النص المفهرس

صفحات 61-80

والمضافُ إلى الشيءِ خارجٌ عنهُ، والصلاحُ جزءٌ من ماهيَّةِ الصالحِ وداخلٌ فيها
والخارجُ(*) عن الشيءٍ لا يكونُ نفس الداخل فيه.
سلَّمْنا، لكنَّ المتابعةَ في الصلاحِ ممكنةٌ. أمّا في الإِيمانِ - فلا؛ لأنّه لا
يحصلُ بالتقليدِ، وقد بيًّا: أنَّ الاتِّباعَ - هو الإِتيانُ بمثلِ فعلِ الغيرِ لأجلِ أنَّ
ذلكَ الغيرَ فعلَهُ.
قولُهُ: ((إذا حملناهُ على الإِيمانِ)) - كانَ ذلك السبيلُ حاصلاً في الحال [ولو
حملناهُ على الإِجماع - لم يكن حاصلاً في الحال (١)])).
قلنا: لِمّا دلَّلنا على أنَّه لا يجوزُ حملُهُ على الإِيمانِ: وجبَ حملُهُ على
ذلك.
غايتُهُ: أَنَّهُ يُفضي إلى المجازِ(*)، لكنَّهُ مجازٌ سائغً؛ لأنَّ تسميةً الشيءِ
باسمِ ما يؤولُ إليه مشهورٌ.
قولُهُ: ((السلطانُ إذا قالَ: ((ومن يشاققْ وزيري، ويتَبْعْ غِيرَ سبيلٍ (٢) فلانٍ))
ويعني بِهِ(*) المطيعينَ لذلك الوزيرِ - فُهِمَ منه أنَّهُ أرادَ بذلكَ: سبيلَهم في
طاعته)) .
قلنا: لا نُسلِّمُ؛ فإنّ(٣) اللفظَ يقتضي العمومَ، وما ذكرتموهُ قرينةٌ عرفِيَّةٌ،
تقتضي الخصوصَ، والدلالةُ اللفظيّةُ (٤) راجحةٌ على القرينة العرفيّة.
قولُهُ: ((المرادُ إيجابُ اتَّباع كلِّ المؤمنينَ أو بعضِهم))؟
قلنا: الكلُّ.
قولُهُ: ((كلُّ المؤمنين - هم الَّذين يُوجَدون إلى قيام الساعةِ))(٥).
(*) آخر الورقة (١٢) من س.
(١) ساقط من ل، ي، آ.
(*) آخر الورقة (١) من جـ.
(٢) في ي زیادة: «وزیری).
(*) آخر الورقة (٩) من آ.
(٣) كذا في ص، وهو المناسب ولفظ غيرها: ((بل)).
(٤) في ل: ((القطعيّة)) وهو تحريف.
(٥) في ي: ((يوم القيامة)).
- ٦١ -
م

قلنا: هذا مدفوعٌ لوجهينِ :
الأول:
أنَّ جميعَ المؤمنينَ - همُ الَّذين دخلوا في الوجود؛ لأنَّ المؤمنَ (*) - هو
المتَّصِفُ بالإِيمانِ، والمتَّصفُ بالإِيمانِ يجبُ (١) أنْ يكونَ موجوداً، وما [سـ(٢)]
-يوجدُ في المستقبل، ولم يُوجدْ في الحالِ - فهو غيرُ موجودٍ.
قولُهُ: ((الموجودونَ في العصرِ الأوَّلِ لا يصدُقُ عليهم في العصرِ الثاني.
أنَّهم كلُّ المؤمنينَ» .
قلنا: لَكِنْ لَمًّا صدقَ عليهم - في العصر الأوّل - أنَّهم كلَّ المؤمنينَ، [وهم
في العصر الأوّل(٣)] اتَّفقوا على أنَّه لا يجوزُ لأحدٍ من (٤) سائرِ الأعصارِ
مخالفتُهم: وجبَ أنْ يكونَ ذلكَ الحكمُ - منهم - صدقاً في العصر الأَوَّلِ ، فإذا
ثبتَ في العصرِ الأوَّلِ - أنَّ ذلكَ الحكمَ حقٌّ في كلِّ الأعصارِ: ثبتَ ذلكَ فِي
كلِّ (٥) الأعصارِ؛ إذ لو لم يكنْ(٦) حقاً في العصرِ الثاني - لما صدقَ في العصرِ
الأولِ أنّه حقٌّ في كلِّ الأعصارِ، مع أنَّا فرضنا أنَّ ذلكَ حقٍّ (٧).
الثاني :
أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - علَّق(*) العقاب على مخالفةِ كلِّ المؤمنينَ: زجراً عن
مخالفتهم، وترغيباً في الأخذ بقولهم - فلا (٨) يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ جمیعَ
المؤمنينَ إلى قيام الساعةِ؛ لأنَّه لا فائدةَ في التمسُّك بقولهم - بعد قيامِ الساعةِ ..
قوله: ((إذا (٩) كان المرادُ من المؤمنينَ - الموجودين في ذلكَ العصرِ: كانت
(*) آخر الورقة (٦) من ي.
(١) لفظ ي: ((وجب».
(٢) لم ترد في ې .
(٣) ساقط من ي.
(٥) لفظ س: ((سائر)).
(٤) زاد في ص: ((أهل)) ..
(٦) في ص: ((صار حقاً)).
(*) آخر الورقة المفقودة من ح.
(٧) زاد في ح، ي، آ: ((ذلك)).
(٨) لفظ س، ي، ل: ((ولا)).
(٩) في ص: ((إن)).
- ٦٢ -
١
..

الآيةُ دالَّةً على أنَّ إجماعَ الموجودين [في(١)] وقتِ نزولِ الآية حجّةٌ.
قلنا: لا يجوزُ أنْ يكونَ مرادُ اللهِ - تعالى - إيجابَ اتِّباع مؤمني ذلكَ العصرِ؛
لأنَّ قولَ المؤمنينَ (٢) - حال حياة الرسول - وَله-، إنْ كانَ مَطَابقاً لقولِهِ: كانتَ(٣)
الحجّةُ في قولِهِ، لا في قولهم - فيصيرُ قولُهم لغواً. ولما بطلَ ذلكَ: ثبتَ أنَّ
المرادَ إيجابُ العملِ بقولِ المؤمنينَ في أيِّ عصرٍ كانَ.
قوله: ((المرادُ كلُّ مؤمني العصرِ أو بعضهم)»؟.
:
قلنا: ظاهرُهُ الكلُّ، إلّ ما أخرجَهُ الدليلُ المنفصلُ(٤) - وهم العوامُّ والأطفالُ
والمجانينُ، فبقي(٥) غيرهم - وهم جمهور العلماء - [داخلًا(٦)] تحت الآية.
قوله: ((نحملُهُ على الإِمام المعصومِ)).
قلنا: هذا باطلٌ؛ لأنَّ الوعيدَ على مخالفةِ المؤمنينَ؛ فحملُهُ على الواحدِ(*)
تركٌ للظاهرِ.
قولُهُ: ((المرادُ بالمؤمن: المصدِّقُ في الباطن - وهو غيرُ معلومِ الوجودِ)).
قلنا: المؤمنُ - في اللُّغةِ - هو: المصدِّق باللّسانِ، فوجبَ حملُهُ عليه إلى
قيامِ المعارض (٥).
والّذي يدلُّ عليه: أنَّه - تعالى - لمّا (٧) أوجبَ علينا اتَّبَاعَ سبيلِهِم - فلا بدَّ
وأنْ نكونَ (٨) متمكِّنين من معرفتِهِم؛ والاطلاعُ على الأحوالِ الباطنة ممتنعٌ (٩):
فوجبَ حملُهُ على التصديقِ باللّسانِ .
قوله: ((لِمَ لا یجوزُ أن يكون المرادُ إيجاب اتباع السبيل(١٠) - الَّذي من شأنه.
(١) لم ترد في ح.
(٣) لفظ ل: ((كان)).
(٦) سقطت من ي.
(*) آخر الورقة (٣) من ص.
(٨) في ي : ((یکونوا)).
(٧) لفظ ل: ((إنّما).
(٩) لفظ ي: «متعذّر)).
(٢) في ل: ((المؤمن)).
(٤) لفظ ل: ((المتّصل)).
(٥) لفظ ح، ي، جـ، آ: ((فيبقى)).
(*) آخر الورقة (١٣) من س.
(١٠) في ل: ((سبيل المؤمنين)).
- ٦٣ -

أن يكونَ سبيلاً للمؤمنين)»؟ .
قلنا: هذا عدولٌ عن الظاهر من غيرِ ضرورةٍ.
قولُهُ: ((هذه الدلالةُ ظنيَّةٌ [فلا يجوزُ إثباتُ الحكمِ القطعيِّ بها)).
قلنا: عندنا أنَّ هذه المسألةَ ظنيَّةُ (١)] ولا نسلِّم انعقادَ الإِجماع على أنّها
ليستْ ظنيَّةً .
قوله: ((أعطيتم الفرعَ من القوّةِ ما ليسَ (٥) للأصلِ)).
قلنا: نحنُ لا نقولُ بتكفير مخالفِ الإِجماع ، ولا بتفسيقه، ولا نقطعُ
- أيضاً - به؛ وكيفَ (٢) وهو - عندنا - ظنيٌّ(٣)؟ !.
قوله: ((هذه [الدلالةُ(٤)] معارضةً بالآياتِ الدالَّةِ على النهي عن(٥) الباطل)).
قلنا: لا نسلّم أنّ ذلك النهي خطاب مع الكلِّ، بل(٦) خطابٌ مع كلُّ واحدٍ
[منهم(٧)] والفرقُ بينَ الكلِّ وبينَ كلِّ واحدٍ منهم [معلومٌ (٨)] ونحن إنَّما ندَّعي
عصمةً الكلِّ، لا عصمةَ كلِّ واحدٍ .
سلّمنا كونَه خطاباً للكلُّ لكنَّ النهيَ لا يقتضي إمكانَ المنهيِّ [عنه(٩)] من
[كلّ (١] وجهٍ(*)؛ لأنّ الله - عزَّ وجلَّ - ينهى(١١) المؤمنَ عن الكفرِ - مع علمِهِ بأنّهُ
لا يفعلُهُ، وما عَلِمَ أنَّهُ: لا يُوجَدُ - فهو محالُ الوجودِ.
وأمّا حديثُ معاذٍ - فهو إنَّما تركَ ذكرَ الإِجماع ؛ لأنّه لا يكونُ حجةٌ في زمانٍ
(١) ساقط من ي.
(*) آخر الورقة (١٠) من ل.
(٢) في ل، س: ((فكيف)».
(٣) بناء على ما يذهب إليه: من أن أدلة حجيَّته ظنيّة.
:
(٤) لم ترد في ي .
(٥) عبارة ي: ((على أن النهي من الباطل)).
(٦) زاد في ص: ((هي)) ..
(٨) لم ترد في ص، ل، ع.
(٩) لم ترد في ل، ي.
(*) آخر الورقة (٢) من جـ.
(١١) في ي: «بأنّه)).
(٧) لم ترد في ص.
(١٠) لفظ ص: ((نهى)).
(١٢) هذه الزيادة من ح.
- ٦٤ -

حياة الرسول - ◌َ*لـ
[و(١)] أمّا قولهُ - ◌ََّ -: ((لا تقومُ السَّاعةُ إلَّ على شِرار أُمَّتِي)) - فهو يدلُّ على
حصولِ الشرارِ - في ذلك الوقت؛ [فـ(١)] أمّا أن يكونوا - بأسرهم - شِراراً فلا:
وكذا(٢) القولُ في سائرِ الأحاديثِ.
[و(٣)] أمّا قوله - وَه -: ((لا ترجعوا بعدي كفَّاراً يضرب بعضكم رقابَ
بعضٍ )) - ففي صحته كلامٌ(٤).
سلّمناهُ؛ لكن لعلَّه خطابٌ مع قومٍ (٥) مخصوصينَ.
قوله: ((جازَ الخطأُ على كلُّ واحدٍ(٦) - فيجوزُ على الكلِّ)).
قلنا: لا نسلّمُ أنَّ حكمَ المجموع مساوٍ لحكمِ الآحادِ؛ والمثالُ الّذي (٧)
ذكرهُ يدلُّ على أنَّ [ ذلكَ(٨)] قد يكونُ كذلك، ولا يدلُّ على أنّه لا بدَّ وأنْ يكونَ(٩)
كذلك.
سلّمنا أنَّ حكمَ المجموع مساوٍ لحكم الآحاد ولكن - عندنا - يجوزُ الخطأ
على الكلِّ - أيضاً - لكن ليسَ كلُّ ما جازَ وقعَ؛ والله - تعالى - [لمّاً ] أخبرَ
عنهم: أنَّ ذلكَ لا يقعُ -: (١١) علمنا أنَّهم لا يَتَّفِقُون على الخطأ.
قولُه: ((اتِّفاقُهم إمَّا أنْ يكونَ لدلالةٍ أو [لـ ] أمارةٍ)).
(١٢)
(١) لم ترد في ص.
(٢) في ي: «وكذلك)).
(٣) زادها ص.
(٤) عفا الله عن الإِمام المصنف فقد سبق بيان صحّة الحديث بما لا يدع مجالاً لأي
كلام في صحته، فليته تأوله بمثل ما تأول به الأحاديث السابقة له.
(٥) في ص: ((لقوم)).
(٧) لفظ آ: ((الثاني)).
(٦) زادآ: ((منهم)).
(٨) لم ترد في س.
(٩) عبارة ح: ((لا يكون إلا لذلك)).
(١١) فيما عدا ص، ح: (ف)).
(١٠) هذه الزيادة من ح.
(١٢) لم ترد اللام في س، ص.
- ٦٥ -

قلنا: [لِمَ (١)] [لا] يجوزُ أن يكونَ لدلالةٍ إلاّ أنَّهم ما نقلوها: اكتفاءً منهم
بالإِجماع ؟ فإنّه متى حصلَ الدليلُ الواحدُ - كان الثاني(٢) غيرَ محتاجٍ إليه. والله
أعلم.
المسلك الثاني :
التمسّكُ بقولِهِ - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهداءَ
عَلى النَّاسِ﴾(٣). الله - تعالى - أخبرَ عن كونِ هذه الأمَّةِ وسطاً، و((الوسطُ)) من
كلِّ شيءٍ خيارُهُ: فيكونُ الله - عزَّ وجلَّ - قد أخبر عن خيريَّةِ هذه الأمَّةِ، فلو أقدموا
على شيءٍ من (٤) المحظوراتِ - لما اتَّصفوا بالخيريَّة(٥)، وإذا ثبتَ أنَّهم لا
يُقدِمونَ على شيءٍ من المحظوراتِ: وجبَ أنْ يكونَ قولُهُم حجّةٌ .
فإِنْ قيلَ: الآيةُ متروكةُ الظاهر؛ لأنَّ وصفَ الأمَّةِ(*) بالعدالة(*) يقتضي
اتّصافَ كلُّ واحدٍ - منهم - بها، وخلافُ ذلكَ معلومٌ بالضرورةِ: فلا بدَّ من
حمِلِهَا على البعضِ ؛ ونحنُ نحملُها(٦) على الأئمَّةِ المعصومينَ.
سلّمنا: أنَّها ليست متروكةَ الظاهرِ، لكن(٧) لا نسلُّم أنَّ (الوسط)) من كلُّ
شيءٍ خيارُهُ؛ [و(٨)] يدلُّ عليه وجهانِ:
الأوّلُ:
أنَّ عدالةَ الرجلِ عبارةٌ عن أداءِ الواجباتِ، واجتناب المحرَّمات؛ وهذا من
فعلِ الرجلِ . وقد أخبرَ الله - تعالى - أنَّه جعلهُم وسطاً، فاقتضى ذلك أنَّ (٩)
(١) سقطت من ص، ل ولم ترد لفظة: ((لا)) بعدها في ي، وسقطت ((لا)» وحدها من ج.
(٢) لفظ ح: ((الثاني)).
(٣) الآية (١٤٣) من سورة البقرة.
(٤) في ص زيادة: ((هذه)).
(٥) لفظ ص: ((الخبرة)) ..
(*) آخر الورقة (١٤) من بس .
(*) آخر الورقة (١٠) من ج.
(٦) زاد جـ: ((على البعض فنحملها)).
(٧) في ل: ((ولا)).
(٨) لم ترد الواو في ي.
(٩) زاد ي: ((یکون».
- ٦٦ -

كونَهم وسطاً من فعلِه - تعالى - وذلكَ يقتضي أن يكونَ ذلكَ غيرَ عدالتِهِم الَّتي(١)
ليستْ(٢) من فعلِ اللهِ - تعالى -.
الثاني :
((أنَّ (الوسطَ)) اسمُ يقتضي لما يكونُ متوسِّطاً بينَ شيئين(٣)، فجعلُهُ حقيقةٌ
- في العدل - يقتضي الاشتراكَ؛ وهو(٤) خلافُ الأصلِ .
سلّمنا أنَّ ((الوسطَ)) من كلِّ شيءٍ خيارُهُ - فَلِمَ(٥) قُلتم (٦) [ب] أنَّ خبرَ الله
- تعالى - عن خيريَّة قومٍ يقتضي اجتنابَهم عن كلُّ المحظوراتِ؟ ولِمَ لا يجوزُ
أنْ يقالَ: إِنَّهُ يكفِي فيه اجتنابُهم عن الكبائرِ، فأمَّا عن الصَّغَائِرِ - فلا.
وإذا كان كذلكَ: فيحتملُ أنَّ الَّذي أجمعوا عليه - وإن كان خطأً -لكنُّه من
الصغائر [فلا يقدحُ ذُلك في خيريّتهم.
وممّا يؤكِّد هذا الاحتمالَ: أنَّه - تعالى - حكمَ بكونِهِم عدولاً، ليكونوا
شهداء على الناسِ ، وفعلُ الصغائرِ(٧)] لا يمنعُ الشهادةَ.
سلَّمنا: اجتنابَهم عن الصغائرِ والكبائرِ، ولكنَّ الله - تعالى - بَيِّنَ: أنَّ
أَتِّصافَهم بذلكَ - إِنَّما كان لكونِهم شهداءَ على الناس ؛ ومعلومٌ أنَّ هذه الشهادةَ
إنَّما تكونُ(٨) في الآخرةِ: فيلزمُ وجوبُ تحقَّقِ عدالتِهم - هناكَ - لأنَّ عدالةَ
الشهود إنَّما تُعتَبرُ - حالة الأداءِ، لا حالةً التحمّل، وذلكَ ممَّا لا نزاعَ فيه؛ لأنَّ
الأمَّةَ تصيرُ(*) معصومةً في الآخرةِ - فِلِمَ قلتُم(١): إنّهم في الدنيا كذلكَ؟.
سلّمنا: وجوبَ كونِهم عدولاً في الدنيا، لكنُّ المخاطبينَ بهذا الخطاب هم
(١) في ص زيادة: ((هي)).
(٢) في ي زيادة: ((كذلك)).
(٣) لفظ ح: ((الشيئين)).
(٤) في ص: ((وذلك)).
(٥) عبارة ص: ((ولكن لم)).
(٧) ساقط من ل، ي، آ.
(*) آخر الورقة (٧) من ي.
(٦) لم ترد في ي.
(٨) لفظ ص: ((تتحقّق)).
(٩) في ص، ي، جـ، آ: ((قلت)).
- ٦٧ -
:

الَّذينَ كانوا موجودينَ - عند نزولِ [هذه(١)] الآية؛ لأنَّ الخطابَ معَ من لم يُوجدُ
بعدُ محال.
وإذا كان كذلكَ: فَهذا يقتضي عدالةً أولئكَ الَّذينَ كانوا موجودينَ(٢) في
ذلك الوقت(*)، ولا يقتضي عدالةَ غيرِهِم.
فهذه الآيةُ تدلُّ: على أنَّ إجماعَ أولئكَ حقٍّ: فيجبُ أنْ لا نتمسَّكَ (٣)
بالإجماع إلَّ إذا علمنا حصولَ قولِ كلِّ أولئكَ فيه، لكنَّ(٤) [ذلكَ(٥)] يقتضي
حصولَ العلمِ بأعيانهم، والعلم ببقائِهم إلى ما بعدَ وفاة النبيُّ - ◌َ * - ولما كانَ
ذلك مفقوداً(٦): تعذَّر التمسُّكُ بشيءٍ من الإِجماعاتِ.
[والجوابُ(٧)]:
قولُهُ: ((الآيَةُ متروكةُ الظاهرِ».
قلنا(٨): لا نسلّمُ.
قولُهُ: ((لأَنَّها (١) تقتضي كونَ كلِّ [واحدٍ"] منهم عدلاً)).
قلنا: لمَّا ثبتَ أنَّه لا يجوزُ إجراؤها (١١ )على الظاهر: وجبَ أنْ يكونَ المرادُ
مِنْهُ امتناعَ (*) خلوٌ هذه الأمّةِ من (١٢) العدولِ.
قولُهُ: ((نحملُهُ على الإِمامِ المعصومِ)).
قلنا: قولُه: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلنَاكُمْ أُمَّةً وَسطاً﴾(١٣) صيغةُ جمعٍ فحملُهُ على
(١) هذه الزيادة من ي.
(٢) لفظ ص: ((موجدین)).
(٣) في س، ي: ((يُمسّك)).
(٥) سقطت الزيادة من ل.
(٧) لم ترد في س، ل.
(٩) زاد ل: ((لا)) وهو تحريف.
(*) آخر الورقة (٣) من جـ.
(٤) في ص: ((ولكن)).
(٦) في ي: ((غير متصور).
(٨) لفظ ل: ((قوله)) وهو وهم.
(١٠) لم ترد في ص.
(١١) كذا في ص، وعبارة غيرها: ((إجراؤه على ظاهره)).
( ** ) آخر الورقة (١١) من ل.
(١٢) كذا في ح وفي غيرها: ((عن).
(١٣) الآية (١٤٣) من سورة البقرة.
- ٦٨ -

الواحدِ - خلافُ الظاهرِ.
قوله: ((لِمَ قلتَ: إنّ(١) الوسطَ من كلُّ شيءٍ خيارُهُ»؟.
قلنا: الآيةِ والخبرِ والشعرِ [ والنقلِ (٢)] والمعنَى(٣).
أمَّا الآيةُ - فقولهُ عزَّ وجلَّ - ﴿قَالَ أَوْسَطُهمٍ﴾(٤) - أي: أعدلُهُم.
وأمَّا الخبرُ - فقولُهُ - وََّ -: ((خيرُ الأمورِ أَوسَطُها))(٥) - أي: أعدلُها.
(٢) سقطت من س، ي، آ.
(١) في ص: ((بأن)).
(٣) لفظ ص: ((والمعقول)). وفي ي: ((والمعاني)).
(٤) الآية (٢٨) من سورة ن .
(٥) أخرج البيهقي في السنن (٢٧٣/٣): أنّ النبيّ - ◌َل ◌ّ - نهى عن الشهرتين: أن يلبس
الثياب الحسنة - الّتي ينظر إليه فيها، أو الدنيّة أو الرئَّة - التي ينظر إليه فيها، قال عمرو (أي:
ابن الحارث): وبلغني أنّ رسول الله - {18 - قال: ((أمراً بين أمرين وخير الأمور أوساطها)) قال:
هذا منقطع .
وجاء في المقاصد الحسنة (٤٥٥) ص(٢٠٥): ((حديث خيرُ الأمور أوسطها))، ابن
السمعاني في ذيل تاريخ بغداد بسند مجهول عن عليّ مرفوعاً به، وهو عند ابن جرير في
التفسير من قول مطرّف بن عبد الله ويزيد بن مرّة الجعفي. وكذا أخرجه البيهقي عن مطرّف،
وللديلميّ - بلا سند - عن ابن عباس مرفوعاً: ((خيرُ الأعمالِ أَوسطُها)) - في حديث أوله:
((دوموا على أداء الفرائض)) وللعسكريّ من طريق معاوية بن صالح عن الأوزاعيّ - قال: ((ما
من أمرٍ أَمَرَ الله به إلَّ عارض الشيطان فيه بخصلتين لا يبالي أيّهما أصاب: الغلوّ والتقصير)).
ولأبي يعلى بسند رجاله ثقات عن وهب بن منبه قال: ((إنَّ لكل شيءٍ طرفين ووسطاً،
فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان: فعليكم بالأوسط
من الأشياء)) قال: ويشهد لهذا كله قوله تعالى: ﴿ولا تَجْعَل يدَكَ مغْلُولةً إلى عُنْقِك ولا تَبسُطها
كُلَّ البَسط﴾، وقوله: ﴿لم يُسرِفُوا ولَم يَقْتُّروا وكانَ بَينَ ذلك قواماً﴾، وقوله: ﴿ولا تَجْهَرْ
بِصَلاتِك ولا تُخَافِتْ بِها وابتَغٍ بَيْنَ ذلك سبيلاً﴾، وقوله: ﴿إِنَّها بقرةً لا فَارضٌ ولا بِكِرُ)) وهي
الشابّة ﴿عَوانٌ بين ذلكَ﴾، وكذا حديث الاقتصاد.
قلت: ويشهد له - أيضاً - ما رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي: ((هم أوسط العرب
[نسباً] دارا) المعجم (٢٠٧/٧) وما أخرجه أحمد في المسند: ((أيُّ عرى الإِسلام أوسط؟
قالوا: الصلاة)) (٢٨٦/٤).
=
- ٦٩ -

[وقيل(١)]: كان(*) النبيُّ - ◌َّ﴾ - أوسط قريشٍ نسباً (٢).
وقال عليه السلامُ: ((عليكم بالنمطِ الأوسط))(٣).
= وأنشد بعضهم:
۔۔
عليك بأوساط الأمور فإنّها نجاةً ولا تركبْ ذلولاً ولا صعباً
وقال آخر:
حب التناهي غلط ..... خير الأمور الوسط
أ. هـ ونحوه في كشف الخفا (١ /٤٦٩ -٤٧٠).
وانظر تفسير الطبري: (٢٢/٢٨). والشفاء: (١٠٤/١) ط الحلبي، وتفسير القرطبي:
(١٥٤/٢) ..
(١) لم ترد في ي، جـ، آ.
(*) آخر الورقة (١١) من آ.
(٢) لم أجده بهذا اللفظ - فيما اطلعت عليه من كتب الحدیث والشمائل - وقد یکون
الإِمام المصنّف قد أخذه من بعض كتب اللغة والشواهد وقد أخرج البخاري من حديث أبي
هريرة أن النبيّ - وَّ ر - قال: ((بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى كنت من القرن الذي
كنت منه)) الفتح الكبير (٨/٢) والشفاء (١٠٨/٢).
وعن أبي الدرداء: ((إن الله اختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، ومن مضر .
قريشاً، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم فأنا من خيار إلى خيار، فمن
أحب العرب فبحِّي احبّهم ومن أبغض العرب فبغضي أبغضهم» رواه الحاكم عن ابن عمرو.
على ما في الفتح (٣١٨/١) والشفاء (١٠٨/٢).
وقريب من هذه الأحاديث ويأسانيد فيها الصحيح والحسن ما أخرجه البيهقي في الدلائل
والترمذيّ ومسلم وغيرهم، وانظر كتاب ((علامات النبوة)) في مجمع الزوائد - أيضاً -
(٢١٤/٨ -٢٢٠).
وانظر خطبة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في السقيفة - حيث جاء فيها: (( ... هم
أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة ... )) السنن الكبرى
للبيهقي (١٤٣/٨).
(٣) لم أجده بهذا اللفظ في مظانّه - من كتب الحديث، وقد ذكر الزبيدي في التاج:
أن الجوهري أورد حديثاً مرفوعاً بلفظ: ((خير الناس هذا النمط الأوسط يلحق بهم التالي،
ويرجع إليهم الغالي)» وعقّب عليه بقوله: ((قلت: هو قول علي - رضي الله عنه - والذي جاء =
- ٧٠ -

وأمَّا الشعرُ - فقولُهُ(١):
هُمُ وسطٌ يرضَى الأنامُ بحكمِهِم(٥)(٢).
وأمَّا النقلُ - فقال الجوهريُّ في الصحاحِ - ﴿وَكَذلِكَ جَعلنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطأ﴾
أي: عدولاً (٣).
وأمّا المعنى (٤) فلأنَّ ((الوسطَ)) حقيقةٌ - في البعد عن الطرفينِ: فالشيءُ
= في حديث مرفوع: ((خير الناس هذا النمط الأوسط)) أ. هـ (باب الطاء فصل النون ٢٣٤/٥)
قلت: ولم أجده فيما اطلعت عليه من كتب الحديث لا بهذا اللفظ ولا بلفظ المحصول كما
تقدم. ورواه بلفظه ونسبه إلى الإِمام علي - رضي الله عنه - القرطبيّ في التفسير فراجع:
(١٥٤/٢) منه، ويلفظ مقارب ورد في مجمع البيان ونسبه للإِمام الباقر، وروي عن الإِمام
عليّ أنه قال: ((إن الله - تعالى - إيَّانا عنى بقوله: ﴿لِتَكُونوا شُهداءَ على النَّاسِ﴾ .. ونحن
الذين قال الله - تعالى - فينا: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلنَاكُمْ أُمَّةٌ وَسَطاً﴾. فراجعه في (١١/٢).
(١) لفظ ص: ((فقولهم)).
(٥) آخر الورقة (١٥) من س.
(٢) شطر بيت نسب إلى زهير وقالوا: إن عجزه: ((إذا نزلت إحدى الليالي العظائم)) أو
(إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم) وقد استشهد به الإمام المصنّف في تفسيره: (١٠٩/٤)
معزواً إلى زهير كما أورده الطبري معزوّاً إليه كذلك في (٥/٢) وكذلك القرطبي في تفسيره:
(١٥٣/٢)، والنيسابوري بهامش الطبري: (١١/٢)، ومجمع البيان: (٩/٢) والشطر الثاني
فيه: ((إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم)). والذي في ديوان زهير بشرح ثعلب:
إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
لحيٍّ حلال يعصم الناس أمرهم
فانظر شرح ديوانه المذكور ص (٢٧) ط مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية لسنة
(١٣٦٣هـ ١٩٤٤م). ولم يذكر الشطر الأول الذي هو موضع الشاهد. وبنفس اللفظ ورد في
شرح القصائد التسع المشهورات لأبي جعفر فانظر (٣٣٢/١) ضمن معلقة زهير ولم يرد
الشطر الأول أيضاً، فلعل البيت ملفق. وقد أورده الجاحظ في البيان والتبيين بلفظ.
هم وسط يرضى الإله بحكمهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
ولم يعزه، وعزاه المحقق عبد السلام هارون إلى أبي المثلّم الهذلي. فانظر البيان
والتبيين (٢٢٥/٣) وفهرس الأشعار ص(١٧٢).
(٣) راجع مادة ((و، س، ط)) فيه.
(٤) لفظ ص: ((المعقول)).
- ٧١ -

الَّذي [يكون(١)] بعيداً عن طرفي(٢) الإِفراط والتفريط - الَّذين هما رَديَّانِ (٣) ..
كان متوسِّطاً: فكانَ(٤) فضيلةً؛ ولهذا سُمِّي ((الفاضلُ)) في كل شيءٍ وسطاً.
قوله: ((عدالتُهُم من فعلِهم، لا من فعل الله - تعالى -)).
قلنا: هذا ممنوعٌ على مذهبنا.
قولُه: ((لِمَ قلتَ: إِنَّ إخبارَ اللهِ - تعالى - عن عدالتِهِم يقتضِي اجتنابَهُم عن
الصغائر)).
قلنا: [من الناس(٥)] من قالَ: لا صغير(١) على الإطلاقِ، بل کلُّ ذنب فهو
[صغير(٧)] بالنسبة إلى ما فوقَهُ(٨)، كبير بالنّسبةِ إلى ما تحته: فسقط عنه هذا
السؤال.
وأمّا من اعترفَ بذلكَ - فجوابُه: أنَّ الله - تعالى - عالمٌ (٥) بالباطن والظاهرِ؛
فلا يجوزُ أنْ يحكمَ بعدالة أحدٍ، وصحَّةٍ شهادتِهِ، إلّ - والمخبرُ عنهُ مطابق
للخبر(١)؛ فلمّا أطلقَ الله - تعالى - القولَ بعدالتِهِم: وجبَ أنْ يكونوا عدولاً - في
كلِّ شَيءٍ؛ بخلافِ شهودِ الحاكمِ - حيثُ تجوزُ شهادتُهم، وإن جازّ عليهم
الصغائرُ(٥)؛ لأنَّه لا سبيلَ للحاكِمِ إلى معرفةِ الباطن: فلا جرمَ اكتفى
بالظاهر.
قوله: ((الغرضُ من هذه العدالةِ أداءُ الشهادة - في الآخرةِ - [وذلكَ يوجِبُ
(١) لم ترد الزيادة في ي .
(٢) لفظ ي: ((طرف)).
(٣) في س، ص، جـ، آ: ((رزيلتان)).
(٤) في س: ((وكان)).
:
(٦) في س، ي، جـ: ((صغيرة)).
(٨) في س: ((وكبير)) ولفظ آ: ((كثير)).
(٩) لفظ ي: ((علام)).
(١١) كذا في ل ولفظ غيرها: «الصغيرة)).
(*) آخر الورقة (١١) من ح.
(٥) سقطت من ي.
(٧) سقطت الزيادة من آ.
(١٠) عبارة ي: «للمخبر به)).
- ٧٢ -

عدالتَّهُم - في الآخرة(١)] - لا في الدنيا)).
قلنا: لو كانَ المرادُ صيرورتَهُم عدولاً في الآخرةِ - لقالَ: ((سنجعلكُمْ أُمّةً
وسطاً))(٢).
ولأنَّ جميعَ الأممِ عدولٌ - [في الآخرة(٣)] - فلا يبقى - في الآية - تخصيصٌ
لأَمَّةِ محمد - ونَ﴾ - بهذه الفضيلة.
قولُهُ: ((المخاطبُ بهذا الخطاب - هم الَّذينَ كانوا موجودينَ عندَ نزول هذه
:
الآية)) .
قلنا: مرَّ الجوابُ عن مثلِ هذا السؤالِ في المسلكِ الأوَّلِ . [والله أعلمُ
وأحكمٌ (٤)].
المسلك الثالث :
قوله - تعالى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروفِ وَتَنْهَونَ
عَنِ المُنكَرِ﴾(٥). ولامُ الجنس تقتضي الاستغراق: فدلَّ على أنَّهم أُمِروا بكلِّ
معروفٍ، ونُهُوا عن كلٍّ منكرٍ، فلو أجمعوا على خطأٍ - قولاً - لكان {قد (٢)]
أجمعوا على منكرٍ - قولاً -، ولو كانوا كذلك: لكانوا آمرين بالمنكر، ناهينَ عن
المعروفِ؛ وهو يناقضُ مدلولَ الآيةِ.
فإن قيلَ: الآيةُ متروكةُ الظاهر؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ خطابٌ
- معهم - وهو يقتضي اتّصافَ كلُّ واحدٍ - منهم - بهذا(٧) الوصفِ، والمعلومُ
خلافُهُ.
فثبتَ: أَنَّهُ لا يمكنُ إجراؤها (٨) على ظاهرها، فنحملُها على أنَّ المرادَ
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من ي.
(٢) عبارة ص: ((سيجعلكم الله أمة وسطا).
(٣) لم ترد الزيادة في ل، ي، جـ، آ.
(٤) زادها ل .
(٥) الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
(٦) لم ترد في ص.
(٧) لفظ ص: ((بذلك)).
(٨) في ص: ((إجراؤه)).
- ٧٣ -

[من (١)] الأمَّةِ بعضُهم، وعندنا - أنَّ (٢) ذلكَ البعضَ هو الإِمامُ المعصومُ.
سلّمنا: أنَّهُ يمكنُ إجراءُ (٣) الآيةِ على ظاهرها (٤)، لكنْ لا نسلِّم أنَّهم كانوا
يأمرون بكلِّ معروف؛ لما مرَّ في باب العموم(*): أنَّ المفردَ المعرَّفَ لا يفيدُ
الاستغراقَ (٥).
سلَّمنا العموم؛ لكنَّ الآيةَ تقتضي اتّصافَهم بالأمرِ بالمعروفِ في الماضي
أو الحاضر؟ .
[الأوّلُ مسلَّمٌ، والثاني ممنوعٌ(٦)] فِلِمَ قلتم(٧): [بـ (٨)] أنَّهم بقَوا (٩) على هذه
الصفة - في الحال؟ ..
فإِنْ(١) قلتَ: لأنَّ هذه الآيةَ خَرَجَت مخرجَ المدح [لهمُ(١)] - في الحال(١٢)
ولا يجوزُ أن يُمدَحَ إنسانٌ(٨) - في الحال - بما فعلَه من قبلُ إذا عدلَ عنهُ إلى
ضدِّهِ؛ فإنَّ الناهي عن المنكر إذا صارَ آمراً به: استحقَّ الذمُّ.
قلت(٩): لا نسلّمُ أنَّ هذه الآيةَ خرجتْ مخرَجَ المَدحِ ، ولمّ لا يجوزُ أنْ
يُقالَ(*): ليسَ فيها إلّ بيانُ أنَّ هذه الأمّةَ كانوا - قبلَ ذلكَ - خيراً من سائر الأمم،
ومجرّدُ الإِخيارِ لا يقتضي المدحَ؟ .
سلَّمنا: دلالَتَها على المدحِ؛ لكن لِمَ لا يجوزُ أنْ يمدح [الإِنسان (١٠)]
(١) لم ترد في من.
(٢) عبارة ي: ((وعند ذلك البعض)).
(٤) زاد في ص: ((و)).
(٣) لفظ س: ((أجراؤها)).
(*) آخر الورقة (٤) من جـ.
(٥) راجع ص (٣٦٧) من الجزء الثاني من هذا الكتاب.
(٦) في ص، ي، جـ، آ: ((م.ع)).
(٧) في س: ((قلت)).
(٩) لفظ ي، آ: ((اتفقوا)).
(١١) زادها ي .
(٨) لفظ س، ص، ي: ((الإنسان)).
(*) آخر الورقة (١٦) من س.
:
(٨) هذه الزيادة من ص.
(١٠) لفظ س: ((فلأن)).
(١٢) في ي: ((فلا)».
(٩) في ي: ((قلنا)).
(١٠) لم ترد الزيادة في ص.
- ٧٤ -

- في الحال - بما صدر عنه - في الماضي - وإنْ كانَ يستحقُّ الذمِّ - في الحال -
بما صدرَ عنْهُ - في الحال -؟ فإنّ - عندنا(*) - الجمعَ بين استحقاق الذمّ والمدحِ
- غيرُ ممتنعٍ - على ما ثبت في مسألةِ الاحتياطِ(١).
سلَّمنا دلالة الآيةِ على حصولِ هذا الوصفِ - في الحال - لكنَّ قوله عزَّ
وجلّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾(٢) - صريحٌ في أنَّ هذا الوصفَ إنَّما حصلَ لهم في
الزمان الماضي؛ ومفهومُهُ يدلُّ على عدم حصولهِ - في الحالِ .
سلّمنا دلالةَ الآيةِ على انِّصافِهِم بتلكَ [الصفةِ(٣)] - في الحال - [فـ(٤)] لِمَ
لا يَجوزُ خروجُهم عنها - بعد ذلك؟ فإنَّه لا نزاعَ في أَنَّهُ يحسُنُ مدحُ الإِنسانِ بما
لَّهُ من الصفاتِ(٥) - في الحالِ - وإنْ كانَ يعلّمُ (٦) زوالُها في المستقبل.
فإنْ قلتَ: [فـ(٧)] يلزمُ أنْ يكونَ إجماعُهُم حجَّةٌ في ذلكَ الزمانِ .
قلتُ: هبْ أَنَّهُ كذلكَ؛ لكنَّا لا نقطعُ على شيءٍ من الإِجماعاتِ: بأنَّهُ
حصلَ في ذلكَ الزمانِ(*)؛ وإذا (٨) وقعَ الشكُ في الكلِّ: خرِجَ الكلُّ عن كونِهِ
حجّةً.
سلّمنا: اتِّصافَهم بهذا الوصف - في الماضي والحال والمستقبل؛ لكنَّ
الآية خطابُ مع الموجودينَ - في ذلك الوقتِ: فيكونُ إجماعُهُم حجّةً؛ أمّا (١)
(*) آخر الورقة (١٢) من ل.
(١) لفظ س، ص: ((الإِحباط)).
(٢) الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
(٣) لفظ ح: ((الآية))، وعبارة ص: ((اتصافهم بذلك)).
(٤) لم ترد الفاء في س.
(٥) في غير س: «الصفة».
(٦) كذا في من، آ، ولفظ غيرهما: ((نعلم)).
(٧) سقطت من ي، س، جـ.
(*) آخر الورقة (١٢) من آ.
(٨) لفظ س، ي، جـ، ل: ((فإذا)).
(٩) زاد في ل: ((أن يكون))، وفي ح، ص، آ: ((لم يكن))، وفي جـ: ((لا تكون)».
- ٧٥ -

إجماعُ غيرهم [فلا يكون حجّة(١)] على ما مر [من(٢)] تقرير هذا السؤال في
المسلكين الأولين.
[و(٣)] الجوابُ:
قولُهُ: ((الآيةُ متروكةُ (*) الظاهرِ».
قلنا: لا نسلِّمُ.
قوله : ((لأنَّها تقتضي أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ - منهم - آمراً بالمعروفِ، وليس
كذلك».
قلنا: المخاطبُ بقوله - تعالى - : ﴿كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ﴾(٤) لیس کلُّ واحدٍ من
الأمَّةِ :
أمَّا أولاً - فلأنَّه - تعالى - وصفَ المخاطبَ بهذا الخطاب بكونه (٥) خيرَ أُمٍ،
فلو كان المخاطبُ بهذا الخطاب كلَّ واحدٍ من الأمَّةِ: لزمَ وصفُ كلِّ واحدٍ - من
الأمَّةِ بأنَّهُ خيرُ أُمَّةٍ وَذَلك غيرُ جَائِزٍ، لأنَّ الشخص الواحد لا يُوصَفُ بأنَّه أمَّةٌ
[إلّ(١)] على سبيلِ المجازِ، كما في قوله - تعالى -: ﴿إِنْ إِبراهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾(٧)
بدليل أنَّ المتبادِرَ إلى الفهم من قوله: ((حَكَمَتِ الأمَّةُ بكذا)» (٨) - المجموعُ.
[و(٩) أمَّ ثانياً - فَلأنَّه يلزمُ في كلِّ واحدٍ أنْ يكونَ خِيرَ أمةٍ أُخرجت للنَّاسِ ؛
وإذا كان كلُّ واحدٍ (*) [خيرَ ١] أمّةٍ: وجبَ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ خيراً من صاحبِهِ،
ولما (١١) بطلَ ذلكَ: ثبتَ: أنَّ المجموعَ - هو المخاطبُ بهذا الخطاب (١٢، وهو
(١) ساقط من آ.
(٣) لم ترد في ح، س.
(٤) الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
(٦) سقطت من ي .
(٨) عبارة ص: ((الأمّة حكمت بذلك))، وفي ي: ((حكمت الآية)).
(*) آخر الورقة (١٢) من ح.
(٩) لم ترد الواو في ص.
(١١) لفظ ي: ((وإذا)».
(١٠) لم ترد الزيادة في ل، ح، ي، جـ.
(٢) لم ترد في ح، جـ.
(*) آخر الورقة (٨) من ي .
(٥) كذا في ص، وفي غيرها: ((بأنّه)).
(٧) الآية (١٢٠) من سورة النحل.
(١٢) كذا في س، وعبارة غيرها: ((أن المخاطب بهذا الخطاب مجموع الأمّة)).
- ٧٦ -

يجري مجرى قولِ الملك لعسكرهِ: ((أنتم خير عسكرٍ في الدُّنيا، تفتحون
القِلاعَ، وتكسِرونَ الجيوشَ))؛ فإنَّ هُذَا الكلامَ لا يُفهمُ منهُ أنَّ الملكَ وصفَ كلّ
واحدٍ - من آحاد العسكر بذلكَ؛ بل إنَّه وصفَ المجموعَ بذلك - بمعنى: أنَّ في
العسكر من هو كذلكَ، فكذا(١) - ها هنا -، وصفَ الله - تعالى(٢) - مجموع الأمةِ
بالأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ - بمعنى: أنَّ منهم(٣) من هو كذلكَ؛ وحملُهُ
على الإِمام [المعصوم(٤)] غيرُ جائزٍ؛ لأنَّهُ واحدٌ، ولفظُ الأمَّةِ لفظُ الجمعِ .
قولُهُ: ((المفردُ المعرَّفُ [لا(٥)] يفيدُ الاستغراقَ)).
قلنا: كثيرٌ من الناسِ ذهبَ إلى أنَّه يقتضيه.
وأيضاً: فلفظُ ((المعرَّفِ)) لو لم نَحمِلُه(٦) على الاستغراقِ(*) - لوجب حملُهُ
على الماهيَّةِ، ويكفي في العمل(٧) به ثبوتُهُ في صورةٍ واحدٍة، فيكونُ معناهُ:
أنَّهم أمَرُوا بمعروفٍ واحد ونَهوا عن منكرٍ واحدٍ. وهذا القدرُ حاصلٌ - في سائر
الأمم (٨)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم - قد كانَ آمراً بمعروفٍ واحد - وهو الدِّينُ الذي
قبِلَهُ. وناهياً عن منكرٍ واحدٍ - وهو الكفرُ الذي ردَّهُ.
وحينئذٍ: لا يثبتُ بذلك كونُ هذه الأمَّةِ خيراً من سائر الأمم ، لكنَّ الله
- تعالى - ذكرَهُ لبيانِ ذلكَ الحكمِ : فعلمنا أنَّه وجبَ(*) حملةً على الاستغراق:
(١) في ص: ((فكذلك)).
(٢) عبارة س: ((إنّه سبحانه - وتعالى - وصف))، وعبارة آ، جـ، ح، ص، ي: ((الله
- تعالى - وصف)).
(٣) في س: ((أن في الأمّة)) ولفظ ح: ((فيهم)).
(٤) سقطت الزيادة من س، ي، ل، جـ.
(٥) سقطت من ح، آ.
(٦) في س، آ، ل: ((بحمل)).
(*) آخر الورقة (١٧) من س.
(٧) لفظ س: ((العلم))، وعبارة ص: ((بالعمل)).
(٨) لفظ ي: ((الناس)).
(*) آخر الورقة (٥) من جـ.
- ٧٧ -
1

تحصيلاً للغرض . فإنّا لو لم نحمله(١) على الاستغراقِ، ولا نحملهُ على
الماهيّةِ -: كان ذلكَ مخالفاً(٢) للّغة.
قوله: ((الآية تقتضي الاتّصاف بهذا الوصف في الماضي أو(٣) الحاضر)»؟.
قلنا: [بل (٤)] في الحاضر؛ لأنَّ قوله: ﴿تَأْمُرُونَ بالمعروفِ وَتَنْهَونَ عَنْ
المُنكَرِ﴾(٥) لا يتناول الماضي.
قوله: ((لفظةُ ﴿كُنْتُمْ﴾(٥) تدلُّ على الماضِي.؟
قلنا: لا نسلّم [لـ(٦)] أنّ قوله ﴿كُنتُم﴾(٥)، إمّا أن تكونَ ناقصةً أو زائدةً أو
تامَّةً .
فإن كانت ناقصة(٧) . فنقول: إنَّه وإنْ أفادَ تقدُّمَ كونِهم كذلكَ، لكن قوله :.
(«تأمرون بالمعروفِ وتَنْهونَ عن المنكرِ» (٨) . - يقتضي كونَهُم كذلكَ في
المستقبل، [ودلالةُ قولهِ تعالى ((كُنتم)) على تقدُّمِ هذا الوصفِ - لا يمنعُ مِنِ
حصولهِ في المستقبل -: فتبقى دلالةُ قولِه ((تأمرون بالمعروفِ)) على كونهم
كذلكَ - في المستقبل(٩)] سليمةٌ(١٠) عن المعارض.
وأمَّا الوجهانِ الآخرانِ - فالاستدلالُ معهما ظاهرٌ.
(١) عبارة ل: ((فإذا لم نحمله)).
(٢) لفظ سٍ، ح، ص، جـ: ((مخالفة))، وعبارة أ: ((مخالفة للعلّة)).
(٣) أبدلت في س بالواو، وزيد بعدها في ي: ((في)).
(٤) لم ترد في آ.
(٥) الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
(٥) آخر الورقة (٤) من ص.
(٦) لم ترد في آ.
(٧) كذا في ل، س، ولفظ غيرهما: ((الأول)).
(٨) الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
(٩) ساقط من ل، آ، ي، س.
(١٠) لفظ ص: ((سليماً».
- ٧٨ -

قوله: ((لِمَ قلت(١): إِنَّهم يكونون في الزمانِ المستقبلِ [كذلك(٢)] على
هذه الصفةِ))؟ .
قلنا: لأنَّ صيغة المضارع بالنّسبةِ إلى الحالِ والاستقبالِ - كاللَّفظِ العامِّ:
فوجبَ تناولُها (٣) لهما معاً.
قوله: ((هذه الآيةُ خطابٌ مع الحاضرينَ)).
قلنا: مرَّ الجوابُ عنهُ - في المسلكِ الأوَّلِ. والله أعلم(*).
المسلكُ الرابعُ :
التمسُّكُ بما رُوِيَ عن النبيِّ(٤) - ◌َ -: ((أنَّ أُمَّته لا تجتمعُ على خطأ))(٥).
والكلام هاهنا (٦) يقع في موضعين:
أحدهما:
إثباتُ متنِ الخبرِ.
والثاني :
کیفيَّةُ الاستدلال به.
أمَّا الأوَّلُ - فللنَّاسِ فيه طرقٌ ثلاثةٌ :
الطريق الأوَّلُ: ادّعاءُ الضرورةِ في تواتُرِ معنى هذا الخبر؛ قالوا: [لأنَّهُ(٧)]
نُقِلَ هذا المعنى بألفاظِ مختلفةٍ بلغتْ حدَّ التواتُّرِ:
(١) لفظ ص: «قلتم)).
(٢) لم ترد في ص، ح، آ.
(٣) لفظ ي: ((تناولهما)».
(*) آخر الورقة (١٣) من ل.
(٤) في س، ل، ص، ي: ((عنه).
(٥) سيأتي تخريجه.
(٦) عبارة ص: ((وقع هاهنا).
(٧) سقطت من ل.
:
- ٧٩ -

[الأوَّلُ(١)] [(*) رويَ عنه - عليه الصلاةُ والسلام _(٢)] أنَّه قالَ: ((أُمَّتِي لا
تَجتمعُ على خطأ))(٣).
[الثاني(٤)]: ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عندَ اللهِ حسنٌ».
[الثالث(٥)]: ((لا تجتمعُ أُمَّتي على ضلالةٍ))(٦).
[الرابع (٧)]: ((يدُ اللهِ على الجماعةِ)). رواهُ ابنُ عمر - رضي الله عنهما -.
[الخامس(٨)]: ((سألتُ ربِّي أنْ لا تجتمعَ أُمَّتِي على الضلالةِ، فَأُعطِيتُها)).
[السادس (٩)]: ((لم يكن الله ليجمعَ أُمَّتي على الضلالةِ))، وروي: ((ولا
على خطأ)).
وروي عن الحسن البصريِّ(١٠) وابن أبي ليلى(١١): أنَّ رسول الله - الَّ - قالَ
(١) سقطت من ل، ح، جـ، وفي ص أبدلت بالفاء.
(*) آخر الورقة (١٣) من آ.
(٢) هذه الزيادة من ح، جـ، آ.
(٣) لفظ س: ((الخطأ)).
(٤) لم ترد في ل وأبدلت في ح بحرف ((ب)) وانظر ص (٩٩) من الجزء الأول.
(٥) لم ترد في ل، ي، وفي ص، جـ، آ، أبدلت باج)).
(٦) لفظ س: ((الضلالة)).
(٧) أبدلت في ل، ص، جـ، أ بـ: ((د)).
(٨) لم ترد في ل، ي، وفي ص، جـ، آ: ((هـ).
(٩) لم ترد في ل، ي، وفي ص، جـ، آ: ((و).
(١٠) هو: ابن أبي الحسن، اسمه يسار وكنيته أبو سعيد - من أئمّة التابعين - ولد لسنتين
بقيتا من خلافة عمر - رضي الله عنه - وتوفي سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب
(٢٦٣/٢)، والميزان (٥٢٧/١)، والوفيات (٦٩/٢)، والتقريب (٨٧)، وطبقات الشيرازي
(٦٨) وطبقات ابن سعد (١٥٦/٧)، والشذرات (١٣٦/١)، والحلية (١٣١/٢)، والبداية
(٢٦٨/٩) صفوة الصفوة (٢٣٣/١٣) والمرأة (٢٢٩/١) والتذكرة (٧١/١) والكامل
(٢٠٥/٤) ومراد المصنّف بأنه من مراسيل الحسن: أنَّه رواه ما لا يقل عن أربعة من
الصحابة)».
(١١) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي قاضي الكوفة، وفقيه =
- ٨٠ -