النص المفهرس
صفحات 21-40
المسألة الثانيةُ :
من الناس من زعَمَ: أَنَّ اتفاقَهم على الحكم الواحدِ - الّذي لا يكونُ
معلوماً بالضرورةِ - محالٌ: كما أنَّ اتَّفاقَهم - في الساعةِ الواحدةِ، على المأكولِ
الواحدِ(١)، والتكلّم بالكلمةِ الواحدةِ: محالٌ.
وربَّما قالَ بعضُهم: كما أنَّ اختلافَ العلماءِ - في الضرورياتِ - محالٌ:
فكذا اتِّفاقُهم - في النظريّاتِ - محالٌ.
[و(٢)] الجواب:
أنَّ الاتّفاقَ إنَّما يمتنعُ (٣): فيما يَتساوَى فيه الاحتمالُ - كالمأكولِ المعيَّنِ،
والكلمةِ المعيَّنةِ .
=١ ٢ - متَّفق فيه ـ بالفتح - وهو الاعتقاد الذي اشترك فيه المجتهدون، والمدلول عليه
بالقول أو بالفعل الصادر عنهم.
٣ - ما وقع عليه الاتفاق - وهو الحكم.
٤ - محل الحكم المتفق عليه - وهو الحادثة.
وقول المصنف: ((على أمر من الأمور) يتناول بالإضافة إلى ما ذكره: من الشرعيّات
والعقليّات واللغويَّات -: الأمور الدنيويَّة - الَّتي أشار - رحمه الله - إليها في المسألة الرابعة من
القسم الخامس في المجمعین.
و((الشرعيّات)) كأحكام الصلاة والزكاة والربا وسواها.
و«العقليات)» نوعان: نوع لا تتوقف صحّة الإجماع عليه كحدوث العالم ووحدة الباري
جل شأنه. ونوع تتوقف صحة الإجماع عليه: كالنبوّة، وهذا لا يحتج فيه بالإجماع لئلا يلزم
الدور.
وأما اللغويات: فنحو اتفاقهم على أن ((الفاء)) للترتيب والتعقيب، و((ثم)) للترتيب مع
التراخي .
وأمّا (الدنيويات)) - فنحو ما يتعلق بأمور الرعيّة وتنظيماتها واعتبار الإِجماع - في كل هذه
الأمور - عند من لم يخصّصه بالشرعيّات - إنّما كان - لأن تلك الأمور اللغوية أو العقلية أو
الدنيوية راجعة إلى الشرع لأنّها قد تترتب عليها أحكام شرعية - فيكون الإجماع فيها حجة
باعتبار ما يترتب عليها، لا باعتبار ذاتها .
(١) في س: ((أو التكلّم)) ولفظ ل: ((أو النظم)) وهو تصحيف.
(٣) كذا في ي، وفي غيرها: ((امتنع)).
(٢) لم ترد في من.
- ٢١ -
أمَّا عندَ الرجحانِ، وذلكَ: عندَ قيامِ الدلالةِ، أو الأمارةِ الظاهرةِ - فذلكَ
غيرُ ممتنعٍ ؛ وذلكَ: كَاتّفاقِ الجمعِ العظيم على (١) نبوّةٍ محمَّدٍ - رَ﴾ -.
واتِّفاقِ الشافعيّةِ والحنفيّةِ، مع كثرتِهِما على قوليهما. مع أنَّ أكثرَ أقوالِهما -
صادرٌ(٢) عن الأمارة.
ومن الناسِ من سلَّم إِمكانَ هذا الاتّفاقِ - في نفسه - لكنّهُ قالَ: لَا طريقَ
لنا إلى العلمِ بحصولِهِ؛ لأنَّ العلمَ بالأشياءِ، إمّا أنْ يكونَ وجدانياً، أو لا يكونَ .
أمّا الوجدانيُّ - فكما يجدُ كلُّ واحدٍ منّا(٣) من نفسه: من جوعِهِ وعطشِهِ،
ولذّته وألمه إلى (*) غير ذلك -: ولا شكّ أنَّ العلمَ بحصولِ اتِّفاقِ أمّةِ محمَّد
- * - ليس من هذا الباب.
وأمَّا الَّذِي لا يكونُ وجدانياً - فقد اتَّفقوا: على أنَّ الطريقَ إلى (٤) معرفته،
إمّا الحسُّ، وإمَّا الخبرُ، وإِمَّا النظَرُ العقليُّ .
أمَّا النظرُ العقليُّ - فلا مجالَ له في أنَّ الشخصَ الفلانيَّ قالَ بهذا القولِ ،
أو لم(*) یقلْ بهِ.
بقيَ أنْ يكونَ الطريقُ إليهِ، إمّ ((الحسُّ))، وإمَّا ((الخبرُ))؛ لكنْ من المعلومِ
- أنّ الإِحساسَ بكلامِ الغيرِ، أو(٦) الإِخبازَ عن كلامِهِ: لا يمكنُ إلَّ بعدَ معرفتِهِ ..
فإذنْ العلمُ باتِّفَاقِ الأمّةِ - لا يحصلُ إلَّ بعدَ معرفةٍ كلِّ واحدٍ من الأمّةِ، لكنَّ
ذلكَ متعذّرُ - قطعاً - فمن [ذا(٧)] الذي يعرفُ جميعَ الناسِ - الذين هم بالشرقِ
والغرب؟ !.
وكيف الأمانُ من وجودِ إنسانٍ في مطمورةٍ لا خبرَ - عندنا - منه؟ فإنّا إذا
أنصفنا - علمنا أنَّ الَّذِينَ بالشرقِ (٨) لا خبرَ - عندهم - [من أحدٍ (٩)] من علماءِ
(١) لفظ ل: ((في)).
(٣) لفظ ل: ((شيئاً).
(٤) في س: ((لـ)).
(٦) في ل: ((و)).
(٨) في ص: ((المشرق)).
(٢) في ي: «صادرة)».
(*) آخر الورقة (١) من ح.
(٥) لفظ ص: ((و)).
(٧) انفردت بهذه الزيادة آ.
(٩) لم ترد في س.
- ٢٢ -
الغرب، فضلًا عن العلمِ بكلِّ واحدٍ - منهم - على التفصيلِ ، وبكيفيّة مذاهبِهِ .
وأيضاً: فبتقدير العلمِ بكلِّ واحدٍ - من علماءِ العالم(١) - لا يمكننا معرفةُ
اتّفاقِهم؛ لأنَّه لا يمكنُ ذلكَ إلّ بالرجوع إلى كلُّ واحدٍ منهم؛ وذلك لا يفيدُ
حصولَ الاتِّفاقِ؛ لاحتمالٍ أنّ بعضَهمَ أفتى بذلك - على خلافِ اعتقاده:
(تقيّةً)) أو خوفاً(٢)، أو لأسباب أخرى(٣) مخفيَّةٍ عنّا.
وأيضاً: فبتقدير أنْ نرجعَ إلى كلٌّ واحدٍ - منهم - ونعلمَ أنَّ(٤) [كل
واحد(*) منهم (٥)] أفتى بذلكَ من صميمٍ قلبِهِ - فهو لا يُفيدُ حصولَ الإِجماعِ ؛
لاحتمالٍ أنَّ علماءَ بلدةٍ، إذا أفتوا بحكمٍ فعندَ الارتحال عن بلدهم(٦)،
والذهاب إلى البلدةِ الأخرى: رجعوا عن ذلكَ الحكمِ - قبلَ فتوى أهلِ البلدةِ
الأخری بذلك.
وعلى هذا التقدير: لا يحصلُ الاتّفاقُ؛ لأنّا لو قدّرْنا: أنَّ الأمّة انقسمَتْ (٧)
إلى قسمين، وأحدُ(*) القسمين أفتى بحكمٍ، والآخرُ أفتى بنقيضِهِ، ثمّ انقلبَ
المثبتُ نافياً، والنافي مُثبِتاً: لم يحصلِ الإِجماعُ.
وإذا كان كذلكَ - فمع قيامِ هذا الاحتمالِ - كيفَ يحصلُ اليقينُ بحصولِ
الإجماع ؟ !.
بل - هاهنا - مقامٌ آخرُ، وهوَ: أنَّ أهلَ العلمِ (٨) - بأسرهِم - لو اجتمعوا في
موضعٍ واحدٍ، ورفعوا أصواتهم - دفعةٌ واحدةٌ، وقالوا: ((أفَتَيْنا بهذا الحكمِ))
(١) في س: ((العلم)).
(٢) لفظ س، ص: ((وخوفاً».
(٣) في ص، ح: ((أحر)).
(٤) في ل، آ: ((أنّه)).
(*) آخر الورقة (٢) من س.
(٥) لم ترد الزيادة في ح.
(٦) لفظ س، ح، ي: ((بلدتهم)).
(٧) في ص، ح، آ: ((انقسموا).
(*) آخر الورقة (١) من ي.
(*) آخر الورقة (٢) من س، ل.
(٨) كذا في ص، ل، ولفظ غيرهما: ((العالم)). وهو وهم.
- ٢٣ -
فهذا مع امتناع وقوعه - لا يفيدُ العلمَ بالإِجماع ؛ لاحتمال أنْ [يكونَ(١)]
بعضُهم كانَ مخالفاً فيه، فخافَ من مخالفة ذلكَ الجمعِ العظيمِ . أو خافَ
ذلكَ الملكَ - الذي أحضَرهم، أوْ أَنَّهِهُ(٢)] أظهرَ المخالفةَ لكنْ خَفي صوتُهُ
فيما بين أصواتهم :
فثبتَ: أنَّ معرفةَ الإِجماع ممتنعةٌ .
فإن قلت ما ذكرتموهُ باطلٌ بصُورٍ:
إحداها:
أنَّا نعلمُ بالضرورةِ: أنَّ المسلمينَ معترفون(٣) بنبوّة محمّدٍ - ٹ -،.
وبوجوب الصلواتِ الخمسِ ، ونعلمُ اتَّفاقَ أصحابِ الشافعيّ على القولِ
ببطلانِ البيعِ الفاسدِ، واتفاقَ الحنفيّةِ على القولِ بانعقادِهِ - وإن كانت الوجوهُ
الّتي ذكرتُموها - [بأسرها (٤)] حاصلةٌ [ها(٥)] هنا.
وثانیتها :
أَنَّا نعلمُ: أنَّ الغالبَ على أهلِ الروم - النصرانيَّةُ -، وعلى بلاد الفرس.
- الإِسلامُ - وإن كُنَّا ما لقينا كلَّ واحدٍ - من [هذه(٦)] البلادِ، ولا كلّ واحدٍ من
ساكنيها .
وثالُها(٧).
أنَّ السلطانَ يمكنُهُ أنْ يجمعَ الناسَ في موضعٍ واحدٍ - بحيثُ يمكنُ معرفةٌ
اتّفاقِهم واختلافِهم .
(١) لم ترد في س.
:
(٢) سقطت من ص، ل.
(*) آخر الورقة (٢) من آ.
(٣) كذا في ص، ح، وفي غيرهما: ((يعترفون)).
(٤) هذه الزيادة من س.
(٥) ليست في ح.
(٦) لم ترد الزيادة في س.
(٧) هذا هو المناسب وإن كانت هذه والتي قبلها قد وردتا في سائر الأصول بلفظ:
(«وثانيها وثالثها)».
- ٢٤ -
٠
قلت: أمّا قولُه: ((نعلمُ بالضرورةِ اتَّفاقَ المسلمينَ على نبوّةٍ محمّدٍ
.α-醬-
[قلتُ(١)]: إنْ كنتَ تعني بالمسلمينَ: المعترفينَ بنبوّةٍ محمّدٍ - {﴾ -
فقولُكَ (٢): نعلمُ اتَّفاقَ المسلمينَ على نبوّةٍ محمد - مَ﴿ّ ◌ِ يَجري مَجرى أنْ
يُقالَ (٣): نعلمُ اتَّفَاقَ القائلين بنبوّة محمّدٍ - رَله- على نبوّةٍ محمّدٍ - وَلَ -.
وإنْ(٤) کنت تعني [به(٥)] شيئاً [آخر(٦)] - غیر نبّة محمد - چے ـ فلا نسلّم
أنَّا نقطعُ أنَّ(٧) القائلَ بذلك - قائلٌ بنبوّةٍ محمّدٍ - رَّ ..
ولا نُسلّمُ (٨) - أيضاً - أنَّا نقطعُ بأنَّ كلُّ من قالَ بنبوّةٍ محمّدٍ - رَِّ - قالَ
بوجوب الصلواتِ الخمسِ ، وصوم رمضانَ - وإنْ كنّا نعترفُ بحصولِ الظنّ.
والَّذي يدلُّ عليه: أنَّ الإِنسانَ (١) - قبل الإِحاطةِ (١١ ) بالمقالاتِ الغريبةِ،
والمذاهب النادرة - يعتقد اعتقاداً جازماً: أنَّ كلَّ المسلمين يعترفونَ أنَّ [ما ]
بين الدَّفتين كلامُ الله - عزّ وجلّ؛ ثمّ إذا فَتَشَ عن المقالاتِ الغريبة - وجدَ في
ذلكَ اختلافاً شديداً؛ نحو(١٢) ما يُروَى عَن ابنِ مسعودٍ : - أنَّه ((أنكرَ كونَ الفاتحةِ
والمعوِّذتين من القرآنِ»(١٣).
(١) في س، ص: ((قلنا))، ولم ترد في ي، آ.
(٢) في غير ص: ((فقولكم)).
(٣) في غير ص: ((يقول)) .
(٤) في غير س: ((فإن».
(٥) هذه الزيادة من ص، ح.
(٦) هذه الزيادة من ص، ل.
(٧) في ي: ((وإنا)).
(٨) لفظ ي: ((سلمت)».
(٩) لفظ ص: ((الناس)).
(١٠) في س: ((إحاطة علمه)).
(١١) سقطت من س. وما قبلها في ل، ي: ((بأنّ)).
(١٢) في ي زيادة: ((غريباً».
(١٣) أصل هذه الشبهة حديث آحاد أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند
من حديث زربن حبيش قال: قلت لأبيّ بن كعب: ((إنّ ابن مسعود كان لا يكتب المعوّذتين
في مصحفه؛! فقال: أشهد أن رسول الله - * - أخبرني: أن جبريل - عليه السلام - قال له : =
- ٢٥ -
قلْ أعوذُ بربِّ الفلق - فقلتها، فقال: قُلْ أَعوذُ بربِّ النَّاسِ فقلتها؛ فنحن نقول ما قال النبيّ
-*- المسند (١٢٩/٥)، والفتح الربانيّ (٣٥٢/١٨) رقم (٥٤٦). وقال: أخرجه أبو يعلى
في مسنده، والبزّار، والحميديّ، وأخرج المرفوع منه البخاريّ والطيالسيّ في مسنده.
(٢) وأخرج عبد الله في الزوائد - أيضاً - من حديث عبد الرحمن بن زيد - قال: ((كان
عبد الله يحكّ المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنّهما ليستا من كتاب الله تبارك وتعالى -)).
الفتح الربانيّ (٣٥١/١٨) رقم (٥٤٤). قال الأعمش - وهو من روى عنه الإِمام أحمد لولده
عبد الله الحديث -: وحدّثنا عاصم عن زر عن أبيّ بن كعب - قال: ((سألنا عنهما رسول الله
-* - فقال: قيل لي: فقلت» المسند (١٢٩/٥-٣٠)، ونحوه في البخاري (٧٥٠/٨)
بهامش فتح الباري .
(٣) وعن زر بن حبيش - قال: قلت لأبيّ: إنّ أخاك ۔ یحكّهما من المصحف فلم ینکز)»
قيل: لسفيان بن عيينة الذي روى في المسند عنه هذا الحديث -: ابن مسعود؟ (أي: هل
المراد باللفظ المبهم - أخاك - ابن مسعود) قال سفيان نعم (وأضاف) وليسا في مصحف ابن
مسعود كان يرى رسول الله - # - يعوّذ بهما الحسن والحسين ولم يسمعه يقرؤهما في شيء
من صلاته فظنّ أنّهما عوذتان، فأصر على ظنّه وتحقّق الباقون كونهما من القرآن فأودعوهما
إيَّه)): الفتح الرباني (٣٥١/٨ - ٣٥٢) رقم (٥٤٥)، والمسند (١٣٠/٥) ..
وحديث سفيان - هذا - روى الطرف الأول منه أبو يعلى، وروى الطرف الثاني المرفوع
منه البخاريّ، حیث قال:
(٤) ... حدثنا عاصم عن زر بن حبيش قال: سألت أبيّ بن كعب - قلت: أبا المنذر
إن أخاك ابن مسعود يقول: كذا وكذا !! فقال أبيّ: سألت رسول الله - 1883 - فقال لي: ((قيل
لي فقلت))؛ قال: فنحن نقول كما قال رسول الله - * - البخاري بهامش فتح الباري:
(٥٧٠/٨).
قال الشارح - الحافظ بن حجر - في قوله: ((كذا وكذا)): هكذا وقع هذا اللفظ - مبهماً -
وكأنَ بعض الرواة أبهمه استعظاماً له، وأظن ذلك من سفيان ... إلى أن قال: وكان سفيان
یصرّح بذلك تارة ویبهمه. (٥٧١/٨).
(٥) وفي الفاتحة بخصوصها - قال القرطبيّ: (( ... وأجمعت الأمّة: على أنّها من
القرآن. فإن قيل: لو كانت قرآناً - لأثبتها عبد الله بن مسعود في مصحفه، فلمّا لم يثبتها - دلّ
على أنّها ليست من القرآن: کالمعوّدتین - عنده - فالجواب ما ذكره أبو بكر الأنباريّ قال:
حدثنا الحسن بن الحباب ثنا سليمان بن الأشعث، ثنا ابن أبي قدامة، ثنا جرير عن الأعمش =
- ٢٦ -
= - قال: أظنّه عن إبراهيم قال: قيل لعبد الله بن مسعود: لِمَ لم تكتب فاتحة الكتاب في
مصحفك؟ قال: ((لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة)) !! قال أبو بكر: يعني: أن كل ركعة سبيلها
أن تفتتح بأم القرآن - قبل السورة المتلوّةِ - بعدها - فقال: اختصرتُ بإسقاطها، ووثقتُ بحفظ
المسلمين ولم أثبتها في موضع - فيلزمني أن أكتبها مع كل سورة؛ إذ كانت تتقدمها في
الصلاة. تفسير القرطبيّ: (١١٤/١-١١٥) ط مصورة عن ط دار الكتب المصرية لسنة
(١٩٦٧)م.
هذا ما ورد في هذا الموضوع واتخذ أصلاً لهذه الشبهة .
وقد انقسم العلماء في موقفهم من هذه الأحاديث إلى فرق:
--
الفرقة الأولى - ادعت بطلانها، وأبت قبولها وفي مقدمة هذه الفرقة أبو محمد بن حزم
حيث قال: (( ... وكل ما روي عن ابن مسعود من أن المعوّذتين وأم القرآن لم تكن في
مصحفه - فكذب موضوع لا يصح؛ وإنّما صحّت عنه قراءة عاصم عن زربن حبيش عن ابن
مسعود وفيها أم القرآن والمعوّذتان)» المحلى: (١٣/١). وكذلك الإِمام الرازيّ في تفسيره
- حيث قال: (( ... والأغلب على الظن أنّ نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب
باطل؛ وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة)). التفسير الكبير: (٢١٨/١) ط عبد الرحمن
محمد، ونحا نحوه الخازن في تفسيره: (٢٦٧/٦). ومنهم الإمام النووي شارح صحيح
مسلم وصاحب المجموع - حيث قال: ((أجمع المسلمون على أنّ المعوذتين والفاتحة وسائر
السور المكتوبة في المصحف -: قرآن، وأن من جحد شيئاً منه كفر، وما نقل عن ابن مسعود
في الفاتحة والمعوّذتيْن - باطلٌ ليس بصحيح عنه؛ ثم نقل ما ذكره ابن حزم. المجموع:
(٣٩٦/٣). ط المنيرية، ونحا نحوهم شارحا الشفاء الخفاجي والقاري فانظر الشرحين نسيم
الرياض وهامشه: (٤ /٥٥٨)، وكثيرون غيرهم.
الفرقة الثانية - قبلت هذه الروايات وصحّحتها، ولكنها اتبعت أسلوب التأويل والترجيح
وأبرز هؤلاء الحافظ ابن حجر الذي قال في شرح الحديث - الذي أسلفنا ذكره عن البخاريّ
بعد أن ذكر من رواه عدا البخاري والإمام أحمد وعبد الله بن الإمام أحمد -: وقد أخرجه ...
ابن حبان والطبرانيّ وابن مردويه ... وقد أخرجه البزّار - أيضاً - وفي آخره يقول: ((إنّما أمر
النبيّ - * - أن يتعوّذ بهما))؛ قال البزّار: ولم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة،
وقد صح عن النبي - وظيفه -: أنّ قرأهما في الصلاة. ثم ذكر تأويل القاضي الباقلاني، ومتابعة
القاضي عياض وغيره له فیه، ثم قال - بعد أن ذكر قول النووي وابن حزم والرازيّ في عدم
صحة الروايات المذكورة -: ... والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل، بل =
- ٢٧ -
= الرواية صحيحة والتأويل محتمل؛ والإِجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر - فهو
مخدوش، وإن أراد استقراره فهو مقبول))، ثم ذكر بعض التأويلات التي سنتعرض لها عند
بسط التأويلات على القول بصحة النقل.
الفرقة الثالثة - هي فرقة ضالة مضلّة سارعت إلى قبول الروايات وتصحيحها، ولكن
بقصد حملها على أبعد مجاملها - وهو: جحد ابن مسعود - رضي الله عنه - لقرآنيَّتهما، وجعلوا
من ذلك وسيلة للطعن في ابن مسعود، ونفي عدالة الصحابة - الذين رضي الله عنهم ورضوا
عنه - وما إلى ذلك - وحده - رموا ولكنهم أرادوا - أيضاً - الطعن بتواتر مجموع ما بين الدفّتين -
الذي هو أمر مجمع عليه بين المسلمين لا يخالفه إلا كافر أو مبتدع متبع لغير سبيلهم، وقد
اعتبر من هذا الفريق النظّام المعتزليّ فقد نسب إليه ابن قتيبة ذلك في جملة من الآراء الشاذّة
المنقولة عنه. فانظر ((تأويل مختلف الحديث)) (٢١)، وذكر القول من غير تصريح باسم قائله
في («تأويل مشكل القرآن)) (٢٥)، وتأويله لذلك في (٤٣)، وأغلب الظن: أن الإمام المصنف
قد نقل هذا القول عن ((تأويل مختلف الحديث)) - فهي فيه بنفس اللفظ.
الفرقة الرابعة - هي الفرقة التي قبلت هذه الروايات وعارضتها بما يرجح عليها ويدفعها
من الروايات الكثيرة المتواترة القاطعة لكل شك في قرآنيتهما ومن هذا الفريق جماهير العلماء
والأئمة المشهورون ومعظم المفسرين، ومن هذه الروايات التي استندوا إليها في ذلك:
(١) - ما أخرجه عبد الله في زياداته على مسند أبيه عن عقبة بن عامر - قال: لقيني رسول
الله - * - فابتدأني فأخذ بيدي - فقال: يا عقبة بن عامر ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت
في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم قال: قلت: بلى جعلني الله فداك: قال:
فأقرأني: (قُلْ هُوَ الله أَحدٌ، وقلْ أَعوذُ بربِّ الفلقِ، وقُلْ أَعوذُ بربِّ الناسِ)، ثم قال: يا عقبة
لا تنساهنّ، ولا تبت ليلة حتى تقرأهنّ، قال: فما نسيتهنّ من منذ قال: لا تنساهنّ، وما بتّ
ليلة حتى أقرأهنّ)). الفتح الرباني: (٣٤٩/١٨)، وابن كثير في التفسير: (٤ /٥٧٢).
(٢) وعن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه - قال: أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول
الله - 995 - ليصلي لنا، فخرج، فأخذ بيدي - فقال: ((قل))! قلت: ما أقول؟ - قال: ((قل هو
الله أحدٌ والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثاً يكفيك كل يوم مرّتين)).
الفتح الرباني: (٣٤٩/١٨).
(٣) عن عقبة بن عامر: ((بينا أنا أقود برسول الله - * - في نقب من تلك النقاب إذ قال
لي: ((يا عقبة ألا تركب»؟ قال: فأجللت برسول الله - ◌َ لل - أن أركب مركبه، ثم قال: «يا عقبة
ألا تركب)»؟ قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله - وَل﴾ - وركبت هنيّةً، ثم =
- ٢٨ -
= ركب، ثم قال: ((يا عقيبُ ألا أعلّمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس))؟ قال: قلت:
بلى يا رسول الله !! قال: فأقرأني: ((قل أعوذُ برب الفلقِ)) و((قلْ أعوذُ بربِّ الناسِ)»، ثم أقيمت
الصلاة فتقدَّم رسول الله فقرأ بهما، ثم مرّبي قال: ((كيف رأيت يا عقيبُ؟ اقرأ بهما كلّما نمت
وكلّما قمت)). أخرجه أبو داود والنسائي ورجاله ثقات - ورواه - أيضاً - الحاكم مختصراً
وصححه وأقرّه الذهبيّ. الفتح الرباني (٣٤٩/١٨) وتفسير ابن كثير (٥٧١/٤) ..
(٤) وبعن عقبة بن عامر - أيضاً - قال: قال رسول الله - صل) -: ((أنزلت عليّ سورتان (وفي
رواية: أنزل عليّ آيات لم يُرَ مثلهنّ) فتعوَّذوا بهنّ فإنه لم يُتعوّذ بمثلهن)). أخرجه الترمذي
في (١١٠/٨)، الحديث رقم (٢٩٠٤)، كما أخرجه في (٨٧/٩)، الحديث رقم (٣٣٦٤)،
وقد أخرجه مسلم أيضاً في فضل قراءة المعوذتين: (٩٦/٦) ط المصريّة، وأبو داود الحديث
(١٤٦٢)، والنسائي وابن ماجه فانظر جامع الأصول: (٤٨٩/٨)، الحديث رقم (٦٢٧٠).
(٥) وعن عقبة - أيضاً - قال: قال لي رسول الله - مصر -: ((اقرأ بالمعوذتين لن تقرأ
بمثلهما)). الفتح الرباني (٣٥٠/١٨).
(٦) وعن أبي العلاء - قال: قال رجل (هو عقبة بن عامر على ما ذكر ابن كثير): كنّا مع
رسول الله -* - في سفر والناس يعتقبون، وفي الظهر قلّة فحانت نزلة رسول الله - ﴾ -
ونزلتي فلحقني من بعدي، فضرب منكبي - فقال: ((قل أعوذُ بربِّ الغلقِ)) فقرأها رسول الله
۔ڑ۔وقرأتها ۔ معہ ۔ ثم قال: ((وقُلْ أعوذُ برب النَّاسِ )) فقرأها رسول الله - ٹ۔۔وقرأتها - معه ۔
قال: ((إذا أنتّ صلیتَ فاقرأ بهما)).
أورده الهيثمي وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. أ. هـ كما أورده الحافظ ابن
كثير في التفسير وعزاه إلى الإِمام أحمد، ثم قال: ورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن
ابن عليّة به. الفتح الرباني: (٣٥١/١٨) والتفسير (٤ /٥٧٢).
وبعد أن أخرج الحافظ ابن كثير أحاديث عقبة بطرقها المختلفة قال:
(( ... فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه تفيد القطع عند كثير من المحققين في
الحدیث)) .
(٧) وعن أبي سعيد الخدريّ قال: ((كان رسول الله - وَال ـ يتعوّذ من أعين الجانّ وأعين
الإِنس فلما نزلت المعوّدتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك)). أخرجه ابن ماجه، ورواه الترمذيّ
والنسائي من طريق آخر. وقال الترمذي: حسن. تفسير ابن كثير: (٤ /٤١٠).
(٨) وعن عائشة - رضي الله عنها - أنّ رسول الله - وَ﴾ - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه
بالمعوذتين وينفث، فلمّا اشتدّ وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوّدات، وأمسح بيده عليه رجاء.
بركتها».
- ٢٩ -
۔۔
= رواه الإمام مالك عن ابن شهاب عن عروة عنها. قال الحافظ ابن كثير: ورواه البخاري
عن عبد الله بن يوسف، ومسلمُ عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبيّ، والنسائيّ عن
قتيبة؛ ومن حديث ابن القاسم وعيسى بن يونس، وابن ماجه من حديث معن وبشر بن عمر
ثمانيتهم عن مالك به. التفسير: (٤ /٥٧٢).
هذا هو جلُّ ما روي في بيان وتأكيد قرآنيّة المعوّذتين وهذه الأحاديث - وإن اختلفت
صيغها وألفاظها - ولكنّها بجملتها تؤيد ذلك وتؤكد بما لا يدع مجالاً لشكَّ أنّهما قرآن كسائر
ما نزل على رسول الله -* - وحديث عقبة الذي أوردناه (٣) وفيه النص على أن رسول الله
- ◌َ * - قد صلى بهما، ثم قال له: «كيف رأيت يا عقيب؟)» -: فيه إشارة ظاهرة إلى أن عقبة
ربما كان يظن أنهما عوذتان أنزلتا للتعوذ بهما خاصة، وأنهما ليستا كسائر القرآن، وقد يكون
عقبة سأل رسول الله - ﴿﴿ - عن ذلك فلما صلّى رسول الله - 14 - بهما قطع ذلك كل شك
من نفسه، ثم سأله رسول الله - پ# ۔عن ذلك ليطمئن إلى أن شكوكه قد زالت فقال له: ((كيف
رأيت يا عقيب؟. اقرأ بهما كلما نمت وكلّما قمت)) أي -: وصلِّ بهما كما رأيتني أصلي ..
وأما جواب القاضي الباقلاني عن هذه الشبهة - فهو كما أشرت عمدة جميع أولئك الذين
ناقشوا هذه الشبهة مناقشة عقليَّة وقد ورد ردّه هذا في كتابه العظيم - الذي لا يزال مخطوطاً -
((الانتصار)) والذي حصلنا على صورة لنسخة منه غير كاملة محفوظة في استامبول تقع في
ثلاثمائة ورقة وكم نتمنى أن يوفقنا الله إلى تحقيقه ونشره إن شاء الله .
وقد عقد القاضي باباً خاصاً في رد هذه الشبهة وإبطالها جاء فيما يزيد على اثنتي عشرة
ورقة فبّن - أولاً -: أن هدف مرددي هذه الشبهة الطعن في تواتر نقلهما. ثم بدأ بمناقشة
الشبهة فنفى - أولاً - إمكان كون ابن مسعود أنكر قرآنيّتهما مع جلالة قدره وموفور علمه، وأنّه
لو كان منه ذلك - لاشتهر وانتشر وظهر ظهور الوقائع العظيمة؛ حيث أن الخلاف في قرآنيّة
سورتين من القرآن ليس من الأمور التي يمر بها المسلمون مروراً بحيث لا تروى إلا بطريق
الآحاد؛ فإن أقواله في مسائل فقهيّة وفرعيَّة قد نالت من الشهرة أكثر مما نال هذا: کالنهي عن
((الإقامة على التطبيق في الصلاة)) و((خلافه في الفرائض)) وغير ذلك.
ولو عرف ذلك منه - في عصر الصحابة مع العلم بأنّهم وسائر المسلمين من بعدهم
يعتقدون كون المعوذتين قرآناً - لوجب في مستقر العادة إنكارهم عليه ومناظرته، فإن من
المعروف أن جاحدهما بمنزلة جاحد القرآن، ولكانوا طالبوا الإمام بإقامة حد الله عليه،
والحكم عليه بالكفر والردة، ولكان ذلك من أقوى ما احتج به عثمان لعدوله عن تكليفه بكتابة
المصحف الإمام، وتکلیف زيد بن ثابت بذلك. ولقد ناظره عثمان على امتناعه من تسلیم =
- ٣٠ -
= مصحفه إليه، ولكن لم يؤثر عنه أنه ناظره بكلمة واحدة تشير إلى هذه الشبهة من قريب أو
بعيد، ولو كان ذلك قد حدث من ابن مسعود - لعرضوه على السيف لا محالة فإنهم مجمعون
على كفر من أنكر من القرآن كلمة واحدة فكيف بمن يجحد سورتين؟ !!.
وأضاف إلى ذلك: أنّ عبد الله كان من أبرز قراء الصحابة في عصر رسول الله - وصال*1 -
وبعد وفاته، ورسول الله - * - جعله واحداً من أهم من يؤخذ عنهم القرآن ولذلك كان له
أصحاب كثيرون عنه تلقوا القرآن، وعنه رووه، منهم: عبيدة السلماني ومسروق بن الأجدع،
وعلقمة بن قيس، وعمروبن شرحبيل، والحارث بن قيس، والأسود بن يزيدوغيرهم - من مشاهير
أصحابه وتلامذته الناشرين لعلمه والراوين لأقواله، وهؤلاء - جميعاً - لم يؤثر عن أحد منهم
رواية ظاهرة أو غير ظاهرة بأن لعبد الله بن مسعود مثل هذا الرأي، ولو أنّهم علموا منه - هذا -
لاشتهر وظهر إنكارهم عليه وتغليطهم له فهؤلاء - جميعاً - كانوا أبراراً من أخيار المسلمين
ومعروفين بصحبة عبد الله بن مسعود، ولكان الناس سألوهم أو بعضهم عن حقيقة رأيهم في
ذلك، ولكان لا بد لهم - بعد ذلك - من الجواب بتصويبه أو تخطئته فيه، وعلى التقديرين:
كان لا بد أن يظهر ذلك عنهم وينتشر ويلزم القلوب لزوماً لا يمكن الشك فيه، وفي إطباق
الأمّة: أهل السير وجميع أهل العلم: على أنّه لا شيء يروى عن أحد من أصحاب عبد الله
- في هذا الباب - دليل قاطع على أن عبد الله لم يجحد كون المعوّذتين قرآناً.
ثم أوضح أن اتهام عبد الله - بهذا - لا يمكن أن يقبل إلا بشهادة مستوفية لشروط الشهادة
كاملة، لأن ذلك بمثابة الشهادة عليه بالردة وحبوط العمل، والردّة تستوجب القتل، ولا يقبل
/: في هذا رواية الآحاد - كما هو الحال فيما رواه زربن حبيش، فإما أن يحكم عليه بالردة،
ا ويعاقب عقوبة المرتد، وإما أن تنسب الأمة - كلها - إلى الضلال لأنها قصرت في إقامة حدٍّ
الله علی مستحقه، وذلك كله مما لا تقبل فيه رواية الآحاد.
ثم ذكر جملة من الأحاديث الواردة - في فضائل عبد الله - وفي مقدمتها قوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد». أخرجه
أحمد في المسند وابن ماجه والحاكم. عن أبي بكر وعمر. على ما في الفتح الكبير
(١٤٨/٣).
ثم أضاف: أنّه على فرض صحة إنكاره لذلك مخالفاً أو متأوّلاً فإن الإجماع - الذي انعقد
على أن ما بين الدفتين كلّه قرآن - قاطع لخلافه، مذهبٌ لأثره.
ثم أورد الروايات الصحيحة المعارضة لما رواه زروبيّن رجحانها الكامل على ما رواه،
كأحاديث عقبة المتقدمة ونحوها،
- ٣١ -
=
ثم أورد روايات كثيرة عن أصحاب ابن مسعود في النص على قرآنيتهما منها ما رواه عن
=
إبراهيم قال: قلت للأسود: ((أمن القرآن هما))؟ قال: ((تعني المعوّذتين))؟ قلت: ((نعم)) فقال:
((نعم هما منه))، ونحوه عن الشعبيّ (ورقة (٩٧)) ثم قال - مقدراً اعتراض المعترض -:.
هذا الذي قلتموه صحيح، لكن لا بد وأن يكون قد قيل أو حدث في أمر المعوذتين ما
اقتضى الخوض فيهما دون غيرهما - من سور القرآن -
کما لا بد وأن يكون قد حدث من ابن مسعود - خاصة - ما اقتضى إضافة ذلك إليه.
أمّا الأمر الأول - فإن رسول الله - 8# - كان يعوّذ الحسن والحسين، ويتعوذ هو كذلك
ببعض الأدعية المأثورة فلما نزلت السورتان اقتصر تعوّذه عليهما، فقد يكون في ذلك ما أثار
في ١ ن حبيش ونحوه شبهة أنهما عوذتان، وعزّز هذه الشبهة أن ابن مسعود لم يثبتهما.
في مصف فحمل ذلك زراً على سؤال أبيّ فسأله فأجابه - كما في الأحاديث المتقدمة وانقطع
بذلك الخمض في أمرهما.
وأما أنه نسب إليه دون سواه - فلأنه لم يثبتهما في مصحفه لثقته بحفظ المسلمين لهما،
لأنهم مأمورون بالتعوّذ بهما في الصباح والمساء - فهما كسورة الفاتحة من هذه الناحية.
وأن ما يؤيّد هذا: أن الصدر الأول قد خلا عن الخوض في هذا الأمر إلا ما روينا من
حدیث زر».
فلما نبغ الملحدون والمنحرفون - بعد ذلك - والطاعنون على القرآن والسلف أخذوا هذه
الرواية وأعادوا وأبدوا بذكرها ليحققوا غرضهم من ذلك، ولكن أنّى لمثل هذه المحاولات أن
تنال من كتاب الله، أو من عدالة أصحاب رسول الله؟ وأما الرواية التي نسب إلى عبد الله فيها
أنه كان يقول: ((إنهما ليستا من كتاب الله)) أو ((لا تخلطوا بالقرآن ما ليس منه)) - فهي بالإضافة
إلى ما فيها من اضطراب ظاهر - يمكن أن يقال فيها: إن الراوي لم يضف الكلام إلى ابن
مسعود، ويحتمل أنه سمع عبارة ((إنهما ليستا من كتاب الله)) أو ((لا تخلطوا بالقرآن ما ليس
منه)) من غير أن يعرف ما يعنيه عبد الله بذلك. فربما كان يعني شيئاً آخر، وتأوله على
المعوذتين حيث ثار الكلام حولهما وذلك كله على فرض صحة الرواية .
وعلى هذا فإنه لا يمكن أن يُنال من تواتر ما بين الدفتين، أو من عدالة الصحابة بمثل
هذه الروايات.
وكذلك تكلّم القاضي في كتابه ((الانتصار)) عن قول ((الميمونية)) من الخوارج بنفي قرآنية
سورة ((يوسف))، وما تعرض إليه بعض غلاة الرافضة من سقوط بعض الآيات المتعلقة بفضائل
آل البيت من القرآن - ونقتصر على هذا تاركين أمر تفصيل مناقشة ذلك تفصيلاً لمجال آخر =
- ٣٢ -
[ويُروى عن ((الميمونيّة)) - قومٍ من الخوارجِ: أنَّهم أنكروا كونَ (سورة
يوسفَ) من القرآن.
ويُروى عن كثيرٍ من قدماءِ الروافضِ : أنَّ هذا القرآن - الَّذي عندنا - ليسَ
هو ذلكَ(*) الذي أنزلُّ على محمّدٍ - رَ﴾ - بَلِ غُيِّرَ وبُدِّلَ، ونُقِصَ عنهُ وزيدَ فيه .
وإذا كان كذلك: علمنا(١)] أَنَّا(٢) - وإن اعتقدْنَا في الشيءِ: أنَّهُ مجمعٌ عليه
: = إن شاء الله - تعالى - والله الهادي إلى سواء السبيل.
(*) آخر الورقة (٢) من ح.
(١) ما بين المعقوفتين ساقط كلّه من ل، ولفظ ((الميمونيّة)) زيادة ص، ولفظ ((عنه)) في
ي: «منه» وأبدل قوله: ((وإذا كان كذلك)) فيها بلفظ ((قلت)).
هذا: و((الميمونية)) في بداية أمرهم نسبوا إلى الخوارج الشحرية ورأسهم ميمون بن
عمران - كان على مذهب العجاردة - منهم - ثم خالف العجاردة في إثبات القدر خيره وشره
من العبد، وإثبات الفعل للعبد خلقاً وإبداعاً وأن الله - تعالى - يريد الخير فقط ولا يريد الشر
وأنه لا مشيئة له - تعالى - في معاصي العباد. وزادوا على العجاردة بالقول بتكفير عليّ وطلحة
والزبير وعائشة وعثمان - رضي الله عنهم أجمعين - ثم زاد ميمون هذا كله: بأن أباح نكاح
بنات الأولاد من الأجداد وبنات أولاد الإخوة والأخوات. بعلة عدم ذكر القرآن العظيم
لتحريمهنّ. وحكى الكرابيسيّ -: أنهم أنكروا كون سورة يوسف من القرآن.
فإذا صح ما تقدم عنهم فهم خارجون عن الإِسلام داخلون في الكفر لا يجوز اعتبارهم
من الفرق الإسلامية .
انظر الفرق للبغدادي: (٢٦٤) والاعتقادات للمصنف (٥٨) ط مكتبة الكليات الأزهرية
والغُلُّ والفرق الغالية (١١٦).
والتبصير في الدين ص(١٥)، والحور العين (١٧١)، والملل والنحل (٢٢٨/١) ط
الأزهر، والفصل (١٩٠/٤).
ومن كان هذا شأنهم ـ فالمفروض أن لا يعدّوا من المسلمين، فكيف تعتبر أباطيلهم هذه
قادحة في حصول العلم بالإجماع، وهم ليسوا في عداد المسلمين فضلاً عن أن يكونوا في
عداد أهل الإجماع؟ !!.
عفا الله عن الإمام المصنف كنا نتمنى لو أنه ضرب عنهم وعن أمثالهم وأمثال مقالاتهم
الذكر صفحاً فهم من الفرق البائدة، وإن كانت الدنيا لم تخل من أمثالهم - اليوم - ولكن
بثياب جدیدة.
(٢) لفظ ل، ي: «نحن».
-٣٣ -
- اعتقاداً قوياً، لكنّ ذلكَ الاعتقادَ لا يبلغ حدَّ(*) العلمِ : ولا يرتفعُ عن درجةٍ.
الظنُّ.
قوله: ((نعلمُ استيلاءَ بعضِ المذاهبِ على بعضِ البلاد)».
قلنا: علمنا ذلكَ بخبر التواتر (١)، وفرقٌ بين معرفة حالِ الأكثر و[بين(٢)]
معرفةِ حالِ الكلِّ؛ لأنَّ منَ دخلَ بلداً، ورأى شعائرَ(٣) الإِسلام - في جميعٍ
المحلّات والسكَكِ - ظاهرةً: علمَ بالضرورةِ أنَّ الغالبَ على أهلِ تلك المدينةِ.
- الإِسلامُ.
فأمّا أنْ يعلم - قطعاً -: أنَّه ليسَ في البلدةِ [أحدٌ (٤) إِلّ مسلمٌ (٥) - ظاهراً (٦)
وباطناً - فذلك ممّا لا سبيلَ إليهِ - ألبتَّةَ - والعلمُ بامتناعِهِ ضروريٌّ .
قوله: ((السلطانُ العظيمُ يمكنُّهُ جمعُ علماءِ العالمِ في موضعٍ واحدٍ)».
قلنا: هذا السلطانُ (٧) المستولي على جميعِ معمورةِ العالمِ - ممّا لم يُوجد
إلى الآن .
وبتقدير وجودِهِ: فكيفَ يمكنُ القطعُ بأنَّه لم ينقلتْ منهُ أحدٌ (٨) في أقصى
الشرق أو [أقصى(٩)] الغرب؟ فإنَّ ذلكَ الملك ليسَ بعلام الغيوبِ.
وبتقدير أنْ لا ينفلتَ منهُ أحدٌ( ١٠): فكيفَ يمكنُ القطعُ بأنَّ الكلِّ أفتَوْا بِذَلِكِ
الحكم - طائعين راغبين، غيرَ مكرهينَ ولا مجبرين؟ .
والإنصافُ: أَنَّه لا طريقَ لنا إلى معرفةِ حصولِ الإِجماعِ إلَّ في زمانٍ
(*) آخر الورقة (٣) من س.
(١) عبارة ص: ((بالخبر المتواتر)).
(٢) لم ترد في ي .
(٣) كذا في س، ولفظ غيرها: ((شعار الإِسلام ظاهراً».
(٤) لم ترد في ي.
(٥) في ص: ((من المسلمين)).
(٦) في ح: ((أو)) .
(٧) كذا في س. ولفظ غيرها: ((الملك)).
(٨) لفظ غير س: «واحد)).
(٩) عبارة ص: ((والغرب)).
(١٠) لفظ ح: ((واحد)).
- ٣٤ -
الصحابةِ؛ حيثُ كانَ المؤمنونَ قليلينَ(١): يمكنُ معرفتُهُم بأسرِهِم على
التفصيل (٢).
المسألةُ الثالثةُ:
إجماعُ أمّةِ محمّد - رَّةَ - حجّةٌ: خلافاً للنظّامِ والشيعة والخوارجِ.
لنا وجوه:
الأول:
قوله - تعالى - ﴿ومَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ من بعدٍ ما تبيَّنَ لهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيرَ
(١) في ص زيادة: ((فإنّه)).
(٢) زاد في ص، ح: ((والله أعلم)).
عقد المصنّف هذه المسألة لبيان إمكان وقوع الإجماع، ولذكر المذاهب في نقله - بعد
وقوعه - وقد رأيت أنّه - رحمه الله - قد رجح: أنّه لا طريق إلى معرفة حصوله إلا في زمن
الصحابة - رضوان الله - تعالى - عليهم أجمعين؛ وهو مذهب من مذاهب أربعة في المسألة
هي:
(١) مذهب الجمهور القاضي - بإمكان الاطلاع عليه - مطلقاً - في عصر الصحابة وفي
غيره من العصور.
(٢) مذهب الإمام المصنّف وقد عرفته وهو الموافق لمذهب أهل الظاهر وبعض الشيعة
الإِماميّة، ومنهم المحقّق الطوسيّ، وتبعه فيه الأصفهانيّ وآخرون.
(٣) مذهب القائلين بإمكان الاطلاع عليه في القرون الثلاثة الأول وقد ذكره صاحب
فواتح الرحموت (٢١٢/٢) بحاشية المستصفى من غير أن يعزوه لأحد من الأئمة .
(٤) مذهب القائلين باستحالة الاطلاع عليه - وهو مذهب النافين للإجماع ومنهم بعض
النظَاميّة وبعض الشيعة وبعض الخوارج ولكل مذهب من هذه المذاهب أدلته فراجع: العدّة
للطوسي (٧٧/٢_٧٨)، وشرح الإسنوي على المنهاج (٣٣٨/٢)، والإبهاج (٢٣١/٢)،
وتيسير التحرير (٢٢٦/٣)، وفواتح الرحموت بحاشية المستصفى (٢١٢/٢)، وشرح مختصر
ابن الحاجب (٣٠/٢)، وإحكام الآمدي (١٩٨/١) ط الرياض، وأصول مذهب الإمام
أحمد (٣١٤) وما بعدها، والمعتمد (٥٣١/٢) وما بعدها، والبرهان (١ /٦٧٠-٦٧٥) فق
(٦١٨) وما بعدها، والحاصل (٥٤٥) وما بعدها.
- ٣٥ -
سَبيلِ المُؤْمِنِينَ﴾(١) الآية؛ جمع الله (٢) - تعالى - بينَ مشاقّةٌ(٣) الرسولِ، واتّباع
غير سبيلِ المؤمنين في الوعيدِ؛ فلو كانَ اتِّباعُ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ مباحاً - لماً
جمعَ بِينَهُ وبِينَ المحظورِ: كما لا (٤) يجوزُ أن يُقالَ: ((إن زنيتَ، وشربتَ الماءَ
- عاقبتُكَ)).
فثبتَ: أَنَّ متابعَة غيرِ سبيلِ المؤمِنِينَ محظور[ةً(٥)].
ومتابعة غير سبيل المؤمنينَ: عبارةٌ عن متابعةِ قولٍ (٦) أو فتوى غيرِ(٧) قولهم.
وفتواهم وإذا كانت تلكَ محظورةً: وجبَ أنْ تكونَ متابعةُ قولِهم وفتواهم واجبةً ؛
ضرورةً(٨) أَنّهُ لا خروجَ(٩) من القسمينِ.
فإنْ قيلَ: لا نُسلِّمُ أنَّ متابعَة غيرِ سبيلِ المؤمنينَ محظورةً(*) - على
الإِطلاقِ؛ وَلِمَ (١٠) لا يجوزُ أنْ يكونَ كونُها محظورةً مشروطاً بمشاقّةِ الرسول
- ◌َ - ولا تكونَ محظورةً(١) بدونِ هذا الشرطِ، خرجَ على هذا قولُه(١٢): ((إنْ
زنيتَ وشربتَ الماءَ عاقبتُكَ))؛ لأنَّ شربَ الماءِ غيرُ محظورٍ لا مطلقاً ولا بشرطِ
الزنى .
فإنْ قلتَ: إذا كان أتِّباعُ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ حراماً - عند حصولِ المشاقَّةِ:
وجبّ أنْ يكونَ اتّباعُ (١٣ )سبيلِ المؤمنينَ واجباً - عندَ حصولِ المشاقّةِ(*)؛ لأنّه لَا
(١) الآية (١١٥) من سورة النساء وقد اقتصر في ح، ل على إيراد ﴿ومَنْ يُشاقِقُ
الرَّسول﴾ .
(٢) كذا في ص، وفي غيرها: ((الله تعالى جمع)).
(٣) كذا في ص، خ، ولفظ غيرهما: ((مشافقة)).
(٤) زاد في ي: «و».
(٥) هذه الزيادة من س.
(٧) أبدلت في غير ص بلفظ: ((تخالف)).
(٨) زاد في ي، آ: ((ل)).
(*) آخر الورقة (٣) من ل.
(١١) لفظ ي: ((محذورة)).
(١٣) في ي زيادة: ((غير)»، وهو تحريف.
(٦) كذا في ي، وفي غيرها: ((و).
(٩) لفظ ص، ي: ((عن)).
(١٠) في ص، ي: ((فلم)).
(١٢) لفظ س: ((قولنا)).
(*) آخر الورقة (٣) من آ.
-٣٦ -
٠٠
٠ ٠٠
خروجَ على القسمين، لكنّ ذلكَ باطلٌ؛ لأنَّ المشاقَّةَ ليستْ عبارةً عن المعصيةِ
- كيفَ كانت، وإلّ لكانَ كلُّ من عصى الرسول - وَه ◌ِ مشاقّاً له؛ [بل هي(١)]
عبارةٌ: عن الكفر به وتكذيبهِ .
وإذا كان كذلكَ: لزمَ(٢) وجوبُ العملِ بالإِجماع - عند تكذيب الرَّسول
- عليه الصَّلاةُ والسَّلام - وذلكَ باطلٌ؛ لأنَّ العلمَ بصحّةِ الإِجماع - متوقُّفٌ(٣)،
على العلم بالنَّبَوَّةِ، فإيجابُ العملِ به(٤) - حالَ عدمِ العلمِ بالنبوَّةِ -: يكونُ
تكليفاً بالجمعِ بينَ الضدَّينِ؛ وهو محالٌ.
قلتُ: لا نسلِّمُ أنَّهُ إذا كان اتّباعُ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ - حراماً عند المشاقّةِ :
كانَ اتِّبَاعُ سبيلِ المؤمنينَ - واجباً عند المشاقّةِ؛ لأنَّ بينَ القسمينِ ثالثاً - وهو:
عدمُ الاتِّباع أصلاً.
سلّمنا أنَّهُ يَلزمُ (*) وجوبُ اتّباع سبيلِ المؤمنينَ - عندَ المشاقّةِ؛ لكنْ لا
نسلّمُ أنَّهُ ممتنعٌ .
قوله: ((المشاقّةُ لا تحصلُ إلا عندَ الكفرِ [به(٥)]، وإيجابُ العملِ
بالإِجماع عندَ حصولِ الكفر محالٌ».
قلنا: لا نسلّمُ أنَّ المشاقَّة لا تحصلُ إلَّ مع الكفرِ.
بيانُه: أنَّ المشاقّة - مشتقَّةٌ(٦) من كونِ أحدِ الشخصينِ في شقٍ، و[كونٍ(٧)]
الآخر في الشقّ الآخر؛ وذلكَ يكفي فيه أصلُ المخالفةِ - سواءً(٨) بلغَ حدّ الكفرِ
(١) سقطت من ص.
(٢) لفظ ل، ي: ((يلزم)).
(٣) في س، ص: ((يتوقف)).
(٤) لفظ ي: ((يعلم)).
(*) آخر الورقة (٤) من س.
(٥) لم ترد في ل، ح، ي.
(٧) لم ترد في ل، ح، ي، آ.
(٨) في س زيادة: ((كان قد)».
(٦) لفظ ص: ((مشتق)).
- ٣٧ -
أو لم يبلغله(١)] سلّمنا أنَّ المشاقَّةَ لا تحصلُ إلَّ عندَ(٢) الكفر، فلِمَ قلتَ(٣):
إنَّ حصولَ الكفرِ ينافي تمكّنَ(٤) العملِ بالإِجماعِ (٥)؟.
بياتُهُ: أنَّ الكفرَ بالرسول - ﴿ - كما يكونُ بالجهلِ بكونِهِ(*) صادقاً، فقد
يكونُ - أيضاً - بأمورٍ أخرَ: كشدُ الزُّنَّارِ، وليسِ الغيارِ (٦)، وإلقاءِ المصحفِ في
القاذوراتِ، والاستخفافِ بالنبيِّ - * - مع الاعترافِ بكونه نبيّاً، وإنكارُ نبوْتِهِ
باللّسان - مع العلم بكونه نبيّاً؛ وشيءٌ - من هذه الأنواع - من الكفرِ لا يُنافي
العلمَ بوجوبِ الإِجماع (٧).
سلَّمنا هذه المنافاةَ(*) فلِمَ قلتَ (٨): إنَّها مانعةٌ من التكليف؟ .
بيانُهُ: أَنَّ الله - تُعالى - كلُّف ((أبا لهبٍ)) بالإِيمانِ، ومن الإِيمانِ تصديقُ الله
- تعالى - في كلِّ ما أخبرَ عنه، ومما أخبر عنهُ: أَنَّه لا يُؤمِنُ: فيكونُ أبو لهب
مكلّفاً بأنْ يُؤْمِنَ بأنَّه لَا يُؤْمِنُ؛ وذلكَ متعذّرٌ.
وهذا التوجيهُ ظاهرٌ - أيضاً - في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ
عَليهِمْ أَنْذَرتَهُم أم لمْ تُنذرهُم لا يُؤْمِنُونَ﴾(١)، فإنَّ ] أولئكَ الَّذين أخبر الله
عنهم بهذا الخبر كانُوا [مكلَّفين بالإِيمانِ: فكانوا ] مكلّفينَ بتصديق هذه
الآية، وباقي (١٢) التقريرِ(١٣) ظاهرٌ.
(١) لم ترد في ص.
(٢) لفظ ح: ((مع)) وأثبت كلمة ((عند)) فوقها عن مقابلة.
(٣) في ص: ((قلتم)).
(٤) كذا في س، ص، وفي غيرهما: ((تمكين)).
(٥) لفظ س: ((یکون)) ..
(*) آخر الورقة (٢) من ي .
(٦) في ل: ((الغادر)). وهو تصحيف.
(٧) لفظ س: ((الاتّباع)). وهو تصرف من الناسخ.
(*) آخر الورقة (٣) من ح.
(٨) لفظ ح: ((قلتم)).
(٩) الآية (٦) من سورة البقرة.
(١٠) لم ترد في ص.
(١٢) في ل زيادة: ((هذا)).
(١١) ساقط من ح.
(١٣) لفظ س: ((التفريق)».
- ٣٨ -
سلّمنا أنَّ [هذه(١)] الآيةَ تقتضي المنعَ من متابعةِ غيرِ سبيل المؤمنين لا
بشرطِ مشاقَّةِ الرسولِ ، لكن بشرط تبيّن(٢) الهدى، أو لا بهذا الشرطِ؟ الأوَّلُ
مسلَّمُ، والثاني ممنوعٌ (٣).
بيانُهُ: أَنَّه - تعالى - ذكر مشاقّة الرسول - {﴿ - وشَرَطَ فيها تبيّنَ الهدى، ثمّ
عطفَ عليها اتّباعَ [غيرِ(٤)] سبيلِ المؤمنين: فوجبَ (٥) أنْ يكونَ تبيّن الهدى شرطاً
في التوعُّد على اتّباعِ غيرِ (٦) سبيلِ المؤمنين؛ لأنَّ ما كانَ شرطاً في المعطوفِ
عليه - يجبُ أن يكونَ شرطاً في المعطوفِ، واللّمُ في الهدى للاستغراق: فيلزمُ
أنْ لا يحصلَ التوعّدُ على اتّباعِ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ إلّ عندَ تبيّنِ جميعٍ (*) أنواعِ
الهدى. ومن جملةِ أنواع الُهُدى ذلك [الدليلُ(٧)] - الَّذي لَأَجلِهِ ذهبَ أهلٌ
الإِجماع إلى ذلك الحكمِ .
وعلى هذا التقدير: لا يبقى (٨) للتمسّك بالإِجماع (٩) فائدةٌ.
وأيضاً: فالإِنسانُ إذا قال لغيره: ((إذا تبيّن لك صدقُ فلان فاتّبعه)) - فهم
[منه ١] تبيَّن صدقٍ قوله بشيءٍ غير قولِهِ: فكذا - ها هنا - يجبُ أنْ يكونَ تبيّنُ
صحّةِ إجماعِهِم بشيءٍ وراءَ إجماعهمُ (١)؛ وإذاَ كنّا لا نتمسَّكُ [بالإِجماع(١٤)]
(١) هذه الزيادة من ص.
(٢) لفظ ل: ((تعيّن)).
(٣) في س، ص، ي، آ: ((م، ع)).
(٤) سقطت من ص.
(٥) في س، ح، ص، ي، آ: ((فيجب)).
(٦) كذا في ل، وفي غيرها: ((متابعة)).
(*) آخر الورقة (١) من ص.
(٧) لم ترد في ص.
(٨) في ي: ((فلا)).
(٩) لفظ ل: ((في الإجماع)).
(١٠) لم ترد في ص.
(١١) في ح، ل: ((وجب)).
(١٢) كذا في ص، وفي غيرها: ((الإجماع)).
(١٣) في آ: ((وإن)».
(١٤) لم ترد الزيادة في ل.
- ٣٩ -
إلّ بعدَ (١) دليلٍ منفصلٍ على صحَّةٍ ما أجمعوا عليه: لم يبقَ للتمسُّكِ بالإِجماع
[أثرٌ و(٢) فائدةٌ.
سلّمنا أنَّها تقتضي المنعَ من متابعَةِ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ، ولكنْ عِن متابعةٍ
كلِّ ما كانَ غيرَ سبيلِ المؤمنين، أو عن متابعةِ بعضِ ما كان كذلكَ (٢)؟ !.
الأول: ممنوعٌ. وبتقديرِ التسليمِ - فالاستدلالُ ساقطٌ: أمَّا المنعُ - فلانٌ
لفظ ((الغير)) ولفظَ ((السبيل)» - كلُّ واحدٍ - منهما - لفظُ مفردٌ: فلا يفيدُ العمومَ.
وأمّا(٥) [أنّ (٤)] بتقدير التسليم فالاستدلالُ ساقطٌ؛ لأنَّه يصيرُ معنى الآيةِ:
أنَّ كلَّ منْ(٥) أَتَّبِعَ [كلَّ(٥)] ما كَانَ مغايراً لكلّ ما كانَ سبيلَ (٦) المؤمنين
يستحقُّ (٧) العقابَ؛ وهذا لا يقتضي أن يكونَ المتّبعُ لبعضِ ما غايرَ سَبَيْلَ
المؤمنينَ مستحقّاً للعقاب (٨).
والثاني: مسلّمٌ (٩)؛ ونقولُ بموجبه: فإنَّ - عندنا - يحرمُ بعضُ ما غايرَ بعضَ
سبيلِ المؤمنين، [أو بعض ما غاير كلَّ سبيلِ المؤمنين، أو كلُّ ما غايرَ بعضَ
سبيل المؤمنينُ(١)]، وهو(١١) السبيل الذي صاروا به مؤمنينَ. والّذي يغايرُهُ - هو
الكفرُ بالله (٥) - تعالى - وتكذيبُ الرسول - 10 - وهذا التأويلُ متعيِّنٌ لوجهينِ:
أحدُهما: أنّا إذا قلنا: ((لا تَتَّبِعْ غيرَ سبيلِ الصالحين)) - فُهِم منه المنعُ من متابعةٍ
(١) في ص: ((بدليل)) ..
(٢) هذه الزيادة من ص.
(٣) أبدلت في ص بـ: ((غير سبيل المؤمنين)) ..
(*) آخر الورقة (٤) من ل.
(٤) لم ترد في س، ي.
(*) آخر الورقة (٥) من ش .
(٥) لم ترد في ص.
(٦) في ص: ((سبيلاً للمؤمنين)).
(٧) كذا في آ، وفي غيرها: ((استحق)).
(٨) كذا في ص، وفي س: ((مستحق)) ولفظ النسخ الأخرى: ((يستحق العقاب)).
(٩) زاد في ص: ((نحن).
(١٠) ساقط من ل.
(١١) في س: ((وهذا)).
(*) آخر الورقة (٤) من آ.
- ٤٠ -