النص المفهرس
صفحات 141-160
وتاسعُها:
أنَّ هُذا الإِجماعَ لو كانَ حجَّةُ - لوجبَ تركُ القولِ الآخر، ولكانَ إذا حكمَ
به حاكمٌ [ثمُّ(١)] انعقدَ الإِجماعُ على خلافِهِ: وجب نقضُهُ؛ لكونِهِ واقعاً على
مضادَّةِ دليلٍ قاطعٍ (٢)، لكنَّ ذلكَ باطلٌ؛ لأنَّ أهلَ العصرِ الأوَّلِ اتَّفقوا على نفوذِ
هذا القضاءِ: فنقضُهُ يكونُ [على (٣)] خلافِ الإِجماعِ .
[الجوابُ عن الأوَّلِ (٤):
أنَّ التعلُّق بالإِجماعِ (٥)] ردِّ إلى الله والرسولِ .
ولأنَّ أهلَ العصر الثاني إذا اتَّفقوا - فـ [ـهم) ] ليسوا (١) بمتنازِعين - فلِمَ يجبُ
عليهم الردُّ إلى كتاب اللهِ(٧)؟ لأنَّ المعلِّقَ بالشرطِ عدمٌ - عند عدم -
[شرطِ (٨)] »(*).
وعن الثانى:
أنَّه مخصوصٌ بتوقُّفِ الصحابةِ في الحكمِ - حالَ الاستدلالِ - مع أنَّهُ لا
يجوزُ الاقتداءُ به - في ذلك - بعدَ انعقادِ الإِجماع : فوجبَ تخصيصُ محلٍّ
النزاع عنهُ؛ والجامعُ ما تقدَّمَ.
وعن الثالث:
ما مرَّ غيرَ مرَّةٍ: أنَّ ذلكَ الإِجماعَ مشروطٌ.
(١) سقطت الزيادة من آ.
(٢) عبارة ص: ((الدليل القاطع)).
(٣) لم ترد في ي.
(٤) زاد في ح، ي: ((و).
(٥) كذا في ص، آ، وهو المناسب وفي غيرهما: ((التعليق)»، وقد سقط ما بين
المعقوفتین من ل .
(٦) كذا في ح، ص، ي، جـ، وعبارة غيرها: ((فليسوا متنازعين)).
(٧) في ح، ص، آ: ((الكتاب)).
(٨) زادها س.
(*) آخر الورقة (٣٣) من س.
- ١٤١ -
--
ثم إنّهُ منقوضٌ باتِّفاقِهم - حالَ الاستدلالِ - على التوقُّف(*)، وتجويز(١)
الأخذِ بأيّ قولٍ ساق الدلیلُ إليه.
وَلأَنّكم [إذا (٢)] جوَّرْتُم: أنْ لا يكونَ اتِّفاقُ [أهل(٣)] العصر الثاني - حجّة.
فِلِمَ لا يجوزُ أنْ [لا(٤)] يكونَ اتَّفاقُ أهلِ العصرِ الأوَّلِ - حجَّةٌ؟ إذ ليسَ أحدُ
الاتفاقينِ(*) أولى من الآخر(٦)؟!
وإذا لم يكن الاتِّفاقُ الأوّلُ حجّةً: لم يلزمْ من حصولِ الاتّفاقِ الثاني ما
ذكرتموه (٧) - من المحذورِ؛ فثبت: أنَّ هُذهِ الحجَّةَ متناقضة.
وعن الرابع :
أَنَّا نتبيَّنُ بموتِ إحدى الطائفتين أنَّ قولَ الطائفةِ الأخرى حجَّةٌ؛ لاندراجِ
قولهم - تحت أدلَّةِ الإِجماع، لا (٨) أنَّ الموتَ - نفسه (٩) - هو الحجَّةُ(*).
وعن الخامس :
أنّه لا يجوزُ أنْ يخفى ذلكَ الدليلُ على كلُّهم، لكن يجوزُ خفاؤه (١٠) علی
بعضهم .
وعن السادس(*):
أَنَّهُ لو كانَ أهلُ (*) العصرِ الثاني بعضَ الأمَّةِ - لوجبَ أن لا يكونَ اتِّفَاقُهم
(*) آخر الورقة (١٨) من جـ.
(١) لفظ س: ((ويجوز)).
(٢) زیدتُ في ص، ي، جـ، آ.
(٣) لم ترد في س.
(٤) انفردت بهذه الزيادة ص، وإثباتها هو الصحيح.
(٥) زاد في آ: ((حجّة)).
(٦) لفظ ما عدا ص: ((الثاني)).
(٧) لفظ س: ((ذكرتم)).
(٨) في ح: ((لأنّ))، وهو تحريف.
(*) آخر الورقة (٢٤) من آ.
(*) آخر الورقة (٢٤) من ح.
(٩) في ل، آ، جـ، ح: ((يعدُّ)).
(١٠) لفظ ي: «أن یخفی».
(*) آخر الورقة (٢٤) من ل.
- ١٤٢ -
- الَّذي لا يكونُ مسبوقاً بالخلافِ حجّةٌ؛ وهذا يقتضي أنْ لا يكونَ الحجَّةُ إجماعَ
الصحابةِ فقط، بل إجماعُ الَّذِين كانوا موجودينَ - عند ظهورِ أدلَّةِ الإِجماعِ .
وهذا القائلُ لا يقولُ بهذهِ المذاهب.
وعن السابع :
أَنَّهُ لا يجوزُ إحداثُ قولٍ ثالثٍ، إذا كانَ الإِجماعُ منعقداً على [عدم (١)]
جوازِهِ مطلقاً(٢).
أمّا إذا(٣) كان مشروطاً بشرطٍ -: جازَ ذلكَ عندَ عدمِ ذلكَ الشرطِ .
كما ذكرنا أنّهم : - حال الاستدلال - مطبقونَ على جوازِ التوقُّفِ، وعدمٍ
القطعِ مع أنَّ ذلك لا ينافي(٤) اتّفاقهم على القطع بعده.
وعن الثامن :
قولُهُ(٥): ((أقوالُ الصحابةِ باقيةُ(٦) بعد وفاتِهم))؛ إنْ عنى بذلك: كونَها مانعةً
من انعقادِ الإِجماعِ - فهذا عينُ النزاعِ .
وإن عنى به: علمنا بأنَّهم ذكروا هذهِ الأقوالَ - فِلِمَ قلتَ(٧): إنّ(٨) ذلك ينفي
انعقادَ الإِجماعِ ؟
وإن عنيتُم ثالثاً - فبِّنوه.
(١) سقطت من ي.
(٢) الّذي يؤخذ من أقوال الأصولين: أنّه لا يجوز إحداث قول ثالث يخالف قولين
للصحابة في مسألة؛ لأن الاهتداء منحصر في قوليهما، ولأن انحصار الخلاف في قولين يعتبر
إجماعاً منهم على نفي قول ثالث، وكذلك لو اختلفوا على أكثر من قولين - فإنّه لا يجوز
إحداث قول آخر. وهذا ما ذهب إليه الحنفية. وقد خالفهم آخرون في هذا. فانظر أصول
السرخسي (٣١٠/١)، وراجع تفاصيل المسألة والمذاهب فيها في المستصفى (١٩٩/١)
وما بعدها، وجمع الجوامع بهامش الآيات البيّنات (٣١٠/٣) وما بعدها.
(٣) لفظ ي: ((إن)».
(٤) في ي: ((لا يناسب)).
(٥) زاد في غير ص، ح: ((إنَ)).
(٦) صحّفت في ل إلى ((نافية).
(٧) في ص: «قلتم)).
(٨) في آ: ((بأنَ)).
- ١٤٣ -
وعن التاسع :
أنّا لا نقضُ ذلكَ الحكم لأنَّهُ صارَ مقطوعاً به - في زمانٍ عدمٍ هذا
الإِجماع . ونحن إنَّما ننقضُ الحكمَ - الذي حكم به القاضي - إذا وقعَ ذلكَ
الحكمُ - في زمان [قيام(١)] الدلالةِ القاطعةِ على فساده (٢). والله أعلم.
المسألةُ الخامسةُ :
أهلُ العصر إذا انقسموا إلى قسمين، ثم ماتَ أحدُ القسمين: صارَ قولُ
الباقين إجماعاً؛ لأنّ (٣) بالموتِ ظهرَ اندراجُ قولِ ذلكَ القسم - وحده - تحت
أدلَّةِ الإِجماعِ .
وكذا القولُ إذا انقسموا (٤) إلى قسمين، ثم كفّرَ أحدُهما: فإِنَّهُ صِيرُ القولُ
(١) لم ترد الزيادة في ي.
(٢) للعلماء في هذه المسألة مذاهب ثلاثة - هي:
١ - الامتناع مطلقاً -: فإذا اجتمع التابعون على أحد قولي الصحابة أو أقوالهم - لم يزُلْ
بذلك خلافُ الصحابة، ويجوز لتابعي التابعين الأخذ بكل من القولين أو الأقوال. وإليه ذهب
الإِمام أحمد والغزالي وإمام الحرمين. انظر اللمع (٤٩) والمستصفى (١٩٩/١) وما بعدها
وجمع الجوامع بهامش الآيات (٣١٠/٣).
٢ - المذهب الثاني - أنّه يجوز الاتفاق - بعدهم - ويكون حجّة، وعليه الأكثرون، وهو
اختيار المصنّف.
٣ - المذهب الثالث: جواز وقوعه، لكنّه غير حجّة، وهؤلاء استدلّوا على الشق الأول
بأدلة أصحاب المذهب الثاني؛ واستدلوا على عدم حجيّته: بأن ذلك يؤدي إلى تعارض
الإجماعين، وكأن الإِمام المصنف اعتبر هذا المذهب غير بعيد عن المذهب الأول، أو أنه
ينسجم والمذهب الأول في شق منه، ويتفق والمذهب الثاني في الشق الآخر. انظر تفاصيل
هذه المذاهب وأدلة القائلين بها في المراجع المذكورة، وشرح مختصر ابن الحاجب
(٤١/٢-٤٢). وقد ذكر الإِسنوي في شرحه: أن المذهب الأول هو مذهب الإمام الشافعيّ
ونقل ذلك عن الغزالي في المنخول، وابن برهان في الأوسط، كما نقل عن إمام الحرمين في
البرهان قوله: ((إن ميل الشافعيّ إليه))، قال: ومن عباراته الرشيقة في ذلك: (إن المذاهب لا
تموت بموت أصحابها). فانظر شرح الإِسنوي على المنهاج (٩٠٢/٣)؛ والمنخول (٣٢١).
(٤) لفظ س، ل، ي: ((انقسم)).
(٣) لفظ ي: ((لكن)).
- ١٤٤ _
الثاني - حجّةً (١). والله أعلم.
المسألةُ السادسةُ :
أهلُ العصر إذا اختلفوا على قولين، ثمّ رجعوا إلى أحدٍ ذينكِ القولين، هل
يكونُ [ذلك (٢)] إجماعاً؟
أمّا من قالَ بانعقادِ الإِجماع - في المسألتين السابقتين - فقولُه [ به(٣)] هاهنا
[أولى (٤)]. ونُثبتُ هُذهِ الأولويَّةَ من وجهين :
أحدهما :
[أن(*)] في المسألتين السابقتين(٦) - لقائل أن يقولّ: المجمعونّ ليسوا كلَّ
الأمَّةِ، فلا يكون (٧) اتِّفاقُهم قولاً لكلِّ الأمَّةِ [فلا يكونُ حجَّةً .
وأمَّا - هاهنا - فهذه الشبهةُ زائلةٌ؛ لأنَّ الَّذين اتَّفقوا هم - بعينهم - الَّذين
اختلفوا: فكانَ المجمعونَ كلِّ الأمَّةِ (٨)].
وثانيهما :
أنَّ في - المسألتين السابقتين - ما صارَ القولُ الثاني مرجوعاً عنه - أصلاً -
(١) حكى ابن الحاجب عن الأكثرين - في صورتي هذه المسألة -: أنّه لا يكون حجّة،
وذكر الآمدي نحوه. فانظر الإحكام للآمدي (٢٥٢/١)، وشرح مختصر ابن الحاجب
(٤٢/٢)، وشرح الإِسنوي(٩٠٩/٣)، وقال الشيخ بخيت في تعليقاته: ((هذا ينافي ما تقدم
عن الشافعي: من أن المذاهب لا تموت بموت أصحابها، بل كل قول باق على حاله ببقاء
دليله، ولذلك جاز تقليد المجتهد بعد موته، ومن قال بموت القول - فإنما قال بموته بإجماع
لاحق: فكان موت مذاهب الذين ماتوا موقوفاً على كون قول الباقين إجماعاً - وهو محل
النزاع: فكان الدليل موقوفاً على صحة الدعوى وهو دور؛ ولذلك كان قول الأكثرين: إنّه لا
يكون إجماعاً». انظ المرجع السابق.
(٢) لم ترد في ح.
(٣) سقطت من س.
(٥) لم ترد في ي، س، ل.
(٤) سقطت من ح.
(٦) في جـ، آ: ((السالفتين)) في هذا الموضع والذي سبقه.
(٧) لفظ ح: ((يمكن).
(٨) ما بين المعقوفتين ساقط من س.
- ١٤٥ -
وهاهنا صارَ كذلك.
وأمَّا المنكرون لانعقاد الإِجماع (*) - هناك - فقد اختلفوا هاهنا:
فأمّا (١) من اعتبرَ انقراضَ العصرِ (٣) - فإنّـ [ـه(٣)] جوّز ذلك، قال: لأنّ
الانقراضَ(٤) لمّا كان شرطاً في الإِجماع، وهم لم ينقرِضوا - على ذلك
الخلافِ - فلم يحصلْ الإِجماعُ على جوازِ الخلافِ: فلم يكن الاتّفاقُ (٥).
حاصلاً بعد الإجماع - على جوازِ الخلافِ.
وأمّا من لم يعتبر الانقراضَ - فقد اختلفوا:
فمنهم: من أحالَ وقوعَه .
ومنهم: من جوّزهُ، وزعم (٦) أنَّهُ لا يكونُ حجَّةٌ.
ومنهم: من جعله إجماعاً يحرمُ خلافُهُ. وهو المختارُ.
لنا:
ما تقدَّمَ [من (٧)] أنَّ الصحابةَ - رضوان الله عليهم - اختلفوا في الإِمامةِ، ثم
اتَّفقوا بعدَ ذلكَ عليها ..
وإذا ثبتَ وقوعُهُ: وجبَ أنْ يكونَ حجّةً؛ لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ويتّبعْ غيرٌ
سبيلِ المُؤْمِنِينَ﴾(٨). والشُبَهُ(١) - الَّتي(*) يذكرونها - هاهنا - هي الَّتي مَرَّت.
والله أعلم.
(*) آخر الورقة (٣٤) من س.
(١) لفظ ص: ((فإن)).
(٢) زاد ي: ((الأول)).
(٤) لفظ ي: ((إذا)).
(٣) لم ترد في ص.
(٥) لفظ ي: ((الانعقاد)).
(٦) لفظ ي: ((وزعموا))، وفي جـ: ((فزعم).
(٧) زادها ص .
(٨) الآية (١١٥) من سورة النساء.
(٩) لفظ ص، ل، ي: ((والشبهة)).
(*) آخر الورقة (١٩) من جـ.
- ١٤٦ -
المسألةُ السابعةُ :
انقراضُ العصرِ غيرُ معتبرٍ - [عندنا(١)] [في الإِجماعِ(٢)]: خلافاً لبعضٍ
الفقهاءِ والمتكلِّمينَ، منهم الأستاذُ أبو بكر بن فُورَك.
لنا:
قولُهُ تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمّةً وَسَطاً﴾(٣)؛ وصفَهم بالخيرِيَّةِ
[وإجماعُهم لا على الصوابِ يقدَحُ في وصفِهم بالخيريَّةِ (٤)].
وأيضاً(٥):
[فـ (٦)] - قوله - وَل﴿ه -: ((لا تجتمع أُمَّتي على الخطأِ) [يُنافي إجماعهم على
الخطأ (٧] ولو في لحظةٍ(٨) واحدةٍ.
وممَّا تمسَّكوا به - في المسألةِ -: أنَّا لو اعتبرنا الانقراضَ لم ينعقدْ إجماعٌ؛
لأنّه (١) قد حدثَ من التابعينَ - في زمن الصحابةِ - قومٌ من أهلِ الاجتهادِ،
فيجوزُ (١) لهم مخالفةُ الصحابةِ؛ لأنَّ العصرَ لم ينقرضْ.
ثم الكلامُ في هذا العصرِ - كالكلام في [العصر(١)] الأوَّلِ: فوجبَ أنْ لا
يستقرُّ إجماعٌ (١٢)[أبداً].
فإنْ قلتَ: لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ المعتبرُ انقراضَ عصر من كان مجتهداً
(١) لم ترد الزيادة في ي، جـ.
(٢) لم ترد الزيادة في ص.
(٣) الآية (١٤٣) من سورة البقرة.
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من س، ل.
(٥) في ح: ((وکذلك)).
(٦) هذه الزيادة من ص.
(٧) ساقط من جـ.
(٨) في ل، آ، جـ: ((لفظه))، والأنسب ما أثبتنا.
(٩) في ي: «إلا أنه)).
(١٠) لفظ ل: ((فجوّز).
(١١) سقطت من ح، ص، ل، جـ.
(١٢) كذا في ح، وفي غيرها: ((الإجماع))، والزيادة - بعدها - من س، ح.
- ١٤٧ -
- عندَ حدوثِ الحادثةِ، لا من يتجدَّدُ(١) بعدَ ذلك -: فلا يلزمُ(٢) اعتبارُ(٣) عصرٍ
التابعينَ، إذا حدث فيهم(*) مجتهدٌ - بعد حدوثِ الحادثةِ؟.
قلتُ: بتقدير أنْ(٤) يحدثَ في التابعِينَ (٥) واحدٌ(*) من أهل الاجتهادِ - قبل
انقراضٍ عصر من كانَ مجتهداً - عندَ حدوثِ الحادثةِ من الصحابةِ - [ففي ذلكَ
الوقتِ إجماعُ الصحابةِ غيرُ منعقدٍ: فوجبَ أنْ يجوزَ للتابعيِّ مخالفتُهم(٦)]،
وكذلكَ يحدثُ في تابعي (٧) التابعين - قبلَ انقراضٍ عصرٍ من كانَ مجتهداً من
التابعين - وهلُمَّ جراً إلى زماننا: فيلزمُ أنْ لا ينعقدَ الإِجماعُ على ذلكَ التقديرِ.
ثمّ إنّا نجوّز هذا الاحتمالَ - في كلّ الإِجماعاتِ - ولا نعلم عدمه(٨):
فوجبَ أنْ لا ينعقدَ شيءٌ من الإِجماعاتِ.
[و(٩)] احتجَّ المخالفُ بأمورٍ :
أنَّ عليًّا - رضي الله عنه - سئلَ عن بيع أمَّهاتِ الأولادِ - فقالَ: (قد كانَ
أحدها :
(١) كذا في سائر الأصول، وكان الأنسب التعبير بـ: ((يوجد))، أو: ((يجتهد))، ولعلها
کانت کذلك وصحفت .
(٢) لفظ ل: ((يقع)).
(٣) في ي: ((اتباع))، وهو تصحيف.
(*) آخر الورقة (٢٥) من آ.
(٤) لفظ ص: «أنه)».
(٥) في ل: ((البالغين))، وهو تصحيف.
(*) آخر الورقة (٢٥) من ل.
(*) آخر الورقة (٢٥) من ح.
(٦) ما بين المعقوفتين سقط من ص، ولفظ ((التابعيّ)) صحّف في س إلى ((الشافعيّ))،
وهو من طرائف التصحيف :
(٧) لفظ ح: ((اتباع))، ولفظ ص: ((تابع))، وفي جـ، آ: ((تبع)).
(٨) لفظ ص: ((عدمها)).
(٩) لم ترد الواو في ص.
- ١٤٨ -
رأيي ورأيُ عمرَ أنْ لا يُبَعْنَ، ثمَّ رأيتُ بيعَهُنَّ)). فقال له عبيدةُ السلمانيُّ(١):
((رَأَيُّكَ في الجماعةِ - أحبُّ إلينا من رأيكَ وحدكَ))؛ فدلَّ قولُ عبيدةَ على أنَّ
الإِجماعَ كانَ حاصلاً، مع أنّ علياً - رضي الله عنه - خالفه.
وثانيها :
أنَّ الصدِّيقَ كان يرى التسويةً في ((القَسمِ»، ولم يخالفْهُ أحدٌ في زمانِهِ،
ثمَّ خالفهُ عمرُ بعد ذلك (٢).
(١) والسلمانيّ - هو عبيدة بن عمرو أو ابن قيس السلمانيّ المراديّ - كاد أن يكون
صحابياً، أسلم زمن فتح مكة باليمن، أخذ عن عليّ وابن مسعود وكان أصحاب ابن مسعود
خمسة يعتبر عبيدة مقدَّمهم، وعنه أخذ ابن سيرين، قال علي بن المديني وعمروبن علي
الفلاس: ((أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي))، وقال العجليّ: ((كل شيء
روى محمد (أي ابن سيرين) عن عبيدة - سوى رأيه -: فهو عن علي)).
لم يررسول الله - * - وإن كان قد أسلم قبل وفاته بعامين كما مرَّ. توفي سنة (٧٢) هـ،
خاف أن يصلي عليه المختار الثقفي فأوصى أن يصلي عليه الأسود بن يزيد، فعجل الأسود
بالصلاة عليه - قبل المغرب، وقال: ((عجلوا به قبل أن يجيء الكذاب)) يعني المختار. انظر
تهذيب التهذيب (٨٤/٧-٨٥) الترجمة (١٨٥)، والتذكرة (٥/١) الترجمة (٢٧)، والتاريخ
الصغير (١٤٦/١)، وطبقات ابن سعد (٩٣/٦)، وله ترجمة يسيرة في أسد الغابة (٤٤٤/٣)
بهامش الإصابة وقال فيه: إنه أسلم قبل وفاة رسول الله - بَير - قال: لا يعد في الصحابة إلا
بما ذكرنا، وتهذيب الأسماء واللغات (٣١٧/١) الترجمة (٣٨٤).
(٢) راجع المسألة في الأم: (٧٨/٤) وانظر (٨١-٨٢) منه، وراجع الأموال لأبي عبيد:
(٢٢٣-٢٢٧)، للماوردي (١٨٩-١٩٠)، و(١٩٤) ط الوطن، والأحكام السلطانية لأبي يعلى
(٢٢١)، وصبح الأعشى (٤٢٣/١، و١٠٦/١٣، و١١١)، والخراج لأبي يوسف (٥٣،
و١٣٦)، وتاريخ الطبري (١٦٢/٤)، والكامل (٢١٢/٣)، وفتوح البلدان (٤٣٦) ط
التجارية، والوزراء والكتاب (١٦) والخطط للمقريزي (١٢٨/١-١٣٠)، وسيرة عمر لابن
الجوزي (٨٧)، وللطنطاويين (٢٦٣، و٢٧٠) وسراج الملوك (١٣٣) ط بولاق، وحياة
الحيوان (٦٤/١)، ومحاضرة الأوائل (٥٣)، وشرح النهج (١١٣/١٢، و١٢٠) وآداب
الشافعي ومناقبه (١٥٥- ٢٠٠) وهوامشها.
- ١٤٩ -
وثالثُها:
أنَّ الناسَ ما داموا في الحياةِ، يكونونَ في التفخُّصِ والتأمُّلِ : فلا يستقرَّ
الإِجماعُ .
ورابعُها:
قولُه - تعالى -: ﴿لِتَّكُونُوا شُهَدَآءَ على النَّاسِ﴾(١)؛ ومذهبُكم(٢) يقتضي أن
يكونوا شهداءَ على أنفسِهِم أيضاً.
وخامسها:
أنّ قولَ المجمعينَ لا يزيدُ على قولِ النبيِّ - صَ لّه ◌ِ فإذا كانت وفاةُ النبيِّ
- ◌َ * - شرطاً في استقرارِ [الحجَّةِ(٣)] من قولِهِ، فلأنْ يعتبرَ ذلكَ في [قولِ (٤)]
أهلِ الإِجماع - أولى(٥).
[و(٥)] الجوابُ عن الأوَّلِ :
[أنَّ(٩) قولَ السلمانيِّ: ((رأيُكَ في الجماعةِ)) - دلَّ: على أنَّ المنع من
بيعهنَّ - كانَ رأيَ جماعةٍ (٧)، ولم يدلَّ(٨) على أنَّه كانَ رأيَ كل الأمَّةِ، وإنَّما أرادَ
أنْ(٩) ينضمَّ قول عليٍّ إلى قول عمرَ - رضي الله عنهما - لأنَّهُ رجَّحَ قولَ الأكثرِ على
قولِ الأقلِّ.
وعن الثاني :
أنَّا لا نسلِّمُ انعقادَ الإِجماعِ على فعلِ أبي بكرٍ - رضي الله عنه - بل نُقِلّ:
(١) الآية (١٤٣) من سورة البقرة.
(٢) لفظ جـ: ((ومذهبهم)).
(٣) لم ترد الزيادة في ي.
(*) آخر الورقة (٨) من ص.
(*) آخر الورقة (٣٦) من س.
(٤) هذه الزيادة من ض.
(٦) لم ترد الزيادة في آ.
(٥) لم ترد الزيادة في س.
(٧) لفظ ص، ي: ((الجماعة)).
(٨) في ح: ((ولا)).
(٩) ولفظ ل، ي، س: ((أضمّ)) وهذه عبارة ص، وفي غيرها قدّم اسم ((عمر)، والأنسب
ما أثبتنا.
- ١٥٠ -
أنَّ عمرَ - رضي الله عنه - نازعَهُ فيه.
وعن الثالث :
أَنَّهم إن أرادوا بنفي الاستقرارِ -: أنَّه لا يحصَلُ الاتّفاقُ - فهوَ باطلٌ؛ لأنَّ
كلامَنا في أنَّهُ لو حصلَ - لكانَ حجَّةً.
وإن أرادوا به: أنَّهُ - بعدَ حصولِهِ - لا يكونُ حجَّةً: فهو عينُ النزاعِ .
وعن الرابع :
أنَّ كونهم(١): ﴿شُهدَآءَ على النَّاسِ﴾ - لا يُنافي شهادَتَهم على أنفسِهم.
وعن الخامس :
أنّه جمع بين الموضعين من غير دليل. وبالله التوفيق .
المسألةُ الثامنةُ:
[اختلفوا (٢)]: في أنَّا لو جَوَّزنا انعقادَ الإِجماع عن السكوتِ، فهل يُعتَبِّرُ
فيه الانقراض؟
ذهبَ كثيرٌ ممِّن لم يعتبرِ الانقراضَ - في الإِجماع القوليِّ - إلى اعتباره
- هاهنا؛ لأنَّ سكوتَهُ يمكنُ أنْ يكونَ(*) للتفكّرِ في حكم (٥) تلكَ الحادثةِ.
فـ(أمَّا(٣)] إذا ماتَ عليه: عِلِمْنا - حينئذٍ - [أنَ(٤)] سكوته کان رضى .
وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ السكوتَ إنْ دلَّ على الرِّضى - وجب أن يحصلَ ذلكَ
قبلَ الموتِ.
وإنْ لم يدلَّ عليهِ -: لم يحصلْ ذلكَ - أيضاً - بالموتِ؛ لاحتمالٍ أَنَّهُ ماتَ
على ما كانَ عليه - قبل الموتِ. والله أعلم.
(١) كذا في ص، وهو الأنسب، وفي غيرها: ((قوله)). وما بعدها جزء من الآية (١٤٣)
من سورة البقرة.
(٢) انفردت بهذه الزيادة المناسبة ص.
(*) آخر الورقة (٢٠) من جـ.
(*) آخر الورقة (١٧) من ي.
(٣) هذه الزيادة من ي.
(٤) سقطت من ل.
- ١٥١ -
المسألةُ التاسعةُ :
الإِجماعُ المرويُّ بطريق الآحادِ حجَّةٌ: خلافاً لأكثرِ الناسِ .
لنا:
أنَّ ظنَّ وجوب العملِ بهِ حاصلٌ: فوجبَ العملُ بهِ: دفعاً للضررِ
المظنونِ .
ولأنَّ الإِجماعَ نوعٌ من الحجَّةِ، فيجوزُ التمسُّكُ بمظنونِهِ، كما يجوزُ
بمعلومِهِ: قياساً على السنّةِ.
ولأنَّا بَيْنًا: أنَّ أصلَ الإِجماع قاعدةٌ ظنّةٌ. فكيفَ القولُ في تفاصيله؟!
!
- ١٥٢ -
القسم الثالث
فيما أُدخل في الإِجماع وليس منه
المسألة الأولى :
إذا قالَ بعضُ أهلِ العصرِ قولاً - وكان الباقون حاضرِينَ، لكنَّهم سكتوا،
وما أنكر و[ه(١)] :-
فمذهبُ الشافعيِّ - رضي الله عنه - وهو الحقّ -: أنَّهُ ليسَ بإجماعٍ ولا
حجَّةٍ.
[و(٢)] قالَ الجبّائِيُّ: إِنَّهُ إجماعٌ وحجَّةٌ - بعد انقراضِ العصرِ.
وقال أبو هاشمٍ : ليسَ بإجماعٍ ، [و(٣)] لكنَّهُ حجَّةٌ.
وقال أبو عليٍّ بنُ أبي هريرةَ: إنْ كانَ هذا القولُ من حاكمٍ - لم يكنْ إجماعاً
ولا حُجَّةً .
وإنْ لم يكنْ من حاكمٍ(٤) -: كانَ إجماعاً وحجَّةٌ.
لنا:
أنَّ السكوتَ يحتملُ وجوهاً أُخَرَ، سوى الرضى - وهي ثمانية:
أحدها:
أنْ يكونَ في باطنِهِ مانعٌ من إظهارِ القولِ ، وقد تظهرُ(٥) عليه(*) قرائنُ
السخط .
(١) لم يرد الضمير في ي.
(٢) زيادة في ح.
(٣) لم ترد في ي، جـ.
(٤) كذا في ح، وعبارة غيرها: ((وإن كان من غير حاكم)).
(٥) لفظ ي، آ: ((ظهر)).
(*) آخر الورقة (٢٦) من ح.
- ١٥٣ -
وثانيها(*):
ربّما رآه(١) قولاً سائغاً أدَّى اجتهادُهُ إليهِ - وإنْ لم يكنْ موافقاً علیهِ.
وثالثُها:
أنْ يعتقدَ [أنَّ(٢)] كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ - فلا(٣) يرى الإنكارَ فرضاً - أصلاً.
ورابعُها:
ربَّما أرادَ(*) الإِنكارَ، ولكنَّهُ ينتهزُ فرصةَ التمكُّن(٤) منهُ، ولا يرى (٥) المبادرةَ
إليه مصلحةً .
وخامسُها:
أنَّهُ لو أنكرَ لم يُلتفتْ إليه، ولحِقَه (٦) بسبب ذلكَ ذلِّ: كما قالَ ابنُ عباس
- في سكوتِهِ عن العولِ -: ((هِبْتُهُ وَكانَ واللّهِ مهيباً»(٧).
(*) آخر الورقة (٢٦) من ل.
(١) لفظ س، ل: ((يراه)).
(٢) لم ترد الزيادة في س، ل، جـ.
(٣) في س، ل، آ: ((ولا)).
(*) آخر الورقة (٢٦) من آ.
(٤) لفظ ح: ((التمكين)).
(٥) في آ: ((فلا)).
(٦) كذا في ص، ج، ولفظ غيرهما: ((ويلحقه)).
(٧) العول - هو: ((أن يجتمع في الميراث ذوو فرائض مسمّاة - لا يحتملها الميراث .-:
مثل زوج أو زوجة وأخت شقيقة وأخت لأمّ، أو أختين شقيقتين أو لأب وأخوين لأمّ، أو زوج
أو زوجة وأبوين وابنة أو ابنتين؛ فإنّ هذه فرائض ظاهرها: أنّه يجب النصف والنصف والثلث،
أو نصف ونصف وثلثان أو نصف ونصف وسدس ونحو هذا؛ فاختلف العلماء: فقال بعضهم:
يحطّ كل واحد من فرضه شيئاً حتى ينقسم المال عليهم، ورتّبوا ذلك على أن يجمعوا سهامهم
كاملة، ثم يقسم المال بينهم على ما اجتمع - مثل زوج وأم وأختين شقيقتين وأختين لأم؛ فهذه
ثلثان وثلث ونصف وسبدس، قالوا: فيجعل للزوج النصف - وهو ثلاثة من ستة، وللأم
السدس - وهو واحد من ستة، وللشقيقين الثلثان - وهما أربعة من ستة فهذه ثمانية، وللأختين =
- ١٥٤ -
= للأم الثلث - وهو اثنان من ستة: فهذه عشرة يقسم المال - بينهم - على عشرة أسهم فللزوج
الّذي له النصف ثلاثة من عشرة - فهو أقل من الثلث، وللأم الّتي لها السدس - واحد من
عشرة وهو العشر - وللشقيقتين اللتين لهما الثلثان - أربعة من عشرة - فذلك خمسان،
وللأختين للأم الّلتين لهما الثلث - اثنان من عشرة - فهو الخمس وهكذا في سائر هذه المسائل
- وهو قولٌ، أول من قال به زيد بن ثابت، ووافقه عليه عمر بن الخطاب، وصح عنه هذا،
وروي عن علي وابن مسعود غير مسند، وذكر عن العباس ولم يصح وصح عن شريح ونفر
من التابعين يسير. وبه قال الأئمة: أبو حنيفة ومالك والشافعيّ وأحمد وأصحابهم ..
وقد نقل ابن حزم عن ابن عباس قوله: ((الفرائض لا تعول)) و((لا تعول فريضة)) وصحح
النقل عنه، وتابعه على ما ذهب إليه. فانظر المحلى: (٢٦٢/٩-٢٦٧).
أما الأثر - فقد روى الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود - قال: ((خرجت
أنا وزفربن أوس إلى ابن عباس، فتحدثنا - عنده - حتى عرض ذكر فرائض المواريث، فقال
ابن عباس: سبحان الله العظيم، أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً
ونصفاً وثلثاً !! النصفان قد ذهبا بالمال أين موضع الثلث؟ فقال له زفر: يا ابن العباس من أول
من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب؛ لما التقت - عنده - الفرائض، ودافع بعضها
بعضاً - وكان امرءاً ورعاً - فقال والله ما أدري أيكم قدم الله - عز وجل - ولا أيكم أخّر فما أجد
شيئاً هو أوسع من أن أقسم بينكم هذا المال بالحصص فأدخل على كل ذي حق ما دخل عليه
من العول، قال ابن عباس: وأيم الله لو قدَّم من قدّم الله - عز وجل - ما عالت فريضة؛ فقال
له زفر: وأيُها يا ابن عباس قدّم الله - عزّ وجلّ-؟ قال: كل فريضة لم يهبطها الله - عز وجل -
عن فريضة إلّ إلى فريضة، فهذا ما قدّم؛ وأمّا ما أخْر - فكلُّ فريضةٍ إذا زالت عن فرضها لم
يكن لها إلّ ما بقي: فذلك الذي أخر.
فأمّا الذي قدَّم - فالزوج له النصف، فإن دخل عليه ما يزيله رجع إلى الربع لا يزايله عنه
شيء، والزوجة لها الربع فإن زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزايلها عنه شيء، والأم لها
الثلث، فإن زالت عنه بشيء - من الفرائض - ودخل عليها صارت إلى السدس لا يزايلها عنه
شيء: فهذه الفرائض - الْتي قدَّم الله - عزّ وجلّ - والتي أُخْر فريضة الأخوات. والبنات لهنّ
النصف فما فوق ذلك، والثلثان فإذا أزالتهنّ الفرائض عن ذلك: لم يكن لهنّ إلّ ما يبقى،
فإذا اجتمع ما قدّم الله - عز وجل - وما أخر: بدىء بمن قدّم وأعطي حقه كاملاً، فإن بقي شيء
كان لمن أخر. وإن لم يبق شيء فلا شيء له.
فقال له زفر: فما منعك يا ابن عباس أن تشير عليه (أي: على عمر) بهذا الرأي؟ قال =
- ١٥٥ -
وسادسُها :
ربّما كان في مهلةِ النظرِ.
وسابعُها:
ربَّما سكتَ لظنِّهِ أنَّ غيرَهُ يقومُ (١) مقامَه - في ذلكَ الإِنكارِ - وإنْ كان قد غِلِطٌ
فيه .
وثامنُها:
ربَّما رأى ذلكَ الخطأَ من الصغائرِ، فلم يُنكر[(٢)].
وإذا احتملَ السكوتُ هذه الجهاتِ كما احتملَ الرِّضى -: عِلِمْنَا أَنَّهُ(*) لا
يدلُّ على الرِّضى لا قطعاً ولا ظاهراً؛ وهذا معنى قول الشافعيِّ - رحمه الله -:
((لا يُنسبُ إلى ساكتٍ قولٌ))(٣).
[و(4)] احتجَّ الجبائيُّ:
بأنَّ العادةَ جاريةٌ بأنَّ الناسَ إذا تفكّروا في مسألةٍ زماناً [طويلاً (٥)]
= ابن عباس: ((هبته)) المرجع نفسه، وسنن البيهقي (٢٥٣/٦)، والكنز (٢٨/١١) رقم
(٣٠٤٨٩).
٠ ٤
هذا والقائلون بحجيّة ((الإِجماع السكوتيّ)) قد ناقشوا في أثر ابن عباس هذا، وإدّعوا:
أنّه لا يصح؛ لأن - تسليم صحته يتضمَّن إتهاماً لصحابي جليل بالسكوت عن الحق. انظر:
التوضيح (٣٢٨/٢)، ونقل صاحب المسلّم من الصحيح ما يعارضه من إدخال عمر لابن
عباس مع أشياخ الصحابة فانظره (٢٢٣/٢).
(١) كذا في ي، ولفظ غيرها: «قام)).
(٢) لم تزد الهاء في اس، ي.
(*) آخر الورقة (٣٧) من س.
(٣) انظر المستصفى (١٩١/١)، وأدب القاضي (٤٦٧/١) وقد بحثت عن النص
فيما تحت يدي من كتب الإِمام كالرسالة والأم فلم أعثر عليه، وذكره الغزالي بلفظ المحصول
والماورديّ بنحوه ولم يعزواه للإِمام؛ وقد نسبه الغزاليّ إليه في المنخول ص(٣١٨).
ولفظ ((ساكت)) في غير ص، ح: ((الساكت)).
(٥) لم ترد في آ.
(٤) لم ترد الواو في ي، جـ، أ.
- ١٥٦ -
واعتقدوا(١) خلافَ ما انتشرَ - من القول - أظهروه، إذا لم تكن - هناك - تقيَّةٌ،
ولو كانت (٢) - هناك - تقيّةٌ - لظهرت واشتهرت(٣) فيما بينَ الناسِ ، فلمّا لم يظهر
سببُ التقيَّةِ، ولم يظهر الخلافُ: علمنا حصولَ الموافقةِ .
وجوابُه :
ما بيِّنَّا: أنَّ وراءَ الرضى احتمالاتٍ أخرى(٤).
:
واحتجُّ أبو هاشمٍ :
بأنَّ الناسَ - في كلِّ عصرٍ - يحتجُونَ بالقولِ المنتشر - في الصحابةِ - إذا
لم يُعرف(٥) له مخالفٌ.
وجوابه :
أنَّ ذلكَ ممنوعٌ .
واحتجَّ أبو علي بن أبي هريرة:
بأنَّ هذا القولَ إنْ كانَ من حاكمٍ - لم يدلَّ سكوتُ الباقين(٦) على
الإجماع ؛ لأنَّ الواحدَ منَّا قد يحضرُ مجالسَ الحكّامِ فيجدُهم يحكمونَ
بخلافٍ مذهبهِ وما يعتقدُهُ، ثمّ لا ينكرُ عليهم.
وإنْ كانَ من غيرِ الحاكمِ - كان إجماعاً.
وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ عدمَ الإِنكارِ إِنَّما يكونُ - بعد استقرارِ المذهب(٧)، { و(٨)]
أمَّ حالَ الطلب - فالخصمُ لا يسلُّم جوازّ السكوتِ إلاّ عن(٩) الرِّضى، سواء كان
(١) لفظ ص: ((فإذا اعتقدوا)).
(٢) في ص: ((كان)).
(٣) في ح، ي: ((انتشرت)).
(٤) كذا في ي، ولفظ غيرها: ((أخر)).
(٥) لفظ آ، جـ، س: ((يكن))، والأنسب ما أثبتنا.
(٦) لفظ ل: ((الباقي)).
(٧) كذا في ص، وهو المناسب، ولفظ غيرها: ((المذاهب)).
(٨) لم ترد في ي.
(٩) في ح: ((عند)).
- ١٥٧ -
مع الحاكم، أو مع غيره. والله أعلم(*)(١).
(*) آخر الورقة (٢١) من جـ.
(١) هذه المسألة - هي مسألة ((الإِجماع السكوتي))، وهذا إما أن يكون في عصرٍ غير.
عصر الصحابة - فلا يكون انتشار قول البعض - منهم - مع سكوت الآخرين إجماعاً ولا حجّة
وإن كان في عصر الصحابة - فهو على ضربين:
أحدهما :
أن يكون فيما يفوت استدراكه: كإراقة دم أو استباحة فرج: فيكون إجماعاً؛ لأنهم لو
اعتقدوا خلافه لأنكروه؛ إذ لا يصح منهم أن يتفقوا على إقرار منكر.
وإن كان ممّا لا يفوت استدراكه: كان حجّة؛ لأن الحق لا يخرج عن قولهم ..
وفي كونه إجماعاً يمنع من الاجتهاد وجهان للشافعيّة :
أحدهما:
يكون إجماعاً لا يسوغ - معه - الاجتهاد؛ لأن عدم الخلاف مع الانتشار يمنع من إثبات
الخلاف.
والثاني :
لا یکون إجماعاً، والاجتهاد ۔ معه ۔ جائز؛ لأن من نسب إلى ساكت قولاً و اعتقاداً - فقد
افترى عليه، وسواء كان هذا القول حكماً أو فتيا. انظر: أدب القاضي (٤٦٥/١-٤٦٧).
قلت: وهذه يمكن أن تضاف إلى المذاهب الأربعة - التي أوردها المصنّف في أصل
المسألة فتكون ستة مذاهب؛ والمذهب السابع: أن السكوت حجّة فيما تعمّ به البلوى؛ أما
في غيره فلا يكون حجّة.
واختاره الغزاليّ. فانظر المستصفى (١٩١/١).
والمذهب الثامن: ما نقل عن أبي إسحاق المروزيّ، وأبي بكر الصيرفيِّ: من التفصيل
بين الفتوى والحكم، فجعلاه إجماعاً إن كان أثر حكم حاكم؛ لأن الحكم - في الأغلب -
يكون عن التشاور، ولم يجعلاه كذلك إن كان عن فتيا. انظر أدب القاضي (٤٦٧/١)،
والإِرشاد.
هذا: وللإجماع السكوتيّ - عند القائلين به - شروط هي :
١ - أن يظهر القول أو الفعل وينتشر حتى لا يخفى على الساكت.
٢ - أن لا تظهر منه أمارة إنكار - مع القدرة عليه -، ولا أمارة سخط أو تقيّة.
٣ - أن يكون السكوت - قبل أن تستقر المذاهب.
- ١٥٨ -
المسألةُ الثانيةُ:
اختلفوا فيما إذا قالَ بعضُ الصحابةِ قولاً، ولم يُعرَفْ له مخالفٌ.
والحقُّ: أنَّ هذا القولَ - إمّا أنْ يكونَ ممّا تعمُّ(١) به البلوى، أو لا يكونَ:
فإنْ كانَ الأوّلَ - ولم (٢) ينتشرْ ذلكَ القولُ - فيهم [فـ(٣)] لا بدَّ وأنْ يكونَ لهم
في تلك المسألةِ قولُ إمَّا موافقٌ أو مخالفٌ، [و(٤)] لكنَّهُ لم يظهرْ -: [فـ (٥)]
يجري ذُلك مجرى قولِ البعضِ - بحضرةِ الباقينَ - وسكوتِ الباقينَ عنه.
وإنْ كانَ الثاني: لم يكن إجماعاً، ولا حجّةٌ؛ لاحتمالٍ ذهولِ البعضِ
عنهُ.
وبهذا التقدير(٦): لا يكون للذاهلين فيه قول، فلا يكون الإجماع حاصلًا.
المسألةُ الثالثةُ:
إذا استدلَّ أهلُ العصر بدليلٍ، أو ذكروا تأويلاً(٧)، ثمّ استدلَّ أهلُ العصر
الثاني بدليلٍ آخر، [أو ذكروا تأويلاً آخرَ (٨)] - فقد اتَّفقوا على أنَّه لا يجوزُ إبطالٌ
التأويلِ القديم ؛ لأنَّهُ لو كانَ ذلكَ باطلاً، وكانوا ذاهلينَ عن التأويلِ الجديدِ
- الَّذي هو الحقُّ - لكانوا مطبقينَ على الخطأِ؛ وهوَ غير جائزٍ.
= ٤ - أن تمضي مدّة التأمّل والنظر في حكم الحادثة.
انظر كشف الأسرار (٢٢٨/٣) وشرح المسلم (٢٣٤/٢) والتوضيح (٣٢٨/٢) وما
بعدها، والآيات البيّنات (٢٩٨/٣)، وتيسير التحرير (٢٤٦/٣).
(١) في ي: ((ما يعمّ به)).
(٢) عبارة ص: ((فمن لم ينتشر))، وهو وهم من الناسخ.
(٣) في ل: ((و))، ولم ترد في ص، ح، آ، س، وما أثبتنا في ي، جـ.
(٤) لم ترد الواو في ي.
(٥) هذه الزيادة من ي، آ، جـ، والفعل بعدها في هذه النسخ بلفظ: ((جرى)).
(٦) لفظ ح: ((الطريق)).
(٧) في ل، ي، آزيادة: ((آخر)).
(٨) ساقط من ل، ي، جـ، آ.
- ١٥٩ -
وأمَّا التأويلُ الجَديدُ - فإِنْ لزِمَ من ثبوتِهِ القدحُ في التأويلِ القديمِ: لِم
يصح؛ كما إذا اتَّفقوا على تفسير اللَّفظِ المشتركِ بأحدٍ معنّيَيهِ، ثم جاءَ من
بعدهم وفسَّره(١) بمعناه الثاني: لَم يجزْ ذلك؛ لأنَّا قد دلَّلنا: على أنَّ اللَّفظَ
الواحدَ لا يجوزُ استعمالُهُ لإِفادة معنييه - جميعاً؛ فصحَّةُ هذا التأويلِ الجديدِ
تقتضي فسادَ القديمِ ، وإِنَّهُ غیرُ جائزٍ.
أو يقالُ: إِنَّهُ - تعالى - تكلَّمَ بتلك اللّفظةِ مرَّتين؛ وهو باطلٌ؛ لانعقادِ
الإجماع على ضدِّه.
و[أَمَّا(٢)] إذا لم يلزمْ من صحَّةِ التأويلِ الجديدِ فسادُ [التأويلِ (٣)]
القدیم -: جازَ ذلكَ.
والدليلُ عليهِ: أنَّ الناسَ يستخرجونَ في كلِّ عصرٍ أدلَّةٌ وتأويلاتٍ جديدةً،
ولم يُنكرْ عليهم أحدٌ(٤): فكانَ ذلكَ إجماعاً.
[و(٥)] للمانع أن يحتجّ(٦) بأمورٍ :
أوّلُها:
[أنَّ الدليلَ الجديدَ مغايرٌ لسبيل المؤمنينَ: فوجب أنْ يكونَ محظوراً (٧)]
لقوله - تعالى -: ﴿وَتَّبِعِ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾(٨).
وثانیھا :
أنَّ قوله - تعالى -: ﴿كُنتُمِ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾(٩)(*) خطابُ مشافهةٍ؛ فلا يتناول(*) إِلَّ
أهلَ العصرِ الأوَّلِ .
(١) لفظ ح، ي: ((وفسّروه)).
(٢) في ص: ((فأمّا))، ولم ترد في ي.
(٤) زاد في آ، ص: ((فيه)).
(٦) لفظ ص: ((يحتجّوا)).
(٨) الآية (١١٥) من سورة النساء.
.(٩) الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
(*) آخر الورقة (٢٧) من ل.
(٣) لم ترد في ص.
(٥) الواو من زيادات ل.
(٧) ساقط من ل.
(*) آخر الورقة (٣٨) من س.
- ١٦٠ -