النص المفهرس

صفحات 41-60

غيرِ سبيل الصالحين فيما به صاروا [غيرَ(١)] صالحين، ولا يُفهمُ منه المنعُ من
متابعةِ سبيل غير(٢) الصالحين في كلِّ شيءٍ، حتّى في الأكل والشربِ.
وثانيهما: أنَّ الآية نزلتْ في رجلٍ ارتدَّ، وذلكَ يدلُّ على أنَّ الغرضَ منها - المنعُ
من الكفر.
سلّمنا: حظرَ اتِّباع غير سبيلهم - مطلقاً(٣)؛ لكنَّ لفظَ (السبيل)) حقيقةٌ في
الطريقِ الَّذي يحصُل فَيَه المشيُّ (٤)، وهو غيرُ مرادٍ - ها هنا - بالاتّفاقِ: فصارَ
الظاهرُ متروكاً؛ فلا(٥) بدَّ من صرفه إلى المجازِ، وليسَ البعضُ أولَى من
البعضِ : فتبقى الآية مجملةً.
[وأيضاً (٦)] فإنَّهُ لا يمكنُ جعلُهُ مجازاً عن اتّفاقِ الأمّةِ على الحكمِ ؛ لأنَّهُ
لا مناسبةَ _ ألبتَّةَ - بين الطريقِ المسلوكِ، وبينَ اتِّفاقِ أَمَّةٍ محمّدٍ - رَلَ - على
شيءٍ من الأحكامِ ، وشرطُ حَسنِ التجوُّزِ حصولُ المناسبةِ.
سلّمنا: أنَّهُ يجوزُ جعلُهُ مجازاً عن ذلكَ الاتّفاقِ، لكنْ يجوزُ - أيضاً - جعلُهُ
مجازاً عن ((الدليل))(٧) - الّذي لأجلِهِ اتَّفقوا على ذلكَ الحكم؛ فإنَّهم إذا أجمعوا
على الشيءٍ - فإمَّا أن يكونَ ذلكَ الإِجماعُ عن استدلالٍ، أولا (٨) عن استدلالٍ:
فإنْ كانَ عن استدلالٍ - فقد حصلَ لهم سبيلانٍ: الفتوى والاستدلال(٩)
فِلِمَ كان حملُ الآيةِ على الفتوى - أولى من حملها(١٠) على الاستدلال [على
(١١)
الفتوىُ]؟.
(١) سقطت الزيادة من س، وعبارة ح: ((فيما صاروا به)).
(٢) عبارة س، ل: ((غير سبيل الصالحين)).
(٣) زاد في ص: ((و)).
(٥) في ل، ص، آ: ((ولا)).
(٤) في ل، ي: ((فهو)).
(٧) في ص: ((الدلائل التي)).
(٦) سقطت من س.
(٨) عبارة آ: ((عن الاستدلال أو لا عن الاستدلال)).
(٩) في غير ص زيادة: ((عليه)).
(١١) لفظ ص: ((حمله)».
(١٢) لم ترد في ص.
- ٤١ -

بل هذا أولى؛ فإنَّ بينَ الدليل الّذي يدلُّ على ثبوتِ الحكمِ وبينَ الطريقِ
الذي يحصلُ (١) فيه المشيُّ - مشابهةً؛ فإنَّه كما أنَّ الحركةَ البدنيّةَ في الطريقِ
المسلوكِ توصِّلُ البدنَ إِلى المطلوب: فكذا(٢) الحركةُ(٣) الذهنيَّةُ في مقدِّماتٍ
ذلك الدليل - توصِّلُ الذهنَ(٤) إلى المطلوبِ. والمشابهةُ إحدى جهاتِ حسن
المجاز.
وإذا كان كذلكَ: كانت الآيةُ تقتضي إيجابَ اتّباعهم في سلوك الطريق
الّذي لأجله اتَّفَقوا على الحكمِ ، ويرجعُ(٥) حاصلُهُ إلى إيجاب الاستدلال بما
استدلُوا (٦) به على ذلكَ الحكمِ.
وحينئذ: يخرجُ الإِجماعُ عن كونِهِ حجّةً.
[و(٧)] أمَّا إنْ كانَ إجماعُهم لا عن استدلالٍ _(٨) والقولُ لا عن استدلالٍ
خطأٌ - فيلزمُ إجماعُهم على الخطأِ؛ وذلك يقدحُ في صحّةِ الإِجماعِ .
سلّمنا دلالَةَ الآيةِ على تحريمِ متابعةٍ غيرِ قولِهِمٍ(٦)، لكنْ لا نسلِّمُ أنَّ كلمةَ
(مَنْ)) للعموم، وأنّ لفظَ ((المؤمنين)) للعموم؛ فإنَّا لو حملناهُ على العموم:
لزِمَ ١ تطُّقُ التخصيصِ إلى الآيةِ، لعدمِ دخولِ العوامِّ والمجانين والنساءِ
والصبيان في الإِجماع.
سلَّمنا ذلكَ؛ لكنْ لِمَ قلتَ: إِنَّهُ يلزمُ من حظرِ اتّباع غيرِ سبيلِهِم - وجوبُ
اتّباعِ سبيلهم؟.
(١) في ل: ((يحل)).
(٢) لفظ ح: ((كذلك)).
(٣) في ص: ((الحركات)).
(٤) في ح، ل، ص، ي: ((موصّلةٌ للذهن)».
(*) آخر الورقة (٤) من ح.
(٥) في ص: ((ورجع)).
(٦) لفظ ح: ((عليه)).
(٧) لم ترد في ي.
(٨) لفظ ص: ((فالقول)).
(٩) أبدلت في ي: بـ((سبيل المؤمنين)).
(١٠) في ص: ((يلزم)).
- ٤٢ -

بياتُهُ: أنَّ لفظَ ((غير))(١) وإن كان يستعملُ(٢) في (٣) الاستثناء - لكنَّهم أجمعوا
على أنَّهُ في الأصلِ للصِّفةِ.
وإذا كان كذلكَ: كانَ بينَ (٤) اتِّباعِ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ، و[بينَ (٥)] اتّباع
سبيلِهم قسمٌ ثالثٌ - وهو تركُ الاتِّبَاعِ (٦).
فإِنْ قلتَ: تركُ متابعةِ سبيلِ المؤمنينَ - غيرُ سبيلِ المؤمنينَ - فَمَنْ تركَ
متابعَةَ سبيلهم (٧) فقد اتَّبَعَ غيرَ سبيلِهِم.
قلتُ: لِمَ لا يجوزُ أن يُقالَ: الشرطُ في كونِ الإِنسانِ متابعاً لغيره - كونُه آتِياً
بمثلِ فعلِ الغيرِ لأجلِ أنَّ(٨) ذلكَ الغيرَ أتى به؟: فَمَنْ تركَ متابعةً سبيلِ
المؤمنينَ - وهو (٩) إنّما تركَهُ لأجلِ أنَّ غيرَ المؤمنينَ تركوهُ (١): كانَ متَّبعاً في ذلك
سبيلَ غيرِ المؤمنينَ.
أمَّا مَنْ تركَهُ لأنَّ الدليلَ دلَّ [عندهٌ ] على وجوبِ ذلكَ التركِ (١٢)، أو لأنّهُ
لمَّا لمْ يدلَّ شيءٌ على متابعةِ المؤمنين - تركه على الأصل: لم يكن - ها هنا -
متبعاً لأحدٍ : فلا يدخلُ تحتَ الوعيدِ .
سلّمنا: دلالةَ الآيةِ على وجوب متابعةِ (*) [سبيل(١٣)] المؤمنينَ، لكن في
كلِّ الأمورِ، أو في بعضِها؟.
.(١٥)
الأوَّلُ (١٤): ممنوعٌ لوجوهٍ (١٦)
(١) في ح، س: ((الغير)) وفي ل: ((غيره).
(٢) كذا في ص، وفي غيرها: (مستعملاً)).
(٣) أبدلت في ص باللام.
(٤) لفظ س: ((هو).
(٦) في ل: ((الامتناع)).
(٨) زاد ل: «یکون».
(١٠) لفظ ص: ((ترکه).
(١٢) أبدلت في ح بلفظ: ((له)).
(١٣) زادها ح.
(١٥) أبدلت في ص بـ: (ع)).
(٥) لم ترد في ح.
(٧) في ص: ((سبيل المؤمنين)).
(٩) لفظ س: ((فهو).
(١١) لم ترد في س.
(*) آخر الورقة (٣) من ي .
(١٤) زاد في ح، ل، آ: «و)).
(١٦) في ح: ((لأوجه)).
- ٤٣ -

أحدُها(*):
أنَّ المؤمنينَ إذاِ اتَّفقوا على فعلِ شيءٍ - من المباحاتِ، فلو وجبَ اتُّبَاعُ
سبيلِهِم - في كلِّ الأمورِ: لزمَ التِّنَاقُضُ؛ لأنَّهُ يجبُ عليهم فعلُهُ من حيثُ إِنَّهُم
فعلوهُ، ولا يجبُ ذلكَ لحكمِهِم بأنَّهُ غيرُ واجبٍ.
وثانيها :
أنَّ أهلَ الإِجماع - قبل اتّفاقِهِم على ذلك الحكم - كانوا متوقّفين في
المسألة، غيرَ جازمينَ بِالحكمِ ، بل كانوا جازمينَ بأنَّهُ يجوزُ البحثُ عنها، ويجوزُ
الحكمُ لكلِّ أحدٍ بما أدَّى إليهِ اجتهادُهُ. ثمَّ إِنَّهُم بعدَ الإِجماع (١) قطعوا بذلكَ
الحكمِ ، فلو وجبَ متابعتُهم في كلِّ ما يقولونَهُ: لزِمَ اتُّباعُهم في النقيضين؛ وهو
محالٌ.
فإِنْ قلتَ: الإِجماعُ الأوّلُ على تجويز التوقُّفِ، وطلب الدلالةِ والحكمِ بما
أدَّى إليهِ(٢) الاجتهاد(*) ما كان مطلقاً، بل كانَ بشرطِ عدمَ الاتِّفاقِ على حكم.
واحدٍ، فإذا (٣) حصلَ الاتِّفَاقُ - زالَ شرطُ الإِجماعُ: فزالَ بزوالِهِ.
قلتُ: المفهومُ من عدمِ حصولِ الإِجماع حصولُ الخلافِ، فلو
شَرَطْ[نا (٤)] تجويزّ الخلافِ بعدمِ الإِجماع : لزِمَ أنْ يكونَ تجويزُ وجود الشيءِ
مشروطاً بوجوده .
وأيضاً: [فـ(٥)] لو جازَ في أحدِ الإِجماعين أن يكون مشروطاً بشرط : جاز
- أيضاً - في الإِجماع الثاني والثالث؛ ويلزمُ منه أن لا يستقرَّ شيءٌ من
الإِجماعاتِ.
(*) آخر الورقة (٥) من ح.
(١) لفظ ي: ((الاجتهاد)».
(٢) عبارة ح، ل، ي، آ: ((بما أدّى الاجتهاد إليه))، وفي ص: «بما أدّى اجتهاده)).
(#) آخر الورقة (٥) من ١.
(٣) في ص: ((وإذا)).
(٤) لم ترد في ص، ي.
(٥) لم ترد في س.
- ٤٤ -

وثالثُها:
أنَّ اتِّفَاقَ المجمعِينَ على ما أجمعُوا عليهِ - إمّا أن لا يكونَ عن استدلالٍ،
أو یکون عن استدلالٍ .
والأوّلُ باطلٌ؛ لأنَّ القولَ بغير استدلالٍ (١) خطأً - بالإِجماع؛ فلو اتَّفق أهلُ
الإِجماع عليهِ كانوا مجمعينَ على الخطأِ -: وذلكَ يقدحُ في كونِ الإِجماع
حجَّةً .
وإن كان الثاني: فذلكَ الدليلُ إمَّا الإِجماعُ أو غيرُه.
والأوِّل باطلٌ؛ لأنَّ الإِجماعَ إِمَّا أنْ يكونَ نفسَ حكمِهِم [أو نتيجةً
حكمِهم (٢)]، والدليلُ على الحكمِ متقدّمٌ(٣) على الحكم .
والثاني يقتضي أن يكونَ سبيلُ المؤمنينَ إثباتَ ذلكَ الحكمِ بغيرِ
الإجماع ، فيكونُ إثباتُه بالإِجماعِ اتِّباعاً لغيرِ سبيلِهم: فوجبَ أنْ لا يجوزَ.
فظهر أنَّا لو حملنَا الآيةَ على اقتضاءِ متابعةِ المؤمنينَ - في كلُّ الأمورِ: لزمَ
التناقضُ.
وإذا بطلَ ذلكَ: وجبَ حملُها على اقتضاءِ المتابعةِ - في بعضِ الأمورِ؛
وحينئذٍ: نقولُ بموجبه، ونحملُهُ(*) على الإِيمانِ باللهِ [- تعالى - ورسوله(٤)].
ثمَّ الَّذِي يُؤكِّدُ هذا الاحتمالَ وجوهُ:
أحدها:
أنَّ القائلَ إذا قالَ: ((اتَّبِع سبيلَ الصالحينَ)) - فُهِمَ منه الأمرُ باتِّبَاعِهم فيما
به صاروا صالحینَ: فکذا - ها هنا ۔۔
(١) في ص، ح: ((الاستدلال)).
(٢) ساقط من ل.
(٣) لفظ ص، ي: ((مقدّم)).
(٥) آخر الورقة (٧) من س.
(٤) لم ترد في ل، آ.
- ٤٥ -

وثانيها :
أنَّا إِذا(١) حملْنا الآية على ذلك - كانَ ذلكَ السبيلُ حاصلاً - في الحالِ،
ولو حملناهُ (٢) على إجماعِهم على الحكم الشرعيّ(*) كانَ ذلك ممَّا(٣) سيصيرُ
سبيلاً (٤) - في المستقبل؛ لأنّه لا يوجدُ إلاّ بعدَ وفاة الرسول - عليه الصلاة
والسلامُ -: فالحملُ على الأوّلِ أُولَى .
وثالثُها:
أنَّ السلطان إذا قالَ: «[و(*)] من يُشاقِقْ وزيري من الجندِ، ولم يتْبِعْ سبيلَ
فلانٍ - ويُشير [به (٦)] إلى أقوام (٧) متظاهرين بطاعة الوزير - عاقبتُهم)). فإنَّه إنَّما
يعني - بالسبيل المذكورِ - سبيلَهُم في طاعةِ الوزيرِ، دون سائرِ السبلِ (٨).
سلَّمنا: دلالة الآيةِ على وجوب المتابعة - في كلِّ الأمورِ، لكنّها تدلُّ على
وجوب متابعةِ بعضِ المؤمنينَ، أو كلَّهم؟.
الأوّلُ (٩): باطلٌ؛ لأنَّ لفظَ («المؤمنين)) جمعٌ، فيفيدُ الاستغراقَ؛ ولأنَّ
إجماعَ البعضِ - غيرُ معتبرٍ بالإِجماعِ ؛ ولأنَّ أقوالَ الفِرَقِ متناقضةٌ.
والثاني: مسلَّمٌ (١١؛ ولكنَّ كلَّ المؤمنين - هم الَّذين يُوجدونَ إلى قيام
الساعةِ، فلا يكونُ الموجودونَ في العصر - كلَّ المؤمنين: فلا يكونُ إجماعُهم
إجماعَ كلِّ المؤمنينَ.
[فإن قلتَ المؤمنونَ - هم المصدِّقونَ، وهم الموجودونَ؛ وأمَّا الَّذينَ لم
(١) لفظ ص: ((لو).
(٢) في ص: «وأن».
(٥) آخر الورقة (٥) من ح.
(٤) زاد في ص: «لهم)).
(٥) لم ترد في ل، ي.
(٧) لفظ ل، ص، ي، آ: «قوم)).
(٨) في غيري: ((السبيل)).
(٩) في ص، ح، ل زيادة: ((و)).
(٣) لفظ س: ((فيما)».
(٦) لم ترد في س.
(١٠) في ص: ((م).
- ٤٦ -

يُوجدوا بعدُ - فليسوا بمؤمنين(١)].
قلتُ: إذا وُجدَ أهلُ العصر الثاني - ففي العصر الثاني لا يصحُّ القولُ بأنَّ
أهل العصر الأوَّل ـهم كلُّ المؤمنين، فلا يكونُ [إجماعُ(٢)] أهل العصر الأوَّل -
[عند حصولٍ أهل العصر الثاني قولاً لكلِّ المؤمنين: فلا يكونُ إجماعُ أهلِ
العصر الأوّل (٣)] حجّةً على أهلِ العصرِ الثاني.
سلّمنا: أنَّ أهلَ العصر - هم كلُّ المؤمنين، لكنَّ الآيةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ في زمانٍ
: الرَّسول - ◌َ - فتكونُ الآية مختصّةً بمؤمني ذلك الوقتِ، وهذا يقتضي أن يكونَ
إجماعُهُم حجّةٌ، لكنَّ التمسُّكَ بالإِجماع إنّما ينفعُ (٤) بعدَ وفاةِ الرسولِ - ﴿*1 -
فلما لم (٥) يثبتْ أنَّ الَّذين كانوا موجودينَ - عند نزول هذه الآيةِ بقَوا - بأسرهم -
إلى ما بعدَ وفاةِ الرسول - ◌َ﴾ - وأَنَّه اتَّفْقَتْ كلمتُهم على الحكمِ الواحدِ: لم
تدلَّ هذه الآيةُ على صحَّةِ ذلكَ الإِجماع ؛ ولكنّ ذلكَ غِيرُ معلومٍ في شيءٍ
- من الإِجماعاتِ الموجودة في المسائلِ، بل المعلومُ خلاقُهُ(*)؛ لأنَّ كثيراً منهم
مات [زمان(٦)] حياة الرسول _ ◌َ﴾ -: فسقطَ الاستدلالُ بهذه الآية.
سلّمنا دلالَتها على [وجوب (٧)] متابعةٍ مؤمني كلِّ عصرٍ(٨)، لكن المرادَ
[متابعةُ(٩)] كلِّ مؤمني ذلكَ العصرِ أو بعضهِم؟ .
الأوَّلُ باطلٌ، وإِلَّ لاعتُبِرَ في الإِجماعِ قولُ العوامُّ بلِ (١٠) الأطفالُ
والمجانين .
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من ل، ولم ترد الواو قبل ((أمّا)) في ح، ي.
(٢) سقطت من ي .
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من ل، ولفظ ((حصول)) في ح، آ أبدلت بـ: ((حضور)).
(٤) لفظ ل، ي: ((يقع)).
(٥) في ص: ((فلا يثبت)).
(*) آخر الورقة (٦) من ل.
(٧) سقطت من ل.
(٦) لم ترد في ل وزاد ي - قبلها - ((في)).
(٨) لفظ ص: ((العصر).
(٩) أبدلت في س بالواو.
(١٠) لم ترد في ل.
- ٤٧ -

والثاني نقولُ بهِ؛ لأنَّ - عندنا - يجبُ في كلِّ عصرٍ متابعةُ بعضِ من كانَ
فيهِ من المؤمنينَ - وهو الإمام المعصومُ.
سلّمنا أنَّ المرادَ متابعةُ [جميعٍ (١)] مؤمني العصر، لكنَّ الإِيمانَ عبارةً: عن
التصديق بالقلب، وهو أمرٌ غائبَ عنّا، فكيفَ يُعلَمُ في المجمعين كونُهُم
مصدِّقين بقلوبهم؟ لاحتمالِ أنَّهم - وإن كانوا مصدِّقين باللِّسانِ، لكنَّهم كفرةً
[بالقلب (٢)] وإذا جهلْنَا ذُلك(*) - جهلنا كونَهم مؤمنينَ؛ وإذا كانَ الواجبُ علينا
اتّاعَ المؤمنينَ فمتى جهلنا كونَّهُم مؤمنينَ: لم يجبْ علينا اتَّبَاعُهم(٥).
وهو - أيضاً - لازمٌ على المعتزلة القائلينَ بأنَّ المؤمنَ - هو المستحقُّ
للثواب؛ لأنَّ ذُلك غير معلومٍ أيضاً.
وأيضاً: فالأمة متى أجمعتْ لم نعلمْ(٢) كونَهم مستحقِّين للثواب إلاّ بعد
العلمِ بكونِهم محقّين في ذلكَ الحكمِ ؛ إذ لولم نعلمْ(٣) ذلكَ: لجوّزنا كونَهم
مخطئينَ، وأنْ يكونَ خطوهم كثيراً» يُخْرِجُهم(٥) عن استحقاقِ الثوابِ (٦) واسمٍ
الإِيمانِ.
فإذنْ: إِنَّما نعرفُ كونَ المجمعينَ مؤمنينَ - إذا عَرَفَنا أنَّ ذلكَ الحكم
صوابٌ؛ فلو استفدنا العلمَ بكونِهِ صواباً من إجماعِهِم: لزمَ الدورُ.
فإِنْ قلتَ: لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ المرادُ من المؤمنينَ - المصدِّقينَ بَاللّسانِ،
كما في قوله - تعالى - ﴿ولا تَنكِحُو المُشركاتِ حتّى يُؤْمِنَّ﴾(٧)؟
قلتُ: لا شكَّ أنَّ إطلاقَ اسمِ ((المؤمنينَ))(٨) على المصَدِّقِين(٩) باللّسانِ
(١) في ح، ص، آ: ((نعلم)).
(٢) سقطت من ل، وفي ص: ((في القلب)).
(*) آخر الورقة (٨) من م.
(٣) في س، ل، آ: ((يعلم)).
(*) آخر الورقة (٦) من آ.
(٤) في ص، ح: ((کبیراً)).
(٥) لفظ ي: ((لخروجهم)).
(٦) في ص: ((أو)).
(٧) الآية (٢٢١) من سورة البقرة.
(٨) في ص، ح، ي: ((المؤمن)).
(٩) في ل، ح، ي: ((المصدق)) وعبارة ص: ((المصدق بلسانه دون قلبه)).
- ٤٨ -

دونَ القلب - مجازٌ، فإذا جازَ لكمْ حملُ الآيةِ على هذا المجازِ - فلِمَ لا يجوزُ
لنا حملُها على مجازٍ آخر - وهو أن نقول(*): المرادُ إيجابُ متابعةِ السبيلِ الَّذي
من شأنِهِ أنْ يكونَ سبيلاً للمؤمنينَ؟ كما إذا قيلَ(١): (اتَّبِع سبيلَ الصالحينٍ)) لا
يرادُ [به(٢) ] وجوبُ اتِّباع سبيلٍ من يُعتَقَّدُ فيه كونُهُ صالحاً، بل [وجوبُ (٣)] اتّباع
السبيل الذي يجبُ أنْ يَكونَ سبيلاً للصالحين.
سلَّمنا دلالةَ الآيةِ على كونِ الإِجماعِ حجّةً، لكنْ دلالةٌ (٤) قطعيَّةٌ أم ظنّةً؟
[الأوَّلُ ممنوعٌ والثاني مسلَّمٌ](٥)، لكنَّ المسألةَ قطعيَّةٌ؛ فلا يجوزُ التمسُّكُ(*)
فيها بالدلائلِ الظنّةِ(٦).
بياته: ما تقدَّم في كتاب اللّغاتِ: أنَّ التمسُّكَ بالدلائل اللفظيَّةِ لا يفيدُ
اليقينَ ألبتَّةَ(٧).
فإنْ قلتَ: إِنَّا نجعلُ هذه المسألةَ ظَنّةً.
قلتُ: إِنَّ أحداً من الأمّةِ لم يقلْ: إنَّ(٨) الإِجماعَ المنعقدَ بصريحِ القولِ
- دليلٌ ظِنّيّ، بل كلُّهم نفوا ذلكَ: فإنَّ - منهم - من نفى كونَه دليلاً أصلاً.
ومنهم من جعلَهُ دليلاً قاطعاً؛ فلو أثبتناهُ دليلًا ظنّياً - لكانَ هذا تخطئةً لكلِّ(١)
الأمّةِ، وذلكَ يقدحُ في(١٠) الإِجماعِ .
(*) آخر الورقة (٤) من ي .
(١) في س: ((قال)).
(٢) لم ترد في ص.
(٣) سقطت من ل .
(٤) لفظ آ: ((دلالته)).
(٥) في ص، جـ، أ: (ع، م)) وفي ح زاد قبل ((الأول)) ((واواً).
(*) آخر الورقة (٦) من ح.
(٦) كذا في ص، ولفظ غيرها: ((الدلالة))، وفي ل: ((اللفظية)).
(٧) لقد تصدَّى كثيرون من العلماء لمناقشة ما ذهب إليه الفخر هنا وفي كتاب اللغات:
((من أن الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين ألبتة)) ومن أبرز هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيميّة فانظر
الفتاوى (١٣٩/١٣-١٤١).
(٨) في ي: «بان)».
(٩) لفظ ص: ((لجميع)).
(١٠) في س: «بالإجماع)».
- ٤٩ -

· والعجبُ من الفقهاء: أنَّهم أثبتوا(١) الإِجماعَ بعموماتٍ (٢) الآياتِ والأخبار،
وأجمعوا: على أنَّ المنكِرَ لما تدلُّ عليه [هذه (٣)] العموماتُ لا يكفِّرُ ولا يفسَّقُ
- إذا كانَ [ذلك (٤)] الإِنكارُ لتأويلٍ، ثمّ يقولونَ: الحكمُ الَّذي دلَّ عليه الإِجماعُ
- مقطوعٌ به، ومخالفهُ كافرٌ (٥) أو فاسقٌ؛ فكأنَّهم(٦) قد جعلوا الفرعَ أقوى من
الأصل، وذلكَ غفلةٌ عظيمةٌ(٧).
سلَّمنا دلالةَ هذه الآيةِ على أنَّ الإِجماعَ حجّةٌ، لكنَّها معارضةٌ بالكتاب
والسنَّةِ والمعقولِ (٨):
أمّا الكتابُ - فكلُّ ما فيه منعٌ لكلّ الأمّة من القول الباطل [والفعل.
الباطل (٩)] كقوله - عزّ وجلّ -: ﴿وأَنْ تَقولُوا على اللهِ ما لاَ تَعْلَمُونَ﴾(١٠) [﴿وَلاَ
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ والنهي عن الشيءٍ لا يجوزُ إلّ إذا كانَ(*) المنهيُّ
(١١)
عنهُ متصوّراً ].
وأمَّا السّنّةُ - فكثيرةٌ :
(١) عبارة ص: ((إن الفقهاء أثبتوا)).
(٢) لفظ ص، ح: ((بعموم).
(٣) هذه الزيادة من ح.
(٤) لم ترد في ح.
(٥) في غير س: ((و)».
(٦) كذا في ص، ولفظ غيرها: ((فكلهم)).
(٧) في كفر مخالف الإِجماع مذاهب ثلاثة مبنيّة على مذاهبهم في اعتباره حجة قطعيَّة
أو ظنيّة: فراجع شرح الإِسنوي والبدخشي على المنهاج (٣٨٥/٢-٣٨٦)، والإِرشاد
ص(٧٩).
(٨) في ل، ص، ح، آ: ((العقل))، وفي ي: ((العقل والمعقول)).
(٩) هذه الزيادة من ص، س.
(١٠) الآية (١٦٩) من سورة البقرة.
(*) آخر الورقة (٢) من ص.
(١١) ساقط من ل، والآية (١٨٨) من سورة البقرة وعبارة ص: ((فإنّ النهي عن الشيء لا
يجوز إلا إذا كان ذلك الشيء متصوّراً».
- ٥٠ -

أحدها:
قصّةُ معاذٍ؛ وأنّهُ لم يجرِ فيها ذكرُ الإِجماع ؛ ولو كان ذلكَ مدركاً شرعياً
- لما جازَ الإِخلالُ بذكره - عندَ اشتداد الحاجة [إليه(١)](*)؛ لأنَّ تأخيرَ البيانِ عن
وقتِ الحاجةِ لا يجوزُ(٢).
وثانيها :
قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا تقومُ السّاعةُ إلَّ على شرارِ أُمَّتِي)) (٣).
وثالثُها:
قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا تَرجعوا بعدي كفَّاراً، يضربُ بعضُكم
رقاب بعضٍ ))(٤).
ورابعُها:
قوله - عليه السلام -: ((إنَّ الله لا يقبضُ العلمَ انتزاعاً ينتزعه من العبادِ،
ولكن يُقبضُ العلم بقبضِ العلماءِ، حتّى إذا لم يبقَ عالمُ اتَّخذَ الناسُ رؤساءَ
(١) هُذہ زیادة س، ح، آ.
(*) آخر الورقة (٩) من (س).
(٢) يشير إلى حديث معاذ حيث بعثه رسول الله - 18 - إلى اليمن. انظر تخريجه في
(٩٩) وما بعدها من الجزء الثالث من هذا الكتاب.
(٣) الحديث بهذا اللفظ في الجامع الصغير (٢٠١/٢) و(٣٦٠/٢) ولكنه أبدل لفظ
(أمتي)) بـ((الناس)). وقال: أخرجه أحمد ومسلم عن ابن مسعود، والحديث في مسند
الطيالسي أبي داود بلفظ الجامع (٢١٣/٢) وكذلك في الفتح الكبير (٣٣٣/٣-٣٤)، كما
أخرجه ابن ماجه من حديث الإمام الشافعيّ برقم (٤٠٣٩) (١٣٤٠/٢)، وأخرجه الحاكم في
المستدرك من حديث أبي أمامة بلفظ: ((لا يزداد الأمر إلّ شدّة، ولا المال إلّ إفاضة، ولا تقوم
الساعة إلا على شرار من خلقه)). وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه الذهبي في التلخيص
وصححه أيضاً.
فانظر المستدرك وبحاشيته التلخيص: (٤ /٤٤٠).
(٤) أخرجه البخاريّ ومسلم وأحمد في المسند والنسائيّ وابن ماجه عن جرير بن عبد
الله. وأخرجه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائيّ عن ابن عباس. على ما في الفتح الكبير:
(٣٢٠/٣)، والجامع الصغير (٣٥٦/٢) والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث: (٤٤/٦).
- ٥١ -

جهّالاً، فسُئِلُوا فأفتوا بغيرِ علمٍ فضلُوا وأضلُوا))(١).
وخامسها :
قوله - عليه الصلاة والسلام -: «تعلموا الفرائضَ وعلُّموها الناسَ، فإنَّها أوَّلُ
ما يُنسى))(٢)
وسادسُها :
قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((من أشراطِ السَّاعةِ(*) أن يرتفعَ العلمُ ويكثرٌ
الجهلُ)) (٣).
(١) بقريب من هذا اللفظ أخرجه البخاريّ ومسلم وأحمد والترمذيُّ وابن ماجه. على.
ما في الجامع الصغير: (١٢٤/١) والفتح الكبير: (٣٥/١) والمعجم المفهرس:
(٤٠٨/٦)، وهو في مسند أحمد (٢٠٣/٢) ومجمع الزوائد (٢٠١/١) والمشكاة (٧٢/١)،
ومسند ابن راهويه (٩٦/٤-٩٧) مخطوط دار الكتب (٤٥٤) حديث.
(٢) الحديث بلفظ: ((تعلّموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض)) أخرجه
الترمذي، فانظر سننه (٢٧٤/٦)، الحديث (٢٠٩٢)، وأعلّه بالاضطراب، وضعفه، وراجع
نيل الأوطار: (١٦٨/٦-١٧٠)، والفتح الكبير (٣١/٢) وبلفظ: ((تعلموا الفرائض وعلِّموه
الناس فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي)) أخرجه ابن ماجه والحاكم
عن أبي هريرة - أيضاً- على ما في المرجع السابق وهو صحيح. انظر الجامع الصغير.
(٢٢٦/١).
وكشف الخفا الحديث (٩٩٧) (٣٦٨/١)، وأضاف: أنه قد رواه النسائي والدارقطني
والحاكم والدارمي عن ابن مسعود، كما أخرجه أحمد عنه مرفوعاً بلفظ آخر.
(*) آخر الورقة (٧) من ل.
(٣) أخرج الشيخان والإِمام أحمد عن ابن مسعود وأبي موسى: أنّ النبي - ® - قال : :
((إنَّ بين يدي الساعة لأيّامً ينزل فيها الجهل ويُرفع العلم، ويكثر فيها الهرج)»، والهرج القتل.
على ما في الفتح الكبير (٣٨٥/١) والجامع الصغير (١٥٤/١) وبلفظ مقارب مع زيادة (( ....
ويفشو الزنى، ويشرب الخمر، ويذهب الرجال، وتبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأةً قيم
واحد)) أخرجه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي على ما في الفتح الكبير (٤١٧/١)
والجامع الصغير (١٧٠/١)، وأخرجه الطيالسيُّ أبو داود في مسنده (٢١٢/٢) ونسب عبارة
((والهرج: القتل)) إلى الأشعري - قال: وكان إلى جنب ابن مسعود - أي وهو يحدث
بالحدیث. وأخرجه ابن ماجه في سننه (٢ /١٣٤٥) الحدیث رقم (٤٠٥٠) و(٥١) و(٥٢).
- ٥٢ -

وهذه الأحاديثُ - بأسرها - تدلُّ على خلوِّ الزمانِ عمّن يقومُ بالواجباتِ .
وأما المعقول فمن وجهين :
الأوّل(١):
أنَّ كلَّ واحدٍ - من الأمّةِ - جازَ الخطأ(٢) عليه: فوجبَ جوازُهُ على الكلِّ،
كما أنَّهُ(٣) لو كانَ كلّ واحدٍ من الزنجِ أسودَ: كانَ الكلُّ سوداً.
لثاني :
أنَّ ذلكَ الإِجماعَ إمّا أنْ يكونَ لدلالةٍ أو لأمارةٍ، أولا لدلالةٍ ولا لأمارةٍ (٤).
فإنْ كانَ لدلالةٍ - فالواقعةُ الَّتي أجمعَ عليها كلُّ [علماءِ(*)] العالمِ تكونُ
واقعةً عظيمةً، ومثلُ هذه الواقعةِ ممَّا تتوفّرُ الدواعِي على نقلِ الدليلِ القاطعِ
الَّذي لأجلِهِ أجمعوا: فكانَ ينبغي اشتهارُ تلكَ الدلالةِ (٦).
وحينئذٍ: لا تبقى (٧) للتمسُّكِ بالإِجماع فائدةٌ.
وإن كان لأمارةٍ - فهو (٨) محالٌ؛ لأنَّ الأماراتِ يختلفُ حالُ الناسِ فيها:
فيستحيلُ اتَّفاقُ الخلقِ على مقتضاها.
ولأنَّ في الأمّةِ من لم يقل بكونِ الأمارةِ حجّةٌ: فلا يمكنُ اتَّفاقُهُم لأجلِ
الأمارة على حكمٍ (٩).
وإِنْ [كان ] لا لدلالة، ولا لأمارة - كان ذلك [خطأً قادحاً في الإِجماعِ ،
ولو اتَّفقوا عليه .- لكانوا متَّفقينَ على الباطل، وذلكَ ] قادحٌ(*) في الإِجماعِ.
(١) لفظ ص: ((أحدهما)).
(٢) عبارة س: ((عليه الخطأ)).
(٣) لفظ ص: ((لمًا)).
(٤) عبارة ص: ((أو لا لأمارة ولا لدلالة)).
(٥) سقطت الزيادة من س.
(٦) في ل زيادة: ((له)).
(٧) في ح، ي، آ: ((في التمسّك)).
(٨) في آ: ((فهذا)).
(٩) لفظ ص، ل، ح، ي: ((الحكم)).
(١٠) سقطت من ح.
(١١) ما بين المعقوفتين ساقط من س، ولفظ ((في)) أبدل في ح؛ بالباء، ولم ترد ((قادحاً»
(*) آخر الورقة (٧) من آ.
في ص، وأبدلت الواو الأولى بفاء.
- ٥٣ -

[و(١)] الجوابُ:
قوله: ((الآيةُ تقتضي التوعُّدَ على اتّباعِ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ بشرطِ
المشاقّةِ)).
قلنا: هذا باطلٌ؛ لأنَّ المعلَّقَ على الشرطِ، إنْ لم يكنْ عدماً - عندَ عدمٍ
الشرطِ : فقد حصلّ غرضُنا.
وإن كانَ عدماً - عند عدم الشرطِ، فلو كانَ التوعُّدُ على اتّباعِ غيرِ سبيلِ
المؤمنينَ مشروطاً بالمشاقّةِ [لـ(٢)] -- كان - عندَ عدمِ المشاقَّةِ - اتّباعُ غيرِ سبيلٍ
المؤمنينَ جائزاً مطلقاً؛ وهذا باطل؛ لأنَّ مخالفةَ الإِجماع (٣) إنْ لم تكنْ خطأً،
لكنْ لا شكّ في أنَّه لا يكونُ صواباً مطلقاً: فبطلَ ما ذكروه.
قوله: («تحريمُ اتّباعِ غيرِ سبيلِ (٤) المؤمنينَ مشروطً بتبيُّن الهُدى)) قلنا(٥):
لا نسلِّمُ؛ لأنَّ تبيُّنَ الهدىَ شَرطٌ في الوعيدِ - عند المشاقَّةِ - لَا عندَ اتِّباع غير
سبيلِ المؤمنينَ. ولا نسلُمُ أنَّه يلزمُ من العطفِ اشتراك(٦) إحدى الجملتين بما
كانت الجملةُ الأخرى مشروطةً [به(٧)] .
سلّمنا(*): أنَّ العطفَ يقتضي الاشتراك - في الاشتراطِ، لكنّ الهدى الَّذِي
نتبيّنُهُ (٨) شرطاً - في حصولِ الوعيدِ - عندَ مشاقّةِ الرسولِ - هو الدليلُ الدالُّ على
التوحيدِ والنبَّّةِ، لا الدليلُ الدالَّ على أحكامِ الفروع؛ وإذا (٩) لم يكنْ تبيُّنُ
(١) هذه الزيادة من ل، ي.
(٢) سقطت من س.
(٣) في ص زيادة: ((و)).
(٤) كذا في ل، ي، آ. وفي النسخ الأخرى: (إيجاب متابعة سبيل المؤمنين)) ونحوها
في ح غير أنه أبدل لفظة ((متابعة)) بـ(أتباع)).
(٥) لفظ ص: ((قلت)).
(٦) كذا في ي وهو الأنسب، ولفظ غيرها: ((اشتراط)). وهو صحيح أيضاً.
(٧) هذه الزيادة من س، ح.
(*) آخر الورقة (٧) من ح.
(٨) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((بيّناه)).
(٩) كذا في ص، ح، وفي غيرهما: ((فإذا)).
- ٥٤ -

الدليل على مسائلِ الفروع شرطاً في لحوقِ الوعيدِ على مشاقَّةِ الرسول
....
- * -: وجبَ أنْ لا يكونَ ذلكَ شَرطاً - أيضاً - في لحوقِ الوعيدِ على اتباع غير
سبيل المؤمنينَ، وإلّا لم تكنْ(١) الجملةُ الثانيةُ مشروطةً بالشرطِ المعتبرِ في
الجملةِ الأولى، بل بشرطٍ(*) لم يدلَّ عليه الدليلُ أصلاً.
سلّمنا: أنَّ مقتضى العطفِ ما ذكرتُموهُ؛ لكنْ - معنا - دليلٌ يمنعُ منه من
وجھین :
الأوّل:
أنَّ هذه الآيةَ خرجتْ مخرجَ المدح للمؤمنينَ، وتمییزهم(٢) عن غيرهم، ولو
حملناهُ على ما ذكرَهُ السائلُ - لبطل ذلك؛ ألا ترى أنَّ اليهودَ والنَّصارىَ إذا عرفنا:
أنَّ قولاً من أقاويلهم ؟هُدىً - فإنّه يلزمنا أن نقولَ بمثله (٤) [مع(٥)] أنَّه لا تبعيَّةَ(٦)
لهم فیه .
الثاني :
أنَّ اتِّبَاعَ المؤمنينَ - هو الرجوعُ إلى قولهم؛ لأجلِ أنَّهم قالو [٥(٧)]، لا
لأَنَّهُ صحَّ ذلك بالدليلء؛ ألا ترى أنَّا لا نكونُ متَبعينَ لليهودِ والنّصارى - في قولِنا
بإثباتِ الصانع ، ونبوّةٍ موسى وعيسى - عليهما السلام - وإنْ شاركناهُم في ذلكَ
الاعتقادِ -: لأجلِ أنّا لم نذهبْ إلى ذلك لأجلِ قولهم؟ !.
قولُه: ((لفظُ الغير والسبيلِ ليسَ للجمعِ - فلا يقتضي تحريمَ كلِّ ما كانَ
غيراً لكلٍّ ما كانَ سبيلاً للمؤمنينَ)).
قلنا: العمومُ حاصلٌ - من حيثُ اللَّفظُ، ومن حيثُ الإِيماءُ.
(١) في ي: ((وإلّ لما كانت)).
(*) آخر الورقة (١٠) من س.
(٢) عبارة ص: ((فإن غيرهم)).
(٣) لفظ س: ((أقوالهم)).
(٤) في ي: «مثل قولهم)).
(٢) سقطت من ل، آ.
(٦) كذا في ص، ولعله الأنسب، وفي النسخ الأخرى: ((منقية)).
(٧) لم ترد في ل، س.
- ٥٥ _

أمَّا اللَّفظ فلوجهين :
الأوَّلُ:
أنَّ القائلَ إذا قالَ: ((من دخلَ غيرَ داري ضربتُه)) - فهمَ منهُ العمومُ بدلیل
صحَّةٍ (*) الاستثناءِ(١) لكلِّ واحدٍ من الدورِ المغايرةِ لدارِهِ.
الثاني :
أنّا لو حملْنَا الآيةُ على سبيلٍ واحدٍ - مع أنّهُ غيرُ مذكورٍ: صارت الآيةُ
مجملةً. ولو حملناها (٢) على العموم - لم يلزمْ ذلكَ وحملُ كلام اللهِ - عزَّ
وجلَّ - على ما هوَ أكثر فائدةً - أولى. لا سيَّما إذا كانت هذهِ اللفظةُ إِنَّمَا تُستعملُ
في العرف(*). لإِفادة العموم .
أمّا الإِيماءُ - فَلِما (٣) سيأتي - في باب القياس - إن شاء الله عز وجل -: أنّ
ترتيبَ الحكم على الاسم مشعرٌ بكونِ المسمَّى عَلَّةً لذلكَ الحكم - فكانت(٤)
علَّهُ التهديدِ كونَهُ (٥) اتَّاعاً لغيرِ سبيلِ المؤمنينَ: فيلزمُ عموم الحكمِ لعمومٍ هذا
المقتضي .
قولُه: ((إذا حملناهُ على الكلِّ سقطَ الاستدلالُ)).
قلنا: ذلك إنَّما يلزمُ لو حملناهُ على الكلِّ - من حيثُ هو كلٍّ .. أمَّا لو حملناهُ
على كلٍّ واحدٍ (١): لم يلزمْ ذلكَ. ولا شكَّ أنَّهُ - هو المتبَادِرُ إلى الفهم؛ لأنَّ
من قالَ: ((من دخلَ غيرَ داري فلَهُ كذا)) لا يُفهمُ منهُ: أنّه أرادَ به مَنْ دخلَ جميعَ
الدورِ المغايرةِ لدارِهِ.
قولُهُ: ((المرادُ منهُ: المنعُ من متابعةٍ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ [فيما بهِ صاروا غيْرَ
(*) آخر الورقة (٥) من ي .
(١) في ص: ((استثناء)).
(٢) لفظ ص: ((حملناه)».
(*) آخر الورقة (٨) من ن.
(٣) لفظ س، ل: ((فكما)).
(٤) في آ: ((فإن كانت)) ..
(٥) في ي: ((لكونه)) .
(٦) في ح: ((واحد واحد)».
-٥٦-

مؤمنين(١)] - وهو الكفر)).
قلنا: لا نسلِّمُ؛ بل الأصلُ إجراءُ الكلامِ على عمومِهِ.
وأيضاً: فلأنَّه(٢) لا معنى لمشاقَّةِ الرسولِ إلَّ اتُباعُ سبيلِ المؤمنينَ فيما به
صاروا غيرَ مؤمنين، فلو حملنا قولّهُ: ﴿وَيَتْبِعْ غِيرَ سبيلِ المُؤْمِنِينَ﴾(٣) على
ذلك: لزمَ التكرارُ.
قوله: «نزلت في رجلٍ ارتدً)).
قلنا: تقدَّم [بيان(٤)] أنَّ العبرةَ بعمومِ اللَّفظِ، لا بخصوصِ السببِ.
قولُهُ: ((السبيلُ - هوَ الطريقُ الَّذي يحصلُ المشيُّ فيه)).
قلنا: لا نسلِّمُ؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هذه سبيلِي﴾(٥)، وقوله: ﴿أُدْعُ إلى
سَبيلِ رَبِّك﴾(٦).
سلَّمناهُ؛ لكنَّا(٧) نعلمُ - بالضرورةِ - أنَّ ذلكَ غيرُ مرادٍ - ها هنا - ولا نزاع في
أنَّ أهلَ اللُّغةِ يطلقونَ لفظَ( السبيلِ)) على ما يختارُهُ(٨)(*) الإِنسانُ لنفسه: في (٩)
القولِ والعملِ .
وإذا كانَ ذلك(١١) مجازاً ظاهراً: وجبَ حمل اللّفظِ عليه؛ لأنَّ الأصلّ عدمُ
المجازِ الآخرِ.
(١) ساقط من ي.
(٢) لفظ س: ((فإنّه)).
(٣) الآية (١١٥) من سورة النساء.
(٤) هذه الزيادة من ص، ي، آ. وقد تقدم بيان ذلك في ص (٣٠٧) وما بعدها، و(٣٢٦)
وما بعدها من الجزء الثاني.
(٥) الآية (١٠٨) من سورة يوسف.
(٦) الآية (١٢٥) من سورة النحل.
(٧) في غير ص: (((لكن)).
(*) آخر الورقة (٨) من آ.
(١٠) في ي: «فإذا)).
(٨) في ح، ل، س: ((اختاره)).
(٩) لفظ س: ((من)).
(١١) لفظ ل: ((كذلك)).
- ٥٧ -

وحينئذٍ: يُحملُ اللَّفظُ على هذا المعنى إلى أنْ يَذكرَ الخصمُ [ دليلاً(١)]
معارضاً . :
وبه نُجِيبُ عن قولهم(*): ((لا مناسبةً بينَ الاتّفاقِ على الحكمِ، وبَيْنَ
الطريقِ الَّذي يحصلُ المشيُّ فيه)».
قوله: ((لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ وجوبَ متابعتِهِم في الاستدلالِ
بالدليلِ الَّذي لأجلِه أثبتوا (٢) ذلكَ الحكمِ».
قلنا(٣): هِبْ أنَّ الأمرَ كذلكَ، ولكن لمّا أمرَ الله - تعالى - باتّباع سبيلهم:
في الاستدلالِ بدليلِهم: ثبتَ أنَّ كلَّ ما اتَّفقوا عليه صوابٌ.
وأيضاً: فَمَنْ أثبتَ الحكمَ لدليلٍ (٤) لم يكنْ متَّبعاً لغيره.
قولُهُ: ((لِمَ قلتَ: إِنَّ لفظة ـ ((من والمؤمنين)) للعموم؟
قلنا: لما تقدَّم في باب العموم(٥).
قولُهُ: ((لِمْ قلتَ: إِنَّهُ يُلزمُ من حظرِ اتِباعِ غيرِ سبيلهم(٦) وجوبُ اتَّبَاع
سبیلھم»؟
قلتُ: لأنَّهُ يُفهمُ - في العرفِ (٧) - من قولِ القائلِ: ((لا تَتَّبِعْ غيرَ سبيلِ
الصالحين)) الأمرُ بمتابعةِ (*) سبيلِ الصالحينَ، حتَّى لو قالَ: ((لا تَّبِع غير
سبيل الصالحين(٨)، ولا تَتَبَعْ سبيلهم أيضا) - لكانَ ذلكَ ركيكاً. بلى (٩) لو قال:
(لا تَّبَعْ سبيلَ غيرِ الصالحين)(١٠) فإنَّهُ لا يُفهَمُ منه الأمرُ بمتابعةِ سبيلهم، ولذلكَ
(١) هذه الزيادة من ص.
(*) آخر الورقة (١١) من س.
(٢) لفظ آ: ((أثبت).
(٣) في غير ص، ح: ((قلت)).
(٤) في ح، ي: ((بدلیل)).
(٥) انظر ص (٣٢٥ و٣٥٦) من الجزء الثاني من هذا الكتاب.
(٦) في غير ص: «سبيل المؤمنين).
(٧) عبارة س، ل: ((لأنّه يلزم من)).
(*) آخر الورقة (٨) من ح والورقة التي تليها مفقودة.
(٩) لفظ ي: ((بل)).
(٨) في غير ص: ((سبيلهم).
(١٠) كذا في ص، ي، ولعلها الأنسب، وعبارة غيرهما: ((غير سبيل الصالحين)).
٠ - ٥٨ -

لا يُستَقَبَحُ أنْ يُقالَ: ((لا تَتَبعْ سبيلَ غيرِ الصالحين، ولا سبيلَهم)).
وبالجملةِ: فالفرقُ معلومٌ بالضرورةِ - في العرفِ - بين قَولِنا: ((لا تَتَّبع غير
سبيلِ الصالحينَ))، وبين قولنا: ((لا تُتْبعْ سبيلَ غيرِ الصالحِينَ))(١).
قوله: ((يجبُ اتِّاعُ سبيل المؤمنينَ في كلِّ الأمورِ أو في بعضِهَا)).
قلنا: بل في كلُّها؛ ولذلكَ يصحُّ الاستثناءُ(٢)، لأَنَّه لمّا ثبتَ النهي عن
متابعة كلُّ ما هوَ غيرُ سبيلِ المؤمنينَ، وثبتَ أَنَّه لا واسطةَ بينها وبين اتّباعِ سبيلٍ
المؤمنينَ: لزمَ أنْ يكونَ اتِّبَاعُ سبيلِ المؤمنينَ واجباً في كلِّ شيءٍ.
قولُهُ: ((يلزمُ وجوبُ اتِباعِهم في فعلِ المباحاتِ».
قلنا: هبْ أنَّ(*) هذه الصورةَ مخصوصةٌ للضرورة - التي ذكرتموها:
فتبقى(٢) حجَّةً [فيما عداها.
قولُهُ: ((الناسُ قبلَ حصولِ الإِجماع كانوا مجمعين على (٤)] التوقُّفِ في
الحكمِ ، وطلب الدليلِ)).
قلنا: الإِجماعُ على ذلك مشروطُ بأنْ لا يحصلَ الاتِّفاقُ.
قولُهُ: ((عدمُ الإِجماعِ - هوَ الاختلافُ -: فيلزمُ أن يكونَ جوازُ الاختلافِ
مشروطاً بوقوع الاختلافِ)).
قلنا: هب أنَّهُ كذلك فأيُّ محالٍ يلزمُ منهُ؟ .
قوله: ((لو جازَ أنْ يكونَ هذا الإِجماعُ مشروطاً - لجازَ مثلُهُ في سائر
الإِجماعاتِ)).
قلنا: ذلك جائزٌ؛ [و(٥)] لكنَّ أهلَ الإِجماع حذَفوا هذا الشرطَ - عند
(١) عبارة آ: ((لا تتبع غير سبيل الصالحين))، وهو وهم.
(٢) في ص، ي زاد: ((و).
(*) من هنا بداية نسخة سوهاج الناقصة المرموز لها ب(جـ)).
(٣) في آ، ل، س: ((فیبقی)).
(٤) ساقط من ل.
(٥) لم ترد الواو في ص.
- ٥٩ -

حصولِ الاتّفاقِ على الحكم، ولم يحذفوه - عند الاتفاق على جواز
الاختلاف .
قوله: ((أهلُ الإِجماع أَثبُتُوا ذلكَ الحكمَ بغيرِ الإِجماع، و(١) إثباتُهُ
بالإِجماع مغايرٌ لسبيلِ المؤمِنِينَ».
قلنا: لمَّا أثبتوا الحكمَ بدليلٍ سوى الإِجماع - فقد فعلوا أمرين:
أحدهما:
أنَّهم أثبتوا [ذلك(٢)] الحكمَ بدليلٍ.
والآخر:
: أَنّهم تمسَّكوا بغير الإِجماع ، والآيةُ(٣) لمَّا دَلَّت على وجوبِ(*) متابعتِهم في
كلِّ الأمورِ - كانت متناولةٌ للصورتين إلَّ أَنَّه تُركَ العملُ بمقتضى الآية في إحدى
الصورتين (٤) لانعقادِ(٥) الإِجماع على أنَّه لاَ يجبُ علينا الاستدلالُ بما استدلَّ
به أهلُ(٦) الإجماع : فبقي العملُ بها(٧) في الباقي.
قولُهُ: ((إذا قالَ: اتَّبْعْ سبيلَ الصالحينَ - فُهِمَ منه إيجابُ اتباع سبيلِهِمْ (٨)
فيما به صاروا صالحين))(٩).
. قلنا: لا نسلِّمُ؛ لأنَّ سبيلَ الصالحِ شيءٌ مضافٌ (١٠) إلى الصالحِ ،
(١) في ص، ي: ((فإثباته)).
(٢) لم ترد في س، حے، ل.
(٣) في ص: ((فالآية)) ..
(*) آخر الورقة (٩) من ل.
(٤) لفظ ص: ((الأمرين)).
(٥) عبارة ص: ((للانعقاد على)).
(٦) عبارة غير ص: ((بما استدلوا به - أعني أهل الإجماع)).
(٧) كذا في ص، وفي ي، آ: ((فیبقی)) وفي ح، س: ((هنا)) بدل بها.
(٨) في ص: ((سبيل الصالحين)).
(٩) عبارة ص، ي: ((فیما صاروا به)).
(١٠) في غير ص: ((يضاف)).
- ٦٠ -