النص المفهرس
صفحات 321-340
:
وعلى أنَّ معاويةً لو كان كذَّاباً - لما ولاَه عمرُ وعثمانُ على الناسِ .
يد. إنَّ أبا موسى قامَ على منبرِ الكوفةِ، لمَّا بلغهُ أنَّ علياً - رضي الله عنه.
أقبلَ يريدُ البصرةَ، فحمدَ الله، وأثنى عليه، ثم قالَ: ((يا أهلَ الكوفةِ واللهِ ما أعلمُ
والياً أحرصَ على صلاحِ الرعيَّةِ مِنِّي، واللهِ لقد منعتُكم حقاً كانَ لكم بيمينٍ
كاذبةٍ - فأستغفرُ الله منها))(١).
(١) خبر عليّ وأبي موسى رواه المؤرخون بشكل، وحرّفه نظّام الكذب بشكل آخر،
فالمؤرخون الأثبات قالوا: ((لما قدم عليّ الربذة أرسل منها إلى الكوفة محمد بن أبي بكر
الصديق، ومحمد بن جعفر - يدعون أهلها لمناصرته والخروج معه، ثم ساريريد البصرة (وأبو
موسى وال على الكوفة)، وجاء رسولا عليّ أبا موسى بكتابه، وقاما في الناس بأمره فلم يجابا
إلى شيء، فلما أمسوا دخل ناس - من أهل الحجى على أبي موسى، فقالوا: ما ترى في
الخروج؟ فقال : ... إنّما هما أمران: القعود سبيل الآخرة والخروج سبيل الدنيا فاختاروا فلم
ينفر إليه أحد، فغضب رسولا عليّ وأغلظا لأبي موسى ... فانطلقا إلى عليّ فأخبراه الخبر
- وهو بذي قار- فأمر عليّ الأشتر أن يذهب إليه ومعه ابن عباس فكلّما أبا موسى، واستعانا
عليه بنفر من أهل الكوفة - فلم يستجب لفكرة الخروج للقتال، وقام في الناس خطيباً يحذر
الفتن والمشاركة فيها، ويروي أحاديث رسول الله - صل# - فيها فكان فيما قال ...: ((فاغمدوا
السيوف، وانصلوا الأسنّة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر
وتنجلي الفتنة)). فرجع ابن عباس والأشتر إلى عليّ وأخبراه فأرسل ابنه الحسن وعماراً إليه،
فأحسن استقبال الحسن وضمّه إليه وعاتب عماراً في موقفه من عثمان، ثم أقبل الحسن على
أبي موسى وقال: ((لم تثبط الناس عنّا - فواللهِ ما أردنا إلا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين
يخاف على شيء))؟! فقال: صدقت بأبي أنت وأمي، ولكن المستشار مؤتمن سمعت رسول
الله - * - يقول: ((إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ... )) الحديث، وأتم كلامه
في الدعوة لعدم الخروج ومساندة أي من الفريقين فغضب عمّار، وأغلظ لأبي موسى القول،
وثار بين الناس الجدل.
وقيل: إن علياً أرسل الأشتر بعد ابنه الحسن وعمّار إلى الكوفة فدخلها والناس في
المسجد يتجادلون في الأمر: أبو موسى يدعوهم إلى القعود، وعمّار والحسن يدعوانهم إلى
الخروج مع أمير المؤمنين عليّ، فدعا الأشتر البعض للسير معه إلى دار الإمارة فتبعه بعضهم
فانتهى إلى القصر فأخرج غلمان أبي موسى منه، فجاء أبو موسى ليدخل القصر فمنعه الأشتر، .
فذهب أبو موسى إلى قرية يقال لها: ((عُرْض)) فاعتزل الناس فيها. فلما أنهكت المعارك =
- ٣٢١ -
وهذا إقرارٌ منه على نفسه باليمين الكاذبةِ .
يه. روى أبو بكر وعمرُ - رضي الله عنهما - يومَ السقيفةِ: أنَّه - عليه الصلاة
والسلامُ - قالَ: ((الأئمّةُ من قريشٍ))، ثمَّ رويتم أشياء ثلاثة تناقضه:
أحدها:
قول عمر - رضي الله عنه - في آخر حياته: ((لو كانَ سالمُ حيّاً - لما
تخالجَني فيه شكَّ))(١)، وسالم مولى امرأةٍ من الأنصارِ، وهي حازتْ ميراثَهُ.
= الفريقين، وذهبت آلاف النفوس -: يبدو أن وجهة نظر أبي موسى وأمثاله لقيت رواجاً بين
الناس، فارتفع شعار التحكيم، واختير أبو موسى ليمثل أهل العراق - الذين عزلوه فاعتزلهم -
فيه، فكان أول خروج له من عزلته تلك، فأين هذا الهراء الذي لفقه أعداء الصحابة؟ ولو أن
أبا موسى شهد على نفسه بذلك لكفى رسل الإِمام عليّ المؤونة، ولقالوا له ذلك، وعابوه به
لتنفير الناس من الاستماع لرأيه ومتابعته، ولما وافقوا على أن يكون الحكم المنتدب من
قبلهم. أ. هـ ملخصاً من الكامل: (١١٤/٣-١١٩)، والعواصم بهوامشها (١٧٢ -١٧٦).
(١) هو سالم بن معقل - مولى أبي حذيفة بن عتبة، كان من فضلاء الموالي ومن خيار
الصحابة وقرّائهم، أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة - «ثبيتة أو ثبتة أو ليلى أو فاطمة بنت يعار
الأنصاريّة)) وتبنّه أبو حذيفة، قبل النهي عن التبنّي - ولذلك عد في المهاجرين، وقد زوجه
أبو حذيفة بابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، وهو صاحب قصة ((رضاع الكبير)) المشهورة.
في كتب الفقه والحديث، كان لواء المهاجرين معه يوم اليمامة، فقيل له في ذلك - فقال:
((بئس حامل القرآن أنا)) يعني: إن فررت فقطعت يمينه، فأخذ اللواء بيساره فقطعت يساره،
فاعتنق اللواء حتى سقط شهيداً وذلك سنة ((١٢)) هـ. انظر ترجمته وشيئاً من مناقبه في
الإصابة: (٦/٢) الترجمة (٣٠٥٢) وبهامشها الاستيعاب: (٢/ ٧٠)، وطبقات ابن سعد:
(٨٥/٣-٨٨)، وانظر فضائله في المستدرك: (٢٢٥/٣)، والحلية (٣٧٠/١)، ومجمع
الزوائد: (٩/ ٣٠٠) کان عمر - رضي الله عنه - شدید الحب له، وکثیر الثناء علیه لما یری
من صلاحه وحسن قراءته وتعاهده القرآن، حتى قال فيه قولته المعروفة: ((لو كان سالم حيّاً
ما جعلتها شورى)) فانظر قوله هذا في الاستيعاب: (٧١/٢) بهامش الإصابة وقد أورد
الماورديّ في ((أدب القاضي)) أثر عمر هذا بلفظ: ((لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً - لما
خالجني في تقليده شك)). (وقد ذكر محققه: أنّ هذا الأثر قطعة من حديث طويل رواه أحمد
وابن حبان والحاكم عن أبي رافع: أن عمر كان مستنداً إلى ابن عباس ... الحديث) وأحال =
- ٣٢٢ -
وثانيها :
أنّه - عليه الصلاة والسلام - قال: ((اسمعْ وأَطعْ ولو كانَ عبداً حبشيًا))(١).
وثالثُها:
قوله - عليه الصلاة والسلام: ((لو كنتُ مستخلفاً من هُذهِ الأمَّةِ أحداً من غير
مشورة - لاستخلفتُ ابنَ أُمِّ عبدٍ» (٢).
يو. لمّا روى أبو هريرة: أنَّه - عليه الصلاةُ والسلامُ - قالَ: ((إنَّ المرأةَ
والكلبَ والحمارَ يقطعْنَ الصلاةَ)»، مشت عائشةُ - رضي الله عنها - في خفِّ
= على كنز العمال (٤٣٤/٥-٤٣٥) الحديث رقم (٢٤٦٦) ولم أجده حيث أحال فلعله نقل
الإحالة عن غيره ولم يشر.
وقد تأول القاضي أثر عمر هذا - على فرض صحته - بتأويلين.
١ - إن سالماً كان مولى عتاقة، ولم يكن باقياً على الرُّق، وتقلید مثله جائز.
٢ - إن عمر إنما قال ما قال على وجه المبالغة في الثناء على أهل القرآن وتعظيمهم،
وإلّ فإنّ الإجماع قائم على عدم جواز تولية العبد الإِمامة. انظر أدب القاضي:
(٦٢٩/١-٦٣٠).
(١) حدیث وجوب السمع والطاعة للإِمام - ما أطاع الله ورسوله - حديث صحيح روي
من طرق متعددة وبألفاظ كثيرة منها ما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والطبراني والبيهقي عن
أبي هريرة وأنس وابن مسعود وأبي ذر ووائل وزيد بن سلمة وغيرهم فانظر كنز العمال:
(٤٩/٦-٥٠) الأحاديث رقم (١٤٧٩٥، و١٤٧٩٦، و١٤٧٩٧، و١٤٧٩٨، و١٤٧٩٩،
و١٤٨٠٠، و١٤٨٠١) وما بعدها، و(٧٧٨/٥) الحديث (١٤٣٥٨) وما بعده وانظر تأويل
مختلف الحديث ص(١٢٢).
(٢) هكذا في جميع الأصول، وهو لفظ ابن ماجه فانظر سننه: (٤٩/١) الحديث
(١٣٧)، وهو غريب. والحديث الصحيح جاء بلفظ ((مؤمّراً)) و(الأمُّرت)) والحديث باللفظ
الأخير صحيح أخرجه أحمد والترمذي والحاكم على ما في الجامع الصغير: (٢٢١/٢)،
وسنن الترمذي: (٣٥٥/٩) الحديث رقم (٣٨١٠، ٣٨١١) والحديث محمول على إظهار
فضيلة ابن مسعود وصلاحه وثقة رسول الله - ﴿﴿ - فيه، ولفظ ((أمَّرتُ)) لا يدل على الإمامة
العظمى، بل يتحقق بأيّة إمارة كما هو ظاهر.
وبلفظ ابن ماجه أخرج الحديث في الكنز (٧١١/١١) رقم (٣٣٤٦٧).
- ٣٢٣ -
واحدةٍ، وقالت: ((لأحنثنَّ أبا هريرة، فإنِّي ربَّما رأيتُ الرسول عليه الصلاة
والسلام - وسط السرير، وأنا على السريرِ بينَهُ وبينَ القبلةِ))(١).
يز. روى أبو هريرة عنه: أنَّه - عليه الصلاة والسلامُ - قال: ((إنَّ الميّت على
من غسَلَهُ الْغُسُلُ، وعلى من حملهُ الوضوءُ))، فبلغ ذلك عائشة - رضي الله عنها -
فقالت: ((أنجاسٌ موتاكم))(٢)؟
(١) الحديث بلفظ: ((يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار)) عن أبي هريرة رواه أحمد.
وابن ماجه ومسلم، وزاد: ((ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل)). وباللفظ نفسه عن عبد الله بن
مغفل رواه أحمد وابن ماجه ومع زيادة في أوله تضمنت الأمر بالسترة، وزيادة فيه بوصف
الكلب «بالأسود)»، وسؤال عبد الله أبا ذر عن سبب ذلك، وجواب أبي ذر، رواه الجماعة إلا
البخاريّ، وكلّها قد أخرجها المجد بن تيميّة في المنتقى: (١١/٣)، وانظر مذاهب العلماء
في المسألة ورواية السيدة عائشة الموافقة لرواية أبي هريرة والروايات الأخرى الواردة في الباب
في شرحه ((نيل الأوطار)): (١١/٣٠-١٥)، وانظر الإجابة: (١٢٤-١٢٥)، وقول عائشة - الذي
نقله المصنف عنها ليس استدراكاً على حديث «قطع الصلاة»، بل هو استدراك على ما رواه.
الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله - {85 * - قال: ((لا يَمشينّ أحدكم في نعل واحدة، :
لینعلهما جميعاً أو لیخلعهما جمیعاً))، وروى مسلم عن جابر نحوه، وقد عارضت عائشة هذا،
فروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: أن عائشة كانت تمشي في خفّ واحد وتقول : .
((لأخشنَّ أبا هريرة))، انظر ((الإصابة)) ص١٢٥، وقد تحرف فيه ((لأحنثن)) إلى ((لأخشى))،
وانظر تأويل مختلف الحديث ص(٩٠). وأما حديث اعتراض عائشة بين يدي رسول الله.
- ◌َّ - وهو يصلي - فقد تأوله العلماء بتأويلات عدة منها: أن الاعتراض غير المرور، ومنها :..
أن ذلك كان في صلاة نافلة، ويغتفر فيها ما لا يغتفر في الفريضة، وادعى بعضهم: أن حديث.
عائشة متأخر وحديث أبي هريرة متقدم فيكون حديث عائشة ناسخاً لحديث أبي هريرة. فانظر
نيل الأوطار: (١٣/٣)، وانظر جملة الأحاديث والآثار الواردة في الموضوع وأسانيدها وفقهها
عند أبي جعفر في شرح معاني الآثار: (٤٥٨/١-٤٦٤).
(٢) حديث أبي هريرة عن النبيّ - وَّه -: ((من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ)»
رواه الخمسة ولم يذكر ابن ماجه الوضوء؛ وقال أبو داود: «هذا منسوخ))، وقال بعضهم: ((من
أراد حمله ومتابعته فليتوضأ من أجل الصلاة علیه».
انظر: منتقى الأخبار: (٢٩٧/١) مع شرحه نيل الأوطار وانظر طرق الحديث واستنباطات
العلماء منه في شرحه نيل الأوطار: (٢٩٧/١-٣٠٠) وستطلع على جمع العلماء بين هذا =
- ٣٢٤ -
يحــ عن إبراهيم أنَّ عليّاً - رضي الله عنهُ(٥) - بلغهُ أنَّ أبا هريرة يبتدىء
بميامينه في الوضوء، وفي اللّاسِ - فدعا بماءٍ، فتوضّأ وبدأ بمياسِيره، وقال:
((لأخالفنّ أبا هريرة))(١).
يط. إنَّ أصحابَ عبد اللهِ لمَّا بلغهم خبرُ أبي هريرة: ((من قامَ من منامِهِ فلا
يغمسْ يدَهَ في الإِناءِ حتَّى يغسلها ثلاثاً) - قالوا: ((إنَّ أبا هريرة مكثارٌ، فكيفَ
نصنعُ بالمهراسِ »(٢).
ك. لمَّا قال أبو هريرة: «حدَّثني خليلي)) - قال له عليٍّ - رضي الله عنه:
«متى كان خليلَكَ))(٣)؟
= الحديث وبين حديث: ((لا تنجسوا موتاكم فإنّ المؤمن ليس بنجس حياً ولا ميتاً»، وانظر سنن
البيهقي: (٢٩٩/١-٣٠٧)، وقد روي الاستدراك من طرق عدة عن ابن عباس وابن عمر وابن
مسعود وعائشة رضي الله عنهم أجمعين، وانظر الإجابة: (١٢١-١٢٢).
.
(*) آخر الورقة (٥٧) من ح.
(١) (كون رسول الله - ﴾ - يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) حديث
صحيح متفق عليه عن عائشة وقد تعددت طرقه وألفاظه عنها؛ وأما حديث أبي هريرة - في
الباب - فقد أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم ولم يخرجه الشيخان، وقال ابن دقيق
العيد: ((هو حقيق بأن يصح))، وروى الدارقطني عن عليّ - رضي الله عنه - قال: ((ما أبالي
بدأت بيميني أو بشمالي إذا أكملت الوضوء». فانظر سنن الدارقطني: (٨٧/١-٨٩)،
وبحاشيته التعليق المغني .
وروي عنه أنه سخر من سائل سأله عن ذلك، ودعا بماء فتوضأ، وبدأ بالشمال قبل
اليمين، فانظر ذلك كلّه وأقوال العلماء في حكم التيامن في المنتقى وشرحه: نيل الأوطار:
(٢١٢/١ -٢١٣).
(٢) حديث أبي هريرة: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا یغمس یده حتی یغسلها ثلاثاً»
حديث صحيح رواه الجماعة إلّا أنّ البخاريّ لم يذكر العدد، وللحديث طرق وألفاظ عدة.
فانظر الحديث وطرقه وأقوال العلماء فيه، والأحكام المستنبطة منه في نيل الأوطار:
(١٦٨/١-١٧١). و((المهراس)): حجر منقور مستطيل عظيم كالحوض. يتوضأ منه الناس ولا
يستطيع واحد تحريكه، والذي اعترض على أبي هريرة قيس الأشجعيّ، وأصحاب عبد الله.
فانظر سنن البيهقي: (١ /٤٥-٤٨)، وانظر تأويل مختلف الحديث ص(١٣٠).
(٣) إطلاق بعض الصحابة كلمة ((خليلي)) على رسول الله - 18 لم يكن قاصراً على =
- ٣٢٥ -
وقال عمرو بنُ عبيد الله: ((كأنَّه ما سمعَ قوله - عليه الصلاة والسلامُ -: ((لو
كنتُ متَّخذاً خليلاً - لاَتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً)(١).
کا. لما روی أبو هريرة: «من أصبحَ جنباً فلا صومَ له»، أرسلَ مروان ۔ في
ذلك - إلى عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - فقالتا: ((كان النبيُّ - عليه الصلاةُ
والسلامُ - يصبحُ جنباً ثم يصومُ))؛ فقال للرسولِ : اذهبْ إلى أبي هريرة فأخبره.
بذلكَ - فقال أبو هريرة: ((أخبرني بذلك الفضلُ بنُ عبّاسٍ))(٢).
قال النظّامُ: والاستدلالُ به من ثلاثةِ أُوجهٍ:
= أبي هريرة - رضي الله عنه - فإذا كانت قد وردت عنه في مواضع عدة - منها: حديث في مسند.
أحمد: ((أوصاني خليلي بثلاث ... )): (٢٢٩/٢)، وما رواه مسلم في (٣٣٤/٦) ط
المصرية. فقد وردت عن غيره من الصحابة في أحاديث متعددة - منها ما روي عن أبي بكر
- رضي الله عنه - بعد وفاة رسول الله - * - حيث قال - وهو يقبله - عليه الصلاة والسلام -:.
((وآنبيَّاهُ وآخليلاه وآصفيَّاه)). وإنكار عليٍّ على أبي هريرة ورد عند ابن قتيبة في تأويل مختلف
الجدیث (٢٢)، وتأويله في (٤١-٤٢).
ولا منافاة بينه وبين الحديث الصحيح الآتي: ((لو كنت متخذاً خليلاً ... )) فأبو هريرة
أو أبو بكر أو غيرهما من الصحابة لا شيء يمنع من أن يتخذ رسول الله - {# - خليلاً، بل
ذلك هو الواجب على كل مسلم ومسلمة ولكن الحديث الآتي دليل على أن رسول الله- { 4* د.
لا يتخذ غير الله - تعالى - خليلاً له)). ولا تغترَّ بترّهات وأباطيل أبي ريّة في أضوائه ص(١٦٨).
(١) حديث: ((لو كنت متخذاً خليلاً دون ربي - لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخي:
وصاحبي)): حديث صحيح، رواه بهذا اللفظ أحمد والبخاري عن الزبير، والبخاري عن ابن
عباس، ونحوه عند مسلم. على ما في الفتح الكبير: (٤٨/٣)، والجامع الصغير: (٢٢١/٢)
وانظر في فضائل الصديق كنز العمال: (٤٨٥/١٢-٥٤٥)، وانظر ما قاله النووي في الجمع
بين هذا الحديث والحديث المتقدم في شرحه على صحيح مسلم: (٢٣٤/٦) ط المصرية.
(٢) أحاديث صوم الجنب عن أبي هريرة وردُّ عائشة وأم سلمة عليه وقصة مروان، وتسليم.
أبي هريرة بأن عائشة أعلم برسول الله منه، وقوله: حدثنيه الفضل، تجد ذلك كله بطرقه.
المختلفة وألفاظه المتعددة عند أبي جعفر في شرح معاني الآثار: (١٠٢/٢ -١٠٧) وانظر نيل
الأوطار: (٢٩١/٤-٢٩٣) وسنن البيهقي: (٢١٣/٤-٢١٥) وانظر تأويلات الزركشي لحديث
أبي هريرة في الإجابة: (١١٢-١١٤)، ودفاع عن أبي هريرة: (٢٢٦-٢٢٨).
- ٣٢٦ -
أحدها:
أنَّه استشهدَ ميتاً.
وثانيها :
أَنَّهُ لو لم يكنْ متَّهماً فيه - لما سألوا غيره.
وثالثُها:
أنَّ عائشة وحفصةً(١) - رضي الله عنهما - كذَّبتاهُ.
كب. ولمَّا روى أبو سعيد الخدريُّ ((خبرَ الرِّبا)) - قال ابن عبّاس: «نحن
أعلم بهذا، وفينا نزلت آية الربا))، فقال الخدريُّ: ((أحدِّثُك عن رسول الله
- رَ﴾ - وتقولُ لي ما تقولُ؟ واللهِ لا يُظلُّني وإِيَّكَ سقفُ بيتٍ» وهذا تكاذب بين
ابنِ عبّاسٍ وأبي سعيدٍ(٢).
كج. لمَّا قدم ابن عبّاس البصرة - سمع الناس يتحدثون عن أبي موسى،
عن النبيّ - وَ﴿ - فكتبَ إليه، فقال أبو موسى: ((لا أعرفُ منها حديثاً))(٣).
(١) هذا خطأ لا أدري إن كان من النظام أو هو من المصنّف، فقد علمت أنهم سألوا
عائشة وأم سلمة لا حفصة - رضي الله عنهنّ -.
(٢) حديث أبي سعيد في ((الربا)) حديث صحيح أخرجه مسلم في (٨/١١-١٠) ط.
المصرية، ومالك في الموطأ: الحديث (١٣٦١)، وانظره بشرح الزرقاني: (٢٧٧/٣)،
والإمام الشّافعي في المسند: (٢٧٧/٨)، و(٣٨٥)، المطبوع مع الأم، والبخاري فانظره
بهامش الفتح: (٣١٧/٤-٣١٨)، وأحمد في المسند: (٩/٣) والحديث برواية أبي نضرة مع
قصة ابن عمر وابن عباس، ثم سؤال أبي نضرة لأبي سعيد في صحيح مسلم: (٢٤/١١)
ط. المصرية، وفي اختلاف ابن عباس وأبي سعيد انظر سنن البيهقي: (٢٨٦/٥)،
والمحلّى: (٤٨٠/٨) وما بعدها، ونيل الأوطار: (٣٠٣/٥-٣٠٤)، والمجموع:
(٣٩٣/٩-٣٩٤).
-
والذي نقله الجمهور عن ابن عباس رجوعه وأخذه بمقتضى رواية أبي سعيد، وشكره له
أن ذكّره وثناءه عليه لا تكذيبه إياه، وردّه عليه كما زعم النظام انظر المراجع المذكورة والكفاية
(٦٨).
(٣) في سائر الأصول وردت بلفظ: ((لا أعرف منها إلا حديثاً) ولعل الصواب ما أثبتنا : =
- ٣٢٧ -
كد. روي أنَّ عمر رضي الله عنه - كانَ إذا ولَّى أصحاب رسول الله - أ﴾ . -
الأعمال، وشيَّعهم - قال لهم عند الوداع: ((أقلوا الحديثَ عن رسولِ اللهِ))(١)
.- 醬 -
قال النظّامُ: فلولا التهمةُ - لما جازَ المنعُ من العلمِ .
كه. رووا عن سهل بن أبي حثمة - في القسامة - ثمّ إنّ عبد الرحمن بن
عبيد قال: ((والله ما كان الحديث كما حدّث سهل، ولقد وهم، وإنَّما كان رسول .
الله - ◌َ ل﴾ - كتب إلى أهل خيبر: إنَّ قتيلًا وجد في أودیتكُم - فدوهُ. فكتبوا،
يحلفون بالله ما قتلوه، فوداه رسولُ الله من عنده)).
= هذا ولم أقف على هذا - فيما اطلعت عليه - ولكن معناه قد ورد في آثار كثيرة - كلّها يدلّ على
وجوب التثبت من صحة الرواية؛ لكثرة الوضع في البلدان والأماكن - التي كانت مسرحاً !:
للصراعات السياسية، والخلافات المذهبية، فلينظر نحو هذا وما في معناه في مقدمة صحيح
مسلم: (٤٣/١-١٤٤) ط. المصرية، والكفاية: (٨١-٩٢). ولقد كان الزهريُّ يقول : :
((يخرج الحديث من عندنا شبراً فيرجع إلينا من العراق ذراعاً))، وكان مالك يسمّي العراق ((دار
الضرب)» - أي: تضرب فيها الأحاديث وتخرج إلى الناس كما تضرب الدراهم. انظر السنّة.
ومكانتها في التشريع ص(٧٩).
(١) أخرج الإمام الشافعي في الأم: (٣٠٨/٧) ط الأميرية، وابن عبد البر في الجامع:
(١٢٠/٢)، عن قرظة بن كعب قال: (خرجنا فشيعنا عمر إلى ((حرار)»، ثمّ دعا بماء فتوضأ،
ثم قال لنا: ((أتدرون لِمَ خرجتُ معكم))؟ قلنا: أردت أن تشيّعنا وتكرمنا! قال: ((إنّ مع ذلك.
لحاجة! خرجت لها؟ إنّكم تأتون بلدة لأهلها دويٌّ بالقرآن كدويّ النحل فلا تصدوهم
بالأحاديث عن رسول الله - 18 - وأنا شريككم)) قال قرظة: فما حدثت - بعده - حديثاً عن:
رسول الله - 13 -. وفي لفظ: ((فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جوّدوا القرآن، وأقلّوا.
الرواية عن رسول الله - * - امضوا وأنا شريككم)) فانظر هذا، ونحوه وما في معناه في
التذكرة: (٧/١)، وشرف أصحاب الحديث ص(٩٧)، وسنن الدارمي: (٨٥/١)،
والبيهقي: (١٢/١)، والسنة قبل التدوين: (٩٧)، وظاهر أن سيدنا عمر لو كان يتهم أحداً
منهم - لكان له موقف آخر، لكنه - رضي الله عنه - كان يريد أن يجيد الناس القرآن - أولاً -
ويتقنوه إتقاناً تاماً، ثم تروى لهم الرواية منجمة على الحوادث والوقائع وبقدر ما يحتاجون لئلا
يتحولوا من أمة تستمع لتعمل بما يروى إلى أمة تستمع لغرض الاستماع فقط.
- ٣٢٨ -
۔۔
وقال محمد بن إسحاق: ((سمعتُ عمرو بن شعيبٍ في المسجد الحرامِ
يحلفُ باللهِ الَّذي لا إله إلّ هو: أنَّ حديثَ سهلٍ ليسَ كَما حدَّثَ))(١).
كو. قال أصحاب الشعبيّ: ((إِنَّكَ لا ترى طلاق المكره، قال: أنتم
تكذبون عليَّ - وأنا حيَّ - فكيفَ لا تكذبونَ على إبراهيم، وقد ماتَ))(٢).
(١) حديث القسامة عن سهل حديث صحيح أخرجه البخاري فانظره بهامش شرحه
الفتح: (٢٠٣/١٢-٢٠٦) وقد أورد الحافظ الشارح فوائد كثيرة في الباب فراجعها في
(٢٠٢/١٢-٢١٧) وأخرجه مسلم فانظر كتاب القسامة في (١٤٠٣/١١ -١٤٥٣) وقد نقل
النووي في شرحه بهامش الصفحات المذكورة كثيراً من الأحكام والفوائد التي أخذت من
الحديث ومنها قول القاضي: «حديث القسامة أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد
الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة - من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم - من علماء الأمصار: الحجازيّن والشاميين والكوفّين وغيرهم - رحمهم الله - وإن
اختلفوا في كيفيّة الأخذ بها.
وروي عن جماعة إبطال القسامة وأنّه لا حكم لها ولا عمل بها - منهم سالم بن عبد الله
وسليمان بن يسار والحكم بن عتيبة وقتادة وأبو قلابة ومسلم بن خالد وابن عليّة والبخاريُّ وعن
عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين؛ فانظر هذه الأقوال مع غيرها وصور القسامة وما يجب
بها في الشرح المذكور. وانظر الموطأ: (٨٧٧/٢-٨٨٠)، والترمذي: (١٠٦/٥) الحديث
رقم (١٤٢٢)، وسنن أبي داود: (٦٥٥/٤) الحديث (٤٥٢٠، و٤٥٢١)، وتخطئة محمد بن
إسحاق لسهل، وقوله: ((إن سهلاً - والله - أوهم الحديث)) تجدها عنده الحديث رقم
(٤٥٢٥)، وانظر قريباً من معنى ما نقله عن عبد الرحمن بن عبيد في الحديث رقم (٤٥٢٦)،
وانظر حديث سهل وأحاديث القسامة الأخرى في كنز العمال: (١٤١/١٥-١٤٦) حديث
سهل برقم (٤٥٤٤١) و(٤٠٤٤٣) والأحاديث التي قبلها وبعدها. وتلخيص الحبير:
(٣٨/٤-٤٠) رقم (١٧٢٠) وانظر (١٧٢١)، والدراية: (٢٨٤/٢-٢٨٧) رقم (١٠٤٥) وما
بعدها، ونيل الأوطار: (١٨٣/٧-١٩١)، وشرح معاني الآثار: (١٩٧/٣-٢٠٣)، وسنن
البيهقي: (١١٧/٨) وما بعدها، ونصب الراية: (٣٨٩/٤) وما بعدها. وانظر ص (٢٥٨) من
هذا الجزء من الكتاب.
(٢) أقوال العلماء - من الصحابة والتابعين والفقهاء - في طلاق المكره انظرها في
المحلّى: (٢٠٢/١٠ -٢٠٥) وقد نقل عن إبراهيم: ((إن الطلاق ما عنى به الطلاق)» ونقل عن
الشعبيّ: ((أن المكره إن أكرهه على الطلاق السلطان لزمه، وإن أكرهه غيره: لم يلزمه)»، =
- ٣٢٩ -
كز. قال ابن أبي مليكة: ((ألا تعجبُ؟ حذَّثني عروةُ عن عائشة - رضي الله
عنها -: أنَّها قالت: أهللتُ بعمرةٍ. وقال القاسمُ: إنَّها قالت بحجّةٍ))(١).
كح. قال صدقةُ بنُ يسارٍ: ((سمعت أنَّه عليه الصلاة والسلام - قال في
:
الّذي يسافر، وحده وفي الاثنين: ((شيطان وشيطانان))، فلقيتُ القاسم بنّ
محمَّدٍ، فسألتُهُ فقالَ: كان النبيُّ - ◌ََّ - يبعثُ البريدَ - وحده - وكانَ النبيُّ
= وانظر ما نقله ابن قدامة عن إبراهيم والشعبيّ في المغني: (٢٥٩/٨ و ٢٦١).
(١) أما ابن أبي مليكة - فهو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: زهير؛ كنيته: أبو بكر،:
وهو تابعيُّ ثقة فقيه كثير الحديث ولي قضاء الطائف لابن الزبير، توفي سنة (١٠٧)هـ، وقيل:
(١١٠)هـ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (٣٠٦/٥)، والتذكرة (١٠١/١)، والجرح
والتعديل (٢ ق٩٩/٢).
وأما عروة - فهو ابن الزبير أمّه أسماء - ذات النطاقين - وخالته عائشة، كان والقاسم ابن
أخيها محمد أعلم الناس بحديث عائشة - رضي الله عنها - اختلف في سنة وفاته فقيل: (٩١،
٩٢، أو ٩٣، أو٩٤)هـ وقد رجَّح ابن سعد وآخرون الأخير، ترجمت له معظم المظان - منها:
تهذيب التهذيب: (١٨٠/٧-١٨٥) وطبقات ابن سعد: (١٧٨/٥)، والتذكرة: (٦٢/١)،
والبداية: (١٠١/٩)، والجلية: (٣٧٦/٢)، وطبقات الشيرازي: (٢٦).
وأما القاسم - فهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، تربَّى في حجر أمّ المؤمنين - عمته
عائشة، فروى الحديث عنها، وعن غيرها - من الصحابة - كان أفضل أهل زمانه علماً وأدباً.
وفقهاً، اختلف في سنة وفاته، فقبل: (١٠٦، وقيل: ١٠٧ هـ) وقال ابن سعد في الطبقات
(١١٢) ترجم له الكثيرون - منهم ابن حجر في تهذيب التهذيب: (٣٣٣/٨-٣٣٥)، والذهبي
في التذكرة: (٩٦/١)، وأبو نعيم في الحلية: (١٨٣/٢)، وابن سعد في الطبقات ::
(١٨٧/٥).
وأما الأثر فعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها -: ((أنّ رسول
الله - ◌َ﴾ - أفرد الحجّ))، ومن طريق آخر عنها - رضي الله عنها - قالت: ((خرجنا ولا نرى إلّ.
أنّه الحج)). وعن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((خرجنا مع رسول الله - ◌َا﴾ - عام:
حجة الوداع، فمنّا من أهلّ بعمرة، ومنّ من أهلّ بحجِّ وعمرة، ومنّا من أهلّ بالحج، وأهلّ.
رسول الله - 1983 - بالحج))، وقد أخرج هذه الآثار وغيرها أبو جعفر في شرح معاني الآثار:
(١٣٩/٢ -١٦٠)، وتولى توجيه ذلك كلّه، ولا تناقض ولا تكاذب بين رواتها، وانظر حجة.
الوداع للكاندهلوي: (٤٤-٤٧) وتأويل مختلف الحديث: (٣٣٧-٣٣٨).
- ٣٣٠ -
وصاحبهُ وحدهما))(١).
فهذا من القاسم تكذيبٌ بهذا الخبر.
كط. كان ابنُ سيرين يعيبُ الحسنَ - في التفسير - وكان الحسنُ يعيبُهُ - في
التعبير، ويقولُ: كأنَّهُ من ولد يعقوبَ(٢).
(١) صدقة بن يسار الجزريُّ، سكن مكة، وثّقه الإِمام أحمد وابن معين، كان خارجياً،
ثم تخلى عن مذهبهم، وقد خطأ الحافظ ابن حجر من ذكر أنه عم محمد بن إسحاق بن
يسار، توفي أول خلافة بني العيّاس، له ترجمة في تهذيب التهذيب: (٤١٩/٤) الترجمة
(٧٢٢)، والحديث المشار إليه ورد جزءاً من حديث طويل في الحث على لزوم الجماعة
والتحذير من التفرد والانشقاق، خرجناه بحاشية ص (٨٩) من هذا الجزء من الكتاب.
وبلفظ: ((الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب» أخرجه الحاكم عن أبي
هريرة. على ما في الفتح الكبير: (٣٠٦/٣).
وقد تأول أبو محمد بن قتيبة الحديث ورد على اعتراض النظام وأصحابه فقال: ((إنه أراد
بقوله: المسافر وحده شيطان: معنى الوحشة بالانفراد؛ لأن الشيطان يطمع فيه، كما طمع
فيه اللصوص، ويطمع فيه السبع، فإذا خرج - وحده - فقد تعرض للشيطان، وكذلك الاثنان،
فإذا تتامّوا ثلاثة: زالت الوحشة، ووقع الأنس وانقطع طمع الطامعين.
قال: ((وأما قولهم: ((كان يبرد البريد وحده))؛ فإنّه كان يبعث به من بلد إلى بلد - وحده -
ويأمره أن ينضم في الطريق إلى الرفيق يكون معهم ويأنس بهم؛ قال: وهذا شيء يفعله الناس
في كل زمان، ومن أراد أن يكتب كتاباً وينفذه مع رسول إلى بلد شاسع فإنه لا يجب عليه أن
يكتري ثلاثة لهذا الحديث، وإنّما يجب على هذا الرسول - إذا هو خرج - أن يلتمس
الصحبة، ويتوقى الوحدة وأمّا خروج النبيّ - # - مع أبي بكر حين هاجرا - فإنّهما كانا خائفين
من المشركين فلم يجدا بدّاً - من الخروج كذلك، ولعلهما أمَّلا أن يوافقا ركباً، ولما تمكنا
من زيادة العدد فعلا، فقد استأجر أبو بكر - رضي الله عنه - هادياً من بني الديل، واستصحب
عامر بن فهيرة - مولاه -: فدخلوا المدينة وهم أربعة أو خمسة، انظر تأويل مختلف الحديث:
(١٦٣-١٦٥)، وانظر ص (٣٧٥) من القسم الثاني من هذا الكتاب.
۔۔
۔۔
(٢) إذا صح أن الحسن يعيب على ابن سيرين وابن سيرين يعيب على الحسن - وهو
ما لا يستطيع النظّام إثباته - فأيّ شيءٍ يترتّب على هذا؟ وهل تفقد السنّة حجيّتها ويفقد
الصحابة عدالتهم لمجرد أن يعيب عالم على آخر أو ينتقد فيه شيئاً في ظرف غير معروف =
- ٣٣١ -
ل. ابن عباس - رضي الله عنهما -: ((الحجر الأسودُ من الجنَّةِ، وکان أشدَّ
بياضاً من الثلج حتَّى سوَّدتْهُ خطايا أهل الشرك))، فسُئلَ ابنُ الحنفيَّةِ عنْ
الحجر، وقيل: ابن عبّاس يقولُ: ((هو من الجنَّةِ)) فقال: هو من بعض الأودية (١).
قال النظّامُ: لو كانَ كفرُ أهل الجاهلية يسوِّدُ الحجرَ - لكانَ إسلامُ المؤمنين
يبيِّضُهُ، ولأنَّ الحجارةَ قد تكون سوداء وبيضاء، فلو كان ذلكَ السوادُ من الكفر
- لوجب أن يكون سوادُها بخلاف سائر الأحجارِ، ليحصلَ التمييزُ. ولأنَّهُ لو كانَّ
كذلكَ - لاشتهر؛ ذلك لأنَّه من الوقائع العجيبة: كالطير الأبابيل.
لا. روى أبو سعيد الخدريُّ: «أَنَّهُ لا هجرةَ بعد الفتح ، لكن جهادٌ
ونيّةٌ))(٢)، فقال لهُ مروانُ: كذبتَ - وعندهُ رافعُ بنُ خديجٍ وزيدُ بن ثابتٍ، وهما
= ولأسباب مجهولة - والرواية - بعد ذلك - مغرضة نقلها وروّجها صاحب غرض وأخو هوىٍّ
وبدعة؟ !.
(١) حديث ((الحجر الأسود من الجنة)) أخرجه أحمد عن أنس والنسائي عن ابن عباس:
وبزيادة: ((كان أشد بياضاً ... الحديث)) أخرجه أحمد والبيهقي وابن عدي في الكامل وبنحوه
أخرجه الطبرانيّ عن ابن عباس وابن خزيمة، والأزرقيّ عن أبيّ. على ما في الفتح الكبير:
(٧٨/٢-٧٩)، والجامع الصغير: (٢٥٨/١) وانظر جملة الأحاديث الواردة في الحجر وفضله ..
في ((القرى لقاصد أم القرى)): (٢٧٨) وما بعدها .. وأما القول بأنّه من حجارة مكة - فقد أشار
إليه ابن الأثير في الكامل من غير عزولابن الحنفية حيث قال: ((إنه أخذه من جبل أبي قبيس»:
.انظر الكامل: (٦١/٢)، وانظر تأويل مختلف الحديث (٢١٥)، و(٢٨٧-٢٩٠) ..
(٢) حديث: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا)) أخرجه مسلم
عن عائشة وأحمد والنسائي عن صفوان بن أمية، وأحمد والترمذي والنسائي عن ابن عباس،
وبلفظ: ((لا هجرة بعد فتح مكة)) أخرجه البخاري عن مجاشع بن مسعود وبزيادة على لفظه.
الأول عن عائشة - هي: (( ... فإن هذا بلد حرّمه الله بسم خلق السماوات والأرض، وهو حرام
بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ... الحديث)) متفق عليه عن.
ابن عباس وأخرجه عنه - أيضاً - أحمد وأبو داود والترمذي. فانظر الفتح الكبير: (٣٥٠/٣)،
والجامع الصغير (٣٦٥/٢)، فالحديث لم يرو بأي من هذه الألفاظ عن أبي سعيد.
والحكاية لم تعز إلى مصدر يوثق بروايته وأغلب الظن أنّها من تلك القصص المختلفة
التي ألفها أعداء الصحابة من القصّاص للطعن عليهم، والتشكيك في عدالتهم وصلابة =
-٣٣٢ -
قاعدان على سريره - فقال أبو سعيدٍ: لو شاءَ هذان - لعرِّفاكَ؛ ولكن هذا يخافُ
أن تنزِعَهُ عن عرافةٍ قومِهِ، وهذا يخشى أن تنزعَهُ عن الصدقة. فسكتا. فرفع
مروانٌ - عليه(*) الدرّةَ، فلمَّا رأيا ذلك قالا: ((صدقَ)).
لب. عطاء بن أبي رباح - قيل له: روى عكرمة عن ابن عباس أنّه قالَ:
((سبقَ الكتابُ الحقَّين))، قال: ((كذبَ، أنا رأيتُ ابن عبّاسٍ يمسح على
الخفّين))(١).
لج. قال أيوب لسعيد بن جبير: ((إنَّ جابرَ بنَ زيدٍ يقولُ: إذا زوّجَ السيِّدُ
العبدَ - فالطلاقُ بيدِ السيِّدِ)) - قَال: ((كذبَ جابرٌ)(٢).
لد. قال عروةُ لابن عبّاسٍ: ((أضللتَ الناسَ يا ابن عبّاسٍ، قال: وما ذاك
يا عروةُ؟ قال: تأمُرنا بالعمرة - في هذه الأيَّامِ وليستْ فيها عمرةٌ - قال: أَفلا
تسألُ أمَّكَ عن هذا فإِنَّها قد شهدتهُ؟ قَال عروةُ: فإنَّ أبا بكر وعمر كانا لا
يفعلانه، قال: هذا الَّذي أضلَّکم، أحدُّثُکم عن رسول الله -چ - وتحدثونني
عن أبي بكرٍ وعمرَ. فقال عروةُ: أبو بكر وعمر كانا أتبعَ لسنة رسول الله - وَل﴾ -
وأعلمَ بها مَنْكَ))(٣).
وهذا تكذيبٌ من عروةَ لابن عبّاسٍ .
= استقامتهم. وانظر في بعض ما قيل في مروان والرد عليه العواصم من القواصم (٨٨-٩٠).
.
(*) آخر الورقة (٥٨) من ح.
(١) قوله: ((سبق الكتاب الخفين)) أخرجه ابن أبي شيبة عن علي - رضي الله عنه - لا
عن ابن عباس، وهو معلّ بالانقطاع؛ وللاطلاع على أقوال الصحابة والتابعين والعلماء من
بعدهم في المسح على الخفين وكون حديث جرير بعد نزول آية المائدة انظر نيل الأوطار:
(٢٢١/١-٢٢٦)، وشرح معاني الآثار: (٧٩/١-٨٥)، والمغني: (٢٨٣/١) وما بعدها،
والمحلّى: (٨١/٢) وما بعدها.
(٢) جماهير العلماء على أن السيد لا يملك تطليق زوجة عبده لقول النبيّ - 18 -: ((إنّما
الطلاق لمن أخذ بالساق)) ولأنّه لا يملك البضع فلا يملك الطلاق. ونقل عن عطاء وقتادة
تجويز ذلك للحاكم على الصغير والمجنون. وانظر المغني: (٣٩٨/٧، و٤٠١).
(٣) تقدم تخريجه في الجزء الأول ص (٣٦٩) من هذا الكتاب.
- ٣٣٣ -
له. رويتم عن أبي بكر - رضي الله عنه -: أنَّه قال: ((أيُّ سماءٍ تُظلُّنِي، وأيُّ
أرضٍ تُقُلُّني إذا قلتُ في كتاب اللهِ برأيي))(١).
ثمّ رويتم: أنّه سئل عن الكلالة - فقال: ((أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً
- فمن الله. وإنْ كان خطأ - فمنِّي ومن الشيطان)) (٢).
قال النظّام: وهذان الأثران متناقضان.
ثّ رويتم: أنَّ عمر - رضي الله عنه - قال: ((إنِّي لَأَستحيي أن أخالف أبا
بكر)»؛ قال النظّامُ: فإن كانَ(*) عمر استقبحَ مخالفةً أبي بكر، فلِمَ خالفهُ - في
سائر المسائلِ ؟ فإنَّهُ قد خالفهُ في الجدِّ، وفي أهلِ الردَّةِ، وقسمةِ الغنائم(٣)
ثُمّ إِنَّ النظّام قدح في ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - خاصَّةٌ من وجوه:
آ. زعِمَ أنَّهُ رأى القمر انشقَّ؛ وهذا كذبٌ ظاهر؛ لأنَّ الله - تعالى - ما شقَّ
القمرَ له - وحده -، وإِنَّمَا يشقُّ آيَةً للعالمين، فكيفَ لم يعرف ذلكَ غيرُهُ، ولم
يؤرِّخِ الناسُ بهِ، ولم يذكره شاعرٌ، ولم يُسلِمْ - عنده - كافرٌ، ولم يحتجَّ به مسلمٌ
(١) انظر جامع بيان العلم وفضله: (٥١/٢) وإعلام الموقعين: (٥٤/١)، وتأويل
مختلف الحديث: (٢٠)، ودم الرأي - هنا - أراد به - رضي الله عنه - الرأي الذي يتجه إليه
من يتجه دون الرجوع إلى الكتاب والسنة، ودون أن يكون له أساس منهما. وانظر كتابنا في
«الإجتهاد)) ص(٢٦).
(٢) هنا ما أراد - رضي الله عنه - إلا بيان مصدر القول، فقد أراد أن ينبه بأنه لمّا لم يعلم
في الكلالة حكماً من الكتاب أو السنّة، فقد اضطر للجوء إلى اجتهاد الرأي، فإذا عرف أحد
حكماً فيها من السّنّة نبّهه إليه ليرجع عن رأيه، كما حدث لسيدنا عمر في قضية الجنين حين !
سمع الحديث قال: ((لولا هذا لقضينا فيه برأينا)). وانظر المراجع السابقة، والفقيه والمتفقة ..
(١٩٩/١)، وأدب القاضي: (٢٩٥/١) وهامشها، وكتابنا في «الاجتهاد)) ص (٢٦).
(*) آخر الورقة (١٩) من ص.
(٣) هذا من قبيل مخالفة المجتهد للمجتهد بناء على الدليل الذي قام عند كل منهما، ..
وليس المخالفة القائمة على الرغبة في الشقاق، ثم إن عمر - رضي الله عنه - قد رجع إلى ..
رأي أبي بكر في حروب الردة.
- ٣٣٤-
على ملحدٍ(١)؟ !!
ب. أنكر ابنُ مسعودٍ كونَ المعوِّذَتَين من القرآن. فكأنَّهُ ما شاهدَ قراءة
الرسول - * - لهما، ولم يهتدِ إلى ما فيهما من فصاحةِ المعجزةِ، أو لم يصدُّقِ
جماعةَ الأمَّةِ - في كونهما من القرآن(٢) !!
فإن كانت تلك الجماعةُ - ليست حجَّةٌ عليه، فأولى أن لا تكونَ حجَّةً
علينا - فنحن معذورون في أن لا نقبل قولَهم (٣).
جـ ـ اختار المسلمون قراءة زيدٍ، وهو خالفَ الكلَّ ولم يقرأ بها(٤).
د - لمَّا صلَّى عثمانُ - رضي الله عنه - بمنى أربعاً - عابهُ، فقيلَ له فيه،
فقال: ((الخلافُ شرِّ، والفرقةُ شرَّ». ثمَّ إنَّهُ عمل بالفرقةِ في أمورٍ كثيرةٍ(*).
هـ ـ وما زال يقدحُ القولَ في عثمانَ، ويُسِرُّ القولَ فيه - منذ اختارَ قراءة زيدٍ .
و - رأى أناساً من الزطُّ - فقال: ((هؤلاءِ أشبهُ من رأيتُ بالجنُّ - ليلة الجنِّ)».
ثم قال علقمة: قلتُ لابن مسعودٍ: أكنتَ مع النبيَّ - عليه الصلاة والسلامُ -
ليلة الجنِّ؟ فقال: ما شهدهاَ منَّا أحدٌ»(٦).
(١) انظر تأويل مختلف الحديث ص(٢١)، وقد علمت أنَّ الحديث صحيح، وأن كل
الاحتمالات التي أوردها النظام لا تصلح قادحاً في صحته.
(٢) انظر المرجع السابق، وارجع لمناقشتنا لهذه الفرية على ابن مسعود وردها في
ص (٢٥) من هذا الجزء من الكتاب.
(٣) هذا هو كل ما يستهدفه النظام وأمثاله في أن لا تكون السنة حجّة فيتاح لهم سبيل
التحلل من الإسلام.
(٤) انظر تأويل مختلف الحديث (٢١) وانظر العواصم ص (٦٧-٧٢) تجد فيها فوائد
كثيرة في دحض هذا وبيان وجه الحق فيه.
(٥) انظر تأويل مختلف الحديث (٢٢)، وقد كان ذلك من عثمان - رضي الله عنه - في
موسم حج سنة (٢٩)هـ، وقد عاتبه عبد الرحمن بن عوف في ذلك فاعتذر له بعذر انظره في
العواصم وهامشها ص(٧٨-٨٠).
(٦) انظر تأويل مختلف الحديث وقد أسقط حديث ((الزّط)) وعلى فرض صحته قال: لا
بد أن يكون الحديث الثاني بلفظ: ((ما شهدها منا أحد غيري)) .. فانظر ص(٣١-٣٣) =
- ٣٣٥ -
ز - سأله عمرُ - رضي الله عنه - عن شيءٍ من الصرفِ - فقال: ((لا بأسَ
به» .
فقال عمرُ - رضي الله عنه -: ((لكنِّي أكرَهُهُ)) فقالَ: ((قد كرهتُهُ إِذ کرهتهُ)) ؛
فرجع عن قولٍ إلی قولٍ بغير دليلٍ (١).
قال النظّامُ: فقد ثبتَ قدحُ بعضهم في البعض: فإن صدقَ القادحُ - فقد
توجَّهَ العيبُ. وإن كذبَ - فكذلك . -
أمَّا الخوارجُ - فقد طعنوا في الصحابة - رضي الله عنهم، ولعنَ مبغضيهم
۔من وجوه:
أحدها :
قالوا: رأيناهم قبلوا خبرَ الواحدِ على مناقضة كتاب الله - تعالى - وذلكَ
= وحديث ابن مسعود في الجواب عن سؤال علقمة وفيه قوله: ((ما صحبه منا أحد)» حديث
صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والدارقطنيّ والنسائي والحاكم، كما أخرجه البخاري من
حديث أبي هريرة فانظر الفتح الربانيّ: (٢٨٠/١-٢٨١) و(٢٥/٢٠)، وأما حديث رؤية ابن
مسعود لقوم من ((الزطّ)) فقد أورده الهيثمي، وقال: رواه أحمد وفيه (مينا بن أبي مينا)) وثقه ابنُ
حبان، وضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات. وقد ورد عنه من طريق آخر، قال الدارقطني: وفي
إسناده عليّ بن زيد بن جدعان، قال في «الخلاصة)): قال أحمد وأبوزرعة: ((ليس بالقويّ)) وقال
ابن خزيمة: ((سيء الحفظ))، وقال الترمذيّ: ((صدوق إلا أنّه ربما رفع الشيء الذي يوقفه
غيره)). انظر الفتح الرباني: (٢٥/٢٠-٢٦)، وانظر مجمع الزوائد: (٢٠٩/١-٢١٠)،
(٣١٣/٨) وما بعدها.
(١) لم أقف على شيء - في الصرف - جرى بين ابن مسعود وعمر - رضي الله عنهما -
والذي وقفت عليه ما أخرجه عبد الرازق عن ابن سيرين: ((أن امرأة ابن مسعود باعت جارية
لها بذهب فأخذت ورقاً، أو باعت بورق فأخذت ذهباً، فسألت عمربن الخطاب فقال: لا
تأخذي إلا الذي بعت به)) الحديث (١٤٥٨٣) من مصنف عبد الرازق. وعن ابن سيرين أيضاً
قال: ((أمر ابن مسعود رجلاً أن يسلف بني أخيه ذهباً، ثم اقتضى منهم ورقاً، فأمره ابن مسعود
بردّه، ويأخذ منهم ذهباً» المصنف (١٤٥٨٢) (١٢٧/٨)، فإن كان يعيب على ابن مسعود
تنازله عن رأي كان يراه - إن صح ما ذكر - لرأي أمير المؤمنين ومتابعته إياه في اجتهاد اجتهده
فإن ذلك لمن الفضل لا المعايب.
:
-٣٣٦ -
يوجبُ القطعَ بفسادِ ذلك الخبرِ، والطعنَ في العاملِ به؛
بیانُه :
أنَّ الله - تعالى - ذكر أنواعَ المعاصي : من الكفرِ والقتلِ والسرقةِ، فلمَّا ذكر
الزِّنى - استقصى الكلامَ فيه؛ فإنَّهُ - تعالى - نهى عنه - فقالَ: ﴿وَلا تَقْرَبوا
الزِّنَى﴾(١)، ثمَّ أوعدَ عليه بالنارِ، كما صنعَ وبجميعِ المعاصي، ثمَّ ذكرَ
الجلدَ، ثمَّ خصَّهُ بإحضارِ المسلمينَ، وبالنهي عن رحمته، والرأفة عليه - بقوله :
﴿ولا تَأْخُذْكُم بِهما رَأْقَةٌ فَي دِينِ آلِهِ﴾(٢).
ثمّ جعلَ على من رمى مسلماً بالزِّنى ثمانين جلدةً، ولم يجعلْ ذلكَ على
من رماهُ بالقتلِ ولا بالكفرِ - وهما أعظمُ.
ثم قال: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهِدَةٌ أَبداً وأُولَئِكَ هُمُ الفَسقُونَ﴾(٣).
ثم ذكرَ من رمى به زوجَتَهُ، وبيَّنَ - هناك - أحكامَ اللَّعانِ، وقال: ﴿والزَّانِيةُ
لا يَنكِحُهَا إِلَّ زَانٍ أَوْ مُشركٌ﴾(٤).
:
ثمَّ خصَّه ـ بأنْ جعلَ الشهودَ عليه أربعاً، فمعَ هذه المبالغةِ العظيمةِ، كيفَ
يجوزُ(*) إهمالُ ما هو أجلُّ أحكامِها، وأعظمُ مراتِبها - وهو الرجمُ؟ !!
ثمّ إِنَّه - تعالى - ذكرَ آياتٍ صريحةٌ - في نفي الرجم.
أحدها :
قولُه ﴿الزَّانيةُ وَالزَّانِي فَآجلِدوا﴾ (*)؛ وهذا صريحٌ في وجوبِ الجلدِ على
كلِّ الزّناةِ، وصريحٌ في نفي الرجمِ .
(١) الآية (٣٢) من سورة الإِسراء.
(٢) الآية (٢) من سورة النور.
(٣) الآية (٤) من سورة النور.
(٤) الآية (٣) من سورة النور.
(*) آخر الورقة (٥٩) من ح.
(٥) الآية (٢) من سورة النور.
- ٣٣٧ -
وثانيها :
قولُه: ﴿فَعَليهِنَّ نِصِفُ ما عَلى المُحصَنتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾(١)؛ والرجمُ لا
نصفَ لهُ.
وثالثُها:
وهو الدلالةُ العقليّةُ: أنَّ الرجمَ لو كان مشروعاً - لوجبَ أنْ يُنقلَ نقلاً
متواتراً؛ لأنَّهُ من الوقائع العظيمةِ، فحيثُ لم يُنقِلْ: دلَّ على أنَّهُ غيرُ مشروعٍ.
ثم إنّهم قَبلوا خبرَ الواحدِ - في الرجمِ - مع كونِهِ على مناقضةٍ هذه الأدلّةِ
الشرعيَّةِ والعقليَّةِ: فكانَ الطعنُ متوجُّهاً قطعاً.
وثانيها :
رويتم عن رسول الله - * - أنّه خرج يوماً على أصحابه - وهم يكتبون
أحاديث (٢) من أحاديثه - فقال: ((ما هذه الكتب، أكتاباً مع كتاب الله - تعالى؟
يوشك أن يقبض الله - تعالى - بكتابه، فلا يدع في قلبٍ ولا رقُّ منه شيئاً إلا
أذهبه»(٣).
ورويتم - أيضاً - أنّه قال: ((إذا حدِّثتم بحديث - فاعرضوه على كتاب الله
(١) الآية (٢٥) من سورة النساء.
(٢) لفظ ح: ((الأحاديث)).
(٣) أخرج الخطيب البغداديّ في كتابه ((تقييد العلم)) ط دمشق (١٩٤٩) ص(٣٤) عن
أبي هريرة - رضي الله عنه - - قال: ((خرج علينا رسول الله - ﴿ ﴿ - ونحن نكتب الأحاديث،
فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نسمعها منك؛ قال: كتاب غير كتاب الله؟ ! .
أتدرون ما ضل الأمم - قبلكم - إلّ بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله))؟! وهناك حديث أبي:
سعيد الخدري الذي أخرجه مسلم في صحيحه في (باب التثبّت من الحديث من كتاب
الزهد) رقم (٢٢٩٨) وفيه: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه)». وانظر نجو
هذه الروايات، وما قاله العلماء في التوفيق بينهما، وبين ما صح من أحاديث الإذن والأمر
بالكتابة في تقييد العلم، جامع بيان العلم (٦٣/١) وما بعدها، والسنّة قبل التدوين (٣٠٣)
وما بعدها، وبحوث في تاريخ السنّة (١٤١) وما بعدها، والسنّة ومكانتها في التشريع (٥٨)
وما بعدها، ودراسات في الحديث (٧١) وما بعدها.
- ٣٣٨ -
- تعالى - فإن وافقه، فاقبلوه، وإلّ فردّوه)»(١)، ثمَّ إنَّكم - مع ذُلك ــ جوَّزتُم
۔۔
المسحَ على الخفين، مع صريحٍ قوله - تعالى -: ﴿إِذا قُمْتُم إلى
الصَّلَوةِ﴾(٢).
وقلتم: يحرمُ من الرّضاعِ ما يحرمُ من النسبِ(٣)، ويحرمُ نكاحُ المرأة على
عمَّتها وخالتها وبنت أخيها وأختها (٤)، مع قوله - تعالى -: ﴿وَأَحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَآءَ
ذلكُم﴾ (٥) ..
وكيفَ يُجلدُ العبدُ القاذفُ أربعينَ، مع قوله - تعالى -: ﴿وَأَلَّذِينَ يَرِمُونَ
المُحصَتِ﴾، ولم يذكرْ حَرّاً ولا عبداً؟!
وكيف يجلدُ العبد على الزِّنى خمسين، وإنَّما ذكر الله - تعالى - الإِماءَ، دونَ
العبيدِ، فقالَ: ﴿فَعَليهِنَّ نِصفُ ما عَلى المُحْصَنتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾(٧)؟!
وكيف ردّدْتُم شهادةَ العبدِ مع قولِهِ - تعالى -: ﴿وَأَشْهِدوا ذَوَيْ عَدلٍ.
مِنْكُمْ﴾ (٨)، ومعَ قوله: ﴿مِّمِّنْ تَرضَونَ مِنَ الشُّهداءِ﴾ (١).
وكيف منعتم من إمامةٍ غيرِ القرشيِّ، مع قوله: ﴿أَطِيعوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وأولي الأمر مِنْكُمْ﴾﴾(١)؟
(١) هذا حديث موضوع وضعته الزنادقة وقد تكلمنا عنه بهامش ص (٩١) من الجزء
الثالث من هذا الكتاب.
(٢) الآية (٦) من سورة المائدة.
(٣) حديث: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) حديث صحيح أخرجه الشيخان
وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة، وأخرجوه إلا البخاري عن ابن عباس - على
ما في الفتح الكبير: (٤١٥/٣)، وتلخيص الحبير: (١٦٦/٣) الحديث (١٥٢١).
(٤) انظر ص (٨٩) من الجزء الثالث من هذا الكتاب.
(٥) الآية (٢٤) من سورة النساء.
(٦) الآية (٤) من سورة النور.
(٧) الآية (٢٥) من سورة النساء.
(٩) الآية (٢٨٢) من سورة البقرة.
(٨) الآية (٢) من سورة الطلاق.
(١٠) الآية (٥٩) من سورة النساء.
- ٣٣٩ -
:
وثالثُها:
ما يروى من شتم بعضهم بعضاً، ولنذكر من ذلك حكاياتٍ:
الحكايةُ الأولى: حكى(١) ابن دابٍ (٢) - في مجادلات قريش - قال : .
(اجتمعَ عند معاويةً(٣) عمروبن العاص (٤)، وعتبةُ(٥) بن أبي سفيان(٦)،
والوليد بن عقبة(٧)، والمغيرةُ بن شعبةً، ثم أحضروا الحسنَ بن عليٍّ - رضي الله
عنھم - ليسبُوه .
فلمّا حضرَ - تكلّم عمرو بن العاص، وذكرَ عليّاً - رضي الله عنه - ولم يترك
: (١) لفظ ح: ((يحكي)).
(٢) لعلّه: محمد بن داب المديني كذبه ابن حبان وغيره انظر المغني في الضعفاء.
(٥٤٨١) وإن كان المراد عيسى بن يزيد بن بكربن داب فقال خلف الأحمر: ((كان يضع
الحديث))، وقال البخاريّ وغيره: ((منكر الحديث)) المرجع نفسه الترجمة (٤٨٤٠) ولست
أدري كيف يرفض هؤلاء الأحاديث الصحيحة عن أصحاب رسول الله - 18 - ثم يتعلقون
للطعن بهم بحكايات عن الوضاعين والكذابين والضعفاء؟ وصدق الله - تعالى -: ﴿قُلْ مَلْ
تُنَبِّئُكُم بِالْأَخسَرِين أَعملًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُم في الحَيَوَةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحِسَبونَ أَنَّهُم يُحسِنونَ
صُنعَاً﴾؟!
(٣) هو الخليفة الأمويّ - المعروف: معاوية بن أبي سفيان - صخر بن حرب ترجمت له.
معظم المظان، وألفت بعض الكتب في سيرته له ترجمة في الإصابة: (٤٣٣/٣) الترجمة
رقم (٨٠٦٧).
(٤) هو فاتح مصر وأول أمير مسلم عليها، له ترجمة في الإصابة: (٢/٣-٣) الترجمة.
(٥٨٨٢).
(٥) عتبة بن أبي سفيان بن حرب، ترجم له في الإصابة (٦٢٤٣)، (٧٨/٣)، وانظر.
عنبسة بن أبي سفيان (٦٢٧٣)، (٨٢/٣-٨٣).
(٦) هو: ابن عقبة بن أبي معيط، أخو عثمان لأمه، ولاّه عمر صدقات بني تغلب، وولاًه:
عثمان الكوفة، ثمّ عزله، فلمّا قتل عثمان تحوّل إلى الرقّة فنزلها، واعتزل عليّاً ومعاوية حتى
مات بالرقة. انظر ترجمته وبعض أخباره في تهذيب التهذيب: (١٤٣/١١)، الترجمة
(٢٤٠). ولعل في تأكيد اعتزاله وانصرافه إلى شأنه من قبل جميع من ترجموا له ما يزيد في:
يقين من يحتاج إلى مزيد بكذب هذه الرواية .
- ٣٤٠ -
۔۔