النص المفهرس
صفحات 341-360
شيئاً من المساويء إِلَّ ذكرَ فيه . وفيما قالَ: إنَّ عليّاً شتمَ أبا بكر، وشارك(١) في دم عثمان - إلى أن قالَ: اعلم أنَّك وأباكَ من شرِّ قريشٍ. ثم خطبَ كلُّ واحدٍ منهم بمساوىء عليٍّ والحسن - رضي الله عنهما - ومقابحِهما، ونسبوا عليّاً إلى قتل عثمانَ، ونسبوا الحسنَ إلى الجهلِ والحمقِ. فلمّا آل الأمرُ إلى الحسن - رضي الله عنه - خطبَ، ثم بدأ بشتمٍ معاويةً - رضي الله عنه - وطوَّلَ فيه، إلَى أن قالَ له: إِنَّكَ كنتَ ذاتَ يومٍ تسوقُ بأبيكَ، ويقودُ به أخوكَ - هذا القاعدُ - وذلك بعدما عمي أبو سفيان؛ فلعن رسولُ الله - ◌َ * - الجملَ وراكبَهُ وسائقَهُ وقائدَهُ: فكانَ أبوكَ الراكبَ، وأخوكَ القائدَ وأنت السائق . ثم قال لعمرو بن العاص: إنَّما أنتَ سُبَّةٌ - كما أنتَ - فأُمُّكَ زانيةٌ، اختصمَ فيكَ خمسةُ نفرٍ من قريشٍ ، كلُّهم يدَّعي عليكَ أنَّكَ ابنَهُ، فغلب عليكَ جزَّارُ قريشٍ ، من أَلَّمِهم حسباً، وأقلُّهم منصباً، وأعظمِهم لعنةً - ما أنتَ إلَّ شانىءُ محمَّدٍ، فأنزل الله - تعالى - على نبيِّه ◌ِ لَ ◌ّه -: ﴿إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الأَبْتَرْ﴾(٢). ثمَّ هجوتَ رسول الله - ﴿ - تسعين قافيةً، فقالَ رسول الله - وَّرَ -: ((اللهمّ إنِّي لا أحسنُ الشعرَ، فالعنهُ بكلِّ قافيةٍ لعنةً))(٣). وأمّا أنت يا ابنَ أبي معيطٍ - فواللهِ ما ألومُك أن تبغضَ علياً؛ وقد جلدك في الخمر وفي الزِّنى، وقتلَ أباك صبراً - بأمرِ رسول الله - وََّ - يومَ بدرٍ. وسمّاه الله (١) لفظ ح: ((واشترك)). (٢) الآية (٣) من سورة الكوثر، ولمعرفة أقوال المفسّرين في المراد ((بالأبتر)) انظر تفسير الإِمام المصنّف: (١٣٢/٣٢) وما بعدها. ٤٠ (٣) ما عرف عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنّه شاعر وقد نقل ابن هشام في السيرة بعض قصائد منسوبة إليه، ثم شكك في صحة نسبتها إليه، انظر: (١٤٣/٢، و١٤٦)، وأشار إليه صاحب الغدير نقلًا عن شرح ابن الحديد على نهج البلاغة: (١٠١/٢)، وانظر الغدير: (١٢٣/٢). - ٣٤١ - - تعالى - في عشر آيات مؤمناً، وسمّاك فاسقاً. وأنت علجٌ من أهلِ النوريَّةِ: أمّا أنتَ يا عتبةُ - فما أنتَ بحصيفٍ فأجيبك، ولا عاقلٍ فأعاتبك. وأمّا وعدُكُ إِيَّايَ بالقتل - فهلاّ قتلت الَّذي وجدتَ في فراشِكَ مع أهلِكَ؟ وأمّا أنتَ يا مغيرةُ بن شعبة - فمثلُكَ مثلُ البعوضةِ إذ قالت للنخلةِ: استمسكي(*) فإنّي عليكَ نازلةٌ. فقالت النخلةُ: واللهِ ما شعرتُ بوقوعِكَ عليّ. وأمَّا زعمُكَ أنَّهُ قتلَ عثمانَ - فلعمري لو قتلَ عثمانَ ما كنتَ منهُ في شيءٍ. وإنَّكَ لكاذبْ. قال الخوارجُ: فهذه المشائمةُ العظيمةُ المتناهيةُ - التي دارتْ بينهم - تدلّ على أنَّهم ما كانوا يمسكونَ ألسنتهم عن القذف والقدحِ في الدينِ والعرضِ ؛ وذلك يوجبُ القدحَ [العظيم(١)] في إحدى الطائفتين(٢). (*) آخر الورقة (٦٠) من ح. (١) هذه الزيادة من ح. (٢) هذا الهراء يعتبر وصفه بالكذب أو البهتان أو الافتراء أقل بكثير مما ينبغي أن يوصف به فهو من التهافت والسقوط بحيث ينخفض عن الوصف ويدق، ولا شك أن مؤلفه أو مؤلفيه من كذبة القصّاصين - الذين أجادوا تأليف الأكاذيب على أل الناس وبخاصة - أصحاب رسول الله - 14 - وتابعيهم، والخلفاء من بني أميّة، والأئمة من آل بيت النبوة ليكون ذلك وسيلتهم إلى الطعن في الدين والدس على الإسلام وأهله، وليشفوا صدوراً ملأها الحقد على سلف هذه الأمّة . . إن الناظر في مثل هذا التافه من الكلام - ليخيّل إليه أن القوم ليس لديهم من شغل إلا الاجتماع لسب بعضهم بعضاً، ومعايرة بعضهم بعضاً مما لا يليق بأقل الناس شأناً، ولا یقدم عليه عاقل. إن من الثابت تاريخياً أن الإمام الحسن - رضي الله عنه - قد صالح معاوية - رضي الله عنه - وبايعه، لا عن ضعف فقد جاء بكتائب ((أمثال الجبال))، ولكنه رغب في حقن الدماء، تنفيذاً لنبوءة رسول الله - وَله - فيه حيث صح عنه قوله: ((إن ابني هذا سيّد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». انظر البخاري بهامش الفتح: (٢٢٥/٥، و٧٤/٧). وفي الموضع الأول أورد البخاري كيف تم الصلح بين الإمام الحسن ومعاوية - رضي الله عنه. وعن أصحاب رسول الله وآل بيته أجمعین. إن الحسن ماکان مکرماً على الصلح ، ولو أنه كان = - ٣٤٢ - الحكاية الثانية : أنَّ عثمان - رضي الله عنه - أخّر عن عائشة - رضي الله عنها - بعضَ أرزاقِها، فغضبتْ، ثم قالتْ: ((يا عثمانُ أكلتَ أمانتكَ، وضيّعتَ الرعيَّةَ، وسلطتَ عليهم الأشرارَ من أهل بيتِك. والله لولا الصلواتُ الخمسُ - لمشى إليك أقوامٌ ذوو بصائرَ، يذبحونَكَ كما يُذْبِحُ الجملُ)». فقال عثمانُ - رضي الله عنه -: ﴿ضَرَبَ الله مَثلًا لِلَّذِينَ كَفَروا آمرَأَتَ نوحٍ وأمرأتَ لُوطٍ﴾(١) الآية فكانت عائشة - رضي الله عنها - تحرِّصُ عليه جهدها وطاقتها، وتقول: ((أيُّها الناسُ، هذا قميصُ رسول الله - ﴿ - لم يبلَ، وقد بليتْ سنَّهُ، اقتلوا نعثلاً، قتلَ الله نعثلاً)». ثمّ إنَّ عائشة ذهبتْ إلى مكّة، فلمّا قضَتْ حجَّها، وقرُبَتْ من المدينة - أخبرَتْ بقتل عثمان، فقالتْ: ثمّ ماذا؟ فقالوا: بايعَ الناسَ عليّ بن أبي طالبٍ، فقالت عائشةُ: ((قُتِلَ عثمانُ - والله - مظلوماً، وأنا طالبةُ(٢) بدمِهِ، والله ليومٌ من عثمان خيرٌ من عليٍّ الدهرَ كلَّه)». فقال لها عبيد بن أمّ كُلَّب (٣): ولِمَ تقولين ذلكَ؟ فوالله ما أظنُّ أنَّ بينَ = يرى في معاوية شيئاً مما ورد في تلك السخافات - لما استحق ثناء رسول الله - قصير - عليه على الصلح، ولكان فيه مفرطاً مقصراً يستحق اللوم، إذ كيف يصالح رجلاً تلك صفاته ويبايعه ويمكنه من رقاب المسلمين؟! إن هذا الكلام المتهافت الساقط قد اشتمل على ما لا يليق صدوره عن أحد من عامة ذلك العصر فضلاً عن القادة السادة، وكلماته ليست في لغتهم، ولا في المتداول من کلامهم مما يؤكد أن هذه الحکایة وأمثالها قد حیکت ونسجت بعد ذلك العصر بكثير - ولكن من تجرأ على نسبة أصحاب رسول الله - * - إلى الكفر ألا يتجرأ على نسبة هذه النواقص إليهم؟ !. وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: (١٠١/٢) وما بعدها، والغدير: (١٢٣/٢). (٢) لفظ ح: ((أطالب)). (١) الآية (١٠) من سورة التحريم. (٣) عبيد بن أم كلاب ترجم له في الإصابة: (١١١/٣) الترجمة رقم (٦٣٩٧)، وقال: ((له إدراك ورواية عن عمر)). وانظر خبر اعتراضه على عائشة وما دار بينهما في الكامل (١٠٥/٣-١٠٦). - ٣٤٣ - السماءِ والأرضِ أحداً - في هذا اليوم - أكرمُ على الله من عليٍّ بن أبي طالبٍ، فلِمَ تكرهينَ ولايتَهُ؟ ألم تكوني تحرِّضينَ الناسَ على قتلِهِ؛ فقلتِ: ((اقتلوا النعثلَ - فقد كفرَ)؟ فقالت عائشةُ: ((لقد قلتُ ذلكَ، ثمّ رجعتُ عمَّا قلتُ، وذلكَ أنّكم أسلمتموهُ - حتى إذا جعلتموه في القبضة، قتلتموه، والله لأطلبنَّ بدمه)). فقال عبيدُ بنُ أمِّ كُلَّبٍ: هذا - واللهِ - تخليطٌ يا أمِّ المؤمنينَ(١). : (١) لقد استغلت الفتن - التي وقعت بين الصحابة - أبشع استغلال في القديم وفي :. الحديث، لا لمجرّد الرغبة في الطعن فيهم بدوافع متعدّدة، ولكن من أجل الطعن في الإِسلام جملة، فإسقاط عدالة الصحابة - يعني: أن الإسلام ما کان ولن يكون له أيّ أُثر في حياة الناس، فإن رعيله الأول - في نظر الطاعنين في حملة رسالة الإِسلام الأولين - ما إن توفي رسول الله -* - حتى خلع كل ربقة، ونزع كل عذار، وتخلى عن كل التزام، وأصبح جيلاً يقتل بعضهم بعضاً في سبيل الزّعامة والإِمارة وحطام الدنيا الفاني، وذلك زعم باطل وادعاء كاذب، والذين وضعوا هذه الفِرى والأباطيل ما كانوا يقصدون الانتصار لفريق دون فريق من الصحابة فالكل - بالنسبة لهؤلاء الضالين - أعداء، وهذه الأكاذيب الملفقة على أم المؤمنين ليست إلا جزءاً من تلك الأكاذيب التي نسجت سداها ولحمتها أخيلة أولئك الضالين، فما کان لأم المؤمنین، وأخب أزواج رسول الله - وهل# - إليه، الزوجة التي نشأت وترعرعت في بيت النبوة وتأدبت بأدب الإسلام - ما كان لها أن تصف صهر رسول الله- # - بهذه الأوصاف. النابية، وهي تعلم أنه أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين، وصهره القريب إلی نفسه، والمحبوب لدی عامّة المسلمین. إن أم المؤمنین قد تستدرك على عثمان أو غيره بمن في ذلك أبوها - رضي الله عنهم أجمعين - ولكن بهذا الأسلوب أو بهذه الصيغة أو بقريب منها لا يمكن: أن تفعل، ولكنها تستدرك بأسلوب مهذب عال كان مألوفاً بين المسلمين ومتعارفاً عليه في: عصرهم الزاهر. إن عائشة قد خالفت كثيرين من - الصحابة - وخالفوها، وكثيراً ما أغلظت القول لبعضهم وخطأتهم في فتاواهم، ولكن ما أثر عنها أنّها نسبت أحداً - منهم - إلى كفر أو ضلال فكيف تنسب رجلاً مثل أمير المؤمنين عثمان إلى هذا؟ !!. إن الثابت لدى ثقات المؤرخين وأصحاب السير: إن أم المؤمنين قد ذهبت هي وأمهات المؤمنين إلى مكة للحج بعد اشتداد الحصار على عثمان، تخلصاً من مضايقات المحاصرين له، وتحكمهم بالمدينة - فقد روى الطبري في تاريخه: (١٢٧/٥) أنه لما قطع البغاة الماء عن أمير المؤمنين - وأخذ يستسقي الناس، جاءته أم المؤمنين - أم حبيبة بالماء، فأهانوها، = - ٣٤٤ - الحكايةُ الثالثةُ : الخصومةُ العظيمةُ - الَّتي كانت بين عبد الله بن مسعودٍ وأبي ذرِّ وعمَّارٍ، وبين عثمان(١). والخصومة التي كانت بين عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابتٍ(٢) - رضي الله عنهم - حتى آل الأمر إلى الضرب والنفي عن البلد واللعن. وكل ذلك يقتضي توجُّه القدحِ إلى عدالة بعضهم. الحكاية الرابعة : مقتلُ عثمان - رضي الله عنه - والجمل وصفّين (٣). = وضربوا وجه بغلتها، وقطعوا حبل البغلة بالسيف. فلما رأی أمهات المؤمنين ذلك - بمن فیھن عائشة - تجهزن إلى الحج. كما في البداية والنهاية: (٢٢٩/٧)، والكامل: (٨٧/٣، و١٠٥). وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنّها قالت: ((غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف؟ استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالقند المصفّى ومُصتموه موص الإِناء، وتركتموه كالثوب المنقّى من الدنس، ثمّ قتلتموه)). قال مسروق: فقلت لها: ((هذا عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه))؛ فقالت عائشة: ((والذي آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سواداً في بياض)) !! قال الأعمش: ((فكانوا يرون أنّه كتب على لسانها)). انظر العواصم: (١٣٦)، وهذا يعني - إن صح -: أن الصحابة قد تعرّضوا لحملة دس وتشكيك منظمة لتفريق كلمتهم، وضرب بعضهم ببعض، وتكون كثير من تلك الكتب والمقالات التي نسبت إلى عثمان وعليّ وعائشة وغيرهم - من الصحابة - رضوان الله عليهم كتباً قد لفقت وزورت لتحقيق أغراض دعاة الفتنة وقادة الكيد للمسلمين حتى إذا نشبت الفتن - فيما بينهم - أخذوا يلفقون من الأكاذيب ما يشاؤون على بعض الصحابة لتستغلَّ ضد البعض الآخر والناس مستعدون لتصديق أي شيء ما دام الأمر قد وصل إلى حد التقاتل وانظر الكامل: (١٠٥/٣) وما بعدها. (١) انظر فيما يتعلق بموقف ابن مسعود من عثمان العواصم: (٦٣)، وكذلك ما يتعلّق بعمّار في (٦٤) وانظر موضوع اعتزال أبي ذر بالربذة في المرجع نفسه: (٧٣ -٧٦). (٢) انظر تعليقنا على ما نسب إلى ابن مسعود في موضوع ((المعوذتين)) (٣٠) من هذا الجزء، وتأويل مختلف الحديث ص (٢١)، والعواصم: (٦٦ -٧٢). (٣) انظر ما يتعلق بمقتل أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - الكامل : = - ٣٤٥ - = (٨٤/٣-٩٦)، و((وقعة الجمل)) وبداية أمرها وتفاصيل ما جرى فيها في المرجع نفسه: (١٠٥-١٣٣)، ووقعة «صفين)): (١٤١-١٦٥). هذا: وإن الواجب على كل مسلم ومسلمة حب أصحاب رسول الله - 8# -، وعدم التفريط في حب أحد منهم، وعدم البراءة من أحد منهم، وبغض من يبغضهم، ولا يجوز أن يذكروا إلّ بخير، وحبهم دین وإیمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. وأما ما حدث بينهم من الفتن والحروب - فإنها أمور نكل أمرها، وأمرهم فيها إلى الله - تعالى - فالله - تعالى - قد أثنى عليهم في محكم الكتاب، ونوّه بهم، في آيات الذكر الحكيم، وأعلن رضاءه عليهم فلا يخدش في عدالتهم بعد ذلك إلا ما هو في قوة النصوص - التي أشادت بفضلهم، وأكدت سلامة أحوالهم قال - تعالى -: ﴿والسَّبقونَ الأَوَّلِونَ مِنَ المُهْجِرينَ والأنصارِ والّذينَ أَتَبعوهُم بِإِحْسِنِ رضِيَ الله عَنْهُم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعْدَّ لَهُم جَنْتٍ تَجْرِي تَحتَها الأنهرُ خَلِدينَ فِيهَا أَبَدَّا ذَلْكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ التوبة (١٠٠)،. وقال - تعالى -: ﴿مُحَمِّدٌ رَسولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ على الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم تَرَيْهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغونَ فَضلًا مِنَ اللهِ ورِضوناً﴾ الفتح (٢٩) وإلى آخر السورة، وقال جل شأنه: ﴿لَقَدْ رِضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعونكَ تَحْتَ الشُّجرةِ﴾ الفتح (١٨) إلى آيات وأحاديث صحيحةٍ جاءت بفضلهم على الجملة، وعلى التفصيل فلا يسعُ مؤمناً إهمال ذلك كله ونبذه تأثراً بجملة من قصص وحكايات لا تصمد لتحقيق دقيق . لقد سئل عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - عن قتلى ((صفّين)) فقال: «تلك دماء طهّر الله يدي منها، فلا أحبّ أن أخضّب لساني بها)» كما في آداب الشافعيّ ومناقبه (٣١٤)، وكان الشافعيّ - رحمه الله - يقول للربيع (كما في التوالي ٧٣، والجوهر ٥٢): ((اقبل مني ثلاثة. أشياء: لا تخض في أصحاب النبي - ﴿ -: فإن خصمك النبيّ يوم القيامة، ولا تشتغل بالكلام فإنّي قد اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم، ولا تشتغل بالنجوم فإنّه يجر إلى: التعطيل)). على ما في هامش آداب الشافعي لشيخنا عبد الغني (٣١٥)، وانظر في الكلام عن عدالة الصحابة - ووجوب حبهم شرح العقيدة الطحاوية: (٥٢٨) وما بعدها، والكفاية (٩٣) وما بعدها، والعواصم: (٣٢-٣٤). هذا ولقد نفى أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط المعتزلي نفياً قاطعاً كل ما نسب إلى النظام من الطعن في الصحابة، ونسب ذلك كله إلى افتراءات ومزاعم ابن الراوندي الملحد المعروف، وذكر أن معظم فرق المعتزلة على القول بعدالة الصحابة ويتولونهم، ويرون: أن ما وقع من بعضهم هو خطأ لا يضلون به ولا يخرجون من الولاية ولا .= - ٣٤٦ - .. -- ثمّ قالت الخوارجُ: رأينا هؤلاء المحدِّثین یجرِّحون الراوي بأدنی سببٍ، ثمَّ إِنَّهم مع علمِهِم بهذه القوادحِ العظيمة: يقبلونَ رواياتِ الصحابةِ، ويعملونَ بروايات القادحِ والمقدوحِ فيه؛ وهذا ليسَ من الدِّين في شيءٍ، بل هؤلاء المحدِّثون أتباعُ كلِّ من عزّ، وعبيدُ كلٍّ من غلبَ، ويروون لأهلِ كلِّ دولةٍ - في ملكهم. فإن انقضتْ دولتُهم تركُوهُم(١). وممَّا رواه الكلُّ: ((أنَّ إماماً سيكونُ منهم، وأنَّه سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً)(٢)؛ فروت الحسينيَّة ذلكَ لنفسها. وروت العبّاسيّةُ لنفسِها حتّى سمِّوا ولدَ المنصورِ مهديً(٣). وحتى روت الأمويَّةُ مثلَ ذلك في السفيانيِّ، وسمُّوا سليمان بن عبد الملك(٤) مهديّاً. وحتى روت اليمانيَّةُ في الأصغرِ القحطانيِّ (*)، = يسقطون به العدالة فانظر كتابه: ((الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد)): (٧٤-٧٥). (١) هذا قد ينطبق على بعض من جاء بعد عصر الصحابة، أمّا هم - فإنّهم الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر، القائمون على حدود الله، الذين لم تأخذهم في الحق لومة لائم، والوقائع الدالة على ذلك لا تحصی . (٢) يشير إلى الأحاديث الواردة في المهدي، فانظر للاطلاع عليها سنن أبي داود: (٤٧٢/٤) كتاب المهدي الأحاديث: (٤٢٨٢-٤٢٩٠)، وأخرج الترمذي بعضها في الفتن (باب ما جاء في المهدي)) الأحاديث: (٢٢٣١، و٣٢)، فانظر: (٨/٧-٩)، وللاطلاع على جملة الأحاديث الواردة في المهدي، وما قيل فيها انظر: إتحاف الجماعة: (٣/٢-٤١). (٣) هو ثالث خلفاء بني العباس - محمّد بن عبد الله المنصور، ولد سنة (١٢٦)هـ وتوفي سنة (١٦٩)هـ. انظر تاريخ بغداد: (٣٩١/٥-٤٠١)، الترجمة رقم (٢٩١٧)، والكامل: (٥٠/٥-٧٣)، وتاريخ الإسلام السياسي: (٣٥/٢-٣٩). (٤) هو سليمان بن عبد الملك بن مروان - الخليفة الأموي - الذي ولي الخلافة سنة (٩٦) هـ وتوفي سنة (٩٩) هـفعهد إلى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -انظر أخبار توليه الخلافة حتى موته وولاية عمر بن عبد العزيز في الكامل: (١٣٨/٤-١٥١)، وتاريخ الإسلام السياسي: (٣٢٢/١-٣٢٤). (٥) ما ورد في القحطاني بعض ألفاظه أوردها الشيخان كحديث عبد الله بن عمروبن العاص - رضي الله عنهما - وفيه: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاهه. فانظر اللؤلؤ والمرجان الحديث رقم (١٨٤٤)، وانظر صحيح مسلم: (٣٧/١٨) ط = - ٣٤٧ - إلى أن خرجَ ابن الأشعث(١) - على ذلك الطمع - تارةً، ويزيدُ بن المهلَّبِ أُخرى(٢). ورابعها : قالوا: إنَّا نعلم بالضرورةِ: أنَّ الرسولَ ـ ﴿ - متى كان يشرعُ في الكلامِ، فالصحابةُ ما كانوا يكتبونَ كلامَهُ من أوَّلِهِ إلى آخرِهِ - لفظاً، وإنَّما كانوا يسمعونَهُ، ثمَّ يخرجونَ من عندهِ، وربَّما رووا ذلكَ الكلامَ بعد ثلاثين سنة . ومن المعلوم أنَّ العلماءَ الَّذينَ تعوَّدُوا تلقُّفَ الكلام ، ومارسُوه وتمرَّنوا عليه. - لو سمعوا كلاماً قليلاً مرَّةً واحدةً، فأرادوا إعادتَهُ في تلك الساعة بتلكَ الألفاظ. مِنَ غير تقديمٍ ولا تأخير: لعجزوا عنه؛ فكيفَ الكلامُ الطويلُ - بعدَ المدَّةِ المتطاولةِ، من غيرِ تكرارٍ ولا كتابةٍ (٣). = المصرية، وقد أخرجه أحمد بسند مسلم انظر الفتح الرباني: (٣٠/٢٤) من حديث أبي: هريرة الحديث رقم (٧٣)، وإتحاف الجماعة: (٤٣/٢). (١) ابن الأشعث - هو: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث انظر أخبار خروجه وقتاله. الحجاج في الكامل: (٧٤/٤-٩٥). وقد توفي ابن الأشعث سنة (٨٥) هـ. (٢) هو يزيد بن المهلب بن أبي صفرة ولي خراسان بعد وفاة أبيه المهلب، لعبد الملك بن مروان، ثم عزل وسجن، ثم فر من السجن حتى أعاده سليمان بن عبد الملك إلى: ولاية خراسان، واستدعاه عمر بن عبد العزيز ليؤدي ما عليه من أموال لبيت المال فلم يفعل فحبسه في حصن حلب، وأرسل الجراح بن عبد الله أميراً على خراسان، وفي سنة (١٠١) هـ وبعد موت عمر بن عبد العزيز هرب يزيد من سجنه يريد البصرة، واجتمع إليه أهله وأنصاره فأعلن خلع يزيد بن عبد الملك، ودارت بينه وبين جند يزيد معركة ظهر فيها عليهم واستولى على البصرة، وفشا أمره في بعض النواحي، ثم دارت بينه وبين جند الخلافة معركة خسرها، وقتل سنة (١٠٢)هـ. انظر الكامل: (٨٤/٤-١٧١)، فى مواضع متفرقة. .. (٣) أما موضوع التدوين - فلا ينهض لتقوية حجة هؤلاء: فلقد ثبت أنّ كثيراً من السنن قد دونت في عهد رسول الله - * - وانظر ما يتعلّق به في تقييد العلم ص(٣٢) وما بعدها. وجامع بيان العلم: (٦٣/١) وما بعدها، والالماع (١٤٦) وما بعدها، والسنة قبل التدوين: (٢٩٥-٣٨١)، والسنّة ومكانتها في التشريع في مواضع متعددة: (٥٦-٦١، ١٠٣-١٠٧)، وبحوث في تاريخ السنّة: (١٤١-١٤٨)، ودراسات في الحديث (٧١) وما بعدها، وأما سيولة = - ٣٤٨ - ومن أنصف - قطعَ بأنَّ هذه الأخبارَ الَّتِي رَوَوها: ليسَ شيءٌ من ألفاظِها لفظً الرسول (١) - ◌َ﴾ - ثم من يعيدُ الكلامَ - بعدَ [هذه الـ(٢)] ـمدَّة لا يمكنُهُ أَنْ يعيدَ معناهُ بتمامِهِ؛ فإِنَّ(*) الإِنسانَ مظنَّةُ النسيانِ، بل لا يعيدُ إلَّ بعضه. وإذا كان كذلك: لزمَ القطعُ بسقوطِ الحجَّةِ عن هذه الألفاظِ - لا سيَّما وقد جرَّبناهم فِرأيناهم يذكرونَ الكلامَ الواحدَ، في الواقعةِ الواحدةِ - برواياتٍ كثيرةٍ مع، زيادات ونقصاناتٍ . وأحسنُ الأحوالِ في ذلكَ - أن نحملَ ما قلناهُ: من عدم حفظِ الألفاظِ، وتغييرِ التقديم والتأخيرِ بسببِ طولِ المدَّة. وكِلَّ ذلك يوجبُ القدحَ في هذه الأخبارَ. والجوابُ: اعلم أنَّ اعتمادَ أصحابنا - في هذا الباب - على حجَّةٍ واحدةٍ؛ [وهي (٣)]: أنَّ آياتِ القرآن دالَّةٌ على سلامةِ أحوالِ الصحابةِ، وبراءتهم (٤) من المطاعنِ. وإذا كان كذلكَ: وجبَ علينا أن نُحسِنَ الظنَّ بهم إلى أنْ يقومَ دليلٌ قاطعٌ = أذهان العرب وقدرتهم الفائقة - في تلك الأعصار على الحفظ - فهي من الأمور المستفيضة المشهورة التي لا ينازع فيها من يعرف عن العرب وتاريخهم ومناقبهم شيئاً. كما أن رسول الله - * - أوتي جوامع الكلم، وهو أفصح من نطق بالضاد، فحفظ أحاديثه - عليه الصلاة والسلام - أيسر من حفظ أي شيء آخر عدا القرآن العظيم، ولذلك فإن معظم أصحابه عليه الصلاة والسلام قد تحملوا عنه سنته، وأدّوها كما تحمّلوها على ذلك أطيق أهل العلم فلا تنهض هذه الشبهات التي لا دليل على شيء منها قادحاً في صحة ودقة أداء الصحابة للسنن. (١) كيف يسوغ لهؤلاء أن يدّعوا ما يدّعون على الحرص على التثُّت والرغبة فيه، وهم يقطعون بدعواهم الباطلة هذه بناء على مجرد احتمال تدفعه سائر الدلائل؟ !. (٢) لم ترد الزيادة في ح. (*) آخر الورقة (٦١) من ح. (٣) إلى هنا ينتهي ما سقط من نسخ س، أ، ل، جـ؛ الذي بدأ من أول الشبهات التي تسبت إلى النظّام عن عدالة الصحابة وقد اكتفى هؤلاء الناسخون بقولهم (والجواب (٤) لفظ س: ((عن)). مجملًا ... إلخ))، ولفظ ((حجّة)) في غيرح: ((تلته)). - ٣٤٩ - على الطعن(*) فيهم. وأمَّا هذه المطاعنُ التي ذكرتموها - فمرويَّةٌ بالآحادِ؛ فإنْ فِسَدَتْ روايةٌ الآحادِ(*): فسدَتْ هذه المطاعنُ. وإنْ صِحَّتْ: فسدتْ هذه المطاعنُ - أيضاً - فعلى كلِّ التقديراتِ: هذه المطاعنُ مدفوعةٌ؛ فيبقى (١) الأصلُ الذي ذكرناه سليماً. وأمّا طعن الخوارجِ - فهو بناءً على أنَّ تخصيصَ الكتابِ بخبرِ الواحدِ لا يجوزُ - وقد تقدَّم القولُ فِیه. [و(٢)] أمَّا قولُهم: [إنَّ(٣)] الظاهرَ أنَّ هذه الألفاظَ - ليستْ ألفاظَ الرسول - عليه الصلاةُ والسلامُ . . قلنا: لمَّا ثبتَ أنّ الظاهرَ - من حال الراوي - العدالةُ، وقد أخبرَ(٤) بأنَّهَا. ألفاظُ الرسولِ (٥) - ﴿﴿ بـ: وجبَ تصديقه فيه ظاهراً(٥). والله أعلم. (*) آخر الورقة (٥٥) من ل. (*) آخر الورقة (٢٠) من ص. (١) لفظ ل: ((فبقي)). (٢) لم ترد الواو في ... (٣) لم ترد الزيادة في آ. (٤) لفظ ح: ((أخبرنا)). (*) آخر الورقة (٧٥) من س. (٥) عفا الله عن الإِمام المصنف إنّه لم يدع أي شبهة من شبهاتهم إلا أوردها بکل تفاصيلها دون النظر لأي اعتبار ولكنّه حین جاء إلى الجواب إذا به یجمله إجمالاً ويتعجل في ذلك، وكان المؤمّل منه - وقد أسهب كل الإسهاب في سرد الشبهات أن يسهب في الرد عليها ومناقشتها ۔ کما هي عادته - ولكنه تجاوز ذلك بهذا الشكل وكأنه قد تعب من کثرة ما أورد من الشبهات، فلم يعد لديه جهد يبذله في الجواب، أو لعله رأى فيها من الضعف والتهافت والسقوط ما جعلها - في نظره - لا تستحق الوقوف والمناقشة. وأما موضوع ((تخصيص الكتاب بخبر الواحد)) فانظر فيه الجزء الثالث من هذا الكتاب ص (٨٥) وما بعدها. - ٣٥٠ - القسم الثاني في الخبر الذي لا يقطع بكونه صدقاً أو كذباً وفيه أبواب الباب الأوَّل في إقامةِ الدليل (١) على أنَّه حجَّةٌ في الشرعِ اختلفَ الناسُ فيه -: فالأكثرونَ جوّزوا التعبد به: عقلًا. والأقلُّون منعوا منه: عقلًا. أمّا(٢) المجوّزون - فمنهم(*) من قالَ: وقع التعبّد به. ومنهم من قال: لم يقع التعبّد به. والَّذِين قالوا: وقعَ التعبّدُ به، اتَّفقوا على أنَّ الدليلَ السمعيَّ - دلَّ عليه. واختلفوا في أنَّ الدليلَ العقليّ، هل دلَّ عليه؟ فذهب القفَّال وابنُ سريج [منّا(٣)] وأبو الحسين البصريّ - من المعتزلة -: إلى أنَّ دليلَ العقلِ - دلَّ على وقوع التعبُّد به(٤). أمَّا الجمهورُ - منّا ومن المعتزلة -: كأبي عليٍّ وأبي هاشمٍ والقاضي عبد الجبّار - فقد اتَّفقوا على أنَّ دليلٌ التعبُّدِ به: السمعُ فقط. وهو قولُ أبي جعفرِ الطوسيِّ(٥) - من الإِماميَّةِ. (١) لفظ ح: ((الدلالة)). (٢) زاد في أ: ((و)). (*) آخر الورقة (٥٤) من جـ. (٣) هذه الزيادة من ح. (٤) عبارة ح: ((الدليل العقليّ دل عليه))، وعبارة جـ نحو ما أثبتنا وزاد: ((على العمل به ووقع)). (٥) هو محمد بن الحسن بن علي من تلامذة ((المفيد)» له تصانيف عدة، منها ((تهذيب ((الأحكام))، و((الاستبصار))، توفي سنة (٤٤٠) هـ ودفن في النجف انظر. رسائل الشيعة (٢/٢٠). - ٣٥٣ - أمَّا الَّذِينَ قالوا: لم يرد التعبُّدُ به - فهم فرقُ ثلاثٌ: الأولى(١): أنَُّ لم يوجد ما يدلُّ على كونِهِ حجَّةٌ - فوجبَ القطعُ بأنَّه لیسَ بحجّةٍ . والثانية(٢): أنَّهُ جاءَ في الأدلَّة السمعيَّةِ ما يدلُّ على أنَّه ليس بحجّةٍ. والثالثة (٣): أنَّ الدليلَ العقليّ قائمٌ(٤) على امتناعِ العملِ به. ثُمَّ إِنَّ الخصومَ - بأسرهم ـ اتَّفقوا على جوازِ العملِ بالخبرِ الَّذي لا تُعلَمُ صحّتُهُ: كما في الفتوى وفي الشهادةِ، وفي الأمورِ الدنيويَّةِ. لنا: النصُّ والإِجماعُ والسنَّةُ المتواترةُ والقياسُ والمعقولُ: أمَّا النصُّ - فوجهانِ: الأوَّلُ: قوله - تعالى -: ﴿فَلَولَاَ نَفْرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفْقَّهوا فِي الدِّين﴾ (٥)؛ وجهُ الاستدلالِ : أنَّ الله - تعالى - أوجبَ الحذرَ بأخبارِ الطائفةِ، والطائفةُ هاهنا - عددٌ لا يفيدُ قولُهم العلمَ، ومتى وجبَ الحذر بإخبار عدد لا يفيد قولُهم العلمَ: فقد وجبَ [العمل(٦)] بالخبرِ الَّذي لا نقطعُ بصحَّتِهِ. وإنَّما قلنا: إنَّه أوجب الحذرَ - عند إخبارِ الطائفةِ؛ لأنَّهُ أوجبَ الحذرَ بإنذار الطائفةِ، والإِنذارُ هو: الإِخبارُ. وإنّما قلنا: [إنَّه (٧)] أوجبَ الحذرَ بإنذارِ الطائفةِ(*)، لقوله - تعالى -: (١) لفظ جـ: ((الأول)). (٢) كذا في آ، ولفظ غيرها: (والثاني)). (٣) كذا في آ، وفي غيرها: ((والثالث)). (٤) في غيرح: ((قام)). (٥) الآية (١٢٢) من سورة التوبة . (٦) سقطت الزيادة من ح. (٧) لم ترد الزيادة في ل، آ، جـ. (*) آخر الورقة (٥٤) من آ. - ٣٥٤ - ﴿وَلُنْذِرُوا قَومَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُم يَحْذَرونَ﴾(١) وكلمةُ (لعلَّ)) للترجّي؛ وذلك في حقّ اللهِ - تعالى - محالٌ. وإذا تعذّر حملُهُ على ظاهرِهِ - وجبَ حملُهُ على المجازِ، وذلكَ لأنَّ المترجَّيَ طالبٌ للشيءِ، فإذا كانَّ الطلبُ لازماً للترجّي - وجبَ حملُ [هذا] اللّفظ على الطلب، فيلزم أن يكونَ الله طالباً للحذرِ (٢)، وطلب الله - تعالى - هو الأمرُ: فثبتَ أنَّ الله - تعالى - أمرَ بالحذرِ عند إنذارِ الطائفةِ. وإنَّما قلنا: إنَّ الإِنذارَ - هو الإِخبارُ - لأنّهُ عبارةً عن الخبرِ المخوفِ، والخبرُ داخلٌ في الخبرِ المخوفِ: فثبتَ أنَّ الله - تعالى - أوجبَ الحذرَ عندَ إخبارٍ الطائفةِ . وإنَّما قلنا: إنَّ الطائفةَ(٥) - هاهنا - عددٌ لا يفيدُ قولُهم العلمَ: لأنَّ كلَّ ثلاثةٍ فرقةٌ والله - تعالى - أوجبَ على كلّ فرقةٍ أن تخرجَ منها طائفةٌ، والطائفةُ من الثلاثةِ - واحدٌ أو اثنان: وقولُ الواحدِ أو الاثنين(٣) لا يفيدُ العلم. وإنَّما قلنا: إِنَّهُ - تعالى - لمَّا أوجبَ الحذرَ - عندَ خبر العددِ الَّذي لا يفيدُ قولُهم العلمَ - وجبَ العملُ بذلكَ الخبر: لأنَّ قوماً إذا فعلواَ فعلاً، وروى الراوي لهم خبراً يقتضي المنعَ من ذلكَ الفعلِ - فإمّا أن يجبَ عليهم تركُهُ - عند سماع ذلك الخبرِ، أو لا يجبَ. فإِنْ وجبَ - فهو المرادُ(*) من وجوبِ العملِ بمقتضى ذلك الخبر، وإذا ثبتَ وجوبُ العمل بمقتضى ذلك الخبر - في هذه الصورةِ - وجبَ العملُ به في سائرِ الصورِ؛ ضرورةَ أنْ لا قائلَ بالفرقِ. (١) الآية (١٢٢) من سورة التوبة. (٢) لفظ ل: ((للمحذور))، وهو تصحيف. (*) آخر الورقة (٦٢) من ح. (٣) كذا في ل، ولفظ غيرها: ((و)). (*) آخر الورقة (٧٦) من س. - ٣٥٥ - وإنْ لم يجب التركُ - لم يجبْ(١) الحذر؛ وذلكَ ينافي ما دلَّت(*) الآيةُ عليه: من وجوب الحذر. فإن قيل: لا نسلِّمُ أَنَّهُ - تعالى - أوجبَ الحذرَ - عندَ إنذارِ الطائفةِ، وأمّا (٢). قولُهُ - تعالى - ﴿لَعَلَّهُم يَحْذَرُونَ﴾ - قلنا: سلَّمتم(٣) أنَّهُ لا يمكنُ حملُهُ على ظاهرهِ، فلِمَ قلتم (٤): إنَّهُ يجبُ حملُهُ على ذلكَ المجازِ؟ ولِمَ لا يجوزُ حملُهُ على مجازٍ آخر؟ لا بدَّ فيه من الدليلِ . سلّمنا(٥): وجوبَ الحذرِ - عند الإِنذارِ - لكن لا نسلْمُ: أنَّ الإِنذارَ - هو. الإِخبارُ؛ فإنَّ الإِنذارَ - من جنسِ التخويفِ، فنحنُ نحملُ الآيةَ على التخويفِ - الحاصلِ من الفتوى - بل هذا أولى؛ لأنَّهُ أوجبَ التفقُّه لأجلِ الإِنذارِ، والتفقُّهُ إنَّما يحتاجُ إليه في(٦) الفتوى، لا في الرواية(*). فإِنْ قلتَ: الحملُ على الفتوى متعذِّرٌ لوجهين: لأوَّل: أَنَّا لو حملناهُ على الفتوى - لاختصَّ لفظُ («القوم))(٧) بغيرِ المجتهدِ [ين(٨)]؛ لأنَّ المجتهدَ لا يجوزُ له العملُ بفتوى المجتهدٍ، لكنَّ التقييدَ غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ الآيةَ مطلقةٌ في وجوبِ إنذارِ القومِ - سواءً كانوا مجتهدين أولم يكونوا كذلك. أمَّا لو حملناهُ على روايةِ الخبر - لا يلزمُنا ذلكَ؛ لأنَّ الخبرَ كما (٩) يروى لغير (١) كذا في ح، وعبارة غيرها: ((لم يكن الحذر واجباً». (*) آخر الورقة (٥٦) من ل. (٢) في غير س؛ أبدلت الواو بالفاء. (٣) كذا في ح، س، آ، وفي غيرها: ((مسلم))، والمناسب ما أثبتنا. (٤) كذا في آ، ولفظ غيرها: ((قلت)). (٥) زاد في جـ: ((ولئن)). (٦) لفظ آ: ((لأجل)). (*) آخر الورقة (٥٥) من جـ. (٧) كذا في ح، آ، وهو الصواب وفي غيرهما: ((العموم)). (٨) انفردت بهذه الزيادة آ. (٩) لفظ س: ((لا)). - ٣٥٦ - المجتهدِ، فقد يُروى - أيضاً - للمجتهدِ. [و(١)] الثاني: أنَّ من شربَ النبيذَ - فروى (٢) إنسانٌ خبراً يدلُّ على أنَّ شاربَهُ في النارِ، فقد أخبره بخبرِ مخوفٍ، ولا معنى للإنذار إلا ذلك: فصحَّ وقوعُ اسم الإِنذارِ على الروايةِ(٣) . ثمَّ بعدَ ذلك نقول: لا يخلو إمَّا أنْ لا يقعَ اسمُ الإِنذارِ على الفتوى، أو يقعَ : فإن لم يقع - فقد حصلَ الغرضُ: من أنَّ المرادَ من الإِنذارِ الرواية لا الفتوى. وإن وقعَ - لم يجز جعلُهُ حقيقةً فيهما - دفعاً للاشتراك: فوجبَ جعلُهُ حقيقةً في القدرِ المشتركِ - وهو الخبرُ المخوفُ. وعلى هذا التقدير: يكونُ متناولاً للروايةِ والفتوى - جميعاً، وذلكَ ممَّا لا يضرُنا. قلت: الجوابُ عن الأُوَّلِ : أنَّه كما يلزمُ من حملِ الإِنذارِ على الفتوى - تخصيصُ لفظ ((القوم))(٤) بغير المجتهدِ، يلزمُ من حمله على الرواية - تخصيصُ لفظ ((القوم)) بالمجتهدِ؛ لإِجماعنا على أنّه لا يجوزُ للعاميّ أن يستدلَّ بالحديثِ، فالتقييدُ لازمٌ عليكم، كما أنَّهُ لازمٌ علينا - فعليكم(٥) الترجيحُ . ثمّ إنَّه معنا؛ لأنَّ غيرَ المجتهدِ أكثرُ من المجتهدِ، والتقييدُ كلَّما كانَ أقلَّ: كان أولى . (١) لم ترد الواو في جـ، آ. (٢) لفظ ما عداح: ((فیروی)). (٣) في ل: ((قوله)). (٤) لفظ ل: ((القول))، وهو تصحيف. (٥) زادآ: ((بـ)). - ٣٥٧ - وعن الثاني : أنّه إذا كان المرادُ من الإِنذارِ - القدر المشترك بين الفتوى والرواية، والمأمورُ به إذا كان مشتركاً فيه بين صورٍ كثيرةٍ: كفى في الوفاء بمقتضى الأمرِ - الإتيانُ بصورةٍ واحدةٍ من تلك الصورِ؛ لأنَّه إذا كانَ المطلوبُ إدخالَ القدرِ المشترك - بين الفتوى والرواية - في الوجودِ، وذلك المشتركُ يحصلُ(١) في الفتوى، فالقولُ بكونِ الفتوى حجَّةٌ - يكفي في العمل بمقتضى النصّ: فلا تبقى للنصِّ دلالةٌ على وجوبِ العمل بالرواية. سلَّمنا: أنَّ المرادُ من الإِنذارِ - روايةُ الخبرِ [فقط (٢)] لكن لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ روايةَ أخبارِ الأوَّلِينَ، وكيفيَّة ما فعلَ الله - تعالى - بهم؟ لأنَّ سماعَ أخبارِهم يقتضي الاعتبارَ - على ما قالَ الله - تعالى(*) -: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عبرةٌ لأولي الألباب﴾(٢) .. أو يكونَ المرادُ منه - التنبيهَ على وجوبِ النظرِ والاستدلالٍ. سلّمنا: أنَّ الآية تقتضي وجوبَ الحذرِ - عندَ خبرِ الطائفةِ - فلِمَ (*) قلتَ: إنَّ الطائفةَ اسمٌ لعددٍ لا يفيدُ قولُهم العلمّ؟ . [قوله (٤)]: ((لأنَّ كلَّ ثلاثةٍ فرقةٌ، والخارجُ من الثلاثةِ واحدٌ أو اثنانِ». قلنا: لا نسلِّم أنَّ كلَّ ثلاثةٍ فرقةٌ - فما الدليل؟ ثمّ إنَّ الَّذي يدلُّ على بطلانه(*) وجهانِ : أنَّهُ يقالُ: ((الشافعيَّةُ فِرقةٌ واحدةٌ، لا فرقَ))؛ ولو كانَ كلُّ ثلاثةٍ فرقةً - لما الأوَّلُ: (١) لفظ ل: ((محصل)). (٢) لم ترد الزيادة في ل. (*) آخر الورقة (٥٥) من آ. (٣) الآية (١١١) من سورة يوسف. (*) آخر الورقة (٧٧) من س. (*) آخر الورقة (٦٣) من ل. (٤) سقطت من آ. - ٣٥٨ - كانَ(١) الشافعيَّةُ واحدةً، بل فرقاً. الثاني : أُنَّه - تعالى (٢) -: ((أوجبَ على كلِّ فرقةٍ أن تَخْرُجَ منها طائفةٌ للتفقه، [ولو كان كلُّ ثلاثةٍ فرقةً - لوجبَ أن يخرجَ من كلِّ ثلاثةٍ واحدٌ(٣)]؛ وذلكَ باطلٌ ·بالاتفاق. سلّمنا: أنَّ الطائفةَ اسمُ لعددٍ لا يفيدُ قولُهم العلمَ - فِلِمَ قلتَ: إنّه(٤) يقتضي وجوبَ الحذرِ بقولِ عددٍ لا يفيدُ قولُهم العلمَ؟ بيانه(٥): أنَّ الطائفةَ - عندكم - اسمٌ للواحد أو الاثنين، وقوله: ﴿وَلِيُنذِروا قَومَهُم﴾(٦) ضميرُ جمعٍ(٧)، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ - على ما تقدَّم: فإذن: قولُهُ: ﴿وَلِيُنذِروا﴾ ليسَ عائداً إلى كلِّ واحدٍ - من تلك الطوائفِ، بل إلى مجموعِها؛ فلِمَ قلتَ: إنَّ مجموعَ تلكَ الطوائفِ [ما(٨)] بلغوا حدٍّ التواتر؟ . سلّمنا: أنَّ الآيةَ تقتضي وجوبَ الحذرِ(*) - عند خبرِ من لا يفيدُ قولهم(٩) العلمَ - فلِمَ قلتَ: إنَّها تقتضي وجوبَ العملِ بذلك الخبر؟ فإنَّا [إِنَّما ] نُوجبُ عليهم ذلكَ التركَ للاحتياطِ، حتَّى إِنَّه لو كانَ عامِّيّاً(*) - وجبَ عليه الرجوعُ إلى (١) لفظ ح: ((كانت)). (٢) كذا في ح، ل، ولفظ غيرهما: ((يقال)»، وهو تصحيف. (٣) ساقط من ح. (٤) في ل زيادة: ((لا))، وفي ي: ((يفيد)) بدلاً من ((يقتضي))، وعبارة ح: ((إن الآية تقتضي». (٥) لفظ ل، آ: ((جوابه)). (٦) الآية (١٢٢) من سورة التوبة. (٧) في س، آ: ((الجمع)). (٨) سقطت الزيادة من س. (٥) آخر الورقة (٥٧) من ل. (٩) كذا في آ، ولفظ غيرها: ((قوله)). (١٠) لم ترد في ح. (٥) آخر الورقة (٥٦) من جـ. - ٣٥٩ - المفتي، فإنْ أُذِنَ له: جازَ [له (١)] العودُ إليه. وإن كان مجتهداً - نظرَ في سائر الأدلَّةِ، فإنْ وجدَ فيها ما يقتضي المنع من ذلك الفعلِ : امتنعَ منه، وإلّ، جازَ له العودُ إليه. [و(٢) الجوابُ: قولُهُ: ((لِمَ قلتَ: إِنَّهُ يفيدُ وجوبَ الحذرِ»؟ قلنا: لثلاثةِ أوجهٍ : الأوَّلُ: أَنَّهُ لا يجوزُ(٣) حملُهُ على ظاهرهِ: فوجبَ حملُهُ على الأمرِ به. قولُهُ: ((لِمَ قلتَ: ليسَ - هاهنا - مجازٌ آخرُ))؟. قلتُ (٤): لأنَّ الأصلَ عدمُ المجازِ؛ فإذا وجدَ هذا المجازُّ الواحدُ ـ فالظاهرُ عدم سائرِ المجازاتِ. الثاني : أنَّ قوله - تعالى -: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحذَرُونَ﴾(٥) يقتضي إمكان تحقّقِ الحذرِ- في حقّهم - والحذرُ هو التوقِّي من المضرَّةِ (٦)، والفعلُ الَّذي يقتضي خبرُ الواحدِ، المنعَ منهُ - قد لا يكون مُضرّاً في الدنيا، فلا بدَّ وأنْ يكونَ مضرّاً في الآخرة، وإلاّ لم يكن الحذرُ ممكناً، ولا معنى لمضرَّةٍ(٧) الآخرةِ إلَّ العقابُ، فإذا كانَ هو - بحالٍ يحذَّرُ عنهُ: وجبَ أنْ يكونَ - بحالٍ يترتَّبُ العقابُ على فعلهِ: ولا معنى لقولنا: ((خبرُ الواحدِ حجّةٌ)) إلَّ هذا القدرُ. (١) هذہ الزيادة من ح، جـ. (٢) هذه الزيادة من ح، ل، آ، ي. (٣) لفظ ح: ((يمكن)). (٤) لفظ ح: ((قلنا)). (٥) الآية (١٢٢) من سورة التوبة. (٦) لفظ ل: ((الضرورة))، وهو تصحيف. (٧) في س، جـ، ص: أبدلت اللام بالياء فصارت: ((بمضرّة)). - ٣٦٠ -