباط)). فانظر المرجع نفسه، وإحكام الأمدي: (٢٤/٤). ط الرياض. ولكن أبا محمد بن حزم نفى أن يكون داود أو أحد من أصحابه قال بأيّ نوع من أنواع القياس، حيث عقب على القياس المنصوص على علته بقوله: ((وهذا ليس يقول به أبو سليمان - رحمه الله - ولا أحد من أصحابنا، وإنما هو قول لقوم لا يعتد بهم في جملتنا: کالقاسانيّ وضربائه». ۔۔ وقال هؤلاء (يريد القاساني وضرباءه): وأما ما لا نص فيه - فلا يجوز أن يقال فيه: إنَّ هذا لسبب کذا. وقال أبو سليمان وجميع أصحابه - رضي الله عنهم -: لا يفعل الله شيئاً - من الأحكام وغيرها لعلّة أصلاً بوجه من الوجوه؛ فإذا نص الله - تعالى - أو رسوله - 14: على أن أمر كذا لسبب كذا أو من أجل كذا، أو لأنَّ كذا، أو لكذا فإنّ ذلك كله ندري أنّه جعله الله أسباباً لتلك الأشياء في تلك المواضع - التي جاء النص بها فيها، ولا توجب تلك الأسباب شيئاً من تلك الأحكام في غير تلك المواضع البتّة قال أبو محمد: وهذا ديتنا الذي ندين الله - تعالى - به وندعو عباد الله - تعالى - إليه، ونقطع على أنه الحق عند الله - تعالى -. هذه هي حقيقة مذهب الظاهرية في القياس. فانظر الإحكام لابن حزم: (٧٦/٨ - ٧٧). ومنه يتضح أن الأصوليين الذين صرّحوا: بأنّ القيام الجليّ لا نزاع فيه لا بد أنهم بنوا إطلاقهم هذا على أحد احتمالين: أولهما: أن داود يوافق الجمهور فيه كما يفهم من صنيع ابن السبكي . وثانيهما: بناء على أن الظاهرية لا يعتد بخلافهم وهو أحد أقوال ثلاثة في المسألة. ثانيها: يعتبر خلافهم مطلقاً، وهو ما ذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي: أنه الصحيح من مذهب الشّافعي. وقال ابن الصلاح: هو الذي استقر عليه الأمر آخراً. والثالث: أن قولهم معتبر فيما لم يخالف القياس الجليّ. انظر حاشية العطار على الجمع: (٢٤٣/٢). - ٢٥ - والّذي نذهب إليهِ - وهو قولُ الجمهورِ من(*) علماءِ الصحابة والتابعين -: أنَّ القياسَ حجَّةٌ في الشّرع(١). لنا : الكتابُ والسنّةُ والإِجماعُ والمعقولُ: أُمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُوْا يَنأُوْلِي الْأَبْصَرِ﴾ (٢). وجهُ الاستدلال [به(٣)]: أنّ ((الإعتبار)) مشتقٌّ من ((العبور)) وهو المرور(٤)، يقال: ((عبرتُ عليه))، و((عبرتُ (٥) النهرَ)، و «المُعبرُ)): الموضع الّذي يُعبر عليه، و((المعبرُ) السفينة الّتي يعبر فيها كأنَّها أداة العبورِ، و((العَبْرَةُ)): الدمعة الّتي عبرت من الجفن و((عَبرَ الرؤيا وعبَّرها)): جاوزَها إلى ما يلازمُها(٦). فثبت بهذه الاستعمالات (٧) كونُ ((الاعتبارِ)» حقيقةً في «المجاوزةِ»: فوجب أن لا يكونَ حقيقةً في غيرها: دفعاً للاشتراك. والقياس: عبورٌ من حكمِ الأصلِ إلى حكمِ الفرع: فكانَ داخلًا تحت الأمر. (*) آخرِ الورقة (٨١) من آ. (١) ولقد أخطأ أحد الكتاب المحدثين - من الذين كتبوا في حياة الفخر، فزعم: أن الفخر من المنكرين لحجيّة القياس وأبدى في ذلك وأعاد اغتراراً منه بأن للفخر كتاباً عنوانه ((إبطال القياس)) فسارع في الحكم عليه من غير أن يتعب نفسه بالاطلاع على أي كتاب من كتبه المطبوعة أو المخطوطة. فانظر كتاب ((الإمام فخر الدين الرازي حياته وآثاره)) للدكتور علي محمد حسن العماري ص (١٩٧). (٢) الآية (٢) من سورة الحشر. (٣) لم ترد الزيادة في ی. (٤) لفظ آ: ((الورود)). (٥) لفظ ح: ((عبره. (٦) في آ: ((معناها). (٧) لفظ ى: ((أن)) .. - ٢٦ - فإن قيل: لا نسلّم أنَّ ((الاعتبارَ) هو ((المجاوزةُ))، بل هو عبارةٌ عن ((الاتعاظِ))، لوجوه : أحدها: أَنَّه لا يقال لمن يستعمل(١) القياسَ العقليَّ: ((إنَّه معتبرٌ)). وثانيها : أنّ المتفكّر(٢) في إثباتِ الحكمِ من طريقِ القياسِ إذا لم يتفكّر في أمر معادِهِ - يقالُ: ((إِنَّهُ غيرُ معتبرٍ، أو قليلُ الاعتبار). وثالثها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأِوْلِي الْأَبْصَرِ﴾(٣) ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً﴾ (٤) والمراد به: ((الاِّعاظُ)). ورابعها : يقال: ((السعيدُ من اعتبر بغيره (٥). والأصلُ في الكلامِ الحقيقةُ. فهذه الأدلَّةُ (٦) تدلُّ(٥) على أنَّ ((الاعتبارَ)) حقيقةٌ في ((الاتِّعاظِ))، لا في (*) آخر الورقة (١١١) من س. (١) كذا في ح، ى، وعبارة جـ: ((لمن لم يستعمل))، وهو خطأ، وفي النسخ الأخرى - . نحوما في ح، ى، غير أنهم أبدلوا لفظ ((يستعمل)) ب ((استعمل)). (٢) كذا في جـ، ى، ولفظ غيرهما: ((المتقدم)). (٣) الآية (١٣) من سورة آل عمران و (٤٤) من سورة النور. (٤) الآية (٦٦) من سورة النحل، و (٢١) من سورة المؤمنون. (٥) في الحديث الصحيح: ((السعيد من وعظ بغيره، والشقيّ من شقى في بطن أمه)) رواه مسلم. انظر أسنى المطالب: ((١٢٤))، والمقاصد الحسنة الحديث ((٥٦١) ص (٢٤٠))، والكشف ((١٤٧٥))، ((٥٤٨/١))، والفتح الكبير: ((١٧١/٢))، وفيها كلها بلفظ ((وعظ)) . (٦) لفظ آ: ((الأربعة)). (*) آخر الورقة (٨٤) من ل. - ٢٧ - (المجاوزة)): فحصلَ التعارضُ بین ما قلتم، وما قلناه، فعلیکم الترجيحُ(١)؛ ثمّ. الترجيح (٢) معنا؛ فإنَّ الفهمَ أسبق إلى ما ذكرنا(٣). سلمنا: أنَّ ما ذكرتموهُ حقيقةٌ [و(٤)] لكنّ شرط حملِ اللفظِ على الحقيقةِ - أنْ لا يكونَ هناكَ ما يُمنعُ منهُ، وقد وجدَ - ها هنا - ما يمنع(٥)؛ فإنَّه لو قالَ ((يُخْرِبونَ بيوتَهم بأيديهم وأيدي المؤمِنْينَ فقيسوا (٦) الذرةَ على البِ)) كان (٧) ركيكاً، لا يليقُ بالشرعِ. وإذا كان كذلكَ: ثبتَ أنَّهُ وجدّ ما يمنعُ من حملِ اللفظِ على حقيقته(٨). سلّمنا: أَنَّه لا مانعَ من حملِهِ على ((المجاوزةِ» لكن لا نسلَّمُ أنَّ الأمرَ (بالمجاوزةِ)) أمرٌ بالقياسِ الشرعيّ. [و(٩)] بيانه : أنّ كلَّ من تمسَّكَ(*) بدليلٍ على مدلولٍ - فقد عَبرَ من الدليل إلى المدلول، فمسمَّى ((الاعتبارِ)) مشتركٌ فيه بين الاستدلال بالدليل العقليّ القاطع ، وبالنَّص، وبالبراءةِ الأصليّةِ، وبالقياسِ الشرعيّ - فكلُّ واحدٍ - من: هذه الأنواع - يخالفُ(١٠) الآخرَ بخصوصيتّهِ، وما به الاشتراك(*) غيرُ ما بهِ الامتيازُ، وغيرُ مستلزمٍ له: فاللفظُ الدالُّ على ما به الاشتراك غيرُ دالٌ على ما (١) زاد في س، آ، جـ: ((ب)). (٢) أبدلت في جـ، ى بـ: ((إنّه)). (٣) في آ زيادة: «٥». (٤) لم ترد الواو في ى. (٥) كذا في ح، ولفظ غيرها: «مانع)). (٦) كذا في س، ى، جـ، ولفظ غيرها: ((فيقيسوا)). (٧) هذه الزيادة من جٍ. (٨) لفظ ى: ((الحقيقة)). (٩) هذه الزيادة من ح. (*) آخر الورقة (٨٦) من جـ. (١٠) كذا في ص، ح، ى، ولفظ ((يخالف)) في ل، آ ((يخالفه)) ولفظ ((الآخر)» في س: (الأمر)). (*) آخر الورقة (٩٠) من ح. - ٢٨ - بهِ الامتيازُ، لا بلفظِهِ ولا بمعناهُ: فلا يكونُ دالاً على النوعِ الَّذي ليسَ إلّ عبارة عن مجموع جهة الاشتراكِ، وجهة الامتياز: فلفظُ (الاعتبار)) غير دالٍّ على القياسِ الشرعيّ لا بلفظِهِ ولا بمعناهُ. فإن قلتَ: القدرُ المشتركُ - بين أنواعٍ مخصوصةٍ - لا يوجدُ إلّا(١) عندَ وجودٍ واحدٍ منها، والأمرُ بالشيءٍ أمرٌ بما هو من ضروراتِهِ: فالأمرُ بإدخالِ «الاعتبارِ» في الوجود - أمرُ بإدخالِ أحدِ أنواعِهِ في الوجودِ، ثم ليسَ تعيينُ أحدٍ أنواعِهِ - أولى من تعيين الباقي ؛ لأنَّ نسبةَ القدر المشتركِ بينَ أنواعٍ مخصوصةٍ إلى كلّ واحدٍ منها - على السويّةِ(٢)؛ فإمَّا أنْ لا يجب شيءٌ منها - وهو باطلٌ؛ لأنَّ تجويز الإِخلالِ بجميع أنواع الماهِيَّةِ يستلزم(٣) تجويزَ الإِخلالِ بتلك الماهيَّةِ؛ فيلزمُ أن لا يكونَ مسمّى «الاعتبارِ» مأموراً به؛ وهو باطلٌ. أو يجبَ جميعُ أنواع ((الاعتبارِ)) - المأمور بهِ في الآيةِ: فيكونُ القياسُ الشرعيُّ مندرجاً فيه . قلت: لا نسلِّم أنَّهُ ليسَ بعضُ الأنواع - أولى من بعضٍ ؛ لأنَّ ((الاعتبارَ)) المأمورَ به في الآيةِ لا يمكنُ أن يكونَ - هو القياسُ الشرعيُّ فقط، وإلّ لصارّ معنى الآية : ((يُخْرِبُوْنَ بُيُوْتَهُمْ بِأَيْدِيْهِمْ وأَيْدِي الْمُؤْمِنِيْنَ - فقيسوا الذُّرةَ على البرُّ) ومعلومٌ أنَّهُ غير جائزٍ، بل لا بدَّ من الاعترافِ بأنَّ((الاعتبار)) المأمورَ [ به(٤)] يفيدُ نوعاً غير القياس الشّرعي وهو «الأِّعاظُ)) - مثلاً، إلا أنَّا نقولُ: إنَّهُ يفيدُ ((الاتِّعاظَ)) فقط، وأنتم تقولون يفيد ((الاتِّعاظَ)) والقياسَ الشّرعيَّ. فظهر بهذا: أنَّ الأمرَ ((بالاعتبارِ)) - يستلزمُ الأمرَ ((بالاتِّعاظِ))، ومسمّى ((الاعتبارِ)) حاصلٌ في ((الاتِّعاظِ)) ففي إيجاب(*) ((الاتِّعاظ)) [حصل(٥)] إيجابُ (١) لفظ ى: ((بعد)). (٢) في ى: ((التسوية)). (٣) في ل: ((مستلزم)) .. (٤) لم ترد الزيادة في س، ص، جـ. (*) آخر الورقة (١١٢) من س. (٥) لم ترد الزيادة في ح، ی .. - ٢٩ - ٦ مسمّى ((الاعتبارِ)) فلا حاجةً إلى إيجابِ سائرِ أنواعِهِ . وأيضاً - فنحن نوجبُ اعتباراتٍ أخرَ: أحدها: إذا نصّ الشَّارِعُ على علَّةِ الحكم - فها هنا (١) - القياسُ عندنا واجبٌ. وثانيها : قياس تحريم الضرب على تحريمِ التأفيف. وثالثها : الأقيسةُ العقليَّةُ . .. ورابعها : الأقيسةُ في أمور الدنيا؛ فإن العمل(٢) بها - عندنَا - واجبٌ. وخامسها : أنْ نشبِّهَ الفرِعَ بالأصل - في أَنَّـ [ـه(٣)] لا يستفادُ (٤) حكمُهُ إلّ من النصِّ. وسادسها : الاتعاظُ والانزجارُ بالقصصِ والأمثالِ. فثبت بما تقدّم: أنَّ الآتي بفردٍ من أفرادِ ما يسمَّى ((اعتباراً)) - يكونُ خارجاً عن عهدةِ هذا الأمرِ. وثبت: أنَّا أتينا بهِ في صورٍ(٥) كثيرة: فلا تبقى فيه دلالةٌ - [ألبتة ] على الأمرِ بالقياسِ الشرعيّ . (*) آخر الورقة (٨٢) من آ. (١) لفظ ح، ى: ((فهذا)). (٢) لفظ ل: ((العلم))، وهو تصحيف، وعبارة ى: ((فالعمل بها واجب عندنا)) .. (٣) لم ترد في غيرآ. (٤) كذا في ى، ولفظ غيرها: ((يستفيد). (٥) عبارة ی: «کثیر من الصور)). (٦) لم ترد في ى. - ٣٠ - سلمّنا: أنَّ اللّفظَ يقتضي العمومَ لكنَّ [حمله عليهِ - ها هنا - يُفضي إلى التناقض ؛ لأنّ(١)] التسويةَ بين الفرع والأصلِ [في الحكم (٢)] نوعٌ من ((الاعتبار) والتسويةَ بينهما - في أنَّه لا يستفادُ حكمُ الفرع إلّ من النّص كما أنَّهُ في الأصلِ : كذلك. [ولأنّه(٣)] نوعٌ آخرُ من ((الاعتبارِ»، والأمرُ بأحدِ الاعتبارَين منافٍ للأمرِ بالآخر - فإجراءُ اللفظِ على ظاهره يقتضي الأمرَ بالمتنافيين - [معاً(٤)] - وهو محال. ثمّ ليسَ إخراجُ أحدِ القسمين من تحتِ ظاهرِ العمومِ لإِبقاءِ الآخرِ - أولى من العكس ، وعليكم(٥) الترجيح . ثم إنَّهُ معنا؛ لأنّ تشبيهَ الفرع بالأصلِ - في أنَّهُ لا يستفادُ حكمُهُ إلّ من النّصِ - عملٌ بالاحتياطِ واحترازٌ عن الظنِّ - الذي ((لَا يُغْنِيْ مِنَ الْحَقِّ شَيْئً)). سلّمنا: بأنَّ حملهُ(٦) على العمومِ لا يفضي إلى التناقُضِ، لكنَّه عامّ دخلهُ التخصيصُ: فوجبَ أن لا يكونَ حجَّةً . بيان الأوّل من وجوه (٧): (*) (*) آخر الورقة (٥٤) من ی. (١) ما بين المعقوفتين ساقط من ل، ى، ولفظ ((عليه)) لم يرد في ح. - (٢) هذه الزيادة من ل، آ، ح. (٣) لم ترد الزيادة في س، ى، آ، ح. (٤) لم ترد هذه الزيادة في ى. (٥) زاد في ح: ((ب). (٦) لفظ ى: ((حكمه))، وهو تصحيف. (٧) في ى، آ، جـ: ((وجهين))، وهو وهم. (*) آخر الورقة (٨٧) من جـ. - ٣١ - -.. أحدها: أنَّ الرجلَ لا يكونُ مأموراً ((بالاعتبارِ))(١) عند تعادلِ الأماراتِ. [و(٢)] في الأشياءِ الَّتي ما نصبَ الله تعالى - عليها دليلاً: كمقادير الثواب والعقاب، وأجزاءٍ السماواتِ والأرضِ . وفي (٣) الأشياءِ الَّتي عرفَ حكمُها بالاعتبارِ مرَّةً، فالمكلُّفُ بعدَ ذلك لا یکونُ مأموراً باعتبارٍ آخرٌ. وثانيها : لو قالَ لوكيلِهِ: («أعتق غانماً لسوادِهِ)» - فليس للوكيل (٤) أن يعتقَ سالماً لسواده . وثالثها : أنّ (٥) عندَ قيام النصّ - في المسألةِ - لا يكونُ الرجلُ مأموراً [بالعمل (٦)] بالقياس. ورابعها : الأقيسةُ المتعارضةُ لا يتناولُها الأمرُ؛ فثبتَ: أنّ(٧) هذا العامَّ مخصوصٌ ومثلُ هذا العامِّ ليسَ بحجّةٍ - على ما سبق [بيانهُ(٨)] في باب العموم (٩). سلّمنا: أنَّهُ حجَّةٌ، لكن حجّةٌ قطعيَّةٌ، أو(١١) ظنّة؟ (١) زاد في آ: ((إلا))، وهو تحريف، ولفظ ((عند)) في ح: ((عن)). (٢) هذه الزيادة من ح. (٥) آخر الورقة (٨٤) من ل. (٣) كذا في ح، آ، ى، وفي غيرها: ((من)). .(٤) في آ، ى: ((الوكيلة)). (٥) زاد في س: ((آخر)). (٦) لفظ ح: ((عدم))، وهووهم. (٧) في ل، آزيادة: (مثل)). (*) آخر الورقة (٩١) من ح. (٨) لم ترد الزيادة في ى. (٩) الجزء الثالث، ص ١٧ . (١٠) لفظ ى: ((أم)). - ٣٢ - الأول ممنوعٌ، والثاني (١) مسلَّمُ. بيانُهُ: أنّكم إنَّما بيَّنْمُ كونَ ((الاعتبارِ)) اسماً ((للمجاوزةِ)) بتلكَ الاشتقاقاتِ ولا شكُ أنّ (٢) التوسل بالاشتقاقاتِ إلى تعيين(٣) المسمَّى دليلٌ ظنّيَ، ومسألةُ القياسِ مسألةٌ يقينيّةٌ (٤)، وبناءُ اليقينِيِّ على الدليلِ المبنيِّ على المقدِّمةِ الظَنّةِ لا يجوزُ. سلّمنا: أنَّهُ يفيدُ اليقين، لكنَّهُ أمرٌ، والأمرُ لا يفيدُ التكرارَ: فلا يتناولُ كلّ الأوقات . [سلَّمنا: أنَّهُ يتناولُ كلَّ الأوقاتِ(٥)]. [و(٦)] لكنّه خطابُ مشافهةٍ، فيختصُّ بالحاضرين - في عصرِ الرسولِ صلّى الله عليه وسلم. [و(٧)] الجوابُ: قلنا: جعلُهُ حقيقةً في ((المجاوزةِ)» ۔ أولی لوجهين: لأوّلُ: أنّهُ يقالُ: ((فلانٌ اعتبرَ - فَأَتَّعظَ))، فيجعلونَ (الاتِّعاظَ)) معلولَ ((الاعتبار))، وذلك یوجب التغاير. الثاني : أنَّ معنى ((المجاوزة)) حاصلٌ في ((الاتعاظ))؛ فإنَّ الإِنسانَ ما لم يستدلُّ بشيءٍ آخرَ على حالٍ نفسهِ لا يكونُ متَّعظاً. إذا ثبتَ هذا - فنقولُ: لو جعلناهُ حقيقةٌ في ((المجاوزةِ)) - [لـ(٨)] كان (١) في س، آ، ى: ((ع)، م)). (٢) زاد في ح كلمة: ((باب)). (٤) في ى: ((قطعيّة)). (٦) لم ترد هذه الزيادة في ح. (٣) لفظ ل: ((تغيير)). (٥) ساقط من ی. (٧) هذه الزيادة المناسبة من ى. - ٣٣ - حقيقةً(٥) في ((الاتِّعاظِ)) وغيره - على سبيل التواطؤ. أمَّا لو جعلناهُ حقيقةً في ((الاِّعاظِ)) - كانَ استعمالُهُ في غيرِهِ، إِمَّا بالاشتراكِ أو بالمجاز(١)، وهما [على (٢)] خلاف الأصل. وعلى هذا التقرير: ((لا يضُّرنا قولهُم: إنَّ لفظَ ((الاعتبارِ)) مستعملٌ في الأَّعاظِ)(٣) - فأما قولُهُ: ((لا يقالُ لمن يستعملُ القياسَ: إِنَّهُ معتبرٌ). قلنا: لا نسلمُ؛ فإِنَّهُ يصحُّ أن يقالَ: إنّ فلاناً يعتبرُ الأشياءَ العقليّةَ بغيرها(٤)، بلى من أتى بقياسٍ واحدٍ لا يقالُ: إنَّهُ معتبرٌ على الإطلاقِ، كما أنه لا يقال لهُ: إِنَّهُ قائسٌ على الاطلاقِ؛ لأنَّ لفظَ ((المعتبرِ والقائس (٥) - على الإِطلاقِ، لا يستعمل(٦) [إلّ في المكثر منه]. قوله: ((المكثرُ من حملِ الفروع على الأصولِ إذا لم يتفكّرْ في أمر آخرَتِهِ (٧) - لا يقالُ له: إِنَّهُ معتبرً)). قلنا: لمّا كانَ الغرضُ الأعظمُ من ((الاعتبار)) - هو العملُ للآخرةِ، فإذا لم يأتِ بما هوَ المقصودُ الأصليُّ - قيلَ: ((إنَّهُ غيرُ معتبٍ» على سبيلِ المجازِ، كما يقال - لمن لا يتدَبّرُ في الآياتِ ((إنّه أعمى وأصمُّ». وأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً﴾ (٨). قلنا: معنى ((المجاوزةِ)) حاصلٌ فيه؛ لأنَّ النظرَ في خلقها يفيدُ العلمُ بوجودٍ صانعها . (*) آخر الورقة (١١٣) من س. (١) لفظ آ: ((بالمجاوزة)). (٢) لم ترد الزيادة في خ. (٣) أبدلت الفاء في ی بـ «واو)). (٤) في ل: ((بل)). (٥) لفظ ى: ((والقياس)). (٦) لفظ ى: ((يحمل))، وأسقط ما بين المعقوفتين بعدها. ولفظ ((المستكثر)) في ح: ((المتكثّ)) في الموضعين. (٧) زاد في ى: «فإنه)» :. (٨) الآية (٦٦) من سورة النحل، و (٢١) من سورة المؤمنون. - ٣٤ - قوله: ((سلَّمنا أنَّهُ حقيقةً في المجاوزةِ [و(١)] لكن وجدَ (٢) ما يمنعُ [من(٣)] حمله عليها . قلنا: لا نسلُّم. قولُهُ: لو قالَ ((يخربون بيوتهم بأيديهم وأَيدِي المؤمنينَ فقيسوا الذرةَ على البرِّ - کانَ رکیکاً». قلنا: لا نزاع [في(٤)] أنّه لو نصَّ على هذه الصورةِ - كانَ ركيكاً لأنَّهُ لا مناسبةَ بین خصوص هذا القیاسِ ، وبين قوله تعالی : ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾(٥) لكن (٦) لم قلتَ: إِنَّهُ لو أمَرَ بمطلق ((الاعتبارِ)) الذي يكونُ القياسُ الشرعيُّ أَحدَ جزئياَتِهِ(٧) - كانَ ركيكاً؟ مثالُهُ: لوسألهُ عن مسألةٍ، فأجابَ (٨) بما لا يتناولُ تلكَ المسألةَ كانَ باطلًا. أمّا لو أجابَ بما يتناولُ تلك المسألةَ وغيرها: كان حسناً. قولُهُ: ((الأمرُ بالاعتبارِ لا يقتضي إلا إدخالَ فردٍ من أفرادِ هذهِ الماهيَّةِ في الوجود)). قلنا: بل يقتضيِ العمومَ (٩) لدليلين: الأوَّلُ(٥). أنَّ ترتيب الحكم على المسمِّى يقتضي أنَّ علَّةَ ذلكَ الحكمِ - هو ذلكَ المسمَّى، وذلكَ يقتضي أنَّ علَّةً الأمر بالاعتبارِ - هو كونُهُ اعتباراً: فيلزمُ أن يكونَ (*) آخر الورقة (٨٣) من آ. (١) لم ترد الواو في ح. (٢) في آ: ((وجدنا)). (٣) لم ترد الزيادة في ح. (٤) هذه الزيادة من ل. (٥) الآية (٢) من سورة الحشر. (٦) أبدلت في ل، آ، ى، جـ بـ ((أمّا))، ولفظ ((قلت)) في ح: ((قلتم)). (٨) في ل: «فأجابه)). (٧) لفظ ل: ((أجزاءه)). (٩) كذا في ح، وفي آ، ل، ص، س، جـ: ((بدليلين))، ولفظ ى: ((لوجهين)). (#) آخر الورقة (٨٨) من جـ. - ٣٥ - كلُّ اعتبارٍ مأموراً به. الثاني(١): [أنّه(٢)] يحسُنُ أنْ يقالَ(٣): ((اعتبر إلّ الاعتبارَ الفلانيَّ))، وقد بيَّنا في باب العموم : أنَّ الاستثناءَ يخرجُ من الكلامِ ما لولاهُ لدخلَ تحتَ اللفظ (٤): فعلمنا أنَّ كلَّ الاعتباراتِ داخلةٌ تحتَ(*) هذا اللفظ. قوله: «لو حملناهُ على العمومِ لأفضى(٥) إلى التناقضِ)). قلنا: هبْ أنَّهُ كذلكَ، لكنّا (٦) [نقولُ (٧)]: لا يجوزُ أن يكونَ المرادُ منه تشبيهَ الفرع بالأصل في أنَّهُ لا يستفادُ حكمُهُ إلّ من النصِّ، وذلكَ لوجهين: الأوّلُ: أنَّ ((الاعتبارَ)) المذكور - ها هنا - لا بدَّ وأنْ يكونَ معناه (٨) لائقاً بما قبلَ هذهِ الآيةِ وما بعدَها، وإلّ جاءت الركاكةُ؛ والّذي يليقُ بهِ هو التشبيهُ - في الحكمِ، لا المنعُ منه، وإلّ لصَارَ معنى الآية؛ (يُخْرِبُوْنَ بُوْتَهُمْ بِأَيْدِيْهِمْ وأَيْدِي المُؤمِنِينَ، فلا تحكموا هذا(٩) الحكم في حقِّ غيرهم إِلَّ بنصّ واردٍ في حقِّ ذلك الغيرِ)). ومعلومٌ أنَّ ذلكَ باطلٌ؛ وإذا بطلَ حملُ الآيةِ عليهِ: وجبَ حملها ( على التشبيهِ في الحكمِ ؛ عملاً بعمومِ اللفظِ. (١) عبارة ى: ((والثاني يصح)). (٢) لم ترد الزيادة في أ. (٣) في س، جـ، ى، آ: ((يقول)). (٤) انظر الجزء الثالث، ص ٢٧ . (*) آخر الورقة (٨٥) من ل. (٦) لفظ آ: ((لكن)). (٨) في غيرح: ((معنى)) (٩) في آ: ((بهذا)). (٥) لفظ غيرآ: ((يفضي)). (٧) لم ترد الزيادة في ی. (١٠) لفظ ح: ((حمله). .--- - ٣٦ - الثاني(١): هو: أنّ المتبادرَ إلى الفهمِ من لفظِ ((الاعتبار)) - هو التشبيهُ في الحكمِ، لا المنعُ منه(*) ولذلكَ - فإِنّ السيدّ إذا ضربَ بعضَ عبيدِهِ على ذنبٍ صدرَ منهُ، ثم قالَ للآخرِ: ((اعتبرْ بِهِ)) - فهمَ منهُ [الأمر (٢)] بالتسويةِ في الحكمِ ، لا الأمرُ بالمنع منه. قوله: «إنّهُ عامّ مخصوصً» .. قلنا: هذا مسلَّمٌ، لكنَّا بيّنًّا في بابِ العمومِ: أنَّ [العامَّ المخصوصَ(٣)] حجّةٌ (٤). قولُهُ: ((بعضُ مقدِّماتِ هذهِ الدلالةِ (٥) ظنّةٌ)). قلنا: هذا السؤالُ عامَّ في كلِّ السمعيَّات، فلا يكونُ لهُ تعلُّقُ (*) بخاصّيةٍ (٦) هذه المسألة. قولُهُ: ((الأمرُ لا يفيدُ التكرارَ). قلنا: إنَّهُ لمّا كانَ أمراً بجميع الأقيسةِ - كانَ متناولاً لا محالةً لجميعٍ الأوقاتِ، وإلّ قدحَ [ذلك(٧)] في كونِهِ متناولاً لكلِّ الأقيسةِ. قوله: ((هوَ خطابٌ معَ أولئكَ الَّذِين كانوا في عصرِ الرسولِ - صلى الله عليهِ وسلَّم - فلِمَ قلتُم: إنَّهُ يتناولُنا)»؟ قلنا: للإِجماع على عدمِ الفرقِ. (١) زاد في ى: (و)) وزادها في ح قبل ((هو) .. (*) آخر الورقة (٩٢) من ح. (٢) سقطت الزيادة من آ. (*) آخر الورقة (١١٤) من س. (٣) عبارة ى: ((أنّه حجّة)). (٤) انظر: الجزء الثالث، ص ١٧ . (*) آخر الورقة (٣٠) من ص. (٥) لفظ ل: ((الأدلة))، (٦) كذا في سائر الأصول، وكان الأنسب أن يقال: ((بخصوص)) أو نحوه. (٧) لم ترد الزيادة في ى. - ٣٧ - المسلكُ الثاني: التمسُّكُ بخبر معاذٍ، وهو مشهورٌ؛ روي أنّه صَلى الله عليه وسلم أنفذ معاذاً وأبا موسى الأشعريّ - رضي الله عنهما - إلى اليمن - فقال عليه الصلاة والسلام لهما ((بمَ تقضيانِ))؟ فقالا: ((إذا لم نجد الحكم في السنة - نقيس الأمر بالأمر فما كان أقربَ إِلى الحق: عملنا به)) فقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((أصبتُمَا (١). (١) أما حديث معاذ - وحده - فقد تقدم تخريجه والكلام فيه في مسألة ((تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس)): (جـ ٣ ص ٩٩) وما بعدها من هذا الكتاب، وأما بالصيغة التي رواه بها المصنف عن معاذ وأبي موسى فلم أجده في كتب الحديث - التي رجعت إليها، وفي تخريج أحاديث المنهاج للعراقي أشار إلى ((حديث أبي موسى في القياس)) وعزاه إلى الخطيب، ورجعت إلى ((الفقيه والمتفقه)) فوجدت حديث معاذ المشهور وأثر أبي موسى وقصته مع كتاب سيدنا عمر إليه فقط. وسيأتي الكلام فيه. فانظر تخريج العراقي لأحاديث مختصر المنهاج في مجلة البحث العلمي - كلية الشريعة - مكة المكرمة: (٣٠١/٢). وأما أثر عمر - رضي الله عنه - وأمره لأبي موسى بالقياس - فهو في سنن الدارقطني: (٤ /٢٠٦)، والمرجع السابق ص(٣٠٩)، وسنن البيهقي (١١٥/١٠)؛ وأغلب الظن أن الإِمام المصنف والأمديّ ومن تبعهما من الكاتبين في الأصول كالإِسنويّ وغيره قد تبعوا فيه أبا الحسين البصريّ - فهو الذي جمع بين هاتين الروايتين، والرواية الآتية لابن مسعود. فانظر المعتمد: (٧٣٥/٢) وقد نقل الآمديّ الحديثين حديث معاذ منفرداً وحديثه مع أبي موسى فانظر إحكامه: (٣٣/٤) ط الرياض، وقد علق شيخنا عبد الرزاق عفيفي على حديث معاذ المنفرد، ولكنه لم يتكلم في تعليقاته - المفيدة - بشيء عن الحديث المشترك بينه وبين أبي موسى. أما الاسنوي - فقد قال - كالمتأول للقصةً -: (( ... بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن قاضيين كل واحد منهما في ناحية ... )). انظر شرحه وبخاشيته شرح ابن السبكي: (١٠/٣) وأما ابْن السبكي فقد أشار إلى جمع المحصول وغيره بين القصتين، وجعلهما واحدة، وقال: ولا أعرف ذلك، بل روى البيهقيّ: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إليه كتاباً بليغاً وفيه؛ (( ... ثم قايس الأمور، واعرف الأمثال والأشباه))، وراء البيهقيّ، وقال: هو كتاب معروف مشهور ولا بد للقضاة من معرفته والعمل به. الإِبهاج: (٩/٣) وقد علمت أنه في السنن الكبرى (١١٥/١٠)، وجامع بيان العلم: (٥٦/٢)، وقد شرحه ابن القيم شرحاً وافياً في إعلام الموقعین فراجعه فيه . - ٣٨ ٥ وقال عليه الصلاة والسلام لابن مسعود: ((اقض بالكتاب والسنَّة إِذا وجدتهما، فإن لم تجد الحكم فيهما فاجتهد برأيك(١)». فإن قيل: لا نسلّم صحة الحديث. [و(٢)] بيانه من وجهين : الأوّلُ : أَنَّهُ مشتملٌ على(*) الخطأ، فوجبَ أن لا يكونَ صحيحاً. بیان الأول من وجوه : أحدُها(٣). أنّ فيه قوله: ((فإِنُ لم تجدْ في كتاب اللهِ»، وهو يناقضُ قوله تعالى: ﴿مَا , (١) أما حديث ابن مسعود - فلم نعثر عليه - فيما اطلعنا عليه من كتب الحديث مرفوعاً وبهذا اللفظ، والذي أورده العراقي في تخريج أحاديث المنهاج، وعزاه إلى الطبرانيّ: ((لا تقس شيئاً بشيء فتزل قدم بعد ثبوتها)). فانظره في مجلة البحث العلمي: (٣١٠). وأخرج الخطيب البغداديّ عن عبد الرحمن بن يزيد قال: ((كثر الناس على عبدالله بن مسعود يسألونه، فقال: يا أيها الناس إنّه قد أتى علينا زمان لسنا نقضي، ولبنا هناك، وإنه قد قدر ، أن بلغنا من الأمر ما ترون، فمن ابتلي منكم بقضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فان لم يكن في كتاب الله ولا في قضاء رسوله - صلى الله عليه وسلم - فليقض ما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في کتاب الله ولا في قضاء رسول الله - صلی الله عليه وسلم - ولا فيما قضی به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقولنّ أحدكم : إني أخاف وإنيّ أرى فإنّ الحلال بين والحرام بيّن وشبهات بين ذلك فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). وأخرجه من طريق آخر أيضاً. فانظر الفقيه والمتفقه: (٢٠١/١)، والإحكام لابن حزم: (٢٨/٦)، والسنن الكبرى: (١١٥/١٠)، وجامع بيان العلم: (٥٧/٢). (٢) لم ترد الواو في ى. (*) آخر الورقة (٥٥) من ی. (٣) لفظ س: ((الأول)). - ٣٩ - فَرَّطْنَا فِي الْكِتَبَ مِن شَيْءٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلَّ في كِتَبٍ مُّبِينٍ﴾(٢). وثانيها : [أن في الحديثِ(٣)]. أنّه عليه الصلاة والسلام صوَّبه على قولِهِ: ((أجتهدُ رَآئِي))، وهو خطأً؛ لأنَّ الاجتهاد في زمان الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يجوز - على ما سيأتي دليله إن شاء الله تعالى(٤): وثالثها : أنّه عليه الصلاةُ والسلام [سأله(٥)] عمّا به يقضي، والقضاءُ هو الإِلزامُ، فيكونُ السؤالُ واقعاً عن الشيءِ الَّذي يجبُ الحكمُ (٦) بهِ، والسنّةُ لا تصلحُ جواباً عن ذلك؛ لأنَّها تذكرُ في مقابلةِ الفرضِ - فيقال: ((هذا سنّةٌ وليس بفرض (٧)). ورابعها(*): أنَّ الحديثَ يقتضي أنَّه سألهَ عمّا به يقضي بعدَ أنْ نصبه(٨) للقضاء، وذلكَ لا يجوزُ؛ لأنَّ جوازَ نَصِبهِ للقضاءِ مشروطٌ بصلاحيَّتِهِ للقضاءِ، وهذه الصلاحيّةُ إنّما تثبتُ(٩) لو ثبتَ كُونُّهُ عالماً بالشيءِ الَّذي يجبُ أن يقضي به، والشيءِ الَّذي لا يجبُ أن يقضي به . (١) الآية (٣٨) من سورة الأنعام. (٢) الآية (٥٩) من سورة الأنعام. (٣) هذه الزیادة من ح، آ، ی. (٤) هذا مذهب من مذاهب خمسة في جواز الاجتهاد في حياة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - سيتعرض إليها في مباحث الاجتهاد. (٥) هذه الزيادة من ح. (٦) عبارة ى، آ: ((به يجب الحكم)). (٧) كذا في ل، ولفظ غيرها: ((بواجب)). (*) آخر الورقة (٨٤) من آ .. (٨) لفظ ل، ى: ((بعثه)). (٩) كذا في ص، س، وفي ل، ى، ح: وعبارة آ: ((إن لو علم)). - ٤٠ -