النص المفهرس
صفحات 261-280
وأمّا المعقولُ - فهو: أنَّ فعلَ الشيءٍ مشروطٌ بالعلمِ [به(١)]؛ إذْ لَوْ لم يكنْ كذلكَ -: لما أمكنّنَا الاستدلالُ بالأحكامِ على كونِ الله - تعالى - عالماً. وإذا ثبتَ هذا: فلو حصلَ الأمرُ بالفعلِ - حالَ عدمِ العلمِ بهِ -: لكانَ ذلكَ تكليف ما لا يُطاقُ. واعلم: أنَّ(٢) الكلامَ - في هذه المسألةِ - يتفرَّعُ على نفي تكليفٍ ما (٣) لا يُطاقُ. فإن قيلَ(٤): لا نسلِّم أنَّ فعل الشيءِ مشروطٌ (٥) بالعلمِ [به(٦)] فإنَّ الجاهلَ [قد(٧)] يفعَلُهُ على سبيلِ الاتّفاقِ. فإنْ قلتَ: الاتفاقيُّ لا يكونُّ دائماً، ولا أكثرياً. قلتُ: لا نسلِّمُ؛ فإنَّ حكمَ الشيءِ حكمُ مثلِهِ، فلمّا (٨) جازَ وجودُ الفعل - مع عدم (٩) العلمِ [بهِ (١٠)] مرَّةٌ واحدةٌ - جازّ أيضاً ثانيةٌ وثالثةٌ -: فيلزم(١) إمكانٌ ذلكَ في الأكثرِ، ودائماً. وإذَا(١) جازَ ذلك - فلا استحالةً(١٣) في أنْ - يعلم الله تعالى - وقوعَ هذا الجائزِ في بعضِ الأشخاصِ . = وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم - عن عائشة رضي الله عنها - أن رسول الله - 13 - قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر»، كما في الفتح الكبير (١٣٥/٢). قلل المناويّ في فيض القدير (٣٥/٤): ((وقال الحاكم: على شرطهما. قال ابن حجر: ورواه أبو داود والنسائي وأحمد والدارقطني والحاكم وابن حبان وابن خزيمة من طرق عن علي، وفيه قصة جرت له مع عمر، وعلقها البخاري)). (١) لم ترد في غيرح. (٢) في ي: ((هذا)). (٣) آخر الورقة (١٠٦) من ا .. (٤) لفظ ص: ((قلت)) (٦) لم ترد في ن، آ. (٥) آخر الورقة (١١٥) من ل. (٧) لم ترد في ح. (٨) لفظ ي: ((فكماء. (٩) آخر الورقة (١٥٨) من ن. (١١) في ن: ((فلزم)). (١٠) لم ترد الزيادة في ص. (١٢) لفظ آ: ((فإذا)). (١٣) في آ: ((اشكال)). - ٢٦١ - وإذا علم الله - تعالى - ذلكَ منه؛ لم يكنْ تكليفُهُ بالفعل - حالَ مَا لا يكونُ المكلّفُ عالماً بهِ - تكليفَ ما لا يُطاقُ. سلّمنا ذلك(١)؛ لكنّهُ معارض بأمور: أحدها: أنَّ الأمرَ بمعرفةِ اللهِ - تعالى - واردٌ. فإمّا أنْ يكونَ ذلكَ الأمرُ وارداً(٢) بعد حصولِ المعرفةِ؛ وذلك محالٍ؛ لأنّه (٣) يلزمُ الأمرُ إمّا بتحصيلِ (٤) الحاصلِ، أو بالجمع (٥) بين المثلين (٦) - وهو محال. أو قبلَ (٧) حصولِ المعرفةِ، لكنَّ المأمورَ - قبل أن يعرفَ الأمر - استحالٌ منه أنْ يُعرِفَ الأمرَ، فإذَنْ: قد توجّهَ (٨) التكليفُ عليهِ - حالة ما لا يمكنُهُ العلمُ بذلكَ، وهو المطلوبُ . الثاني: أنَّ العلمَ بوجوبِ تحصيلِ معرفةِ الله - تعالى - ليسَ علماً ضرورياً لازماً لعقولِ العقلاءِ وطباعهم، بل(٩) - ما لم يتأمّل الإِنسانُ ضرباً من التأمُّلِ -: لا يحصلُ له العلم بالوجوب؛ فنقول (١٠): علمه بوجوب الطلب - إمّا أنْ يحصلَ قبلَ إتيانِهِ (١١) بالنظرِ، أو بعدَ إتيانِهِ(١٢) [به(١٣) ]. فإنْ حصلَ - قبل إتيانِهِ (١٤) بالنظر -: وهو (١٥) - قبل إتيانه(١٦) بالنظر - لا يمكنُهُ (١) لفظ ح: ((دليلك)). (٢) في ن: ((واراد)) وهو تصحيف. (٣) في ن، ي، ل، آ: ((لكنه))، وهو تحريف. (٤) لفظ ي: ((تحصيل)). (٦) في ل: ((المتباينين) وهو تصرف من الناسخ. (٧) لفظ ل: ((وقت). (٩) لفظ ص: ((وما). (١١) لفظ ص، آ: ((إثباته))، وما أثبتناه أنسب. (١٢) فى ص، آ. ((إثباته))، وهو تصحيف. (١٣) هذه الزيادة من ص. (٥) في ص، آ: ((الجمع). (٨) في ن: ((يوجه)). (١٠) آخر الورقة (١٠) من ح. (١٤) في ص، آ: ((إثباته). : (١٥) كذا في جميع الأصول، والأنسب. ((فهو)). (١٦) لفظ ص، آ: ((إثباته)). - ٢٦٢ - أنْ يعلمَ ذلكَ الوجوبَ؛ لأنَّ العلمَ بالوجوب مشروطٌ(١) بالإِتيانِ بِذَلِكَ النظر، وقبلَ الإِتيانِ بذلكَ النظر - لو وجبَ عليه [ذلك: لوجبَ عليهِ(٢)] في وقتٍ لا يمكنُهُ [أنْ(٣)] يعلمَ كونَّه واجباً عليه؛ وذلكَ هوَ تكليفُ الغافلِ . وإنْ حصل - بعد إتيانه (٤) النظر - [فبعدَ الإِتيانِ(٥) بالنظر]: حصلَ العلمُ بالوجوب، فلو وجبَ عليهِ في هذا(٦) الوقتِ تحصيلُ العلمِ بالوجوبِ: لِمَ إمّا تحصيلُ الحاصلِ ، أو الجمعُ بين المثلينِ. الثالثُ: أنَّ الصبيِّ والمجنونَ والنائمَ غافلونَ (٧) عن الفعلِ، ثم إنَّ أفعالَهُم تُوجبُ الغراماتٍ والأروشَ. الرابع (٨): قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾(١) - خاطبَ السكرانَ، والسكرانُ غافلٌ. فثبت: أنّه يجوزُ خطابُ الغافلِ . والجوابُ: نحنُ لا ندَّعِي: أنَّ وقوعَ الفعلِ - من (١٠) العبدِ مشروطٌ بعلمِهِ بِهِ، بل ندَّعي [أنَّ(١)] اختيارَ المكلّفِ فعلاً (١٢) معيّناً لغرضِ الخروجِ عن عهدةٍ التكليفِ - مشروطُ بالعلمِ بهِ؛ وهذا معلوم بالضرورةِ، ولا(١٣) يقدَحُ فيه ما ذکرتموهُ. (١) في ن، ي، آ: ((مشروطاً))، وهو تصحيف. (٢) ساقط من ن، آ. (٣) سقطت الزيادة من ن . (٤) في آ، ص: (إثباته)). (٥) ساقط من ص، ولفظ ((الإتيان)) في آ: ((الإثبات)). (٦) لفظ ح: ((ذلك)). (٧) لفظ ن، ي، آ: ((غافل)) وهو تصحيف. (٨) في ح زيادة: ((أن))، وحذفها أنسب. (٩) الآية (٤٣) من سورة النّساء. وراجع: التفسير الكبير (٢٢٤/٣ - ٢٢٥) ط الخيرية ففيه تفاصيل مناقشة المصنف - رحمه الله - لهذا الدليل. (١٠) لفظ ن، ل، ح، ي: ((عن)). (١١) سقطت الزيادة من ص. (١٢) عبارة ح: «الفعل المعين)). (١٣) في ن، ي، ل: ((فلا)). - ٢٦٣ - [و(١)] أمّا المعارضةُ الأولى [فقد(٢)] تقدِّم ذكرها: في مسألة تكليف ما لا يُطاقُ. وأما الثانية - فمن الناس من زعم: أنَّ العلمُ بوجوب النظرِ ضروريٍّ. وهذا ضعيف؛ لأنَّ العلمَ بكونِ النظرِ فِي الإِلْهِيَاتِ مفيداً للعلمِ ، ويكونِهِ(٣). معيناً في ذلكَ - من أغمض المسائل وأدقّها؛ لأنَّ جمهورَ (٤). العقلاءِ - وإنْ ساعدُوا على كونِ النظرِ مفيداً للعلمِ [في الجملةِ(٥)] كما في الحسابيّاتِ(٦) والهندسيّاتِ، لكنّهم (٧) نازعُوا في كونِ النظرِ مفيداً للعلمِ في (٨) الإِلهِيَّاتِ، وزعموا (١). أنَّ النظرَ فيها لا يُفيدُ إلَّ الظنِّ. ومن سلّم ذلك - فقد قالوا: كما أنَّ النظرَ يُفيدُ العلمَ - فغيرُهُ - أيضاً - قد يُفيدُه(١٠)؛ وهو: تصفيةُ الباطنِ(١١). (١) هذه الزيادة من ص، ح. (٢) سقطت الزيادة من ص. (٣) لفظ ن: ((وكونه)). (٤) آخر الورقة (١٥٩) من ن. (٥) ساقط من آ. (٦) لفظ ن، ي، ل: ((الحسبيات))، وهو تصحيف. (٧) في ي: ((ولكنهم)). (٨) عبارة ن، ي، ل، ص، ح: ((في الإلهيات مفيداً للعلم)). (٩) عبر بقوله: ((وزعموا))، لأنه يرى أن النظر فيها يفيد ((العلم)) فراجع: المعالم ص(٨) والمحصل ص(٢٩)، والمواقف (٤٦-٤٧). (١٠) لفظ ح: ((يفيد)). (١١) كما هو منقول عن أكابر الصوفية: من أنَّ الزهد في الدنيا بالقلب، مع تقليل الأغذية وعدم الاشتغال بالجسمانيّات: يوجب انضمام النفس إلى جناب القدس، وخصوصاً مع المواظبة على الذكر، واستعداد النفس لقبول الفيض، وبه تحصل العلوم وشرط حصول هذا الفيض بهذا الطريق أن يكون للنفس الناطقة استعداد وقابلية لهذا النوع من الفيض بالطريق المذكور. قالوا: وليس كل من اشتغل بتصفية الباطن بهذا الطريق حصل له العلوم، فكما أن= - ٢٦٤ - وإذا(١) كانَ العلمُ بوجوب النظر موقوفاً على هذين المقامين النظريّينِ : والموقوفُ (٢) على النظريِّ(٣) - أَوَلَى أنْ يكونَ نظرياً. فثبت: أنّه لا يمكنُ ادِّعاءُ الضرورةِ في ذلك. واعلم: أنَّ هذه الحجّةَ تُؤَيِّدُ (٤) القولَ بتكليفِ ما لا يُطاقُ. وأمّا وجوبُ الغراماتِ - فمعناه: إمّا خطابُ الوليّ بأدائِها - في الحالِ ، أو خطابُ الصبيِّ - بعد صيرورتِهِ بالغاً(٥) - بأدائِها . وأمّا الآيةُ - فلها تأويلان. أحدُهُما: أنّها(١) خطابٌ مع من ظهرتْ منهُ مبادىءُ النشاطِ والطرب، وما (٧) زالَ عقلُهُ. وقوله (٨): ﴿حَتَّى تَعلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾(١) معناه: حتى يتكاملَ فيكم الفهمُ، كما يقالُ للغضبانِ: ((اصْبِرْ حتَّى تعلم ما تقولُ)) - أْ: حتَّى يسكنَ غضبُكَ. وهذا؛ لأنّه لا يشتغلُ بالصلاةِ إلَّ مثلُ هذا السكرانِ [و(١٠)] قد يعسرُ عليه إتمامُ الخشوع . = العلوم البرهانيّةَ حصولها لطالبها بالتعلم والدراسة مشروط بالاستعداد فكذلك هذا النوع. ولكل واحد منهما استعداد خاص حاصل من المواهب الإلهية لا سبيل إلى اكتسابه. وكون هذا الطريق مما يفيد العلم، ليس معلوماً بالبديهة. راجع الكاشف (١٢٦/٢) .. (١) لفظ ن، ي، ل: ((فإذا)). (٢) لفظ ي، ص، ل: ((والموقوف))، وفي ن: ((والوقوف)) تصحيفاً. (٣) في ص: ((النظر)). (٤) في ح: ((يؤيد)». (٥) آخر الورقة (١١٦) من ل. (٦) في غير ص: ((أنه)). (٧) آخر الورقة (٧٢) من ي . (٨) لفظ آ: ((فقوله)). (٩) الآية (٤٣) من سورة ((النّساء)). (١٠) في ن: ((قد)). - ٢٦٥ - : أ. الثاني: أنّه وردَ الخطابُ بهِ في ابتداءِ الإِسلام - قبلَ تحريم الخمرِ. وليس المرادُ المنعَ من الصلاةِ، بل المنعُ من (١) إفراطِ (٢) الشرب - وقت الصلاة. كما يقال: ((لا تقرب التهجِّدَ - وأنت شبعان)) - أي: لا تشبع(٣) فيثقل عليكَ التهجُّدُ، والله أعلمُ. المسألةُ الثالثةُ : في أنَّ المأمورَ يجبُ أنْ يقصدَ إيقاعَ المأمورِ بِهِ - على سبيل الطاعة . المعتمد (٤) فيه قوله - ﴿ه -: ((إنّما الأعمالُ بالنَّاتِ))(٥) قالوا: ويُستثنى(٦)". منه (٢) سيئان : أحدُهما: الواجبُ الأوَّل - وهو: النظرُ المعرِّفُ للوجوب، فإنّه لا يمكنُ قصدُ إيقاعِهِ، طاعةٌ - مع [أنَّ(٨)] فاعلَهُ لا يعرِفُ وجوبَّهُ عليهِ إلَّ بعدَ إتيانِهِ بِهِ . الثاني: إرادةُ(٩) الطاعة؛ فإنَّها لو افتقرتْ إلى إرادةٍ أخرى -: لزِ التسلسُلُ (١٠). (١) آخر الورقة (٤١) من ص. (٢) لفظ ح: ((إفراد)»، وهو تصحيف. (٣) آخر الورقة (١٠٧) من آ (٤) في غير ض زيادة: ((و)). (٥) انظر ص (٢١٢) من هذا القسم من الكتاب. (٦) في ص: «واستثنى))) (٧) لفظ ل، ن، آ: ((فيه). (٨) سقطت الزيادة من ح. (٩) لفظ ن، ي، ل، آ: ((أراد به)) وهو تصحيف. (١٠) جعل البيضاوي هذه المسألة، والتي قبلها مسألة واحدة وجعلها صاحب الحاصل في مسألتين: تبعاً للإِمام فانظر: الحاصل ورقة (٣٩ - ب). وإيضاحاً لهذه المسألة والتي قبلها نقول: الغافل هو: من لا يدري الخطاب ولا يفهمه، كالساهي والنائم، والمجنون والسكران . في تكليفه، مذهبان : المذهب الأول: أنّه مستحيل على الله - تعالى -. ، وعليه: فشرط التكليف فهم = - ٢٦٦ - المسألةُ الرَّابعةُ : في أنَّ المكرَه على الفعلِ هلْ يجوزُ أنْ يؤمَر بِهِ ويتركَهُ: المشهور: أنَّ الإِكراهَ إمّا أنْ ينتهيَ [إلى حدِّ (١)] الإِلجاءِ، أو لا ينتهي إليهِ. فإن انتهى إلى حدِّ الإِلجاءِ -: امتنع التكليفُ؛ لأنَّ المكرَهَ عليهِ [يُعتبرُ(٢)] واجبَ الوقوع ، [وضدُّه يصيرُ ممتنعُ الوقوع (٣)]، والتكليفُ بالواجب والممتنعِ (٤) غيرُ جائزٍ. = المكلّف الخطاب. والذين ذهبوا إلى هذا الرأي فريقان: الفريق الأول: كل من ذهب إلى أنه لا يجوز عليه تعالى التكليف بالمحال: كالجمع بين النقيضين. وذلك: لأن مقتضى التكليف بالصلاة ونحوها - من الأفعال الممكنة - هو، بالنسبة للغافل، مستحيل عليه، وإن كان ممكناً من غيره. ويلزم من استحالته عليه، أن يكون التكليف به مستحيلاً على اللّه تعالى، كما هو مذهبهم. الفريق الثاني: بعض من ذهب إلى جواز التكليف بالمحال عليه تعالى. وذلك: لأن هذا البعض لا يجوزه إلا إذا كان له فائدة الابتلاء والاختبار. هل يأخذ في المقدمات والأسباب؟. وهذه الفائدة لا يمكن تحققها من الغافل. فتجرَّدَ تكليفهُ عن الفائدة: فكان ممتنعاً. المذهب الثاني: أنّ يجوز تكليفه عليه - تعالى -: فلا يشترط في التكليف فهم الخطاب. وإليه ذهب البعض الآخر: ممن جوز التكليف بالمحال. وهو إمّا أن يزعمَ أنَّ مقتضى التكليف ممكن من الغافل، أو يقول باستحالته، ولا يبالي . بعدم الفائدة. وكلا الأمرين باطل. المذهب المختار، ودليله : ولذلك كان المذهب الأول - هو المختار، سواء أقلنا باستحالة التكليف بالمحال، أم قلنا بجوازه. أما الأدلة فهي واضحة في المتن. (١) لم ترد الزيادة في ن. (٢) لم ترد الزيادة في ن، ي، ل، آ (٣) ساقط من ص، وقوله: (ممتنع)) في ي: ((ممتنعاً)). (٤) عبارة آ: ((بالممتنع والواجب». - ٢٦٧ - و(١) إنْ لم ينتهِ إلى حدِّ الإِلجاءِ - صحَّ التكليفُ بهِ. ولقائلٍ أنْ يقول: الإِكراهُ لا ينافي التكليفَ؛ لأنَّ الفعلَ إمّا أنْ يتوقّفَ على الداعي، أو لا يتوقّفُ. فإنْ توقَّفَ - فقد بيّنًا - فيما تقدَّم -: أنَّه لا بدَّ من انتهاءِ الدواعي(٢) إلى داعيةٍ تحصلُ فيهِ من قبلٍ غيرِهِ، وأنَّ حصولَ الفعلِ - عند حصولِ تلكَ الداعيةِ واجبٌ (٣) . فحينئذٍ: يكونُ التكليفُ تكليفاً بما وجبَ (٤) وقوعُهُ، أو بما امتنعَ وقوعُهُ. وإذا جازَ ذلك - فلِمْ لا يجوزُ مثله في الإكراهِ؟ . وأمّا إنْ لم يتوقّفْ على الداعي -: كانَ رجحانُ الفعلِ على التركِ [أو(٥) بالعكس ] اتفاقيّاً، والاتفاقيُّ لا يكونُ باختيار المكلّفِ؛ وإذا جازّ التكليفُ هناك - مع أنّه ليس باختيار المكلّفِ -: فلِمَ لا يجوزُ مثلُهُ في الإِكراهِ؟. فإنْ قلتَ: ما الذي أردت بكونٍ (٦) الفعلِ اتفاقيّاً؟. إِنْ عِنيتَ [بهِ(٢)]: أنّهُ حصلَ لا بقدرة القادرِ - فـ [هو (٨)] ممنوعٌ؛ [وذلك(٩)]؛ لأنَّ المؤثِّرَ فيهِ - عندنا - هو القادرُ، لكنَّ القادرَ - عندنا -: يمكنُهُ أنْ يرجّح أحدَ مقدوريه (١٠) [به]: على الآخرِ، من غيرِ(١١) مرجِّعٍ. وإنْ عنيتَ بِهِ أمراً آخرَ: فلا بدَّ من بيانه. قلتُ: الرجلُ كانَ موصوفاً بكونِهِ قادراً على هذا الفعلِ - مع أنَّ هذا الفعل ما كانَ موجوداً، فلَمَّا وُجِدَ هذا الفعلُ -: فإمّا أنْ يكونَ لأنّهُ حدثَ أمرٌ آخرُ وراءَ كونِهِ قادراً - الّذي كانَ حاصلاً قبلَ ذلكَ - أو ليسَ كذلكُ. (١) زاد نساخ غير ص: ((أما)). (٢) لفظ ن، ي، ل، آ: ((الداعي)). (٤) آخر الورقة (١٠٨) من ح. (٦) في ح: ((أن يكون)). (٨) لم ترد الزيادة في ص. (١٠) لفظ ح: ((المقدورين)). (٣) آخر الورقة (١٦٠) من ن. (٥) سقطت الزيادة من ي. (٧) هذه الزيادة من ص. (٩) لم ترد الزيادة في ل، ن. (١١) عبارة ن، ي، ل، ص، آ: ((لا لمرجح)). - ٢٦٨ - فإنْ حدثَ -: كانَ حدوثُ الفعلِ عن (١) القادرِ متوقُّفاً على أمرٍ آخرَ سوَى [كونِهِ قادراً - وقد فرضناهُ ليسَ متوقُّفاً عليهِ، هذا خلف. وإنْ لم يحدثْ _ ألبَتّة (٢) أمرٌ] (٣): كانَ حدوثُ هذا الفعلِ في بعض أزمنةٍ (٤) كونه قادراً دونَ ما قبلَهُ وما بعدَهُ - ليسَ لأمرِ حصلَ في جانبِ القادرِ - حتّى يُؤمَرَ بهِ، أو يُنْهَى(٥) عنه، بلْ كانَ ذلكَ محضَ الاتِّفاقِ: فيكون - في هذه الحالة - تكليفاً [له(٩)] بما ليس في وسعه. وإذا ثبتَ ذلك -: بطلَ قولُهم: المكرَهُ غيرُ مكلَّفٍ. واعلم: أنَّ هذه القاعدةَ قد ذكرناها(٧) - في هذا الكتاب - مراراً، وسنذكرها - بعد (٨) ذلك ــ وما ذاك إلاّ لأنَّ أكثرَ القواعدِ مبنيٍّ عليها، ولا جوابَ عِنها إلا بتسليمِ أنّهُ يفعل [الله (٩)](١٠) ما يشاءُ، ويحكم ما يريد(١١). (١) في آ زيادة: ((هذا). (٢) ما بين المعقوفتين سقط من آ، وقوله: ((وقد فرضناه ليس متوقفاً عليه)» في ن أبدل ((متوقفاً عليه)» بـ ((كذلك) وحرفت العبارة في ص، ح إلى قوله: ((فرضنا أنه متوقف عليه؟ وخالفت ح، ص في ((فرضنا) ففيها: ((فرضناه)). (٣) لفظ آ: ((كون)). (٤) لفظ ن: ((أزمنته))، وهو تحريف. (٥) في ن: ((نهى)) وهو تصحيف. (٦) هذه الزيادة في ص، ح. (٧) في ن، ي، ل: ((کررناها)). (٨) انظر: ص(٢٢٥) من هذا الكتاب وما بعدها. (٩) لم ترد الزيادة في ص. ۔۔ (١٠) آخر الورقة (١١٧) من ل. (١١) في ختام هذه المسألة نودُّ أنْ نبيِّنَ حقيقة الإكراه وأنواعه والمذاهب فيه إيضاحاً لما ذكره الإمام المصنف - فنقول: الإكراه - هو: حمل الغير على أمر يكرهه ولا يرضاه طبعاً، أو شرعاً. وهو نوعان: النوع الأول: - ٢٦٩ - = إكراهُ ملجىءً - وهو ما فيه إسقاط الرضا والقدرة والاختيار؛ فيكون الفعل الصادر من المكره اضطرارياً: لا مندوحة له عنه يحال: وذلك: كإلقاء شخص من شاهق، على شخص آخر، ليقتله؛ فإنَّ حركة هبوط الملقى، بعد إلقائه، اضطرارية . النوع الثاني : إكراه غير ملجىء - وهو: ما فيه إسقاط الرضا، دون القدرة والاختيار: بأن يكون للمكره مندوحة عن الفعل، بالصبر على ما أكره به. وذلك: كتهديد شخص بالقتل أو الضرب أو نحو ذلك - إن لم يقتل فلاناً مثلاً؛ فإن المكره - في هذه الحالة - غير مسلوب القدرة والاختيار: إذ يمكنه أن لا يفعل المكره عليه، بالصبر على المكره به. وحركة القتل الصادرة عنه - لو نفذ مراد المكره - حركة اختباريّة مقدورة له: إن شاء فعلها، وإن شاء تركها. وعلى ذلك - فالمكره - هو: من حُمل على أمر يكرهه ولا يرضاه، مطلقاً: (سواء تعلقت به قدرته واختياره أم لا) وهو نوعان: النوع الأول: مكره ملجأ، وهو من حُمِلَ على أمر يكرهه ولا يرضاه، ولا تتعلق به قدرته واختياره . النوع الثاني: مكره غير مُلجأ - وهو: من حُمِلَ على أمر يكرهه ولا يرضاه، ولكن تتعلق به قدرته واختياره. تكليف المكره الملجأ: أما المكره الملجأ ـ نفي تكليفه مذهبان: المذهب الأول: أنّه يمتنع سواء كان هذا التكليف بالفعل الملجأ إليه، أم بنقيضه. فيمتنع تكليفه بالهبوط القاتل للغير وبالكف عنه، في المثال المتقدم. وهذا هو رأي كل من منع التكليف بالمحال، وبعض من أجازه: وهو الصواب. المذهب الثاني : أنّه لا يمتنع مطلقاً: (لا بالفعل، ولا بنقضيه). وهذا هو رأي البعض الآخر: ممن أجاز التكليف بالمحال. فالخلاف هنا كالخلاف في تكليف الغافل . وهذا التقرير جرى عليه صاحب ((جمع الجوامع)) وشارحه انظر: (٧٢/١ - ٧٧) = - ٢٧٠ - المسألةُ الخامسةُ : ذهبَ أصحابُنا: إلى أنَّ المأمورَ [إنّما (١)] يصيرُ مأموراً - حالَ زمانِ الفعلِ ، وقبل ذلك - فلا أمرَ، بل [هوَ(٢)] إعلامُ لهُ: بأنَّه - في الزمانِ الثانِي - سيصيرُ مأموراً [بهِ (٣)]. وقالت المعتزلةُ: إنّه إنّما يكونُ(٤) مأموراً بالفعل - قبل وقوع الفعلِ . لنا: أنّه لو امتنعَ كونُه مأموراً - حالَ حدوثِ الفعلِ - لامتنعَ كُونُهُ مأموراً - = وظاهر صنيع البيضاوي في منهاجه. واقتصر الأسنوي على حكاية المذهب الأول ونقل عن ابن التلمساني الاتفاق عليه فراجع (١ /١٠١ - ١٠٣) تكليف المكره غير الملجأ: وأما المكره غير الملجأ، ففي تكليفه مذهبان أيضاً: المذهب الأول: أنه لا يمتنع مطلقاً: (لا بالفعل المكره عليه، ولا بنقيضه)؛ فيجوز تكليف من أكره على الزكاة والإسلام، بالزكاة والإِسلام. ويثاب عليهما ثواب الواجب: إذا فعلهما امتثالاً للتكليف، لا للإكراه . ويجوز تكليف من أكره على قتل شخص عدواناً، بالكف عن القتل وبالصبر على ما أكره به. ويثاب حينئذ على كل: من الصبر على الإيذاء والكف عن المحرم. وهذا رأي أهل السنّة، ومفهوم كلام البيضاوي. وهو المختار. المذهب الثاني : أنّه يمتنع التكليف بالفعل المكره عليه، ويجوز نقيضه وهذا هو مذهب المعتزلة . . وكل - من صاحب ((جمع الجوامع)) وشارحه - ينسب إليهم الامتناع مطلقا، ويختاره (فيكون هذا مذهباً ثالثاً في المسألة). راجع المسألة في: المستصفى (٩٠/١)، والمنهاج بشرحي الاستوي وابن السبكي (١٠١/١ - ١٠٣)، وجمع الجوامع بشرح الجلال (٧٢/١ - ٧٧) والكاشف (١٢٩/٢ - ١٣١) ومذكرة لم تطبع لشيخنا عبد الغني عبد الخالق. (١) لم ترد الزيادة في ل، ن. (٢) لم ترد في ح وأبدلت في ي بـ ((يكون)). (٣) لم ترد في غيرح. (٤) لفظ آ: ((يصير). - ٢٧١ - مطلقاً؛ لأنَّ - في الزمان الأول - لو أمِرَ (١) بالفعلِ -: لكانَ الفعلُ إمّا أنْ يكونَ ممكناً في ذلكَ الزمانِ، أو لا يكونَ . فإنْ كانَ ممكناً -: فقد صارَ مأموراً بالفعل (٢) - حالَ إمكانٍ وقوعِهِ(٣). وإنْ لم يكنْ ممكناً -: كانَ مأموراً بما لا قدرةَ [له(٤)] عليه؛ وذلكَ - عند الخصم - مجالٌ. فإنّ قلتَ: إنّه - في الزمان الأوَّلِ ـ مأمورٌ لا بأن يوقعَ الفعلَ في عينِ ذلكَ الزمانِ، بل بأنْ يُوقِعَهُ في الزمانِ الثاني(٥) [منه . قلتُ: قولِكَ: إنّهُ - في الزمان الأوّلِ - مأمورٌ بأن يُوقعَ الفعلَ - في الزمانِ الثاني (٦) - ]، إنْ عنيتَ به: أنَّ كونَهُ (٧) مُوقِعاً للفعلِ لا يخصلُ إلَّ في الزمانِ الثانِي - ففي الزمانِ الأول، لم يكن موقعاً - ألبَتَّةَ - [لشيءٍ(٨)]، وليس هناك إلَّ نفسُ القدرةِ؛ فيمتنعُ أنْ يكونَ - [في(٩)] ذلك الزمانِ - مأموراً بشيءٍ. وإنْ عنيتَ به: أنَّ كونّه موقعاً يحصلُ(١٠) - في الزمان الأول - والفعلُ. يوجدُ(١١)۔ في الزمان الثاني - فنقول: ! كونه موقعاً إمّا أنْ يكونَ نفسَ القدرةِ، أو أمراً زائداً [عليها(١٢)]. فإنْ كانَ (١) لفظ ي: ((أمرنا)) !. (٢) عبارة آ: ((بالفعل مأموراً). (٣) في ح: ((وقوع الفعل)). - (٤) لم ترد الزيادة في ص، ي. (٥) في ي: «والثاني)). (٦) ما بين المعقوفتين ساقط من آ. (٧) لفظ آ، ن: ((يكون)). (٨) لم ترد الزيادة في ص، ح، وعبارة آ: ((بشيء البتة)). (٩) سقطت الزيادة من ص. (١٠) في ن: ((لحصل))، وهو تصحيف. (١١) لفظ آ: «يتوجه))، وهو تصحيف. (١٢) في ح: ((عليه))، ولم ترد في ص. - ٢٧٢ - نفسَ القدرةِ: لم يكنْ [لـ(١) ]كونه موقعاً للفعل [معنى(٢)] إلّ محض كونه قادراً: فيعود القسم الأول. وإنْ كانَ أمراً زائداً [عليها (٣)] - فحينئذٍ: تكونُ القدرةُ مُؤْثّرةً(٤) في وقوعِ ذلكَ الزائدِ [في الزمان الأوَّل(٥)]؛ والأمرُ إنّما توجّه(٦) عليه - في الزمان الأول - بإيقاع [ذلك الزائدِ، وذلك الزائدُ واقعٌ - في الزمان الأول -: فالآمرُ لا يكونُ آمراً بالشيءٍ (٧) إلَّ حالَ(٨)] وقوعِهِ، لا قبله(٩). احتجِّ الخصمُ: بأنَّ المأمورَ بالشيءٍ [يجب (١٠) أنْ يكونَ] قادراً عليهِ، ولا قدرةَ - على الفعلِ - حالَ وجودِ الفعلِ ، وإلَّ: لكانَ ذلكَ تحصيلاً للحاصل ؛ وهو محال. فعلمنا: أنَّ القدرةَ - على الفعل - متقدمة على الفعل ، والأمرُ لا يتناولُ إلّ القادرَ والرجلُ (١١) لا(١٢) يصيرُ مأموراً بالفعلِ [إلَّ(١٣) ] قبلَ وقوعِهِ. [و(١٤)] الجوابُ: القدرةُ مع الداعِي مؤثّرةُ(١) في وجودِ الفعلِ، ومستلزمةٌ (١٩) (١) انفردت بهذه الزيادة ص. (٢) هذه الزيادة من ص. (٣) لم ترد الزيادة في غير ص. (٤) لفظ آ: ((تؤثر)). (٥) ساقط من ن، مي، ل، آ. (٧) آخر الورقة (١٠٨) من آ. (٦) في ن، ي، ل، آ: ((یتوجه)). (٨) ما بين المعقوفتين سقط من ي في هذا الموضع، وقد أضافه الناسخ بعد قوله: ((احتج الخصم))، وهو تصرف منه. (٩) في ح زيادة: ((ولا بعده))، وهو تصرف من الناسخ. (١٠) ساقط من ل، وفي ن رسمت ((يجب أن)) كما لو كانت ((يختار)). (١١) في ن، ص، ل: ((فالرجل)). (١٢) لفظ ص: ((أنما)). (١٣) لم ترد الزيادة في ص. (١٥) في ح: ((مؤثران)». (١٤) لم ترد الواو في ي. (١٦) في ن: ((أو مستلزمة)) وفي ح، ص، ي: ((مستلزم)). - ٢٧٣ - له ولا امتناعَ في كونِ المؤثِّر مقارناً للأثرِ - كما في سائرِ المؤثّراتِ الموجبةِ (١). والله أعلم. · (١) اعلم أن للحكم تعلّقين: أحدهما: تعلُّقُ معنويّ قديم - وهو عبارة: عن الإعلام والإخبار - بأنَّ فلاناً سيصير مأموراً بكذا، أو منهياً عن كذا، عند وجوده واستيفائه لشرائط التكليف. ويقال للأمر والنهي - حينئذ -: أمر إعلام، ونهي إعلام، وتسميتهما أمراً ونهياً مجازٌ: لأنهما إخبار وليسبا بإنشاء. ثم إنهما ليسا تكليفاً - وإن كانا حكماً -: لأن التكليف: إلزام ما فيه كلفة، ولا إلزام فيهما. ثم إنَّ هذا التعلّق موجود قبل مباشرة العبد للفعل، بل قبل دخول الوقت في الواجب المؤقت، وقبل تحقق شرائط التكليف التي منها: وجود المكلف. ولذلك قلنا ۔ فيما سبق -: الحكم يتعلق بالمعدوم، ولم نقل: المعدوم مكلّف. ثانيهما: تعلُّقٌ تنجيزيَّ حادث - وهو عبارة عن الإلزام بتحصيل الفعل المأمور به في الأمر، والإلزام بالكف عن الفعل المنهيُّ عنه في النهي. ويُسميان: أمر إلزام، ونهي إلزام. وتسميتهما أمراً ونهياً حقيقة؛ لأنهما إلزام. وهذا التعلُّق لا يتوجّه إلى العبد إلاّ بعد استيفائه لشرائط التكليف: من وجود، وبلوغ، ونقل، وفهم للخطاب - على رأي من يمنع تكليف الغافل - وقدرة على الفعل - على رأي من يمنع التكليف بما لا يطاق، وغير ذلك . من هم المتكلمون في هذه المسألة والمختلفون فيها؟ وما منشأ اختلافهم؟. ولما اختلف العلماء في الوقت الذي توجد فيه قدرة العبد على الفعل -: تبع ذلك اختلاف من اشترط منهم القدرة في التكليف - وهو: من منع التكليف بما لا يطاق -، في: الوقت الذي يتوجه فيه التكليف إلى العبد. حيث إن المشروط لا يوجد إلا إذا وجد شرطه. أما من أجاز التكليف بما لا يطاق: فإما أن يدخل في هذا النزاع منزلاً ومسلماً أن التكليف به لا يجوز، أو على أنه - وإن جاز - لم يقع، أو على أنه وقع في البعض القليل والكلام هنا في جميع التكاليف. وحينئذ يجب أن يكون مذهبه هنا على حسب مذهبه في وقت القدرة . وإما أن يدخل في هذا النزاع مع تمسكه بجواز التكليف بما لا يطاق، ومع عدم نظره. إلى جانب الوقوع. وحينئذ فلا يكون مقيداً هنا بمذهبه في وقت القدرة: لأنه يجوز التكليف مع عدمها عنده. - ٢٧٤ - المسألةُ السادسةُ: المأمورُ بهِ إذَا كانَ مشروطاً [بشرطٍ(١)] - فالأمر: إمّا أنْ يكونَ غيرَ عالم. بعدم (٢) الشرطِ، أو لا يكونَ. بيان محل النزاع في هذه المسألة، والمذاهب فيها: = إذا تمهد لك هذا، فاعلم أنهم قد اتفقوا على أن التكليف بالفعل لا يتوجه بعد مباشرته، لما فيه: من طلب تحصيل الحاصل، وهو محال. وإنما الخلاف: في أنه أيتوجه التكليف عند المباشرة، أم قبلها؟ وإذا توجه قبلها: فهل يستمر إلى وقتها؟. والمراد بوقت المباشرة: لحظة بروز الفعل من العدم إلى الوجود، لا لحظة حصوله بالفعل . وقد اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: أن التكليف إنما يتوجه عند المباشرة فقط، والموجود قبل ذلك إنما هو إعلام للعبد بأنه في الزمان الثاني - وقت المباشرة - يكون مكلفاً بالفعل. وقد اختاره الإمام فخر الدين الرازي، والقاضي البيضاوي. ونسبه الإِمام إلى الأصحاب -: الأشاعرة - ونسبه الآمدي إلى شذوذٍ منهم. وقد زعم إمام الحرمين: أنّه مذهب لا يرتضيه لنفسه عاقل. المذهب الثاني : أنه إنما يتوجه قبل المباشرة فقط . وإليه ذهب جمهور المعتزلة. وقد اختاره إمام الحرمين والغزالي. المذهب الثالث : أنه يتوجه قبل المباشرة، ويستمر إلى وقتها . وإليه ذهب بعض المعتزلة ونسبه الآمدي إلى الأصحاب، يعني : أغلبهم أو جمهورهم. راجع: المستصفى (٨٥/١)، والمعتمد (١٧٩/١ - ١٨٠) والإحكام (٧٩/١) ط صبيح، وشرح الاسنوي وعليه سلم الوصول (٢٩٨/١ - ٣١٥)، وجمع الجوامع بشرح الجلال (٧٧/١ - ٧٨)، وشرح مختصر ابن الحاجب (١٥/٢)، والكاشف (١٣١/٢ - ١٣٥ - ب) وإرشاد الفحول ص(٩)، ومذكرة لم تطبع لشيخنا عبد الغني عبد الخالق. (٢) في ل، ن: ((بعد)»، وهو تحريف. (١) لم ترد الزيادة في ن، ي، ل، آ. - ٢٧٥ - أمّا الأوَّلَ: فكما إذا قالَ السيِّد لعبدِهِ: صمْ غداً (١)؛ فإنَّ هذا مشروطً ببقاءٍ العبدِ غداً، وهو مجهولٌ للآمر - فها هنا: الأمر تحقّق - في الحالِ - بشرطِ بقاءٍ المأمورِ قادراً على الفعلِ . [و(٢)] أمّا الثاني : - فكما إذا علم الله - تعالى - أنَّ زيداً سيموت غداً: فهل (٣). يصحُّ أنْ يقالَ: إنَّ الله - تعالى - أمره بالصوم غداً، بشرطِ أنْ يعيشَ [غداً(٤)]، مع أنّه يعلمُ أنّه لا يعيش غدا؟ . قطَعَ القاضِي أبو بكرٍ، والغزاليُّ - رحمهما الله تعالى - به، وأباه [جمهورُ(٥)] المعتزلة . حجّةُ المنكرينَ(٦): أنَّ شرطَ الأمر بقاءُ المأمورِ - فالعالمُ بأنَّ المأمورَ لا يبقى عالمٌ (٧) بفواتِ شرطِ [الأمر (٨)]: فاستحالَ(٩) مع ذلكَ حصولُ الأمر. قالَ المجوِّزونَ: لا نزاعَ في أَنّه [لا(١٠)] يجوزُ أنْ يقولَ للميِّتِ - حال كونه ميتاً (١) -: ((افعَلْ))؛ لكنْ لِمَ لا يجوزُ أنْ يُقالَ [في الحالِ(١٢)] لمنْ يعلمُ أنّه سيموتُ غداً: ((افْعَلْ غداً إنْ عشتَ))، بل هو جائزٌ لما فيهِ: من المصالحِ الكثيرة؛ فإنَّ المكلَّف (١٣) قد يُوطِّنُ النفسَ على الامتثالِ، ويكونُ ذلكَ التوطينُ(١٤) نافعاً(١٥) [له(١)] يوم المعادِ، ونافعاً له في الدنيا؛ لأنّه ينحرفُ بهِ - في الحالِ (١٧) - عن الفساد. (١) آخر الورقة (١٠٩) من ح. (٣) لفظ ص: ((فهذا). (٥) لم ترد الزيادة في ص، ح. (٢) لم ترد الواو في ن. (٤) لم ترد الزيادة في ن، ح، ل. (٦) لفظ ح: ((المعتزلة)). (٧) في ن، ي، ل، آ: ((وعالما))، وهو تصحيف. "(٨) سقطت الزيادة من آ. (١٠) سقطت الزيادة من ن. (١٢) سقطت الزيادة من آ. (١٤) لفظ ي: ((التوطن)). (١٦) لم ترد الزيادة في آ. (٩) لفظ ما عدا ص، ح: ((واستحال)). (١١) آخر الورقة (٧٣) من ي. (١٣) في ل: ((التكليف))، وهو تصحيف. (١٥) فيما عدا آ: (لطفا)). (١٧) عبارة ح: ((عن الفساد في الحال)) .. - ٢٧٦ - وهذا كما أنَّ السيّدَ [قد(١)] يستصلحُ عبدَهُ بأوامرَ يُنجِّزُها [عليهِ(٢)] - مع عزمهِ على نسخِ الأمرِ -: امتحاناً للعبد، وقد يقولُ الرجلُ لغيرِهِ: ((وكّلْتُكَ ببيعِ العبدِ غداً)، مع علمِهِ بأنّهُ سيعزلهُ عن ذلك غداً؛ لِمَا أنَّ (٢) غرضَهُ [منه(٤)] استمالةُ (٥) الوكيل، أو (١) امتحانُهُ في أمرِ ذلكَ العبدِ. ١ ومأخذُ النزاع - في هذه المسألة -: أَنَّ المجوِّزين قالوا: الأمرُ نارةٌ يحسُنُ(٧) لمصالحَ تنشأ من نفسِ الأمرِ، لا من المأمور بهِ، وتارةً لمصالحَ تنشأ من المأمور به . [وأمّا المانِعُونَ - فقد اعتقدوا: أنَّ الأمرَ لا يحسُنُ إلاّ لمصلحةٍ تنشأ من المأمور به(٨)]. وتمام تقريره سيظهرُ - في مسألة أنه يجوزُ النسخ قبل مضيّ مدّةِ الامتثالِ(٩). والله أعلم. (١) سقطت الزيادة من ح. (٢) هذه الزيادة من ص. (٣) آخر الورقة (١١٨) من . (٤) انفردت بهذه الزيادة ص. (٥) آخر الورقة (١٦٢) من ن. (٦) لفظ ن، ي، ل، آ: ((وامتحانه)). . (٧) عبارة ل: ((يصلح بمصالح)). (٨) ما بين المعقوفتين ساقط من ح، آ. (٩) راجع المسألة في المعتمد (١٧٨/١ - ١٧٩)، وقد أدرجها في باب شروط حسن - الأمر، والمستصفى (٩١/١)، واختلفت فهرسته لها، والكاشف (١٣٧/٢ ب - ١٣٩ب). - ٢٧٧ - القسم الثالث في النواهي [وفيه مسائلُ(١)] (١) هذه زيادة مناسبة من آ. - ٢٧٩ - ٠٠٠ --