النص المفهرس

صفحات 241-260

وإنْ لم يجبْ: فقد جوَّزْتَ - عندَ حصولِ الصارفِ - أنْ لا يقعَ العدمُ،
وجوازُ أنْ لا يقعَ العدمُ: يقتضي جوازَ أنْ يقعَ [الوجودُ(١)] فقد جَوَّزْتَ مع
الصارفِ عن الفعلِ أنْ يوجدَ الفعلُ، فلِمَ يلزمُ من كونِ الكذبِ جهةَ صرفٍ :
امتناعُ أنْ يوجِدَ الكذبُ؟!
سلّمنا: أنَّهُ لا بدَّ من داعٍ ، فلِمَ لا يجوزُ أنْ يوجدَ فيه شهوةٌ متعلُّقةً بالكذب،
الكونِهِ كذباً؟ ومتى كان كذلكَ: أقدمَ العاقلُ على الكذب لا لغرضٍ آخرَ، سوى
کونه کذباً.
فإِنْ قلتَ: [إنّهُ (٣)] من المحالِ أنْ يشتهيَ العاقلُ (٤) الكذبَ، لمجرَّدٍ كونِهِ
كذباً.
[وإنْ(٥)] سلَّمنا جوازَهُ، لكنْ في حقِّ الواحدِ والاثنين ..
أمَّا في حقِّ الجمعِ العظيمِ - فمحالٌ. وهذا كما أنَّهُ جازَ على كلٌّ واحدٍ
منهم - وحدهُ - أنْ يأكلَ في الساعةِ المعيَّنةِ من اليومِ المعيِّن طعاماً واحداً، لكنْ
لا يجوزُ اتَّفَاقُ الكلِّ عليه.
قلتُ(٦):
الجوابُ عن الأوّلِ :
أنَّا لا نسلِّمُ امتناعَ ذلكَ، فما الدليلُ عليه [و(٢)] كيف؟ ونرى جمعاً اعتادوا
الكذبَ(*) - بحيث (٨) لا يصبرونَ عنهُ، وإن كانوا يعلمونَ أنَّ ذلكَ يضرُّهم(*)
[عاجلاً أو(١)] آجلاً. وإذا كان كذلكَ: علمنا أن دعوى الضرورةِ باطلةٌ .
(١) سقطت الزيادة من ل.
(٢) عبارة ي: ((الفاعل على الفعل)).
(٣) لم ترد الزيادة في آ.
(٤) لفظ ل: ((الفاعل)).
.(٦) لفظ آ، جـ: ((قلنا)).
(*) آخر الورقة (٤١) من ح.
(٨) لفظ آ: ((حتى)).
(*) آخر الورقة (٥٧) من ل.
(٩) سقطت الزيادة من ل، وأبدلت في س بالواو.
- ٢٤١ -
(٥) لم ترد الزيادة في آ، ي، ح.
(٧) لم ترد الواو في ح.

وعن الثاني(١):
نسلّمُ أنَّ استقراءَ العادةِ يفيدُ ظنّاً قويّاً بأنَّ الخلقَ العظيمَ لا يَتَّفقونَ على أكلِ
طعام (٢) معيّنٍ في زمانٍ معيّنٍ، لكن لا نسلُمُ حصولَ اليقين التامِّ بذلك(٣) کیفَ.
وذلكَ جائزٌ على كلِّ واحدٍ منهم؟ وصدورُهُ من كلِّ واحدٍ - منهم - لا يمنعُ صدورَهُ.
عن الباقي (٤)، فيكونُ صدورَهُ عن كلِّهم: كصدورِهِ عن كلُّ(*) واحدٍ منهم. ومع
هذه الحجَّةِ اليقينِيَّةِ على الجوازِ، كيفَ تُدعى ضرورةُ(*) الامتناعِ؟.
سلّمنا: أنَّهُ لا بدَّ من غرضٍ - سوى كونِهِ كذباً، فلِمَ قلتَ: إِنَّ ذلك
الغرضَ إِمَّا أنْ يكونَ دينيّاً أو دنيويّاً، أو رغبةً أو رهبةً، وما الدليلُ القاطعُ على
الحصر؟ .
سَلَّمناه؛ فلِمَ لا يجوزُ [أنْ يكونَ(٥)] دينيًّاً؟
قولُهُ: ((حرمةُ الكذب متَّفقّ عليها)).
قلنا: [مطلقاً؟ لا نسلِّمُ؛ فإنَّ كثيراً من الناس يعتقدُ أنَّ الكذبَ المفضي(١)]
إلى حصول مصلحةٍ - في الدين(٧) - جائزٌ؛ ولذلك نرى جمعاً من الزُّهَّاد وضعوا
أشياءَ(*) كثيرةٌ - من الأحاديثِ - في فضائلِ الأوقاتِ، وزعموا: أنَّ غرَضَهُم منهُ
حملُ الناسِ على العباداتِ؛ وإذا كانَ كذلكَ: فلعلَّهم اتَّفقوا على الكذب، لما
أنَّهم اعتقدوا فيهِ حصولَ مصلحةٍ دينيَّةٍ، وإنْ كانَ الأمرُ بخلافِ ما تخيّلوهُ.
سلّمنا: أنَّهُ ليسَ الغرضُ دينيّاً، فلِمَ لا يجوزْ أنْ يكونَ لرغبةٍ دنيويَّةٍ؟
قولُهُ: ((الرغبةُ إمّا أخذُ المالِ أو إسماعُ (٨) الغيرِ كلاماً غريباً)).
(١) زاد في ي: ((لا)» وهو خطأ.
(٢) عبارة مي: ((الطعام المعيّن)).
(٤) لفظ جـ: ((الثاني)).
(٣) زاد في غيرح: ((و)).
(*) آخر الورقة (٢٧) من ي.
(*) آخر الورقة (٣٨) من جـ.
(٥) لم ترد الزيادة في س.
(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من ل، ولفظ: ((يعتقد)) في جـ، ي، آ: ((يعتقدون)).
(٧) في ي، جـ، ح زيادة: ((أو الدنيا))، وهو وهم.
(٥) آخر الورقة (٤٠) من آ.
(٨) لفظ س: ((سماع)).
- ٢٤٢ -

قلنا: أينَ الدليلُ على الحصر؟ ثمَّ(١) [أينَ] الدليلُ القاطع على فسادِ هذين
القسمين؟
قولُهُ: ((الجماعاتُ العظيمةُ لا يشتركونَ في الرغبةِ إلى الكذبِ، لأجل
هذين(٢) الغرضین» .
قلنا: إنْ ادَّعيتَ الظنِّ القويِّ - فلا نزاعَ؛ وإنْ ادَّعيتَ الجزمَ المانعَ من
النقيض - فما الدليل عليه؟ فإنَّه(٣)] إذا جازَ ذلك في العشرةِ أو المائةِ، ولم
يكنْ ثبوتُ هذا الحكمِ للبعضِ مانعاً(٤) من ثبوتِهِ للباقي، فلِمَ قلتَ: إِنَّهُ يمتنعُ
کونُ الکلِّ كذلك؟
والّذي يؤكّدهُ أنَّا لو قدَّرنا أنَّ أهلَ بلدةٍ عِلِمَوا أنَّ [أهلَ(*)] سائر البلادِ لو
عرفوا ما في بلدهم من الوباءِ العامّ - لتركوا الذهابَ إلى بلدِهِم، ولو تركُوا ذلك:
لاختلَّت(٦) المعيشةُ - في تلك البلدةِ - وقدَّرْنا: أنَّ أهلَ تلك البلدةِ كانوا علماءَ
حكماءَ: جازَ(٧) في مثل هذه الصورةِ أنْ يتطابقوا على الكذب - وإن كانوا
کثیرین جداً.
فثبتَ بهذا: إمكان اتِّفَاقِ (٨) الخلق العظيمِ على الكذبِ، لأجلِ الرغبةِ.
سلَّمنا ذلك؛ فلِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ للرهبةِ؟
قولُهُ: ((السلطانُ(٥) لا يمكنُهُ إسكاتُ الكلِّ)).
قلنا: إن ادَّعيتَ الظُنَّ القويَّ - فمسلِّمُ؛ وإنْ ادَّعيتَ اليقينَ - فما الدليلُ
(١) في ل، ص، س: ((و))، وسقطت ((أين)) من ي.
(٢) زاد في جـ، آ: ((أحد)».
(٣) لم ترد الزيادة في آ.
(٤) عبارة ي : (في البعض صارفاً عن)).
(٥) لم ترد هذه الزيادة في آ.
(٦) لفظ ل: ((لاختلفت)).
(٧) زاد في س: ((ف)).
(٨) كذا في س، آ، ي، ح، ولفظ ص، ل، جـ: ((تطابق)).
(*) آخر الورقة (٤٢) من ح.
- ٢٤٣ -

عليه؟ فإنَّهُ إِذا جازَ إسكاتُ الألفِ والألفين: رهبةً، فلِمَ لا يجوزُ إسكاتُ الكلِّ،
وما الضابطُ فيما يجوزُ وفيما لا يجوزُ(١)؟
فإِنْ قلتَ: أجدُ العِلمَ الضروريَّ بذلكَ من غيرِ دلالةٍ.
قلنا: هذا الاعتقادُ لیس أقوى من الاعتقاد- الحاصل بوجود محمّدٍ وموسی
وعيسى - عليهم الصلاةُ والسلامُ - فلِمَ لا تدَّعونَ الضرورةَ في ذلك، حتى
تتخلَّصوا عن مثل هذه (٢) الدلالاتِ الضعيفةِ؟!
سأَّمنا ذلك؛ فلِمَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: إِنَّهم كذَبوا لدواعٍ مختلفةٍ (*): بعضُهم
للرغبةِ، وبعضُهم للرهبةِ، وبعضُهم بالمراسلةِ(٣)، وبعضُهم بالمشافهةِ (٤)؟
قولُهُ: ((الكلامُ في جماعةٍ عظيمةٍ، بعضُها جماعاتٌ عظيمةٌ)).
قلنا: ((إِمَّا أنْ يكونَ [من(*)] شرطِ أهل التواترِ أن يكونَ أبعاضُهم بالغينَ حدٍّ.
التواتر، أو ليس من شرطهم ذلكَ.
والأوَّلُ باطلٌ؛ وإلّ لزمَ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ - من أبعاضِ تلكَ الأبعاضِ
كذلكَ: ولزمَ التسلسلُ.
والثاني حقٌّ؛ ونحنُ نفرضُ الكلامَ فيما إذا كانَ الأمرُ كذلكَ - وحينئذٍ :
يبطلُ ما ذكروهُ.
سلّمنا: أنَّهم ما كذبوا عمداً؛ فلِمَ لا يجوزُ أنْ يقالَ(٦): كذبُوا سهواً؛ لأنَّ
الأمرَ اشتبهَ عليهم، والاشتباهُ حاصلٌ في المحسوساتِ؛ بدليلِ العقلِ والنقلِ :
أمّا العقلُ - فمن وجهين :
(١) عبارة ل: ((ولا ما لا يجوز)) وهو تحريف.
(٢) لفظ ح: ((أمثال)).
(*) آخر الورقة (٥٨) من ل.
(٣) لفظ ح، آ: ((التراسل)) وهو الموافق للفظ المعتمد.
(٤) لفظ ح: ((بالمشافهات)).
(٥) لم ترد الزيادة في آ.
(٦) زاد جـ: «إنهم)».
- ٢٤٤ -

الأوَّل:
أنَّ الله - تعالى - قادرٌ على أن يخلقَ شخصاً آخرَ مثلَ زيدٍ في شكله
و[في (١)] تخطيطِهِ؛ وبهذا التقدير: لا يبقى اعتمادٌ على التواتر؛ لجوازٍ أنْ يكونوا
قد رأوا مثلَ زيدٍ فظنُّوهُ زيداً.
وممَّا يؤكِّدُ ذلكَ: [أنَّ(٢)] الأجسامَ المعدنَّةَ(٣) والنباتَيَّةَ(*) قد تتشابهُ - بحيثُ
يعسُرُ تمييزُ بعضِها عن بعضٍ ، وكذلكَ الحيواناتُ - لا سيَّما البريّةُ والجبليَّةُ قد
تبلغ (٤) مشابهةُ بعضِها بعضاً إلى حدٍّ يعسُر التمييزُ.
وإذا كانَ كذلكَ: فِلِمَ لا يجوزُ(*) مثلُهُ في الناس ؟ غايتُهُ: أَنَّهُ نادرٌ [و(٥)]
لكنَّ النّدرةَ لا تمنعُ الاحتمالَ.
فإن قلتَ: إِنْ حكمتَهُ - تعالى - تمنعُهُ من خلقِ شخصٍ مثلِ زيدٍ، لما فيه
من التلبيسٍ .
قلتُ: قد سبقَ جوابُهُ(٦).
الثاني (٧): (٨) أنَّ غلطَ الناظر أمرٌ مشهورٌ؛ فإنَّ (٩) الإِنسانَ قد يرى المتحرِّكَ
ساكناً وبالعكس ؛ وذلكَ يقتضي(١٠) حصولَ اللبسِ في الحسِّيَّاتِ.
وأمَّا النَّقلُ - فمن وجهينِ :
(١) هذه الزيادة من ح.
(٢) لم ترد الزيادة في آ.
(٣) في ح: ((البدنية)).
(*) آخر الورقة (٣٩) من جـ.
(٤) لفظ ي: ((تقع)).
(٥) آخر الورقة (٤٢) من ل.
(٥) لم ترد في غیرح، جـ.
(٦) وذلك: أنّ هذا مبنيًّ على قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين، وغير المعتزلة لا
يقولون بها. فانظر الجزء الأول ص (١٢٣ - ١٤٦) من هذا الكتاب.
(٧) زاد في ل: ((و)).
(٨) زاد في ح: ((وهو).
(٩) لفظ ل، آ: ((لأن)).
(١٠) زاد في س: ((أن)».
- ٢٤٥ -

الأوَّلُ:
أنَّ المسيحَ - عليه السلامُ - شُبُّهَ(١) بغيرِهِ.
فإن قلت: هذا لا يلزمُ من وجوهٍ(٢):
أحدها:
أنَّ ذلكَ كانَ في زمانٍ عيسى - عليه السلامُ - وخرقُ العادةِ جائزٌ في زمانٍ
الأنبياءِ، دونَ سائرِ الأزمنةِ .
وثانيها :
أنَّ المصلوبَ تتغيّر خلقتُهُ (٣) وشكلُهُ - فيكونُ الاشتباهُ أكثرَ. وأمّا المباشرونَ
لذلكَ العمل - فكانوا قليلين [فـ(٤)] يجوزُ عليهم الكذب [عمداً(٥)].
وثالثها:
أنَّهم نظروا إليه من بعيدٍ؛ وذلكَ مظنَّةُ الاشتباهِ.
قلت: الجوابُ عن الأوَّلِ :
أَنَّهُ لو جازَ ذلكَ في زمانٍ(*) الأنبياء - لجازٌ مثلُهُ في سائر أزمنةِ الأنبياءِ.
وحينئذٍ(٦): لا يمكنُنا القطعُ بأنَّ الَّذِي أوجبَ الصلواتِ الخمسِ هِو
المصطفى - ﴿ - لجوازِ أنْ يكونَ شخصاً آخر (٧) شبّهَ به.
وأيضاً:
فِلِمَ لا يجوزُ انخراقُ العاداتِ - في هذا الزمانِ - ككراماتٍ (٨) الأولياءِ؟ فإن
(١) لفظ آ، في: ((اشتبه)).
(٢) لفظ ي: ((وجهين))، وهو وهم.
(٣) لفظ س: ((خلقه)).
(٤) زاد في ل، آ، ح: ((ف)).
(*) آخر الورقة (٤١) من آ.
(٥) لم ترد الزيادة في ي.
(٦) في آ: ((وعند ذلك)).
(٧) لفظ ل: ((شبيهاً)، وعبارة آ: «فلِمَ لا يجوز أن يكون هناك شخص آخر شبه به)».
(٨) لفظ أ: ((بكرامات)».
- ٢٤٦ -

منعوها (١)، قلنا: هذا لا يستقيمُ على قولٍ أبي الحسين؛ فإنَّهُ لا يمنعُها؛ .
ولأنَّ بتقدير امتناعِها - فليسَ ذلكَ الامتناعُ [معلوماً(٢)] إلّ بالبرهانِ، فقبلَ
العلمِ بذلكَ البرهانِ، يكونُ التجويزُ(٣) قائماً، والعلمُ بصحّةِ خبر التواترِ موقوفٌ
على فسادِ هذا الاحتمالِ : فوجبَ أنْ لا يحصلَ العلمُ بخبرِ التواترِ - لمن لم
يعرفْ بالدليل امتناع الكراماتِ .
وعن الثاني :
أنَّ التغيُّرَ إنَّما يكونُ - بعد الصلب والموتِ؛ فأمَّا - حالَ الصلب - فلا.
وعندكم [أنَّ(٤)] الاشتباهَ حصلَ - حَالَ الصلب - لأنَّهم لو ميَّزوا بيَنَ ذلكَ
الشخصِ وبين المسيحِ - عليهِ السلامُ - لما صلبوا ذلكَ الشخصَ.
وعن الثالث:
أنَّ الَّذِينَ مارسوا الصلبَ كانوا قريبينَ منهُ، وناظرين إليه.
ولأنَّ(*) النصارى يروونَ بالتواترِ: أنَّهُ بقيَ بعدَ الصلب، وقبلَ الموتِ مدَّةٌ
طويلةٌ - بحيثُ رآهُ الجمعُ العظيمُ في بياضِ النهارِ(*). وذَلَك يبطلُ قولَكُم(٥)
الوجهُ الثاني :
[روي أنَّ(٦)] جبريل - عليه السلامُ - جاء إلى رسولِ الله - وَإيه - في صورةٍ
دِحيةَ الكلبيِّ(٧).
(١) كذا في ل، ي، وفي غيرهما: ((منعوا لها)).
(٢) سقطت الزيادة من ي.
(٣) لفظ ي: ((العلم))؛ وهو تحريف.
(٤) لم ترد الزيادة في ل، آ، ي، ح.
(*) آخر الورقة (٥٩) من س.
(٥) آخر الورقة (٢٨) من ي.
(٥) لفظ ل: ((قولهم)).
(٦) لم ترد الزيادة في ل، وفي آ: ((وأن)).
۔
(٧) هو دِخْية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبيّ، صحابي جليل، كان يضرب به المثل
في حسن الصورة وكان جبريل ينزل على رسول الله - 18# - على صورته في بعض الأحيان كما
جاء ذلك من حديث أم سلمة وعائشة - رضي الله عنهما - وكان من حديث ابن عمر الصحيح
عند النسائيّ، وحديث أنس عند الطبراني؛ فانظر الإصابة: الترجمة: (٢٣٩٠)، (٤٧٣/١)، =
- ٢٤٧ -

وأنَّ الملائكةَ - يومَ بدرٍ - تشكُّلوا بأشكالِ الأدمِين(١).
الوجه الثالث:
أنَّ الإِنسانَ ربَّما(*) يتشبّح (٢) له - عندَ الخوفِ الشديدِ، أو الغضب
[الشديد، أو الفكر الشديدِ(٣)] صورةٌ (٤) لا وجودَ لها في الخارج . وكلُّ ذُلكَ
ممَّا يؤكِّدُ احتمالَ الاشتباهِ.
سلّمنا صحّة دليلكُم - في التواتر - عن الأمور الموجودةِ، فِلِمَ قلتُم: إِنَّ خبرَ
التواتر عن الأمورِ الماضيةِ - في القرونِ الحاليّةِ - قد وجدت هذه الشروطُ في
[كلِّ (٥)] الطبقاتِ الماضيةِ؟
قولهُ - في الوجهِ الأوَّلِ -: ((أهلُ التواترِ في زماننا قد أخبرونا بأنَّ أولئكَ.
الَّذينَ مضَوا كانُوا موصوفينَ بصفاتِ أهلِ التواتِ».
قلنا (٦): هذا بهتّ صريحٌ؛ لأنَّ الَّذينَ أخبرونا ما أخبرنا كلَّ واحدٍ - منهم -
أنَّ الَّذينَ أخبروهُ كانوا بصفةِ [أهل (٧)] التواتر، وأنَّ الَّذين أخبروا كلّ واحدٍ مِمَّن
أخبره (٨) كانوا كذلك، بل الَّذي يمكنُ ادِّعاؤُهُ عليهم: أنَّهم سمعوا هذا الخبرَ من
--
= وبهامشها أسد الغابة وفي البخاري: ((وأحياناً يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول»
فانظره بهامش شرحه الفتح: (٢٠/١)، وتهذيب التهذيب: (٢٠٦/٣)، وطبقات ابن سعد:
(٢٥٩/١)، وله ترجمة في سير أعلام النبلاء: (٣٩٦)، واللباب: (٤٦/٢).
(١) أحاديث نزول الملائكة مدداً وعوناً ونصراًللمسلمين في غزوة بدرانظرهافي تفسير
الطبريّ: (٤٩/٤-٥٢)، وبهامشه النيسابوري (٥٧-٦٧)، و(١٢٦/٩) وبهامشه النيسابوري
(١٢٥) وما بعدها، وتفسير ابن كثير: (٤٠١/١-٤٠٣)، و(٢٩١/٢-٢٩٣).
(*) آخر الورقة (٤٣) من ح.
(٢) شبح لك الشيء: بدا، والشبح: ما بدا لك شخصه من - الناس وغيرهم من
الخلق، يقال: ((شبّحَ فلان لنا)). انظر ((شبح)) في تاج العروس: (١٦٩/٢).
(٣) ما بین المعقوفتین لم يرد في ل، آ، ي.
(٤) لفظ ل، آ، ي: ((أشياء)).
(٥) لم ترد في آ.
(٧) لم ترد الزيادة في آ.
(٦) لفظ آ: ((قلت)).
(٨) في ل، آ، ح، ي: ((من الذین)).
- ٢٤٨ -

أناسٍ كثيرينَ(١) فأمَّا أنْ يُدَّعى عليهم - ما ذكرتموه: فبهتٌ؛ لأنَّ أكثرَ الفقهاءِ
والنحاةٍ(*) لا يتصوَّرونَ هذه الدعوى على وجهها فضلاً عن العوامٌّ، فضلاً عن
أنْ يقالَ: إِنَّهم علموا ذلكَ بالضرورةِ.
قوله: «لو كان حادثاً - لظهرَ زمانُ حدوثِهِ».
قلنا: لا نسلِّمُ أنَّ كلَّ مقالةٍ ظهرتْ بعد الخفاءِ - فلا بدّ وأنْ يشتهرَ فيما بينَ
الخلق حدوثُ ظهورِها، ووقتُ ظهورِها، لجوازِ أنْ يضعَ الرجلُ الواحدُ مقالةٌ،
ثَّ [إِنَّهُ(٢)] يذكرها لجماعةٍ قليلينَ، ثم كلّ واحدٍ من أولئكَ يذكر ذلك الخبر
الجماعةٍ أخرى من غير أن يسنده (٣) إلى القائلِ الأوّلِ، إلى أن يشتهرَ ذلك الخبرُ
جدّاً، مع أنَّ كلَّ واحدٍ - منهم - لا يعرفُ حدوثَ تلك المقالةِ، ولا زمانَ
حدوثِها؛ وبهذا الطريقِ تحدثُ الأراجيفُ(٤) بين الناسِ.
وبالجملةِ: فعليهم إقامةُ الدلالةِ على فسادِ هذا الاحتمالِ .
ثم الذي يُفيد القطعَ بصحَّةٍ ما ذكرنا(٥): أنَّ الوقائعَ الكبارَ الَّتي وقعت
لعظماءِ الملوك - الَّذين كانوا قبل الإِسلام، بل كيفيَّةً وقائعِ نوحٍ وإدريس
وموسى وعيسى - عليهم السلام - لم ينقلْ شيءٌ منها إلينا نقلَ الآحادِ، فضلاً عن
التواترِ، مع(*) كونها من الأمورِ العظامِ : فعلمنا أنَّ وصولَ الأخبارِ إلينا غيرُ
واجب.
فإِنْ قلتَ: ذلكَ لتطاولٍ مدَّتِها، أو لعدم الداعي إلى نقلِها.
قلتُ: فلا بدَّ من ضبطِ طولِ المدَّةِ وقِصَرِها.
(١) لفظ س: ((كثيرة)).
(٥) آخر الورقة (٤٠) من جـ.
(٢) لم ترد الزيادة في ي.
(٣) كذا في ي، وفي غيرها: ((يسندوه) !.
(٤) في س، ص، ي، جـ، زيادة: ((فيما).
(٥) زاد في ح: (٥).
(*) آخر الورقة (٤٣) من ل.
- ٢٤٩ -

وأيضاً:
فيلزمُ أنْ لا يكونَ خبرُ التواترِ بوجودِ نوحٍ وإبراهيمٌ وإدريس وغيرهم(١)
- مفيداً [للعلم(٢)]، لأنَّهُ لا يفيدُ ما لَم يثبت استواءُ الطرفين والواسطةِ في نقلِ
الرواةِ، وذلكَ لا يثبتُ بأنَّهُ لو كانَ موضوعاً - لاشتهرَ الواضعُ، وزمانُ الوضعِ ؛
فإذا لم يجبْ ذلكَ - عند تطاولِ المدَّةِ، - لم يفد ذلكَ الخبرُ العلمَ.
سلّمنا: أنَّ ما ذكرتَهُ يدلُّ على أنَّ خبرَ التواترِ يفيدُ العلمَ، لكن معنا ما يبطلُهُ
من وجوهٍ:
الأول:
لو أفادَ خبرُ التواتر العلمَ - لأفادَ: إمّا علماً ضرورياً أو نظرياً؛ والقسمان
باطلانِ : فالقولُ بالإِفادةَ باطلٌ.
إنّما قلنا: إنَّهُ لا يفيدُ علماً ضروريً(*)؛ لأنَّ العلمَ الضروريَّ - هو الَّذي لا
يلزمُ مِن وقوع الشكُّ في غيرِهِ - من القضايا - وقوعُهُ فيه (٣)؛ وهاهنا يلزمُ من وقوع
الشكّ(*) في غَيرِ هذه القضيةِ وقوعُهُ فيها: لأنَّا لو جوّزْنا أنْ يكذِبوا لا لغرضٍ أو
لغرضٍ [من(٤)] رهبة أو رغبة، أو لوقوع التباسٍ (٥)، فإنَّ مع [استحضارٍ (٦)]
الشكُّ في هذه المقدِّماتِ: لم يمكن الجزمُ بأنَّ الأمرَ كما أخبروا عنه.
وإذا كان كذلك: لم يكن هذا العلمُ ضرورياً.
ولا جائزَ أن يكونَ نظريّاً؛ لأنَّ النظرَ في الدليلِ لا يتأتَّى(٧) للصبيانِ.
(١) في ص، ح، جـ، س: ((وجمشيد وفريدون)).
(٢) سقطت الزيادة من س.
(*) آخر الورقة (٤٢) من آ.
(٣) لفظ ي: «فيها)).
(*) آخر الورقة (٦٠) من س.
(٤) لم ترد الزيادة في آ، ي، جـ.
(٥) كذا في ح، وفي غيرها: ((الالتباس)).
(٦) لم ترد الزيادة في ل، آ، ي، جـ.
(٧) كذا في ح، وفي غيرها أبدلت اللام بـ: ((من).
- ٢٥٠ -

والمجانين - فكانَ يجبُ أنْ لا يحصلَ لهم العلمُ، لكن الاعتقادَ الّذي - في هذا
الباب - لَلَعقلاء لا يزيدُ - في القوّةِ - على قوّةِ اعتقادِ الصبيانِ والبلِهِ؛ فإذا (١) لم
يكنْ اعتقادُهم علماً: فكذا اعتقادُ العقلاءِ.
الثاني :
أنَّ كونَ التواتر مفيداً للعلمِ - يتوقُّفُ على عدمِ تطرُّقِ اللّسِ إلى الخبرِ
- على ما مرَّ بيانُهُ - لكنَّ اللبسَ يتطرّقُ إليهِ - على ما مرَّ -: فوجبَ أنْ لا يفيدَ
العلم .
الثالث:
لو حصلَ العلمُ - عقيب التواترِ - لحصلَ إمَّا مع الجوازِ، أو مع الوجوب.
فإنْ حصلَ، مع جوازٍ أنْ لا يحصلَ - امتنعَ القطعُ بحصولِهِ: فلا يمكنُ
القطعُ بأنَّ التواترَ يفيدُ العلمَ - لا محالةَ - بل يجرى(٢) حصولُ العلمِ عقيبَ خبرِ
التواتر - مجرى حصوله عند سماع صرير الباب، ونعيقِ الغراب.
وإنْ حصلَ، مع الوجوبِ(*) - فالمستلزمُ إِمَّ قولُ كلِّ واحدٍ أو قولُ
المجموع :
الأوَّلُ (٣) باطلٌ: أمَّا أوَّلاً - فلأنَّا نعلمُ بالضرورةِ أنَّ (٤) قولَ الواحدِ لا يفيدُ
العلم.
وأمَّا ثانياً - فلأنَّ [قولَ(٥)] كلٍّ واحدٍ منهم، إذا كان مستقلاً(*) بالاستلزام ،
فإن وجدت الأقوالُ دفعةٌ: لزمَ أنْ يجتمعَ على الأثرِ الواحدِ مؤثّراتٌ مستقلّةٌ
بالتأثيرِ؛ وهو محالٌ.
(١) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((وإذا)).
(٢) لفظ س، أ، ح: ((جرى)).
(*) آخر الورقة (٤٤) من ح.
(٣) زاد في آ، ي، ح، جـ: (ف)).
(٤) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((القول)).
(٥) سقطت الزيادة من آ.
(*) آخر الورقة (٤١) من جـ.
- ٢٥١ -

وإن وجدتْ على التعاقب - فإذا حصلَ الأثرُ بالسابق: استحالَ حصولُ ذلكَ
الأثر - بعينِهِ - باللاحق؛ لامتناع إيجادِ الموجود. واستحالَ - [أيضاً(١)] - حصولُ
مثلهِ بالْلاحقِ(٢)؛ لاستحالةِ الجمعِ بينَ المثلين: فيلزمُ أنْ يبقى اللاحقُ خالياً
عن التأثير، فتكونُ العَّةُ القطعيَّةُ منفكةً(٣) عن المعلولِ؛ وهو محالٌ.
ولا جائزٌ أنْ يكونَ المؤثِّرُ قولَ المجموع ؛ أمَّا أوّلاً - فلأنَّ قولَ كلُّ واحدٍ إِنِ
بقي عندَ الاجتماع ، كما كانَ عندَ الانفرادِ [وَ(٤)] لم يحدث عندَ الاجتماعِ أمرٌ
زائدُ _ ألبَّةَ - فكما لم يكن الاستلزامُ حاصلًا عند الانفرادِ: وجبَ أنْ لا يحصّلَ
عندَ الاجتماع .
وإنْ(٥) حدثَ أمرٌ مَّا، إمّا بزوالٍ(٦) أو بالحدوثِ: فإن كان المقتضي لذلك
[الحدوثِ(٧)] قولَ كلِّ واحدٍ - عادَ المحذورُ المذكورُ.
وإذا كان المجموعُ: عادَ التقسيمُ المذكورُ.
وإن كان لحدوثٍ أمرٍ [آخرَ(٨)]: لزمَ التسلسلُ.
وأمَّا ثانياً - وهو أنَّ المستلزميَّةَ نقيضُ الْلامستلزميَّة(٤) الَّتي هي أمرٌ عدميٌّ، :
فكانت المستلزميَّةُ أمراً ثبوتيّاً؛ فإن كانَ الموصوفُ بها (١٠) هو المجموعُ: لزمَ
حلول (١١) الصفةِ الواحدةِ في الأشياءِ الكثيرةِ؛ وهو محالٌ.
!
(١) لم ترد الزيادة في ح.
(٢) في ل زيادة: ((حصول مثل ذلك الأثر))، وهي عبارة تقدمت، فزيادتها - هنا - وهم.
(٣) لفظ ي: ((خالية)).
(٤) لم ترد في س، وأبدلت في ح بـ: (ف)).
(٥) في ح: «وإذا)).
(٦) في ل، آ، ي، ح: ((بالزوال)).
(٧) سقطت من بي.
(٨) لم ترد الزيادة في ل، آ، ي.
(٩) عبارة آ: ((تقتضي الاستلزاميّة))، وهو تحريف، وفي ل، ي: ((المستلزمية))، وهو:
خطأ .
(١١) في ي: ((حصول)).
(١٠) لفظ ح، ل: ((به))، وهو مساو.
- ٢٥٢ -

وأمَّا ثالثاً - فلأنَّ التواترَ في الأكثر إنَّما يكونُ(١) بورودِ الخبر - [عقيبَ
الخبر(٢)]، وإذا كان كذلكَ ــ كان عندَ حصولٍ كلُّ واحدٍ منهما - [حالَّ وجودِ(٣)]
الثاني - معدوماً، فلا يكونُ للمجموع وجودٌ في زمانٍ أصلاً: فيستحيلُ أنْ يكونَ
المؤثِّرُ - هو المجموعُ؛ لأنَّ الشيءَ مالَم يوجدْ في نفسِهِ، لا يقتضي وجودَ غيرِهِ.
وأمّا رابعاً - وهو الكلامُ المشهورُ في هذه المسألةِ: أنَّ قولَ كلِّ واحدٍ لمّا
لم يكنْ مؤثِّراً - وجبَ أنْ يكونَ قولُ الكَلِّ غيرَ مؤثِّر؛ كما أنَّ(٤) كلَّ واحدٍ(*) من(*)
الزنج لمَّا لم يكنْ أبيضَ - استحالَ كونُ الكلِّ أبيضَ.
الوجه الرابع(*):
في استحالةٍ أن يكونَ خبرُ التواترِ مستلزماً للعلم ؛ لأنَّ المستلزمَ إِمّا آحادُ
الحروفِ، وهو باطلٌ. أو المجموعُ، وهو محالٌ؛ لأنَّ المجموعَ لا وجودَ له، وما
لا وجودَ لهُ - استحالَ أن يستلزمَ شيئاً آخر.
فإن قلتَ: الموجبُ هو الحرفُّ [الأخير(٦)] بشرطِ وجودٍ سائرِ الحروفِ
- قبله - أو بشرطِ مسبوقيَّةِ الحرفِ الأخير بسائر الحروفِ؟
قلتُ: الشرطُ لا بدَّ من حصولِهِ - حالَ [حصولٍ (٧)] المشروطِ، والحروفُ
السابقةُ غيرُ حاصلةٍ(٨) - حالَ حصولِ الحرفِ الأخيرِ.
(١) عبارة ي : ((بعد ورود)).
(٢) ساقط من ل.
(٣) ساقط من ح.
(٤) كذا في ل، آ، ح، وفي النسخ الأخرى: ((لما أنّ)).
(٥) آخر الورقة (٤٤) من ل.
(٥) آخر الورقة (٦١) من س، وآخر الورقة (٢٩) من ي.
(٥) كذا في آ، ح، ولفظ غيرهما: ((الثالث))، وهو خطأ.
(٦) لم ترد الزيادة في ي.
(٧) سقطت من ل.
(٨) كذا في ي، ولعله الأنسب ولفظ غيرها: «موجودة)).
- ٢٥٣ -

وعن الثاني :
أنَّ مسبوقيَّةً الشيءِ [بغيرِهِ(١)] لا تكونُ صفةً، وإلّ كانتْ صفةً (٢) حادثةٌ،
فتكونُ مسبوقيَتُها بالغيرِ صفةٌ أَخرَى، ولزمَ التسلسلُ.
وإذا كانَتْ المسبوقيَّة أمراً عدميّاً: استحالَ أنْ يكونَ جزءً العلَّةِ أو شرطَها.
أمَّا الَّذين سلَّموا أنَّ خبرَ التواترِ(*) عن الأمورِ الموجودةِ - يفيدُ العلمَ،
لكنَّهم(٣) منعوا من كونِ التواترِ عن الأمورِ الماضيةِ - [مفيداً للعلم - فقد احتجُّوا:
بأنَّ التواترَ عن الأمورِ الماضيةِ(٤)] وقعَ عن أمورٍ باطلةٍ، فوجبَ أنْ لا يكونَ حجَّةً
بيانُ الأوَّلِ :
الـيهودَ(٥)
أنَّ
والنصارى (٦):
(١) سقطت من ح.
(٢) في ل، آ، جـ: ((الصيغة)).
(٣) لفظ آ: «فكليهم)).
(*) آخر الورقة (٤٣) من آ.
(٤) ما بين المعقوفتين سقط من ي .
(٥) اليهود: من هاد الرجل: أي: رجع وتاب. وسموا بهذا الاسم لقول سيدنا موسى
عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِليكَ﴾ الآية (١٥٦) من سورة
الأعراف، واليهود هم أمة موسى عليه السلام. وكتابهم التوراة. وهو أول كتاب نزل من السماء
وما نزل على الأنبياء قبله يسمى صحفاً لا كتاباً. وكلهم أبناء إبراهيم الخليل، يعرفون أيضاً
بيني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكانوا اثني عشر سبطاً وملكوا الشام بأسره
إلا قليلاً منه إلى أن زالت دولتهم على يد ((بخت نصَّر)) ثم على يد طيطش وجاء الله بالإِسلام.
وليس لهم ملك ولا دولة وإنما هم أمة متفرقون في أقطار الأرض تحت أيدي النصارى. وهم
فرق كثيرة من أهمها: العنانية: أتباع عنان بن داود والعيسوية: أتباع أبي عيسى بن يعقوب
الأصفهاني. والمعادية أتباع رجل من همدان. والسامرة، وهم لا يؤمنون بنبي غير موسى
وهارون ولا بكتاب غير التوراة. راجع الملل والنحل الشهرستاني (٢١٠/١) واعتقادات الفرق
(٨٢-٨٣) والحور العين (١٤٤) وأديان العرب في الجاهلية (١٩٩-٢٠٢).
(٦) النصارى: هم أتباع المسيح عيسى بن مريم - عليه السلام -، وكتابهم الإنجيل وهم
فرق متعددة تبلغ اثنتين وسبعين فرقة وكبار فرقهم ثلاثة: ١ - الملكانية. ٢ - النسطورية. ٣ -
اليعقوبية .
=
- ٢٥٤ -

والمجوسَ(١) والمانويَّة(٢) على كثرةِ كلِّ فرقةٍ
- منهم - وتفرُّقِهِم في الشرقِ والغربِ - يخبرونَ عن أمورٍ هي باطلٌ - قطعاً - عندٌ
المسلمينَ؛ وذلكَ يقتضي القدحَ في التواترِ.
فإنْ قلتَ: شرطُ التواترِ استواءُ الطرفينِ الواسطةِ؛ وهو غيرُ حاصلٍ - في
هذه الفرقِ؛ لأنَّ اليهودَ قلُّ عددُهُم في زمَانِ ((بُخْتُ نَصَّر))، والنصارى كانوا
قليلينَ - في الابتداءِ، وكذا القولُ في المجوسِ والمانويَّةِ.
قلتُ: صدقتم حيثُ قلتم: لا بدَّ من استواءِ الطرفين والواسطةِ، لكنَّ
الطريقَ إليهِ إِمَّ العقلُ، أو النقلُ، أو ما هو مركَّبٌ(٣) منهما.
والعقلُ المحضُ لا يكفي .
= راجع الملل والنحل الشهرستاني (٢٢٠/١-٢٢٢) واعتقادات الفرق (٨٤-٨٥) والحور
العين (١٤٥) وأديان العرب في الجاهلية (٢٠٢-٢٠٦).
. (١) المجوس: هم قوم لهم شبهة كتاب وليس لهم كتاب. لأن الصحف التي أنزلت على
سيدنا إبراهيم - عليه السلام - قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثها المجوس. لذا يجوز
عقد العهد والذمام معهم، وینحی بهم نحو اليهود النصارى، إذ هم من أهل الكتاب ولكن
لا تجوز مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم؛ لأن الكتاب، رفع عنهم، من معتقداتهم الفاسدة أن
للكون إلهين اثنين. أحدهما: فاعل الخير. وهو النور، والآخر فاعل الشر وهو الظلام وكانت
لهم نيران يصلون لها ويقدمون القرابين إليها، ولهم بقية في إيران اليوم. انظر الملل والنحل
الشهرستاني (٢٠٨/١ و٢٣٣)، واعتقادات الفرق (٨٦) والحور العين (١٤٢) وأديان العرب
في الجاهلية (١٩٠).
(٢) المانويَّة: هم أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابوربن
أردشير بن بابك، وادعى النبوة وكان يقول بالتناسخ بالنسبة لأرواح أهل الضلال تطهيراً لها
من شوائب الظلمة كي يتسنى لها الالتحاق بالنور العالي. قتله بهرام بن هرمز بن سابور سلخه
وحشا جلده تبناً وعلقه. وذلك بعد عيسى بن مريم عليه السلام. راجع الملل والنحل.
الشهرستاني (٢٤٤/١) والفرق بين الفرق (١٦٢) واعتقادات الفرق (٨٨) والحور العين
(١٣٩ -١٤٠).
(٣) كذا في آ، وهو الأنسب، وعبارة غيرها: ((أو ما يتركّب)).
- ٢٥٥ -

وأمَّا النقلُ - فإمَّا من(٥) الواحدِ، أو من الجمعِ؛ وقولُ الواحدِ إنَّما يفيدُ لو
كانَ معصوماً - وهو مفقودٌ في زمانِنًا.
وأمَّا الجمعُ - فهو أن يقالَ: إنَّ أهلَ التواترِ [في زمانِنَا(١)] علی کثرتهم،
يخبرون(٢): أنّهم كانوا كذلك (٣) أبداً، لكن كما أنَّ أهلَ الإِسلام يدَّعون ذلك.
- فهذه الفرق الأخرى تدَّعي ذلك، فليس تصديقُ إحداهما، وتکذیبُ الأخرى
- أولى من العكس .
وأمَّا المركَّبُ منهما - فهو أنْ يقالَ: لو كانَ خبراً موضوعاً(٤) - لعُرِّفَنا أَنَّ الأمرَ.
كذلكَ. وقد(*) عرفتَ ضعفَ هذه الطريقةِ.
ثمِّ (٥) إن جميعَ هذه الفرقِ يصحُّحونَ قولهم (٦) بمثلِ هذه الطريقةِ - فليس
قبولُ أحدِ القولين أولى من الآخر.
فأمَّا الَّذي يقالُ: إنَّ ((بخت نصَّر)) قتلَ اليهودَ، حتّى لم يبقَ منهم عددُ أهل
التواترِ.
قلنا: هذا محالٌ؛ لأنَّ الأمَّة العظيمةَ المتفرّقةَ - في الشرقِ والغربِ -
يستحيلُ قتلُها (٧) إلى هذا الحدِّ.
وأمَّا النَّصارى - فلو لم يكونوا بالغينَ في أَوَّلِ الأمرِ، إلى حدِّ التواترِ: لم
يكن شرعُهُ حجَّةً إلى زمانٍ ظهورٍ محمّدٍ(٨) _ ◌َ - لكنّه باطلٌ باتفاق المسلمين.
(*) آخر الورقة (٤٢) من جـ.
(١) سقطت الزيادة من ل، آ، ي، جـ.
(٢) في ي: ((يخبرون على كثرتهم)).
(٣) عبارة ح: ((كانوا أبداً كذلك)».
(٤) زاد في آ: ((مفتری)).
(*) آخر الورقة (٤٥) من ح.
(٥) عبارة آ: ((لأنّ جميع)) ..
(٦) لفظ ح: «تواترهم))؛ وقد یکون أنسب.
(٧) كذا في آ، ولفظ غيرها: ((قتلهم)).
(٨) عبارة آ، ي، ح: «إلى زمان محمد وظهوره)).
- ٢٥٦ -

وها هنا وجوهٌ أخرُ من المعارضاتِ مذكورةٌ في ((كتاب النهايةِ(١) فهذا
تمامُ (٢) الاعتراضاتِ(٣).
واعلم: أنَّ بعضَ هذه الأسئلةِ والمعارضاتِ، لا شكَّ أنَّ فسادَها أظهرُ من
صحَّتِها، لكنَّ ذلكَ إنَّما يكفي في ادِّعاء الظنِّ القويُّ، لا في ادِّعاءِ اليقين التامُّ.
وكانَ غرضُنا من الإطناب - في هذه الأسئلة -: إنَّ الَّذي قاله أبو الحسين(*): من
أنَّ الاستدلالَ بخبر التواترِ على صدقِ المخبرينَ - أمرٌ سهلٌ هيِّنٌ مقرَّرُ في عقولٍ
البلِهِ والصبيانِ -: لَيسَ بصوابٍ، بل لمَّا فتحنَا بابَ المناظرةِ دَقَّ (٤) الكلامُ. ولا
يتمُّ المقصودُ إلَّ بالجوابِ القاطعِ عن كلِّ هذه الإِشكالاتِ، وذلكَ لو أمكنَ
فإنَّما يمكنُ بعد تدقيقاتٍ في النظرِ عظيمةٍ؛ ومن البِيِّن لكلِّ عاقلٍ أنَّ علمَهُ
بوجودِ مَكَّة(٥) ومحمَّدٍ - ◌ََّ - أظهرُ من علمِهِ بصحَّةِ هذه الدلالةِ، وإبطالٍ ما فيها
من الأقسامِ ، سوى القسمِ المطلوبِ؛ وبناءُ الواضحِ على الخفيِّ غيرُ جائزٍ:
فظهر (٦) أنَّ الحقَّ ما ذهبنا إليهِ -: من أنَّ هذا العلم ضروريٍّ؛
وحينئذٍ لا نحتاجُ(*) إلى الخوضِ في الجوابِ عن هذه الأسئلةِ؛ لأنَّ
(١) هو كتاب الإِمام المصنّف الأصوليُّ: ((النهاية البهائيّة في المباحث القياسية))، ذكره
ضمن كتبه الصفدي في الوافي: (٢٥٥/٤)، وأحال عليه الإِمام في المعالم أيضاً
ص(١١٩)، وأشار إليه الأصفهاني شارح المحصول في (٢٠٢/٣])، و(٢٠٣، و٢٠٩،
و٢١١، و٢٥١، و٢٦٥، و٣١٥)، وغيرها ولا يستبعد أن يكون المراد كتابه الكلاميّ
المخطوط: ((نهاية العقول في دراية الأصول)). له نسخ خطية في خزانات كثيرة. منها دار
الكتب المصرية برقم (٧٤٨) علم الكلام.
(٢) كذا في ي، ولفظ غيرها: ((آخر)).
(٣) كذا في ح، وفي غيرها: ((الاعتراض)).
(*) آخر الورقة (٦٣) من س.
(٤) في ل: ((دون)).
(٥) لفظ ي: ((وملّة محمد))، وهو تصرُّف من الناسخ .
(٦) كذا في ل، آ، ي، ح، ولفظ جـ، ص، س: ((فعلم)).
(*) آخر الورقة (٤٥) من ل.
- ٢٥٧ -

التشكيكَ - في الضروريَّاتِ(١) - لا يستحقُّ الجوابَ.
المسألةُ الخامسةُ: في شرائط التواترِ
اعلم: أنَّ هذه الأخبارَ الَّتي نعلمُ مخبَرها(٢) - باضطرارٍ - الحجّةُ علينا فيها
- هو العلمُ، ولا حاجةَ بنا إلى اعتبارِ(٣) حالِ المخبرينَ، بل يجبُ أنْ يعتبرَ :
السامعُ حالَ نفسِهِ، فإذا حصلَ له العلمُ بمخبرِ(٤) تلكَ الأخبارِ - صارَ محجوجاً
بها، وإلاّ فالحجَّةُ عنهُ زائلةٌ.
ثُمَّ إِنَّهُ بعدَ وقوعِ العلمِ بمخبرِ خبرِهم - صحَّ أن نبحثَ عن أحوالِهِم،
فنقولُ: لو لم يكونوا علَى هذه [الصفةِ(٥)] - لما وقعَ لنا العلمُ بخبرِهِم ..
واعلم: أنَّ هاهنا (١) أموراً معتبرةً - في كونِ التواترِ مفيداً للعلمِ ، وأموراً
ظُرُّ(٧) أنّها معتبرةٌ، مع أنَّها - في الحقيقةِ - غيرُ معتبرةٍ.
أما القسم الأوَّلُ ـ فنقولُ: إِنَّ تلكَ الأمورَ، إمّا أنْ تكونَ راجعةٌ إلى
السامعينَ، أو إلى المخبرين:
أمَّا الأمورُ الراجعةُ إلى السامعينَ - فأمرانِ:
الأوّلُ :
أنْ لا يكونَ السامعُ عالماً بما أخبرَ به - اضطراراً؛ لأنَّ تحصيلَ الحاصلِ
محال، وتحصيلَ مثل الحاصلِ [أيضاً(٨)] محالٌ، وتحصيلَ التقويةِ - أيضاً.
محالٌّ؛ لأنَّ العلمَ الضروريَّ - أيضاً - يستحيلُ أن يصيرَ أقوى مما كانَ.
مثالُهُ :
إذا كانَ العلمُ (*) حاصلاً بأنَّ النفيَ والإِثباتَ، لا يجتمعانِ ولا يرتفعانِ: لم
(١) لفظ آ: ((الضروريّ)).
(٢) لفظ ل: ((خبرها)).
(٣) في ل: ((الاعتبار)).
(٤) لفظ س: ((بخبر)).
(٦) لفظ ي، آ: ((معنا)).
(٥) لم ترد الزيادة في س.
(٧) كذا في س، ولعله الأنسب، ولفظ غيرها: ((يظنّ)).
(٨) هذه الزيادة من آ، ي، وزيدت في ح بعد لفظ: ((محال)).
(*) آخر الورقة (٤٤) من آ.
- ٢٥٨ -

يكن للإِخبارِ عنهُ تأثيرٌ في العلمِ بِهِ.
[و(١) الثاني :
قالَ الشريفُ المرتضى: يجبُ أنْ لا يكونَ السامعُ قد سيقَ بشبهةٍ (٢) أو تقليدٍ
إلى اعتقادِ نفي موجب الخبر. وهذا الشرطُ إنَّما اعتبرهُ الشريفُ: لأنَّ - عنده -
الخبرَ عن النصُّ على إمامةٍ عليٍّ - رضي الله عنهُ(٥) - متواترٌ (٣)، ثمّ لم يحصل
العلمُ(٤) به لبعضِ السامعين، فقال: ذلك لأنَّهم اعتقدوا نفيّ النصِّ لشبهةٍ .
واحتُجِّ عليه:
بأنَّ حصولَ العلمِ - عقيبَ خبرِ التواترِ - إذا كانَ بالعادةِ: جازَ أنْ يختلفَ
ذلكَ باختلافِ الأحوالِ ، فيحصلُ للسامعِ - إذا لم يكنْ قد اعتقدَ نقيضَ ذلكَ
الحكم - قبل ذلك [الحكم(٥)] ولا يحصلُ له إذا اعتقدَ ذلكَ.
فإن قلتَ: يلزمُكم [عليه (٦)] أنْ تُجُوِّزوا صدقَ من أخبركم: بأنَّه لم يعلم
وجودَ البلدانِ الكبارِ، والحوادثِ العظام (٧) بالأخبارِ المتواترةِ، لأجلِ شبهةٍ
اعتقدَها في نفيِ تلكَ الأشياءِ.
قلتُ: إِنَّه لا داعي يدعو العقلاءَ(٨) إلى سبقِ اعتقادِ نفي هذه الأمورِ، ولا
شبهةَ في نفي تلكَ الأشياءَ أصلا(*) ..
أمَّا ما يرجعُ إلى المخبرينَ - فأمران:
(١) لم ترد الواو في ح.
(٢) كذا في ل، وهو الأنسب وفي غيرها: ((لشبهة)).
(*) آخر الورقة (٤٣) من جـ.
(٣) لعله يريد بذلك الخير حديث: ((غدير خم).
(٤) عبارة ح: ((به العلم)».
(٥) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٦) لم ترد في س.
(٧) لفظ آ: ((العظيمة)).
(*) آخر الورقة (٣٠) من س.
(٨) لفظ ح: ((العاقل)).
- ٢٥٩ -

الأوَّلُ:
أنْ يكونوا مضطرِّينَ إلى ما أُخبروا عنه؛ لأنَّ غيرَ الضروريّ(١) يجوزُ دخولٌ
الالتباس فيه - فلا جرمَ لا يحصلُ العلمُ بهِ؛ ولذلكَ فإنَّ المسلمينَ يخبرونٌ
اليهودَ بنبوّةٍ محمَّدٍ - وَّ(*) - ولا(*) يحصلُ لهم العلمُ بها.
الثاني :
العددُ وفيه مسائلُ:
المسألةُ الأولى (٢):
قال القاضي أبو بكرٍ: ((اعلم أنَّ قولَ الأربعةِ لا يفيدُ العلمَ - أصلاً، وأتوقَّفُ.
في قولِ الخمسةِ)).
واحتجّ علیهِ :
بأنَّهُ لو وقعَ العلمُ [بخبرِ(٣)] أربعةٍ صادقين - لوقع بخبرِ(٤) كلُّ أربعةٍ
صادقين: وهذا باطلٌ، فذاكَ مثلُهُ.
بيانُ الملازمةِ: أنَّهُ لو وقعَ [العلمُ (٥)] بقولِ أربعةٍ، ولا يقعُ بقولِ مثلِهِم،
مع تساوي الأحوالِ والقائلينَ والسامعينَ - في جميعِ الشروطِ -: لم يمتنع أنْ
تخبرَنا قافلةُ الحاجّ بوجودِ مكَّةَ فنعرفُها، ثمَّ هم - بأعيانهم - يخبرونَنَا (٦) بوجودِ
المدينةِ، فلا نعرفُها؛ ولمَّا لم يجزْ ذلكَ: صحَّ قولُنا.
وإنَّما قلنا: إنَّ العلمَ لا يحصلُ بخبر كلِّ أربعةٍ؛ لأنَّهُ لو وقعَ العلمُ بخيرِ
(١) في آ زيادة: ((لا))، وهو خطأ.
(*) آخر الورقة (٤٦) من ح.
(*) آخر الورقة (٦٣) من س.
(٢) كذا في ص، ح، س، وهو المناسب لما بعده، لأنها الأولى من مسائل العدد وفي.
ل، آ، ي، جـ: ((السادسة))، وهو صواب - أيضاً - بالنسبة لما تقدم.
(٣) أبدلت في ي بـ: ((عن)).
(٤) عبارة ل: ((لوقع بقول أربعة)).
(٥) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٦) لفظ آ: ((يخبرون)).
- ٢٦٠ -