النص المفهرس
صفحات 181-200
وبيَّن أصحابُ رسول الله - وَّل ـ ((الوضوءَ بفعلِهِم))(١).
وأمَّا الثاني - وهو (٢) أن لا يقعَ البيانُ بالفعلِ [وحده(٣)]، إلّ عند قيام
الدليل على أنَّ ذلكَ الفعلَ بيانٌ لذلكَ المجمل - [فهذا مما لا خلاف فيه، إلّ
أنَّ المبِيِّنَ هو الفعلُ؛ لأنّه هو المتضمِّنُ لصفةِ الفعلِ (٤)]، وإنَّما القولُ لتعليقِ(٥)
الفعلِ الواقعِ بياناً على المجملِ .
وأمَّا القسم الثاني: وهو (٦): أنَّه غير جائزٍ في الحكمة -: فهو لا يستقيمُ على
أصلِنا؛ لأنَّ الله - تعالى - يفعلُ ما يشاءُ، [ويحكمُ ما يريدُ(٧)].
ثم إنْ سلَّمِنا هذا الأصلَ، [لكنَّه(٨)] لا يمتنعُ أنْ يعلمَ الله - تعالى - من (٩)
المكلَّفِ: أنَّ بيان المُجمَلِ بهذا الطريقِ أُصلحُ له.
= وقد أخرجه النسائي عن جابر، بزيادة في أوله وفي آخره، بلفظ: ((يا أيها الناس خذوا عني
مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا)) كما في الفتح الكبير (٣٨٧/٣).
وقد ورد بدون الزيادة الأخيرة في التلخيص الحبير (٢١٢/١). وقد أخرج أحمد ومسلم
والنسائي، عن جابر أنه قال:
((رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول:
لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)). كما في منتقى الأخبار
(٢٧٥/٢-٢٧٦) وقد ذكره الحافظ بنحوه في التلخيص (٢١٢/١) من حديث مسلم فقط.
وورد لفظ الحديث من حديث مسلم فقط، في الفتح الكبير (٨/٣).
(١) كما في حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - الذي أخرجه البخاري، ومسلم،
وحديث علي - رضي الله عنه - الذي أخرجه أحمد والنسائيُّ. فراجع المنتقى وشرحه - نيل
الأوطار - (١ /١٢١-١٢٥) ط مصطفى الحلبي.
(٢) في غير ص: ((أنه)).
(٣) لم ترد الزيادة في ل.
(٥) في أ: ((لتعلق)).
(٧) ساقط من ص.
(٦) في آ: ((فهو) .
(٤) ساقط من ح.
(٨) کذا في آ، وفي ص، ح: ((لكن)) وسقطت من ل، ي.
(٩) كذا في جميع الأصول، والمراد: من شأن المكلف.
- ١٨١ -
احتجِّ المخالفُ:
بأنَّ الفعلَ يطولُ : فيلزمُ تأخيرُ البیانِ.
[و(١)] الجوابُ:
أنَّ القولَ قد يكونُ أطولَ؛ لأنَّ وصفَ أَفعال(٢) الصلاةِ [وتروکھَا(٣)] - على
الاستقصاء - أطولُ من الإتيانِ بركعةٍ واحدةٍ. فجوابُكُم جوابُنا. والله أعلم .
المسألةُ الرابعةُ :
في أنَّ القولَ هل يُقدَّمُ على الفعلِ في كونِهِ(٤) بياناً؟.
القولُ والفعلُ إذا وردَا(*) - فإمَّا أن يكونا متطابقين، أو متنافيين. فإنْ كانا
متطابقين - وعُلم تقدُّم أحدهما على الآخر: فالأوَّلُ بيانٌ والثاني تأكيدٌ؛ [لأنَّ
الأوَّلَ قد حصل التعريفُ به - فلا حاجة إلى الثاني.
وإن لم يُعلَم تقدُّمُ أحدهما على الآخرِ: حُكِمَ - على الجُملةِ - بأنَّ الأولَ
- منهما - بيانٌ، والثاني تأكيدٌ(٩)].
*
وإن كانا متنافيين - كقوله {وَ ل﴾: ((من قَرَن الحجَّ إلى العمرة فليطُفْ لهما
طوافاً واحداً)(٧)، مع ما رُوي عنه - ◌َ﴿َ: أَنَّه قَرَن فَطَافَ طُوافَين، وسَعى
(١) لم ترد الزيادة في ص. (٢) لم ترد الزيادة في ل.
(٤) لفظ آ: ((كونها)).
(٦) ما بين المعقوفتين سقط كله من آ، وقوله: ((فلا)) في ي، ص: ((ولا))، وسقطت عبارة
((تقدم أحدهما على الآخر)) من ل، ي، ص، وقوله: ((بأن)) في ص: ((فأن)).
(٧) أخرجه أحمد في المسند، عن ابن عمر، بلفظ: ((من قرن بين حجّه وعمرته أجزاً
لهما طواف واحد)). كما في الفتح الكبير (٢٢٨/٣).
(٣) في أ: ((الأفعال)).
(٥) لفظ ح: «ورد)».
وورد كذلك في كتاب «القرى لقاصد أم القرى)» (للمحب الطبري، الفقيه الشافعي،
المتوفى سنة ٦٧٤هـ) (ص١٠٢: ط مصطفى الحلبي سنة ١٣٦٧هـ -١٩٤٨م)، بلفظ :=
(( ... بين حجة وعمرة ... )) وهو لفظ المناوي في فيض القدير (٢٠٥/٦) وذكر المناوي:
أن السيوطي رمز لحسنه، ثم قال: ((وفيه عبيد الله بن عمر، قال الهيثمي: لَيّنْ)).
وقد أخرجه الترمذي أيضاً، عن ابن عمر، بلفظ: ((من أهلَّ بالحج والعمرة أجزأه لهما .
- ١٨٢ -
.-
سَعيين))(١) -: فالقول هو (٢) المقدَّمُ في(٢) كونه بياناً؛ لأنه بيانُ [بـ(٤)] نفسِهِ،
= طواف واحد، وسعي واحد))، وقال: حديث حسن صحيح غريب وكذلك أخرجه الدارقطني
عنه، بهذا اللفظ، وزاد: ((ولا يُحلّ من واحد منهما حتى يُحلَّ منها جميعا)). كما في ((القرى))
(ص١٠٢). وفيه أيضاً أحاديث أخرى تؤيد هذا الحكم: (جواز الاقتصار على طواف واحد
وسعي واحد للقارن). وهو مذهب الشافعي وغيره: خلافاً لأبي حنيفة ومن هذه الأحاديث،
ما أخرجه الترمذي عن جابر، أنه قال: ((قرن رسول الله - وَليو - الحج والعمرة طاف لهما طوافا
واحدا)) وقال: حديث حسن (وقد أخرجه النسائيُّ أيضاً، كما في تيسير الوصول: (٢٨١/١).
ومنها ما أخرجه مسلم عنه، أنه قال: ((لم يطف النبيّ - * - ولا أصحابه بين الصفا
والمروة إلا طوافا واحداً).
(١) أخرج الدارقطني وأبو ذر الهروي، عن علي - كرم الله وجهه - ((أنه جمع بين الحج
والعمرة فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - دَ﴾ -
فعل)). وقال الدارقطني: ((يرويه حفص بن أبي داود وهو ضعيف؟ و(يرويه أيضاً) ابن أبي
ليلى، وهو رديء الحفظ، كثير الوهم)). كمافي القرى: (١٠٣).
وأخرج الدارقطني عن علي، أنه قال: ((كان النبيُّ - ﴿﴿ - قارناً، فطاف طوافين)) ثم قال:
((يرويه عيسى بن عبد الله، ويقال له: مبارك، وهو متروك الحديث)). كما في القرى:
(١٠٣).
وأخرج الدارقطنى عن ابن عمر - رضي الله عنه - ((أنه جمع بين حج وعمرة، وطاف لهما
طوافين وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - 18 - صنع كما صنعت)) ثم قال:
(يرويه الحسن بن عمارة، وهو متروك)) كما في القرى: (١٠٣).
وأخرج الدارقطني، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنَّه قال: ((طافَ رسول الله
- ◌َّ - لعمرته ولحجّه طوافين، وسعى سعيين)) ثم قال: ((يرويه أبو بردة عمروبن يزيد، وهو
ضعيفٌ كما في القرى (١٠٣).
وأخرج الدارقطني، عن عمران بن الحصين - رضي الله عنه -: ((أن النبي - * - قرن
الحج والعمرة، وطاف طوافين، وسعى سعيين، وقال ما تقدم ذكره (يرويه عيسى بن عبد
الله ... ).
ثم قال: ((الصواب أن النبيَّ - 1983 - قرن الحج والعمرة، وليس فيه ذكر الطواف ولا
السعي)). كما في القرى (١٠٣).
قال المحب الطبري في القرى (ص١٠٣-١٠٤): ((وما تقدم من حديث ابن عمر وجابر،
أثبت وأصح. وأحاديث الدارقطني كلها معلولة)).
(٣) لفظ ل: ((على)).
(٢) لفظ ي: ((المتقدم)).
(٤) سقطت الباء من ل، آ.
- ١٨٣ -
والفعلُ لا يدلُّ حتى يُعرَّف ذلكَ: إِمَّا بالضرورةِ، أو بالاستدلال بدليل قوليٍّ (١)
أو عقليّ (٢)، فإذا لم يُعقلْ ذلك: لم(٣) يثبتْ كونُ الفعلِ بياناً. والله أعلم.
المسألةُ الخامسةُ: في أنَّ البيانَ كالمبيّن:
هذا الباب يشتمل على شيئين:
أحدهما: هل البيانُ كالمبيِّن في القوة؟ .
والآخرُ: هل هو كالمبيَّن في الحكم؟.
أمّا الأول: فقال الكرخيُّ: المبيَّنُ إذا كان لفظاً معلوماً: وجَبَ كونُ(٤) بيانه
مثلَهُ، وإلَّ (٥): لم يُقْبَلْ.
والحقُّ: أَنَّه يجُوزُ أن يكونَ البيانُ والمبيّنُ معلومين وأنْ يكونا مظنونين، أن
يكونَ المبيّنُ معلوماً، وبيانُهُ مظنوناً: كما جاز تخصيصُ القرآن بخبرِ الواحدِ
والقياسٍ .
وأمَّا الآخرُ - ف[هو(٩)]: [أَنَّهُ(٧)] هل إذا كان المبيَّنُ واجباً: كان بيانُهُ
[واجباً(٨)] كذلك؟.
قال به قومٌ(٩)، فإنْ أرادوا [به(١٠): أنَّ] المبيَّن إذا كان واجباً، فبيانُهُ بيانٌ لصفةٍ
شيءٍ واجبٍ -: فصحيحٌ.
وإنْ أرادوا به: أنَّ يدلُّ على الوجوب - كما يدلُّ المبيّن -: فغيرُ صحيحٍ ؛
(١) في ص: ((لغوي)).
(٣) لفظ ل، آ: ((لا)).
(٥) صحفت في آ إلى: ((وإذا)).
(٧) هذه الزيادة من ي .
:
(٢) لفظ ل: ((فعلى)).
(٤) عبارة آ، ص: ((كونه بياناً)) .
(٦) لم ترد هذه الزيادة فى آ.
(٨) لم ترد الزيادة في ص.
(٩) کذا في ح، وفي ل، ي، آ، ص: ((قوم به)).
(١٠) ساقط من آ.
- ١٨٤ -
لأنَّ البيانَ إنَّما يتضمَّن صفةً المبَيِّن، وليسَ يتضمَّنُ لفظاً(١) يفيدُ الوجوبَ.
ألا ترى أنَّ صورة الصلاةِ ندباً وواجباً، صورةٌ واحدةٌ.
وإنْ أرادوا: أنَّه (٢) إذا (٣) كان المبيَّنُ واجباً: كانَ بيانُهُ واجباً على الرسول
- أَّ - [وإذا لم يكن الفعلُ المبيَّنُ واجباً: لم يكن بيانُهُ واجباً على الرسول
- وَجَ (٤)] -: فباطلٌ؛ لأنَّ بيانَ المجملِ واجبٌ، سواء تضمّن فعلاً واجباً، أولم
يتضمَّن(٥)، [وإلّ (٦) كانَ](*) تكليفاً بما لا يطاقُ. والله أعلمُ.
**.
*
(١) عبارة ل: ((بمتضمن بقيد)).
(٢) في ل، آ: (به)).
(٣) لفظ ح: ((إن)).
(٤) ساقط من ص.
(٥) كذا في ص، وفي النسخ الأخرى: ((أو غير واجب)).
(٦) ساقط من ي.
(*) آخر الورقة (١٧١) من ل.
- ١٨٥ -
القسم الثالث
في
وقت البيان
[وفيه مسائل(١)]
المسألةُ الأولى:
القائلون بأنّه [لا(٢)] يجوزُ تكليفُ ما لايُطاقُ - أَّفقوا: على أنَّه لا يجوزُ
تأخيرُ البيانِ عن وقت الحاجةِ؛ لأنَّ التكليفَ [به(٢)] - مع عدمِ الطريق إلى
العلم به - تكليفُ بما لا يُطاقُ.
والإِشكالاتُ - التي ذكرناها: في أنَّ تكليف الساهي(٤) غيرُ جائزٍ قائمةٌ(٥)
- هاهنا - والجوابُ واحدٌ(٦).
**
المسألة الثانية :
اختلفوا في جواز تأخير البيان (٧) عن وقتِ الخطاب.
[الخطابُ (٨)] المحتاجُ إلى البيان ضربان:
(١) هذه الزيادة من آ.
(٢) سقطت الزيادة من آ.
(٣) هذه الزيادة من ص، ح.
(٤) عبارة ص: ((التكليف للساهي))، وصحفت الساهي في آ إلى: ((السلبي)).
(٥) لفظ ص، ح: ((عايدة)).
(٦) راجع ص (٢٦٠) وما بعدها من القسم الثاني من هذا الكتاب.
(٧) لفظ ل: ((من)).
(٨) سقطت الزيادة من ي، ح.
- ١٨٧ -
أحدُهما: [ما(١)] له ظاهرٌ قد استعملَ(٢) في خلافهِ .
والثاني: لا(٣) ظاهرَ لهُ: [كالأسماءِ المتواطئةِ والمشتركةِ(٤)].
والأول أقسامٌ:
أحدُها(*): تأخير بيان التخصيص.
وثانيها: تأخيرُ بيان النسخِ .
وثالثُها: تأخيرُ بيان الأسماء الشرعيَّةِ .
ورابعُها: تأخيرُ(*) بيانِ اسم النكرة - إذ أراد به شيئاً [معيَّناً.
إذا عرفت ذلك - فنقولُ:
مذهبنا: أنَّه يجوزُ تأخيرُ البيانِ إلى وقتِ الحاجةِ - في كل هذه الأقسام (٥)]:
وأمَّا المعتزلةُ - فأكثرُ من تقدَّم أبا الحسين - رحمه الله - اتَّفقوا على المنع(٦)
من تأخير البيانِ [في كلِّ هذه الأقسامِ ، إلَّ في النسخ: فإنَّهم جوِّزوا تأخير
بیانِهِ .
وأمَّا أبو الحسين - فإنَّه منعَ من تأخير البيانِ(٧)] فيما لَهُ ظاهرٌ قد استعمِلَ فِي
خلافِهِ، وزعمَ: أَنَّ البيانَ الإِجماليَّ كافٍ فيه - وهو أنْ يقولَ(٨) عندَ الخطاب :.
(علموا أنَّ هذا العمومَ مخصوصٌ وأنَّ هذا الحكمَ سينسخُ بعد ذلك)).
وأمَّ البيانُ التفصيليُّ - فإِنَّهُ يجوِّزُ تأخيرَهُ.
وأمَّا الَّذي لا يكونُ [له(٩)] ظاهرٌ - مثلُ الألفاظِ المتواطئةِ، والمشتركةِ(١٠) ..
فقد جوَّز(٥) فيه تأخيرَ البيانِ إلى وقتِ الحاجةِ(١٢).
(١) هذه الزيادة من ا.
(٣) لفظ ل: ((الظاهر))، وهو تصحيف.
(*) آخر الورقة (١٥٣) من آ.
(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من آ
(٧) ساقط من آ.
(٩) سقطت من ي.
(١١) في ل، ي: ((جوزوا)).
(٢) لفظ ل: ((يستعمل».
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ح.
(*) آخر الورقة (١٥٦) من ح.
(٦) في آ: ((المنعم))، وهو تحريف.
(٨) لفظ ل: «تقول)).
(١٠) في ل زيادة: ((الألفاظ)).
(١٢) راجع: المعتمد (٣٤٦/١).
- ١٨٨ -
وهذا التفصيل (١) ذكره كثيرٌ من فقهاء(٢) أصحابنا: كأبي بكرِ القفّال، وأبي
إسحاق المروزيٌّ، وأبي بكرِ الدقُّاقِ.
واعلم: أنَّ الكلامَ - في هذه المسألة - يقعُ في مقامين:
أحدهما :
أنْ يُستدلَّ - [في الجملةِ(٣)] - على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.
وثانيهما (٤):
أنْ يُستدلَّ على جوازِ ذلك في كلِّ واحدةٍ(٥) من الصورِ المذكور [ةٍ(٦)].
أمَّا(٧) المقامُ الأوَّلُ: فالدليلُ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عليْنَا جَمْعَهُ وَقُرءَآنِه *
فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَتَبْعْ قُرْءَانِه * ثمَّ إِنَّ عليْنَا بَيَانَهِ﴾(٨)، و((ثم)) في [اللّغة (٩)] للتراخي،
[وهو المطلوب(١)].
فإِنْ قيلَ: لا نسلّم أنَّ كلمةَ ((ثُمَّ) للتراخي(*) فقط بل قد تجيءُ بمعنى
((الواو))، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتابَ﴾(١١) ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذين
ءَامَنُوا﴾(١٢) ﴿ثُمَّ الله شهيد﴾ (١٣).
سلّمنا ذلك، لكنْ لا نسلِّم أنَّ المرادَ بالبيانِ - في هذه الآية - ((البيانُ)» الذي
(١) في ح زيادة: ((الذي)).
(٣) ساقط من آ.
(٢) في ي: ((الفقهاء من))، وفي آ: ((من فقهائنا)).
(٤) لفظ آ: ((وثانيها)).
(٥) في آ، ص: ((واحد)).
(٧) في ل، ي: «وأما)).
(٦) سقطت من ي.
(٨) الآيات (١٧، ١٨، ١٩) من سورة ((القيامة))، وراجع: تفسير المصنف (٢٣٨/٨)
ط الخيرية .
(٩) سقطت من ي.
(١٠) لم ترد الزيادة في ل، آ.
(*) آخر الورقة (١٠٤) من ي
(١١) الآية (١٥٤) من سورة ((الأنعام)) وانظر تفسير المصنف للآية في (٤ /
ط الخيرية .
(١٢) الآية (١٧) من سورة ((البلد))، وراجع: التفسير الكبير (٤٣٥/٨).
(١٣) الآية (٤٦) من سورة ((يونس)).
١٧١)
- ١٨٩ -
اختلفنا فيه - وهو: بيانُ المجملِ والعموم (١) ؛ فَلِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ المرادَ
[ به (٢)] إظهارُهُ بالتنزيل؟(٣) غايةُ ما في الباب أنْ يقالَ: هذا مخالفةُ الظاهر(٤).
لكن نقولُ: يلزمُ من حفظِ [هذا(٥)] الظاهرِ مخالفةُ ظاهرٍ آخرَ - وهو: [أنَّ(١)].
الضميرَ [الَّذي(٧)] في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَّيْنَا بَيَانَهُ﴾(٨)، راجعٌ إلى جميعٍ
المذكورِ، وهو: ((القرآن».
ومعلومٌ أنَّ جميعَهُ لا يحتاجُ إلى البيانِ، فليسَ حفظُ أحدِ (٩) الظاهرينِ
[ب ] أولى من الآخر. وعليكمُ الترجيحُ.
سلَّمنا: أنَّ المرادَ من ((البيانِ)» ذلكَ؛ لكنْ: لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ المرادُ به
[تأخيرَ (١] البيان التفصيليِّ، وذلك عند أبي الحسين جائزٌ؟(١٢).
سلّمنا: أنَّ المرادَ مطلقُ البيانِ؛ لكنْ: لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ من قوله
تعالى: ﴿إِنَّ عَليْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانِهِ﴾(١٣) - هو (١٤): أنْ يجمعَهُ (١٥) في اللَّوحِ
المحفوظ، ثم إنَّهُ بعدَ ذلكَ ينزِّله على الرسول - مَ - ويبيِّنْهُ له وذلك متراخٍ ..
عن الجمعِ .
سلّمنا: أنَّ البيان ما ذكرتموهُ؛ لكنَّ الآيةَ تدلُّ على وجوب تأخیرِ البیانِ،
وذلك(١٦) ما لم يقلْ به أحدٌ، فما دلَّت عليه(١٧) الآيةُ لا تقولونَ به، وما تقولون به (١٨).
(١) في غيرآ: ((ولم)).
(٣) في مي زيادة: ((بل)).
(٥) سقطت الزيادة من ل، ي.
(٧) هذه الزيادة من آ.
(٩) هذه الزيادة من آ.
(١١) سقطت من ص.
(١٣) الآية (١٧) من سورة ((القيامة)).
(١٥) لفظ ص: ((يجمع)).
(١٧) عبارة آ: ((الآية عليه)) ..
(٢) هذه الزيادة من آ.
(٤) لفظ ل: ((للظاهر)».
(٦) سقطت الزيادة من ل.
(٨) في ل: ((احدى)).
(١٠) في غيراً: ((منه)).
(١٢) راجع: المعتمد (٣٤٢/١) وما بعدها.
(١٤) في ي: ((وهو) .
(١٦) لفظ ح: ((مما))، وفي آ: ((بما)).
(١٨) عبارة ل، ى، ص: ((لا يقولون به، وما يقولون به)).
- ١٩٠ -
- [وهو الجوازُ(١)] - لم تدلَّ الآية عليهِ(٢): فبطلَ الاستدلالُ(٢).
[و(٣)] الجوابُ:
أمَّا [أنَّ(٤)] كلمةَ (ثمَّ)) للتراخي - فذلك (٥) متواترٌ عندَ أهلِ اللُّغةِ. والآياتُ
التي تلوتموها المرادُ(٤) - هناك - التأخيرُ (٧) في الحكمِ .
قوله: ((لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ المرادَ [من البيانِ(٨)] إظهارُهُ بالتنزيلِ)).
قلنا: لأنَّ قولَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَ آنِهِ﴾(٩)، أمرٌ للنبيِّ - وَ - باتّباع
قرآنه، وإنَّما يكون مأموراً بذلك بعد نزوله عليه، فإنَّهُ - قبل ذلكَ - لا يكونُ (١٠)
عالماً بهِ فكيفَ يمكنُهُ اتَّاع قرآنه؟ .
فثبَتَ أنَّ المرادَ من قوله: ﴿فَإِذَا قَرأْنَاهُ﴾ (١١)- هو: الإِنزالُ، ثم إنَّه - تعالى -
حكمَ بتأخير البيان عن ذلك، وذلك يقتضي تأخيرَ البيان عن وقتِ الإِنزالِ .
[وإذا كان كذلكَ: وجبَ أنْ لا يكونَ المرادُ من البيانِ - هو: الإنزالُ ]،
لاستحالة كون الشيء سابقاً على نفسه.
سلّمنا: أَنَّه يمكنُ ما ذكروه (١٣) [و] لكنَّهُ خلافُ الظاهرِ.
قوله: ((يلزمُ من مخالفةٍ(١٥)[المحافظة] على هذا الظاهر، احتياجُ
القرآن(١٧) جميعه إلى البيان)».
(١) ساقط من آ.
(*) آخر الورقة (١٧٢) من ل.
(٤) سقطت الزيادة من ل.
(٦) في ي، ص: «فالمراد)).
(٨) كذا في ي، آ، وفي ص، ح: ((بالبيان))، وسقطت من ل.
(٩) الآية (١٨) من سورة ((القيامة)).
(١٠) عبارة ح: ((لم يكن)).
(١٢) ساقط من آ.
(١٤) لم ترد الواو في آ، ص.
(١٦) انفردت بهذه الزيادة ص.
(٢) في ل: ((عليه الآية)).
(٣) لم ترد الواو في ص.
(٥) في آ: ((فذاك))، وفي ل، ي: ((فهو).
(٧) لفظ ل: ((التراخي)).
(١١) الآية (١٧) من سورة ((القيامة)).
(١٣) في ل: ((ذكرتموه)).
(١٥) لفظ آ، ح: ((محافظة))، وهو تصحيف.
(١٧) في غيرآ: ((جميع القرآن)».
- ١٩١ -
قلنا: لا نسلِّمُ؛ فإنَّ لفظَ ((القرآن)) يتناولُ كلَّه وبعضَهُ؛ بدليل أنَّه لو حلفَّ
[أنْ (١)] لا يقرأ القرآن، ولا يمسَّهُ، فقرأ [آيَةً (٢)]، أو لمسَ (٣) آيةٌ (٤) - [فإنَّهُ (٥)]
یحنّثُ في یمینِهِ .
سلَّمنا: أنَّ لفظَ ((القرآن)) ليسَ حقيقةً في البعضِ ؛ لكنَّ إطلاقَ اسمِ الكلّ
على البعض ، أسهلُ من إطلاقٍ لفظٍ (٦) البيانِ على التنزيلِ؛ لأنَّ الكلِّ مستلزمٌ
للجزء(٧)، والبيانُ غيرُ مستلزمٍ للتنزيلٍ .
قوله: ((نحمِلُهُ(٨) على البيان التفصيليِّ)) .
قلنا: اللَّفظُ مطلقٌ - فتقييدُهُ(٩) خلافُ الظاهرِ.
قوله: ((لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ من الجمعِ، جمعَهُ فِي اللَّوحِ
المحفوظ؟)».
قلنا: لِمَا بَيْنَّا: أَنَّه - تعالى - أخّرَ البيانَ عن القراءَةِ التي (*) يجب على النبيّ
- عليه الصلاةُ والسلامُ - متابعتُها، وذلك يستدعي تأخيرَ البيانِ عن [وقتِ ]
الإِنزالِ .
قوله: «هذا يقتضي [وجوب ] تأخير البيان)».
قلنا: ونحن نقولُ به .
فإن قلتَ: الضميرُ عائدٌ إلى كلِّ القرآن - فيجبُ تأخيرُ بيانٍ(١٢)الكِلُّ وذلكَ
لم يقل به أحدٌ.
(١) سقطت من ل، وفي مي: ((أنه)).
(٢) هذه الزيادة من ح، ص.
(٤) كذا في ص، وفي غيرها: ((البعض)).
(٥) سقطت الزيادة من ض.
(٦) في ح: ((اسم)).
(٧) لفظ ح: ((للبعض))، وصحفت في آ إلى: ((الخبر)).
(٨) لفظ ص، ح: ((يحمل)).
(٩) في آ: ((فالتقييد)).
(*) آخر الورقة (١٥٧) من ح.
(١١) ساقط من آ.
۔۔
(١٠) هذه الزيادة من آ.
(١٢) لفظ ي: ((البيان)).
- ١٩٢ -
(٣) في آ، ص، ح: ((مس).
قلتُ: قد (١) تقدَّم بيانُ أنَّ الضميرَ غيرُ عائدٍ إلى الكلِّ. والله أعلمُ.
***
أمَّا الَّذي يدلُّ على كلِّ واحد [قٍ(٢)] من الصورِ الَّتي ذكرناها - فنقولُ:
· الدليل على أنَّه يجوزُ تأخيرُ البيانِ في النكرةِ: أنَّ الله - تعالى - أمَرَ بني
إسرائيلَ بذبحٍ بقرةٍ موصوفةٍ [غير منكَّرةٍ(٣)]، ثمَّ [إنَّهُ(٤)] لم يُبِيِّنْهَا(٥) لهم، حتى
سألوا سؤالاً بعد سؤالٍ .
إنَّما قلنا: إنَّه لم يُرِدْ بقرةُ منكَّرةً - لوجهين:
الأول: (٦)
أنَّ قوله تعالى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبِّكَ يُبيِّنْ لَنا ما هِي﴾(٧) و﴿مَالَونُها﴾ وقول الله
- تعالى -: ﴿إِنَّهَا بَقَرةٌ لَا فَارضٌ ولا بِكْرٌ﴾(٨) ﴿إِنَّها بَقَرةُ صَفراءُ﴾ ﴿إِنَّهَا بَقْرَةٌ لَا
ذَلُولٌ تُثيرُ الأَرضَ﴾(١) ينصرف إلى ما أمرُوا بذبحهِ من قبلُ، وهذه الكناياتُ تدلُّ
على أنَّ المأمورَ به ما كانَ ذبحَ، بقرةٍ منكُّرةٍ، بل ذبح بقرةٍ معيَّنةٍ.
۔۔
الثاني :
أنَّ الصفاتِ المذكورةَ في الجواب عن [السؤال١٠] الثاني، إمّا أنْ يقال:
[ إِنَّها (١١)] صفاتُ البقرةِ الَّتي أمروا بذبحِهَا أولاً، أو صفاتُ بقرةٍ وجَبَتْ عليهم
عند ذلكَ السؤالِ ، و(١٢) انتسخ ما كان واجباً عليهم قبل ذلك.
والأولُ: هو المطلوبُ، والثاني: يقتضي أن يقعَ الاكتفاء بالصفاتِ
المذكورةِ آخراً (١٣؟ وأنْ لا يجبَ حصولُ الصفاتِ المذكورةِ قبلَ ذلكَ، ولمَّا
(١) في ل، آ: «فقد)).
(٢) لم ترد التاء في غيرح.
(٤) هذه الزيادة من آ.
(٦) لفظ ص: ((أحدهما»
(٨) الآية (٦٩) من سورة (البقرة)).
(١٠) سقطت من آ.
(١١) في ص: ((أو)) .
(٣) لم ترد في غير ص، ح.
(٥) لفظ آ: ((يعينها)).
(٧) الآية (٦٨) من سورة (البقرة)).
(٩) الآية (٧١) من سورة ((البقرة)).
(١١) سقطت من ل، آ، ولفظ ي: ((هي)).
(١٣) لفظ آ: ((أخرى)).
- ١٩٣ -
أجمعَ (١) المسلمونَ على أنَّ تلكَ الصفاتِ - بأسرها - كانت معتبرةً: علمنا فسادَ
هذا القسمِ .
فإِنْ قيلَ : لا يجوزُ التمسُّكُ بهذه الآيةِ؛ لأنَّ الوقتُ الَّذي أُمِروا(٢) فیهِ بذبحِ
البقرةِ كانوا محتاجينَ إلى ذبحها، فلو أخَّرَ الله البيانَ: لكانَ ذلك تأخيراً (٣) للبيانِ
عن وقت الحاجةِ، وأَنَّهَ (٤) لا يجوزُ.
فإذنْ: ما تقتضيه الآيةُ لا تقولون (٥) به، وما تقولون(٦) به لا تقتضيه الآيةُ.
نزلنا عن هذا المقام، لكن: لا نسلِّمُ أنَّ المأمورَ بِهِ كانَ ذبحَ بقرةٍ موصوفةٍ
بل ذبحَ بقرةٍ كيفَ (٧) كانتْ فلمّا سألوا: تغيّرت المصلحةُ ووجبتْ(٨) عليهم بقرةً
أخرى.
وأمَّا الكناياتُ - فلا نسلِّمُ عودها إلى البقرة، ولِمَ لا يجوزُ أنْ يقال: إنَّها
كناياتٌ عن ((القصّةِ))، و((الشأن)»؟ وهذه طريقةٌ مشهورةً(*) عند العرب.
سلَّمنا أنَّ هذه الكنايات تقتضي كونَ البقرةِ المأمورِ بها، موصوفةً، لكنْ
-هاهنا۔ ما يدلُّ علی کونها مُنگّرةُ؛ وهو من ثلاثة أوجهٍ :
الأوَّل:
[أنَّ(٩) قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكم أنْ تَذبحوا بقرةً﴾ (١٠)أمرٌ (١١) بذبح بقرةٍ
مطلقةٍ؛ وذلك يقتضي سقوط التكليف بذبح [بقرة ٢] أيِّ بقرةٍ كانتْ، وذلك
يقتضي أنْ يكونَ اعتبارُ الصِّفة - بعد ذلك - تكليفاً جديداً.
(١) لفظ آ: ((اجتمع)).
(٢) في آ، ح: ((فيه أمروا)).
(٣) عبارة ي: ((تأخير البيان)).
(٤) في غیرح: ((وذلك)).
(٥) في ل، ي، ص: ((يقولون)).
(٦) في ل، ي: ((يقولون))، وفي ص: ((يطلبونه)) وهو تصحيف.
(٧) زاد في ح: ((ما)).
(٨) لفظ آ: ((ووجب)).
(*) آخر الورقة (١٧٣) من ل.
(٩) هذه الزيادة من ص.
(١١) في ص: ((أمروا)).
(١٠) الآية (٦٧) من سورة ((البقرة)).
(١٢) هذه الزيادة من آ.
- ١٩٤ -
الثانى :
لو كان المرادُ ذبحَ بقرةٍ معيّنةٍ - لما استحقُّوا التعنيفَ على طلب البيانِ، بل
كانوا يستحقون المدحَ عليه. فلمّا عنَّفهم الله - تعالى - في قوله (١): ﴿فَذَبَحوها
وما كَادُوا يَفعَلُون﴾ (٢): علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولاً، وذلكَ إنَّما
يكونُ: لو كانَ المأمورُ به - أولاً - ذبحَ بقرةٍ منكّرةٍ.
الثالث :
ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّه قالَ: ((لو ذبحوا أيّةً بقرةٍ
أرادوا: لأجزأت [عنهم]، لكنَّهم شدَّدوا على أنفسهم: فشدَّد الله عليهم))(٣).
(٢) الآية (٧١) من سورة ((البقرة)).
(١) في ل، ي: «بقوله)).
(٣) لفظ ((عنهم)) زيادة من ص، ح.
أورد الإمام المصنف في التفسير(٣٧٦/١) ط الخيرية أنه: (( ... روي عن ابن عباس
أنه قال: لو ذبحوا أية بقرة لأجزأت منهم، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم)».
وأورده بلفظ آخر مطولاً في (٣٧٤/١)، وقال: (( ... روي عن ابن عباس وسائر
المفسرين ... )).
وقال القرطبي في تفسيره (٤٤٨/١) ط دار الكتب الثالثة.
((قوله تعالى: ﴿قالوا ادع لنا ربك﴾ (سورة البقرة: ٦٨/٢) هذا تعنيت منهم وقلة
طواعية، ولو امتثلوا الأمر، وذبحوا أي بقرة كانت -: لحصل المقصود، لكنهم شددوا على
أنفسهم، فشدد الله عليهم. قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما. ونحو ذلك روي عن الحسن
البصري عن النبي (تلو)) أ.هـ.
فيكون موقوفاً على ابن عباس، أو مرفوعاً من طريق الحسن. وإن كان مرسلاً. وقد اقتبسه
ببعض تصرف الشوكاني في تفسيره (فتح القدير: (٨١/١) بدون عزو. ثم قال (ص٨٣):
أخرج البزّار (بالراء المهملة في آخره)، كما في المستطرفة (٢٢، و٢٣، و٢٧، و٥١،
و٦٩) عن أبي هريرة، عن النبي - #1 - قال: ((إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزأهم،
أو لأجزات عنهم».
وأخرج ابن أبي حاتم (الرازي) وابن مردويه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله
- 5 * -: «لولا أن بني إسرائيل قالوا: ﴿وإنَّا إِنْ شاء الله لمهتدون﴾، ما أعطوا أبداً، ولو أنهم
اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها: لأجزأت عنهم، ولكنهم شدَّدوا فشدد الله عليهم».
- ١٩٥ -
سلّمنا: أنَّ المأمورَ به ذبحُ بقرةٍ [معيَّنَةٍ (١)] موصوفةٍ، لكنْ: لِمَ لا يجوزُ أنْ
يقالَ: البيانُ التامُّ(٢) قد تقدَّم، لكنَّهم لم يتبيّنوا لبلادَتِهم، فاستكشفوا طلباً
للزيادة. فحكى الله - تعالى - ذلك؟.
سلّمنا: أنَّ البيانَ التامَّ لم يتقدَّم، فلِمَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: إِنَّ موسى عليه
السلام - كان قد أعلمهم بأنَّ البقرة ليسَتْ مطلقةً، بل معيَّنةً()، فطلبوا البيان
التفصيليَّ؟ .
فالحاصلُ: أنَّ البيانَ الإِجماليَّ كانَ مقارناً، والبيانَ التفصيليَّ كانَ متأخِّراً؛
وهو جائزٌ عند أبي الحسین - رحمه الله -.
والجوابُ:
قولُه: ((الآيةُ تقتضي تأخير البيان عن وقتِ الحاجةِ)).
قلنا: لا نسلِّمُ؛ لأنَّ ذلكَ إِنَّما يلزمُ لو كانَ الأمرُ [مقتضياً(٣)] للفور - لكنّا لا
نقولُ به .
قولُه: ((الكناياتُ عائدةٌ إلى القصَّةِ(٤) والشأنِ».
قلنا: هذا باطلٌ؛ لوجوهٍ:
وأخرج نجوه الفريابيُّ وسعيد بن منصور وابن المنذر، عن عكرمة يبلغ به النبي وَ الر
=
وأخرجه ابن جرير عن ابن جريج يرفعه. وأخرجه ابن جرير عن قتادة يرفعه أيضاً. وهذه
الثلاثة مرسلة.
(١) هذه الزيادة من ح.
(٢) لفظ ل: ((العام))، وهو خطأ.
(*) آخر الورقة (٥٧) من ص.
(٣) سقطت الزيادة من آ.
(٤) في آ: ((الشأن والقصة)) وانظر نفائس القرافي (٢٣٦/٢ - ب) فلديه اعتراض لطيف
على استعمال الكلمتين معا وهو يرى عدم جواز استعمال الشأن إلا فيما كان ضميره مذكراً،
والقصة فيما كان ضميره مؤنَّئاً.
-١٩٦ -
أحدها :
أنَّ [هذه(١)] الكناياتِ لو كانتْ(*) عائدةً إلى القصَّةِ، والشأنِ - لكانَ الَّذي
يبقى بعدَ ذلك غيرَ مقيَّدٍ؛ لأنَّه لا فائدةَ في قولِهِ: ﴿بَقَرةٌ صَفراءُ﴾(٢)، بل لا بدَّ
من إضمارِ شيءٍ آخرَ. وذلك خلافُ(*) الأصلِ .
أمَّا إذا جعلنا الكنايات عائدةً إلى المأمور به - أولاً: لم يلزم هذا المحذورُ.
وثانيها(٣):
أنَّ الحكمَ برجوع الكناياتِ (٤) إلى القصَّةِ والشأنِ [خلافُ الأصل؛ لأنَّ
الكنايةَ يجبُ عودُها إلى شيءٍ جرى ذكرُهُ، والقصَّةُ والشأنُ(٥)] لم يجر ذكرُهُما:
فلا يجوزُ عودُ الكنايةِ إليهما؛ [لكنّا (٦)] خالفنا هذا الدليل للضرورةِ في بعض
المواضع : فيبقَى فيما عداهُ على الأصلِ .
وثالثها :
أنَّالضميرَ في قوله تعالى: ﴿مَالَوْنُهَا﴾(٧)، (٨) و﴿ماهِي﴾(١) لا شكَّ أنَّه عائدٌ
إلى البقرة [المأمور بها: فوجبَ أنْ يكونَ الضميرُ في قوله: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾،
عائداً إلى تلك البقرة(٩)]، وإلّ لم يكن الجوابُ مطابقاً للسؤالِ (٥).
قوله: ((إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذبحوا بقرةً﴾(١١) - [أمرٌ بذبحِ
بقرةٍ(١٢)] مطلَقَةٍ)) .
(١) لم ترد الزيادة في ح.
(*) آخر الورقة (١٥٨) من ح.
(*) آخر الورقة (١٠٥) من ي.
(٤) لفظ ل، ي: ((الكناية)).
(٦) هذه الزيادة من ص.
(٨) الآية (٦٩) من سورة (البقرة)).
(٢) الآية (٦٩) من سورة (البقرة)).
(٣) حرفت في آ إلى: ((وثالثها).
(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من ح
(٧) في ل، آ، ص: ((ما)).
(٩) الآية (٧٠) من سورة ((البقرة)).
(١٠) ساقط من آ، وقوله: ((فوجب)) في ح: ((فيجب))، والآية (٦٩) من سورة (البقرة)).
(*) آخر الورقة (١٥٥) من آ.
(١١) الآية (٦٧) من سورة (البقرة)).
(١٢) ساقط من ل.
- ١٩٧ -
قلنا: هب أنَّ ظاهرهُ يُفيد الإِطلاقَ - ونحن نسلِّمُهُ، لكنَّا نقولُ: المرادُ
[كان (١)] غيرَ الظاهر - مع أنَّه تعالى ما بيَّنه، فما قلتموهُ لا يضرُّنًا.
قوله: ((لو كَانَ ذلكَ لطلب البيان - [لما(٢)] استحقُّوا التعنيفَ بقوله: ﴿وَمَا
كَادُوا يَفْعَلون﴾(٣)).
قلنا: إنَّ قوله - تعالى - ﴿ومَا كَادُوا يَفْعَلون﴾(٤)، ليس فيه دلالةٌ على أنَّهم
فرَّطوا في أوَّل القصّة، أو أنَّهم كادوا يُفرِّطون(٥) بعد استكمال البيانِ، بل اللفظُ
محتملٌ لكلِّ واحدٍ - منهما - فنحملُهُ على الأخير - وهو: أنَّهم لمَّا وقفوا على تمام.
البيانِ توقُّفوا(١) - عند(٧) ذلكَ - وما كادوا يفعلون.
قوله: ((نُقِلَ عن ابن عبَّاسٍ أَنَّه قال: ((شدَّدوا على أنفسهم، فشدَّد الله
علیهم».
قلنا: هذا من أخبار الآحاد - ومع (٨) تقدير الصحّة - فلا يصلحُ(٩) معارضاً.
لنصِّ الكتاب.
*
قوله: ((لِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: كان البيانُ(١٠) حاصلاً، لكنَّهم لم يتبيّنوا)».
قلنا: لوجهين :
الأول(١١).
أنَّهم كانوا يلتمسُون البيانَ، ولو كان البيانُ حاصلاً (١٢): لما التمسوه، بل:
كانوا يطلبون التفهيم.
(١) لم ترد الزيادة في ل.
(٢) سقطت من آ.
(٣) الآية (٧١) من سورة (البقرة)).
(٤) لفظ ل: ((يفعلون))، وهو تحريف. (٥) حرفت في ا إلى: ((توافقوا)).
.(٦) في ل، آ: ((عن)) ..
(٧) في غير ص: ((وقوله).
(٨) في ص: ((وبتقدير)).
(٩) لفظ ل: ((يصح))، وكلاهما صحيح .
(١٠) كذا في آ، وفي النسخ الأخرى: ((البیان كان حاصلاً)).
(١٢) لفظ ص: ((حاضرا)) وهو تصحيف طريف.
(١١) في ل، ح: ((أحدهما)).
- ١٩٨ -
الثاني :
[أنَّ(١)] فقدَ التبين (٢) - عند حضورِ (٣) هذا البيانِ - متعذِّرُ هاهنا(*)؛ لأنَّ
ذلكَ البيانَ ليسَ إلاّ وصَفَ تلكَ البقرةِ، والعاقلُ العارفُ باللّغةِ إذا سمعَ تلكَ
الأوصافَ: استحالَ أنْ لا يعرفها.
قوله: ((كانوا يطلبون البيانَ التفصيليَّ)).
قلنا: لو كان كذلك - لذكره - الله - تعالى: إزالةٌ للتهمة.
***
[أمّا(٤)] الدليلُ على جوازِ تأخيرِ بيانِ (٥) («المخصِّص))(٦).
[فـ(٧)] النقلُ.
أمَّا النقلُ - [فهوَ(٨)]: أنَّ الله - تعالى - لمَّا أنزلَ قولَهُ: ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبُدون
من دُونِ اللهِ حَصبُ جهنّمْ﴾ (٩) - قال ابن الزِّبَعَرَى: ((قد عُبدَتِ الملائكة وعُبدَ
المسيحُ(١٠)، فهؤلاءِ حصبُ جهنّم)). فتأخّر بيانُ ذلك، حتَّى أنزل الله - تعالى -
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِين سَبَقتْ لهمْ مِنَّ الحُسنَى﴾(١١).
فإنْ قيلَ: لا نسلَّمُ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْبُدُون من دُونِ اللهِ﴾(١٢) يندرج(١٣)
فیه الملائكةُ، والمسیحُ.
وبیانه من وجھین :
الأوَّل(١٤).
(١) سقطت الزيادة من ص.
(٢) لفظ آ: ((التعيين)).
(٣) كذا في ص، ح. وفي النسخ الأخرى: ((حضوره)).
(*) آخر الورقة (١٧٤) من ل.
(٥) لفظ آ: ((البيان)).
(٧) سقطت الفاء من غيرح.
(٩)) الآية (٩٨) من سورة ((الأنبياء)).
(١١) الآية (١٠١) من سورة ((الأنبياء).
(١٣) لفظ آ: ((مندرج)).
(٤) سقطت الزيادة من آ، وفي ح: ((وأما)).
(٦) لفظ ل: ((التخصيص)).
(٨) سقطت الزيادة من ص.
(١٠) لفظ ص: ((عيسى)).
(١٢) الآية (٩٨) من سورة ((الأنبياء)).
(١٤) في ل، ح: ((أحدهما)).
- ١٩٩ -
أنَّ كلمة: ((ما)) [لِمَا (١)] لَا (٢) يعقِلُ، فلا يدخلُها المسيحُ، والملائكةُ (٣).
الثاني :
أنَّ قولَه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُون﴾ (٤) خطابٌ مع العرب، وهم ما كانوا
يعبدونَ المسيحَ والملائكةَ، بل كانوا يعبدونَ الأوثانَ .
سلَّمنا ذلك، لكنَّ تخصيصَ العامِّ بدليلِ العقلِ جائزٌ - وهاهنا(٥) - دلَّ
العقلُ على خروج الملائكة والمسيح ، فإنَّه لا يجوزُ تعذيبُ المسيحِ [بجرم (٦)].
الغيرِ وهذا الدليلُ كان حاضراً في عقولهم.
ثم نقولُ: المسألة علميّةٌ، وهذا خبرُ واحدٍ : فلا يجوزُ إثباتُها (٧) به .
· سلَّمنا صحّة الرواية، لكنَّ الرسول - عليه السلام - إنَّما سكتَ: انتظاراً
لنزول الوحي عليه في تأكيد البيان العقليِّ، واللَّفظيِّ.
والجوابُ (٨):
لا نسلّم أنَّ صيغةَ ((ما)) مختصَّةٌ بغير العقلاءِ، والدليلُ عليه وجوهٌ
أحدها :
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذِّكَر والأنْثى﴾ (٩) ﴿والسَّماءِ ومَا بَناهَا﴾ (١٠) ﴿وَلَا
أَنْتُم عَابِدون ما أعْبُدُ﴾(١١).
(١) سقطت الزيادة من آ.
(٢) في ١: ((ولم)).
(٣) راجع ص (٣٣٤) من القسم الثاني من هذا الكتاب.
(٤) الآية (٩٨) من سورة ((الأنبياء)).
(٥) لفظ آ: ((فهاهنا)).
(٦) سقطت الزيادة من آ.
(٧) في ص: ((إثباته)).
(٨) عبارة ص: ((قلت: الدليل على أن كلمة ما للعقلاء وجوه)) ..
(٩) الآية (٣) من سورة «الليل)).
(١٠) الآية (٥) من سورة ((الشمس)).
(١١) الآية (٣، و٥) من سورة ((الكافرون).
- ٢٠٠ -