النص المفهرس

صفحات 201-220

عنه، ولكنّه لا ينافي الشيءَ لماهيّتِهِ، بل لكونه مستلزماً عدمَ ذلكُ الشيءِ؛
فالمنافاةُ بـ ((الذاتٍ))، لَيْستْ [إلَّ(١) ] بينَ وجودِ الشيءِ، وعدمِهِ.
[و(٢)] أمّا المنافاةُ - بين الضدِّين - فهي (٣): بـ ((العرضِ))، فلا جرمَ -
عندنا: الأمرُ بالشيءٍ نهيّ عن الإِخلالِ به بـ ((الذاتٍ»، ونهي عن أضدادِهِ
الوجوديّةِ بـ ((العرضِ والتبع (٤)].
سلمنا أن التركَ قد يكونُ مغفولاً عنه - لكن: كما أنَّ الأمرَ - بالصلاةِ (٥)
أمرٌ (٦)، بمقدّمتها (٧)، [و (٨)] إنْ(٩) كانتْ [تلك(١٠)] المقدَّمةُ قد تكونُ (١) مغفولاً
عنها، فَلِمَ [لا يجوزُ أنْ يكونَ الأمرُ بالشيءٍ نهياً عن ضدِّه -: وإن كان ذلكَ
الضدّ مغفولاً عنه؟ .
سلّمنا كلَّ ما ذكرتُمُوه - لكنْ: لِمَ لا يجوزُ(١)] أن يقال(١٣): الأمرُ بالشيءٍ
يستلزمُ النهيَ عن ضدِّه - بشرطِ أنْ لا يكونَ الأمرُ آمراً بما لا يطاقُ، وبشرطِ أنْ
لا يكونَ غافلاً عن الضدِّ. ولا(١٤) استبعادَ في أن يستلزمَ [شيءٍ(١٠)] شيئاً - عند
حصولٍ شرطٍ خاصٍ ، وأنْ(١٩) لا يستلزمَهُ (١٧) - عند عدم ذلك الشرطِ.
المسألةُ الثالثةُ :
[في أنّه (١٨] ليسَ من شرطٍ (١٩) الوجوب تحقَّقُ العقابِ على التركِ.
(١) سقطت الزيادة من ن.
(٢) لم ترد الواو في ص.
(٤) في آ: «والمنع))، وهو تحريف.
(٦) في ص: ((الأمر)).
(٨) سقطت الواو من ل.
(١٠) لم ترد الزيادة في ن.
(٣) في ل: ((فهو)).
(٥) آخر الورقة (٩٥) من ح.
(٧) لفظ ي: ((بمقدماتها)).
(٩) آخر الورقة (٦٤) من ي.
(١١) في غيرح: ((يكون)).
(١٢) ما بين المعقوفتين ساقط من ن، وقوله: ((كل ما ذكرتموه)) في ح: ((كل ذلك)).
(١٣) لفظ ص: ((يكون)».
(١٤) لفظ ل: ((فلا)).
(١٥) سقطت الزيادة من ص.
(١٦) في ن: ((فلا))، وفي ح: ((وإن كان لا)). (١٧) لفظ ح: ((يستلزم).
(١٩) اخر الورقة (٢٧) من ص.
(١٨) لم ترد الزيادة في ن .
- ٢٠١ -

هذا - هو المختارُ؛ وهو قولُ(١) القاضِي أبي بكرٍ، خلافاً للغزاليِّ .
لنا وجهان (٢):
الأول: [أنّه (٣)] لو كانَ كذلكَ - لكانَ حيثُ تحقَّقَ(٤) العفو(٥) -: لم يتحقّق
الوجوبُ؛ وذلكَ باطلٌ على قولنا: ((بجوازٍ(٦) العفوِ عن أصحابِ الكبائرِ)).
[و(٧)] الثاني: أنَّ ماهيَّة الوجوب تتحقّقُ - عند المنع من الإِخلال بالفعل -
وذلك يكفِي في تحقَّقِهِ (٨) ترتُّبُ الذمُّ على التركِ (٩)؛ ولا(١٠) حاجةً إلى ترتُّب (١)
العقاب على الترك .
والعجبُ أنَّ(١٢) الغزاليّ(١٣) إنّما أوردَ هذه المسألةَ - بعدَ(١٤) أن زيَّفَ ما قيلَ في
حدِّ الواجب -: ((أنّه الّذي يُعاقبُ على تركِهِ))، وذكرَ: أنَّ الأولى أن يقالَ(١٥).
الواجبُ - هَو (١٦): ((الّذِي يُدُّ تاركه)».
وهذا منه اعترافٌ بأنَّ الواجبَ لا يتوقَّفُ تقرُّرُ(١٧) ماهيّتِهِ على العقاب، وأنّه (١٨)
يكفي في تحقَّقِه(١٩) استحقاقُ الذِّ. ثم ذكرَ(١) - عقيبه - بلا فصلٍ هذه المسألة،
(٢) آخر الورقة (١٤١) من ح.
(٤) في ن: ((لم يتحقق))، وهو تحريف.
(٦) في غير ص: ((لجواز)).
(١) في ح: ((وبه قال)).
(٣) لم ترد الزيادة في ي.
(٥) في آ: ((العقاب)).
(٧) هذه الزيادة من ص ..
.(٨) في ل، ن: ((تحقيقه)). وفي ص: ((حقيقة)).
(٩) في آ: «تركه».
(١٠) في غيرح، ص: ((فلا)).
(١١) في ن، ح، ل: ((ترتيب)).
(١٢) في ن، آ، ي: ((من))، وفي ل: ((من قول)).
(١٣) في غيرح، ص زيادة: ((أنه))، وفي ي : ((لما)).
(١٤) في ي: «بعدما».
(١٥) في ح زيادة: ((إن)).
(١٦) في ن: ((بين)» وهو تحريف.
(١٨) في آ: ((في أنه)).
(١٧) في ص: ((تقرير)).
(١٩) لفظ غيرح: ((تحققها)).
(٢٠) لفظ ن، ل، آ، ي: ((قال)).
- ٢٠٢ -

وذكرَ: أنَّ(١) ماهيّة(٢) الوجوب لا تتحقّقُ (٣) إلّ بترجيح الفعلِ على الترك:
والترجيحُ لا يحصلُ إلَّ بالعقابِ(٤).
ولا شكَّ(٥) أنّه مناقضةٌ ظاهرةٌ .
المسأَلةُ الرَّابعةُ:
الوجوبُ إذا نُسخَ - بقى الجوازُ؛ خلافاً للغزاليُّ(١).
لنا: [أنَّ(٧)] المقتضيَ للجوازِ(٨) قائمٌ، والمعارضُ الموجودُ لا يصلحُ
مزيلًا -: فوجبَ بقاءُ الجوازِ.
إنّما قلنا: [إنَّ(٩)] المقتضيَ للجوازِ قائمٌ؛ لأنَّ الجوازَ جزءٌ من الوجوب،
والمقتضي للمركّب مقتضٍ لمفرداته .
[و(١١)] إنّما قلنا: إنَّ الجوازَ جزءٌ من الوجوب؛ لأنَّ الجوازَ - عبارة: عن رفعِ
الحرجِ عن الفعلِ ، والوجوب عبارةٌ: عن رفع الحرجِ عن الفعلِ ، مع إثباتٍ
الحرج في الترك: ومعلومٌ أنَّ المفهومَ الأوَّلَ من المفهومِ الثاني.
(١) آخر الورقة (٩٥) من آ.
(٢) في ح: ((ماهيته)).
(٣) لفظ غير ل: ((تتقرر)).
(٤) يتلخص تعجّب المصنف من الغزاليِّ - رحمهما الله - في أنَّ الغزاليَّ اختار تعريف
القاضي للواجب، وزيف سائر ما عداه، وبعد ذلك نقل عن القاضي قوله: ((لو أوجب الله علينا
شيئاً، ولم يتوعّد بعقاب على تركه: لوجب. فالوجوب إنما هو بإيجابه لا بالعقاب)». ثم عقب
عليه بقوله: ((وفيه نظر: لأن ما استوى فعله وتركه في حقنا فلا معنى لوصفه بالوجوب، إذ لا
نعقل وجوباً إلا بأن يترجح فعله على تركه بالإضافة إلى أغراضنا. فإذا انتفى الترجيح فلا معنى
للوجوب أصلاً)» ا. هـ. فراجع: المستصفى (٦٦/١). وقد أعاد - رحمه الله - ذكر قول
القاضي المذكور في بحثه لأركان الحكم، وعقب عليه بتعقيب آخر؛ فراجعه في (٨٣/١).
ولعل مراد الغزالي - رحمه الله - استحقاق العقاب، لا تحقُّقه فعلاً، وبذلك ينتفي العجب.
وانظر: الكاشف (٧٣/٢ - آ - ٧٤ - ب).
(٥) في ل: ((وهذه)).
(٦) راجع مذهب الغزالي في هذه المسألة في المستصفى (٧٣/١) وما بعدها.
(٧) هذه الزيادة من ص.
(٨) في ن: ((الجواز)).
(٩) لم ترد الزيادة في ن، آ، ل.
(١٠) انفردت بهذه الزيادة ن.
- ٢٠٣ -

وإنَّما قلنا: [إِنَّ(١)] المقتضي للمركّب مقتضٍ(٢) لمفرداتِهِ؛ لأنّه ليسَ
المركَّبُ [إلّ(٣)] عين(٤) تلكَ المفرداتِ -: فالمقتضي للمركّبِ مقتضٍ لتلك
المفردات .
فإنْ قلتَ: المقتضي للمركّب مقتضٍ لتلك المفرداتِ حال اجتماعِهَا، فَلِم
قلت: إنّه يكونُ مقتضياً(٥) لها - حَالَ(٦) انفرادِهَا؟.
قلتُ: تلكَ المفرداتُ من حيثُ [هي غيرٌ، ومن حيثُ(٧)] إنّها مفردةٌ(٨) غيرٌ،
وأنا لا أدَّعي (٩) أنّها - من حيث هي مفردة (١٠) داخلةٌ (١١) في المرُّكب، وكيف
[يقالُ(١٢)]: ذلكَ [فِيهِ(١٣)]، و[قيدُ(١٤] الانفرادِ يعاندُ(١٥) قيدَ التركيب، وأحدُ
المعاندين(١٩) - لا يكونُ داخلاً في الآخرِ؟ ولكنّني(١٧) أدَّعي أنّها من حيثُ(١٨) هي -
داخلةٌ في المركب: فيكونُ المقتضي [للمركَّب (١٩)] [مقتضيا٣٠ً] لـ [تلكَ(٢١)]
المفرداتِ - من حيث إنّها (١٧) هي، لا من حيثُ إنّها مفردةٌ (٢٣).
(٢) لفظ ص: ((يقتضي)).
(١) لم ترد الزيادة في ح.
(٣) سقطت الزيادة من ن، ي، ل، آ، ح.
(٤) في غير ص، ح: ((غير)) وهو تصحيف.
(٥) في آ: ((نقيضاً) وهو تحريف.
(٦) لفظ ي: ((حالة)).
(٧) ساقط من ن، وعبارة ل: ((أنها هي غير، وهي من حيث)).
(٨) لفظ ن، آ، ي: ((منفردة)).
(٩) في ل، ص، ي: ((وإنا لا ندعي)).
(١٠) في غير ل، ح: ((منفردة)).
(١١) آخر الورقة (١٠٢) من ل.
(١٢) سقطت الزيادة من آ، وفي ي: ((ندعى)).
(١٣) لم ترد الزيادة في غير أ.
(١٤) سقطت الزيادة من آ، وفي ن: ((وقيل))، وهو تحريف.
(١٥) لفظ ي: ((يغاير)) وهو تحريف.
(١٦) في ي: ((المغايرين)).
(١٧) في ن، ل، ي، آ: ((ولكن)).
(١٨) في غير ل: زيادة: ((أنها)).
(٢٠) سقطت الزيادة من ص.
(٢٢) في ل: ((هي)).
(١٩) سقطت الزيادة من ن، ص، ل.
(٢١) لم ترد الزيادة في أ.
(٢٣) في غيرح، آ: ((مفردة)).
- ٢٠٤ -

[و (١)] إنّما قلنا: إنّ المعارضَ [الموجودَ (٢)] لا يصلحُ مزيلًا؛ لأنَّ
المعارضَ يقتضِي زوالَ الوجوبِ، والوجوبُ ماهيّة مركّبةً، والماهيَّةُ المركّبةُ -
يكفي في زوالِهَا زوالُ(٣) أحدٍ قيودِها - فزوالُ (٤) الوجوب يكفي فيه: إزالةُ الحرجِ
عن التركِ، و(٥) لا حاجةَ [فيهِ(٦)] إلى إزالةٍ جوازِ الفعلِ.
فثبت: أنَّ المقتضي للجوازِ قائمٌ، والمعارض لا يصلحُ مزيلًا.
فإنْ قِيلَ : الجوازُ الّذي جعلْتُهُ جزءَ ماهيّةِ الوجوبِ - هوَ الجوازُ بمعنى: رفع
الحرجِ عن الفعلِ فقط، أو بمعنى: رفعِ الحرج عن الفعل والترك معاً؟ الأوّل
مسلّم (٧)، [ والثاني (٨) ممنوع].
ولكنّ (٩) ذلك(١٠) [الأوّلَ(١١)] - لا يمكنُ بقاؤهُ بعدَ زوالِ الوجوب؛ لأنَّ مسمَّى
رفعِ الحرجِ عن الفعلِ لا يدخلُ في الوجودِ إِلَّ مقّداً(١٢) - إمّا بقيدِ(١٣) إلحاقٍ
الحرجِ بالتركِ: كما في ((الوجوب)).
أو بقيدٍ رفع الحرجِ(١٤) عن الترك: كما في ((المندوب(١٠))؛ ويستحيل(١٦) أن
يبقى بدون هذين القيدين.
وأمّا الثاني - فممنوع؛ لأنَّ الجوازَ - بمعنى: رفع الحرجِ عن الفعلِ
(١) لم ترد الواو في ص.
(٣) في ن: ((زوائل)) وهو تصحيف.
(٥) في ي: ((فلا)).
(٢) سقطت الزيادة من ح.
(٤) لفظ ص، ح: ((وزوال)).
(٦) لم ترد الزيادة في ن.
(٧) في ص، ل، آ: ((م)) وهو رمز مسلم.
(٨) سقطت من ح، ص، وفي ل، آ: ((ع)) رمز لممنوع.
(٩) لفظ ح: ((لكن)).
(١٠) في ص، ي، ن: ((ذاك)).
(١٢) في آ: ((بقيد)).
(١١) هذه الزيادة من ل، آ.
(١٣) لفظ ن: ((تفيد)» وهو تصحيف.
(١٤) عبارة ح: ((رفع لا يتحقق الحرج عند الترك)).
(١٥) كذا في جميع الأصول، والمناسب: ((الندب)).
(١٦) في ن، ي، آ، ص: ((ويستحيل)).
- ٢٠٥ -

والتركِ - يُنافي(١) الوجوبَ الذي لا تتحقّقُ (٢) ماهيَّتَهُ إلَّا معَ الحرجِ على
التركِ (٣)، والمنافِ لا يكونُ جزءاً.
فثبت: أنَّ المقْتضِيَ ((للوجوب)) - لا يكونُ مقتضياً ((للجوازه بهذا المعنى.
[ و(٤)] الجوابُ: [أنَّ(٥)] ((الجوازَ)) - الّذي هو جزءُ ماهيّةِ الوجوب هو
(الجوازُ)) بالمعنى الأوّلِ(٦).
قوله: (([إنّه (٧)] لا يتقرّر إلَّ معَ أحدٍ(٨) القيدين)).
قلنا: [نسلَّم(٩)]؛ لكنَّ(١٠) الناسخَ للوجوبِ - لمَّا رفع [الوجوبَ: رفعَ (١) منع]
الحرج عن التركِ [فقد حصلَ بهذا الدليل زوالُ الحرج(١٢) عن التركِ (١٣) ].
و[قدْ(١٤)] بقيَ - أيضاً - القدرُ المشترك بينَ الوجوب والندب ـ وهو: زوالُ:
." الحرج عن الفعلِ : فَيحصلُ من مجموع [هذين(١٥)] القيدينِ زوالُ الحرج عن
الفعل وعن (١٦، التركِ - معاً، وذلكَ هو: المندوبُ والمباحُ(١٧).
فظهر (١٨، بما ذكرنا: أنَّ الأمرَ إذا لم يبقَ (١٩) معمولاً بهِ في الوجوبِ: بقي
(١) لفظ ح، ص: «منافي)).
(٢) في ح: ((يتحقق)).
(٣) آخر الورقة (١٤٢) من ن.
(٤) لم ترد الزيادة في ص، ح.
(٥) لم ترد الزيادة في غير ل ..
(٦) لفظ ن: ((بالأول)).
(٧) لم ترد الزيادة في ن .
(٨) في ل: ((إحدى هذين)).
(٩) سقطت الزيادة من ن، وفي ل، آ: ((لا نسلم)). وهو تحريف، وفي ح، ي:
(مسلم)) .
(١٠) في ل، آ: ((لأن)).
(١١) ما بين المعقوفتين ساقط من ن، ي، ا، ص، ح.
(١٢) آخر الورقة: (٩٦) من ح.
(١٣) ما بين المعقوفتين أبدل في ل بعبارة: ((وهو الجواز الذي قيد من الندب)).
(١٥) لم ترد الزيادة في غير ض.
(١٤) لم ترد الزيادة في ح.
(١٦) كذا في ي، آ، وفي ن، ل نحوها، غير أن كلمة ((عن)) لم ترد فيهما، وعبارة ص،
ح: ((عن الترك وعن الفعل)).
(١٩) لفظ ل: ((يكن)).
(١٧) لفظ ص: ((أو المباح)) .. (١٨) في ح: ((وظهر)).
- ٢٠٦ -

معمولاً به في الجواز والله أعلم.
المسألةُ الخامسةُ:
في أنَّ ما يجوزُ تركُهُ لا يكونُ فعلُهُ واجباً .
والدليلُ عليهِ - : أنَّ الواجبَ [ما (١)] لا يجوزُ تركُه، والجمعُ بينهُ وبينَ جوازٍ
التركِ - متناقض(٢).
واعلم: أنَّ الخلافَ - في هذا الفصلِ - مع طائفتينٍ:
إحداهما: الكعبيُّ (٣) وأتباعُهُ - فإنّه روي في كتبٍ أصحابنا عنهم(٤): أنّهم
قالوا: المباحُ واجبٌ.
واحتجّوا عليهِ: بأنَّ المباحَ تُركَ [به(٥)] الحرامُ، وتركُ الحرامِ واجبٌ -:
فيلزمُ(٦) أنْ يكونَ المباحُ واجباً.
وجوابُه: أنَّ المباحَ ليسَ نفسَ تركِ الحرامِ، بلْ هَوَ شيءٌ بِهِ يُتركُ (٧)
الحرامُ، ولا يلزمُ مِنْ كونِ التركِ (٨) واجباً - أن يكونَ الشيءُ المعيِّنُ الّذي
يحصلُ(٩) بِهِ التركُ واجباً - إذا كانَ ذلكَ التركُ ممكنَ التحقيقِ(١٠) بِشيءٍ آخرٌ غيرِ
ذلكَ الأوَّلِ .
(١) لم ترد الزيادة في ح.
(٢) في آ: ((مناقضة)).
(٣) هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي، البلخي رأس طائفة من المعتزلة
يقال لهم الكعبية. راجع اللباب (٤ /٤٤)، وقد أخذ الكعبي الاعتزال عن الحسين الخياط.
قيل: وكان الجبائي يفضله على شيخه، وتوفي سنة (٣١٩) هـ. انظر: التبصير في الدين
ض (٥١ - ٥٢)، وهامشيهما، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للمصنف ص (٤٣)،
وفرق وطبقات المعتزلة: (٩٣-٩٥).
(٤) في ص: ((عنهم في كتب أصحابنا)).
(٥) زيادة لا بدَّ منها لِتَستَقِيم، وسقطت من جميع الأصول.
(٦) فيزي: ((فوجب أن يلزم)).
(٧) لفظ آ: ((يترك به)).
(٨) لفظ ما عدا ص: ((الترك)).
(٩) في آ: ((به يحصل)).
(١٠) لفظ غيرح: ((التحقق)).
- ٢٠٧ -

وثانيها: ما ذكرهُ(١) كثيرٌ من الفقهاءِ: [من (٢)] أنَّ الصومَ واجبٌ على
المريض والمسافرِ والحائِضِ . وما يأتونَ(٣) بِهِ - عند زوالِ العذرِ يكونُ قضاءً لما
وجبَ.
وقال آخرونَ: إنّه لا يجبُ على المريضِ والحائضِ، ويجبُ على
المسافر.
وعندنا -: [أنّه (٤)] لا يجبُ على الحائضِ والمريضِ الْبَّةَ.
وأما المسافر - فيجب(٥) عليه (٦) صوم أحد الشهرين(٧) -: إمّا الشهر
الحاضر، أو شهر [آخر(٨)]، وأيَّهما أتى بهِ: كانَ - هو الواجبَ - كما قلنا في
الكفّاراتِ الثلاثِ.
[و(٩)] دليلُنا ما تقدَّم(١٠) .: من أنَّ الواجبَ - هو الّذي مُنِعَ(١١) من تركِهِ،
وهؤلاءِ ما مُنِعُوا من تَركِ (١٢) الصوم -: فلا يكونُ واجباً عليهم، بل الحائض
ممنوعةٌ من الفعلِ ، والممنوعُ من الفعلِ (١٣) كيفَ يمكنُ أن يكونَ ممنوعاً من
التركِ؟ .
[و١٤)] احتجّ المخالفُ بأشياءَ:
أحدها: قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدٌ مِنكُمُ الشَّهِرَ فَلْيَصُمْهُ﴾(١٥)، أُوجب
(١) في غير ل: «بذكره)).
(٢) لم ترد في ح، آ ..
(٣) عبارة ن: «وما یقرن به)).
(٤) لم ترد الزيادة في ل.
(٥) في آ: ((فإنه يجب)).
(٦) آخر الورقة (٩٩) من آ.
(٧) لفظ ص: ((شهرين)).
(٨) لم ترد في ن، وعبارة ي: ((أو أشهر أخرى) أي: فيكون من قبيل ((الواجب المخير))
(٩) لم ترد الواو في ص.
ء
(١٠) لفظ ح: ((ما قلنا».
(١١) لفظ ن، آ، ل، ي: ((يمنع)).
: (١٢) في آ، ي: ((الترك للصوم)). وفي ل: ((الترك)).
(١٣) آخر الورقة (١٠٣) من ل.
(١٤) لم ترد الواو في ص.
(١٥) الآية (١٨٥) من سورة البقرة.
-٢٠٨ -

[الصومَ](١) على كلٍّ من شهدَ الشهرَ، وهؤلاءٍ قد شهدُوا الشهر -: فيجبُ عليهم
الصومُ.
وثانيها: أنّه ينوي قضاءَ رمضانَ، ويُسمَّى قضاءً، وذلك يدلُّ على أنّه
: يحكي وجوباً سابقاً (٢).
وثالثها: أنّه لا يزيدُ عليهِ، ولا ينقصُ عنهُ -: فوجبٌ [أنْ يكون(٣)] بدلاً عنه،
: كغراماتِ المتلفاتِ.
والجوابُ عن الكلِّ: أنَّ ما ذكر تموهُ استدلالٌ(٤) بالظواهرِ والأقيسةِ - على
مخالفةٍ ضرورةٍ العقلِ ، وذلكَ؛ لأنَّ المتصوَّر في الوجوبِ المنعُ من التركِ -
فعندَ عدمِ المنعِ من التركِ . لو حاولنا إثباتَ المنعِ من التركِ - لكنَّا قَدْ تمسّكنا
بالظواهرِ والأقيسةِ في إثباتِ الجمعِ (*) بين النقيضينِ: وذلكَ لا يقولُه عاقلٌ.
بلى(٦) -: إن فسّرْتُم الوجوبَ بشيءٍ آخرَ: فذلك (٧) كلامٌ(٨) آخرُ (٩).
فروع :
[الفرعُ(١٠)] الأوّلُ:
اختلفُوا في [أَنَّ(١١)] المندوبَ - هلْ هَ: مأمورٌ بهِ أمْ(١٢) لا؟.
(١) سقطت الزيادة من ن، آ، ل.
(٢) في ي زيادة: ((عليه)).
(٣) سقطت الزيادة من ل.
(٤) لفظ ن، ي، ص: ((استدلالاً)) وهو تصحيف. (٥) آخر الورقة (٦٥) من ي.
(٦) كذا في ل، ص، آ، ح: ((ولفظ ن، ي: ((بل)).
(٧) لفظ غير ل: ((فذاك)).
(٨) في ن، ل، ي: ((الكلام)».
(٩) الخلاف بين هذه المذاهب جميعاً لفظيُّ؛ لأنَّ ترك الصوم - حالة العذر - جائز
اتّفاقاً، والقضاء بعد زوال هذا العذر - واجب اتفاقاً أيضاً: فالنزاع إنما هو في تسمية صوم
هؤلاء واجباً وعدمها. وراجع: الكاشف عن المحصول (٧٧/٢ -٧٨).
(١٠) لم ترد الزيادة في غيراً.
(١١) لم ترد في ن، ي، ل.
(١٢) لفظ ن، ل، ح: ((أو).
- ٢٠٩ -

والحقُّ: أنَّ المرادَ من الأمر - [إنْ(١)] كانَ هو الترجيح المطلق - من غير(٢).
إشعارٍ بجوازٍ(٣) التركِ، ولا بالمنعِ من الترك -: [فنعم (٤)].
وإنْ(٥) كان هو الترجيح المانع من النقيض -: فلا؛ لكنّا [لَمْل(٦)] بيّنًا: أنَّ
الأمرَ للوجوب -: كانَ الحقُّ - هو التفسير الثاني(٧).
الفرع الثاني :
واختلفوا في [أنَّ(٨)] المندوبَ هلْ يصيرُ واجباً بعدَ الشروعِ فيهِ؟.
فعندَ أبي حنيفةَ - رحمة الله عليهِ -: أنَّ التطوُّعَ يلزمُ بالشروعِ (٩).
(١) سقطت من ن، ل.
(٢) آخر الورقة (١٤٣) من ن.
(٣) لفظ ن: ((لجواز)).
(٥) في ي : ((أن)).
(٤) سقطت الزيادة من ن .
(٦) سقطت من ن ... .
(٧) لا نزاع في أنَّ المندوب مأمور به، بمعنى أنه متعلق لصيغة ((افعل)) ومستعملة فيه
هذه الصيغة بقطع النظر عن كون هذا الاستعمال مجازياً أو حقيقياً، فإن في ذلك خلافاً تقدّم
بحثه - والمختار في أنه استعمال مجازي .
وإنما النزاع هنا: في أنه هل يسمى مأموراً به حقيقة؟.
فذهب الفخر وفريق من الأصوليين إلى أنه لا يسمى بذلك حقيقة؟ لأن لفظ (آ، م، ر)
عندهم حقيقة في القول الطالب للفعل على وجه الإلزام، وذلك لا يشمل إلا الصبيغ
المستعملة في الإيجاب دون الندب، فلا يكون المأمور المشتق منه حقيقة إلا في الواجب ..
وذهب فريق منهم الآمدي إلى أنّه يسمّى بذلك حقيقة، لأنَّ لفظ (آ، م، ر) عندهم
حقيقة في القول الطالب للفعل مطلقاً، ولو كان بدون إلزام فيشمل الصيغ المستعملة في كل
من الإيجاب والندب، فيكون المأمور المشتق منه حقيقة في القدر المشترك بين الواجب
والمندوب. وهو المطلوب فعله. فيسمى المندوب مأموراً به حقيقة. فراجع: الكاشف
(٧٧/٢)، ومذكرات لم تطبع لشيخنا مصطفى عبد الخالق.
(٨) لم ترد الزيادة في ل، ن.
(٩) قال صاحب الهداية (٩١/١/ ((من شرع في نفل لزمه إتمامه، فإن خرج منه بدون
عذر: لزمه القضاء وعليه الإثم، وإن خرج منه لعذر لزمه القضاء ولا إثم عليه)).
- ٢١٠ -

وعند الشافعيِّ - رضي الله عنهُ: لا يجبُ(١).
لنا: قوله - عليه الصلاةُ والسلامُ : ((الصائمُ المتطوِّعُ أميرُ نفسِهِ: إِنْ
شاءَ صَامَ، وإنْ شاءَ أَفطرَ))(٢)؛ ولأنّا نفرضُ الكلامَ - فيما إذا نوى صوماً يجوزُ لهُ
تركُهُ بعدَ الشروع .
فنقول: يجبُ أنْ يقعَ الصومُ على هذهِ الصفةِ؛ لقولِهِ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: ((ولكلِّ امرىءٍ ما نَوى))(٣).
وتمام الكلام في هذه المسألة، مذكورٌ في الخلافِیّاتِ.
(١) بل يستحب له الإتمام فإن أفسده فلا قضاء عليه. فراجع: المجموع (٣٩٤/٦)،
والشرح الكبير (١١٢/٣). ويقول الشافعي: قال أحمد.
وقال مالك: ((من خرج منه بعذر فلا قضاء عليه، وإن خرج من غير عذر فعليه القضاء)».
فانظر: الاشراف (١ /٢١٠).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ - من طريق أم هانىء - أحمد والترمذي والحاكم في المستدرك.
وأخرجه من طريق أنس وأبي أمامة - البيهقي في السنن الكبرى، بلفظ: ((الصائم
المتطوع بالخيار ما بينه وبين نصف النهار)). على ما في الفتح الكبير (٢٠٠/٢).
وفي رواية أخرىّ من طريق أم هانىء أيضاً بلفظ: ((أمين نفسه)». انظر: كشف الخفا
(٢٦/٢) ط حلب.
(٣) هو بعض حديث مشهور، رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة - من حديث عمر بن
الخطاب - بلفظ: ((سمعت رسول الله ﴾ يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لكل امرىء ما
نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله: فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى
دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها -: فهجرته إلى ما هاجر إليه)). على ما في منتقى الأخبار
(١ /٨١- ٨٢).
وقد روي بلفظ: ((الأعمال بالنيات)) بالجمع وبدون ((إنما)). كما في نيل الأوطار
(١١٤/١). وقد ورد في التلخيص الحبير (٢٠/١) مختصراً بلفظ: ((إنما الأعمال بالنيات
وإنما لكل امرئ ما نوى». قال الحافظ: ((وفي رواية ولكل امرىء ما نوى. متفق عليه)).
وقد أخرجه كاملاً بلفظ: ((إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى ... ))، الحافظ
ابن الجوزي في سيرة عمربن الخطاب (ص١٢٩ : ط المصرية).
وقد أخرج هذا الحديث، الحافظ السيوطي في آخر خطبة كتابه ((الجامع الصغير)) بلفظ : =
- ٢١١ -

الفرعُ الثالثُ:
المباحُ هلْ هوَ من التكليفِ أمْ [لا(١)]؟.
والحقُّ: [أنّه (٢)] إنْ كانَ المرادُ بأنّه من التكليفِ - هوَ: أنّه وردَ التكليفُ
بفعلهِ -: فمعلومٌ - أنّه ليسَ كذلكَ.
وإنْ كانَ المرادُ منهُ: أنّه وردَ التكليفُ باعتقادِ إباحتِهِ - فاعتقادُ(٣) کونِ ذلكَ
الفعل مباحاً - مغايرُ لذلكَ(٤) الفعلِ [في نفسِهِ (٥)]: فالتكليفُ بذلكَ الاعتقادِ.
لا يكونُ تكليفاً بـ [ذلكَ(٦)] المباحِ .
والأستاذُ أبو إسحاقُ سمّاهُ تكليفاً بهذا التأويل؛ وهو بعيدُ (٧) - مع أنّه نزاعٌ
في محضِ اللّفظِ.
الفرعُ الرابعُ :
المباحُ هُلْ هَوَ حَسَنٌ؟ .
والحقُّ: أنّهُ إنْ كانَ المرادُ من ((الحسَن)»: كلَّ ما رُفعَ الحرجُ عن فعلِهِ،
= ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة
ينكحها .. )) وذكر: أنه قد أخرجه أصحاب الكتب الستة عن عمر بن الخطاب. وأنه قد أخرجه
أبو نعيم في الحلية، والدارقطني في غرائب مالك، عن أبي سعيد الخدري. وأن ابن عساكر
في أماليه قد أخرجه عن أنس بن مالك. وأن الرشيد العطار قد أخرجه - من طريق أبي هريرة - "
في جزء من تخريجه (أو: معجمه، على ما استظهره المناوي).
وقد تكلم المناوي في فيض القدير (٢٩/١ - ٣٥) كما قال العجلوني في كشف الخفا ،
مع نفله نظما في ذلك الشافعي رضي الله عنه. وقد تكلم العجلوني هذا عن هذا الحديث،
في الكشف (١١/١-١٢، ١٤٧-١٤٨) كلاماً تضمّن بعض الفوائد الهامة .
(١) سقطت من ن.
(٢) لم ترد الزيادة في ن.
(٣) في ن: ((واعتقاد)».
(٤) في ح، ص: ((لنفس ذلك)).
(٦) لم ترد الزيادة في ح:
(٥) لم ترد الزيادة في ص.
(٧) بعيد لأنه لا فرق بين المباح والحرام وغيرهما في وجوب اعتقاد صحة الحكم من
إباحة، أو حرمة أو غير ذلك، والكلام ليس في هذا الاعتقاد. فإنه لا يسمى مباحاً. وإنما
الكلام في نفس الفعل الذي تعلقت به الإباحة: كالأكل والشرب.
- ٢١٢ -

سواءٌ كانَ [على(١)] فعلِهِ ثوابٌ(٢)، أو لم يكنْ(٣) -: فالمباح حسن.
وإنْ أريدَ [به(٤)]: ما يستحِقُّ فاعلُهُ بفعلِهِ التعظيم، [والمدحَ(٥)]،
والثوابَ -: فالمباحُ ليسَ بحسنٍ.
الفرعُ الخامسُ :
المباحُ هل هوّ من الشرعٍ؟ !.
قال بعضُهم: ليسَ من الشَرع ؛ لأنَّ معنَى المباح: أنّه لا حرج في فعلِهِ،
وفي تركِهِ، وذلكَ معلومُ - قبل الشرع (٦)، فتكونُ الإِباحةُ تقريراً للنفي (٧)
الأصليِّ، [لا تغييراً(٨)]: فلا يكونُ من الشرعِ .
والحقُّ: أنَّ الخلافَ لفظيٌّ، وذلكَ: [لـ(٩)] أنَّ الإِباحةَ تثبتُ (١٠) بطرقٍ
ثلاثة(١١):
أحدها: أنْ يقولَ الشرعُ: ((إنْ شِئْتُمْ فافعلُوا، وإنْ شِئْتُمْ فاتركوا)).
والثاني: أنْ تدلَّ أخبارُ الشرعِ على أنه لا حرجَ في الفعلِ ، والترك.
والثالث: أنْ لا يتكلّمَ الشرعُ(١٢) فيهِ - ألبَتَّةِ - ولكن انعقدَ الإِجماعُ - مع
(١) لم ترد الزيادة في ن.
(٢) لفظ ن: ((ثواباً)).
(٣) آخر الورقة (٩٧) من ح.
(٤) لم ترد الزيادة في ل.
(٥) لم ترد الزيادة في غير ي.
(٦) في غيراً: ((السمع)) وكلاهما صحيح.
(٧) لفظ ن: ((المنفى))، وفي ل: ((البقاء)).
(٨). سقطت من ن، وعبارة ل: ((فلا يتغير).
(٩) لم ترد اللام في مي.
(١٠) في ن، أ: ((ثبتت)).
(١١) لفظ آ: ((ثلاث)).
(١٢) في ي: ((الشارع)).
- ٢١٣ -

ذلكَ - على أنَّ (١) ما لم يردْ فيهِ طلبُ فعلٍ، ولا طلبُ تركٍ: فالمكلّفًا(٢) فيه
مخیّرٌ.
وهذا الدليلُ يعمُّ جميعَ الأفعالِ الَّتي لا نهايةً لَهَا.
إذا عرفتَ (٣) هذا - فنقول: إنْ عنَى (٤) بكونِ الإِباحةِ حكماً شرعياً: أنّه
حصلّ حكمٌ غيرُ الَّذِي كانَ مستمرًاً - قبلَ الشّرع -: فليسَ كذلكَ، بل الإِباجةُ
تقريرٌ(٥) لا تغییرٌ.
وإنْ عنَى بكونِهِ حكماً شرعياً: أنَّ كلامَ الشّرع دلَّ(٦) على تحقَّقِهِ -: فظاهرٌ
أنّه كذلكَ؛ لأنَّ الإِباحةَ لا تَتحقَّقُ إلَّ على أحدٍ الوجوهِ الثلاثة المذكورة.
[و(٧)] في جميعِهَا خطاب الشرع (٨) دلَّ(٩) عليها: فكانت الإِباحةُ من
الشّرعِ بهذا التأويلِ(١٠). والله أعلمُ(١١).
(١) في ح، ص: ((بأن)).
(٢) في ي: ((والمكلف)).
(٣) في ن، ي،.ل: ((عرف».
(٤) آخر الورقة (١٠٤) من ل.
(٥) في ن: ((تقرر لا تعتبر))، وفي آ: ((تقدير لا يعتبر)) وكلاهما تحريف.
(٦) في ن، ص، ي: (دال)).
(٧) لم ترد الواو في ص.
(٨) في ل: ((فالشّرع)).
(٩) في ل، ن، ي: ((دال عليه)).
(١٠) العبارة في آ: بهذا التأويل من الشّرع)».
(١١) آخر الورقة (٩٧) من آ.
- ٢١٤ -

النظر الثالث(١)
من القسم الثاني - من كتاب الأوامر، والنواهِي -:
[في المأمور(٢) بهِ]
[ وفيه(٣) مسائل]:
[المسألةُ(٤) الأولى]:
يجوزُ ورودُ الأمرِ بما لا يقدِر عليهِ(٥) المكلّفُ - عندنا -: خلافاً للمعتزلة،
· والغزاليِّ [منّا (١٦)].
لنا وجوه :
الأوَّل (٧): [أنَّ (٨)] الله - تعالى - أمرَ الكافرَ(٩) بالإِيمانِ، والإِيمانُ منه (١٠)
محالٌ؛ لأنّه يُفضِي إلى انقلاب علم الله - تعالى - جهلاً؛ والجهلُ محالٌ -:
والمفضي(١١) إلى المحالِ محالٌ.
(١) كذا في ص، وهو الصحيح، وفي ن، ل، ي، ح، آ: ((الثاني))، وهو خطأ.
(٢) ساقط من ص.
(٣) هذه زيادة مناسبة انفردت بها آ.
(٤) في ن، ل، ص، ي اقتصر على كلمة: ((مسألة))، وفي ح: ((المسألة))، وما أثبتناه
من آ.
(٥) عبارة ن: ((المكلف عليه)).
(٦) لم ترد الزيادة في ن.
(٧) لفظ آ: ((أحدها)).
:
(٨) لم ترد الزيادة في ن، ص، ل.
(٩) لفظ آ: ((الكفار).
(١٠) في آ: (منهم)].
(١١) في ح: ((فالمفضي)).
- ٢١٥ -

فإنْ قيلَ: لا نسلِّمُ أنَّ الإِيمانَ من الكافرِ(١) - محالٌ، ولا نسلم أنَّ حصولَهُ
يُفضِي (٢) [إلى(٣)] انقلابِ العلمِ جهلاً.
بيانُهُ: أَنَّ العلمَ يتعلّقُ (٤) بالشيءٍ [المعلومِ (٥)] - على ما هوَ بِهِ - فإنْ كانَ
الشيءُ واقعاً -: تعلّق العلمُ بوقوعه.
وإنْ كانَ غيرَ واقعٍ : تعلّقَ العلمُ بلا وقوعِهِ .
فإذا فرضتَ (٦)الإِيمانَ واقعاً (٧): لزمَ القطعُ بأنَّ الله - تعالى - كانَ في الأزلِ
عالماً بوقوعهِ .
[وإِنْ فرضتَهُ غيرَ واقعٍ: لزمَ القطعُ بأنَّ الله - تعالى - كان في الأزلِ عالماً
بلا وقوعِه(٨)]. ففرضُ الإِيمانِ بدلاً [من(٩)] الكفرِ [٧(١٠)] يقتضي تغيّرِ العلمِ،
بل يقتضِي أنْ يكونَ الحاصلُ في الأزلِ - هو: العلَم بالإِيمانِ، بدلاً عن العلمِ
بالكفرِ؛ فلِمَ قلتَ: إنَّ ذلكَ محالٌ.
سلّمنا: أنَّ ما ذكرتَهُ(١٨) يقتضِي امتناعٌ صدورِ الإِيمانِ من الكافر(١٢)، لكنّهُ
معارَضٌ بوجوهٍ دالّةٍ على أنَّ الإِيمانَ - في نفسِه - ممكنُ [الوجودِ(١٤)]:
(١) لفظ آ: ((الكفار)).
(٢) في غيرآ، ص: ((يقتضي)).
(٣) هذه الزيادة من ص، آ.
(٤) لفظ آ: ((متعلق)).
(٥) انفردت بهذه الزيادة ص.
(٦) في غيرح: ((فرضنا)). وأثبتنا لفظ ح لمناسبته لما بعده.
(٧) آخر الورقة (١٤٤) من ن.
(٨) ما بين المعقوفتين ساقط من ن.
(٩) في آ: ((عن)) وسقطت من ح.
(١٠) سقطت الزيادة من ي.
(١١) في غير ص: ((ذكرتموه)) وما أثبتناه أنسب.
(١٢) في آ: ((الكفار)).
(١٣) لفظ ن، ل، ي، ص: ((ولكنه)).
(١٤) لم ترد الزيادة في غيرآ.
נ.
- ٢١٦ -

[الأول: أنَّ الإِيمانَ كانَ - في نفسه - ممكنً الوجودِ(١)]، فلو انقلبٌ واجباً
بسببِ العلمِ - لكان العلم مؤثراً في المعلومِ ؛ وهو محال -: لأنَّ العلمَ يتبعُ
المعلومَ، ولا يؤثِّرُ فيهِ.
الثاني(٢): لو كانَ(٣) ما علم الله - تعالى - وجودَهُ(٤) واجبَ الوجودِ، وكلُّ ما
عِلِمَ الله - تعالى - عدَمَهُ يكونُ(٥) واجبَ العدم -: لزمَ(٦) أنْ لا يكونَ الله
- تعالى - قادراً على إيجادِ شيءٍ؛ لأنَّ الشيءَ لا ينفكُ من أنْ يقال: إنّ الله
- تعالى - علِمَ وجودَهُ، أو علمَ عدمَهُ.
وعلى التقديرين: يكونُ واجباً، والواجبُ لا قدرةَ عليهِ - ألبَّة: فلزمَ أنْ لا
يقدرَ الله - تعالى - على شيءٍ -: تعالى الله عن ذلكَ علوّاً كبيراً.
الثالث(٧): لو كانَ(٨) ما عَلِمَ اللّه وجودَهُ واجبَ الوجودِ، وما علمَ عدمَهُ
[يكونُ(٩)] واجب العدم -: لزمَ(١٠) أنْ لا يكونَ لنا اختيارٌ [في فعلٍ (١١) شيء]
أصلاً، وأنْ تكونَ حركاتُنَا(١٢) بمنزلةٍ تحريكِ الرياحِ للأشجارِ -: من حيث إنّهُ لا
يكونُ باختيارِنَا، لكنّا نعلمُ بالضرورةِ: أنَّ ذلكَ باطلٌ ؛ لأنّا ندركُ تفرقةٌ ضروريةً
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من آ.
(٢) أبدل ناسخال، ن مضمون هذا الوجه بمضمون الوجه الثالث الآتي، واعتبرا الوجه
الثالث الثاني .
(٣) كذا في ل، وهو الصحيح، وفي ن، ي، ص، ح، آ: ((أن كل)).
(٤) في ي، آ، ن زيادة: ((كان))، وفي ص، ح زيادة: ((إذا كان)).
(٥) كذا في ل، وفي ص، ن، آ، ي: ((كان))، وفي ح: ((إذا كان)).
(٦) كذا في ص، ح، وفي ل: ((فلزم))، ولفظ ي، آ، ن: ((فيلزم)).
(٧) هذا الوجه أورده ناسخا ل، ن: ((الثاني)).
(٨) في ل: ((أن كل)).
(٩) لم ترد الزيادة في غير ص، ح.
(١٠) في ن، ل: ((فيلزم)).
(١١) لم ترد الزيادة في ن.
(١٢) في ح: ((حركتنا)).
- ٢١٧ -

بين الحركاتِ الحيوانيّةِ الاختياريّةِ، والجماديّةِ (١) الاضطراريةِ.
الرابع: أنّه لو كانَ كذلكَ -: لكانَ العالَمُ واجب الوجودِ (٢) - في الوقت
الّذِي علم الله -تعالى - وقوعَهُ(٣) فيهِ، والواجبُ يستغني عن المؤثِّرِ: فَيلزمُ(٤).
استغناءُ حدوثِهِ عن المؤثِّر: فيلزمُ أنْ لا يفتقرَ حدوثُ العالمِ ، ولا(٥) شيءٌ من:
الأشياءِ - إلى القادرِ المختارِ: وذلكَ كفرٌ(٦).
الخامس: أنّ تعلّقَ العلمِ بهِ - إمّا أنْ يكونَ سبباً لوجوبِهِ، أو لا يكونَ .
فإنْ كانَ سبباً لوجوبِهِ -: لزم أنْ يكونَ العلمُ قدرةً وإرادةً؛ لأنّه لا معنى
للقدرةِ والإِرادة إلَّ الأمرُ الذي باعتبارِهِ(٧) يترجّحُ الوجودُ على العدمِ. فإذا كانَ(٨)
العلمُ كذلكَ - صارَ(١) العلمُ عينَ القدرةِ والإِرادةِ؛ وذلكَ محالٌ؛ لأنَّه يقتضِي
قلبَ الحقائقِ: وهوَ غيرُ معقولٍ.
وإنْ لم يكن [العلمُ (١٠)] سبباً لوجوب المعلوم -: فقدْ سقطَ ما ذكرتُموَهُ مِنَ
الدلالةِ؛ لأنّه مبنيٍّ على أنَّ المعلومَ صاَرَ واجبَ الوقوعِ - عند تعلُّقِ العلمِ(١)
بِهِ(١٢)، فإذا بَطَلَ (١٣) ذلكَ -: بطلَ دليلُكُمْ.
سلّمنا: أنَّ ما ذكرتُمُوهُ (١٤) يدلُّ على أنَّ الإِيمانَ محالٌ من الكافر، لكنَّ
امتناعَهُ لِيسَ لذاتِهِ، بلْ بالنظر إلى علمِ اللهِ - تعالى - فَلِمَ قلتُمْ (١٥) إنَّ ما لا يكونُ:
محالاً لذاتِهِ - [فإنّه(١٩)] لا يجوزُ ورودُ الأمر بهِ؟.
(١) في ي: ((أو الحادثة)) وهو تحريف. (٢) لفظ ص: ((الحدوث).
(٣) عبارة ن، ل، آ، ي: ((وقوع ذلك الفصل)).
(٤) لفظ ن: ((فلزم)).
(٥) في ل: ((أو شيء))، وفي ص، ح: ((ولا حدوث شيء)).
(٦) في ن، ل: ((أكفر)).
(٧) عبارة ن: ((اعتباره مرجخ)).
(٩) لفظ آ: ((كان)).
(١١) لفظ آ: ((المعلوم)) وهو تصحيف.
(١٣)، آخر الورقة (١٠٥) من ل.
(١٥) في ن، آ، ل، ي: ((قلت)).
(٨) في آ: ((صار)).
(١٠) لم ترد الزيادة في ي.
(١٢) آخر الورقة (٩٨) من ح.
(١٤) في ح: ((ذكرتم))، وفي ص: ((ذكرت)).
(١٦) لم ترد هذه الزيادة في غير ص.
- ٢١٨-

سلّمنا: أنَّ ما ذكرتُموهُ(١) يدلُّ على أَنَّ الأمرَ بالمحالِ واقعٌ؛ لكنّهُ(٢) يدلُّ
على أنّهُ(٣) لا تكليفَ إِلَّ وهوَ تكليفٌ بما (٤) لا يطاقُ؛ [وذلكَ(٥)] -: لأنَّ الشيءَ
- إنْ كانَ معلومَ العدمِ : كانَ الأمرُ بالإِتيانِ بِهِ أمراً بإيقاع الممتنعِ .
وإنْ كانَ معلومَ الْوجودِ -: كانَ واجبَ الوجودِ، وما كانَ واجبَ الوجودِ لا
يكونُ - لقدرةِ القادرِ الأجنبيِّ، واختيارِهِ - فيهِ أثرٌ: فيكون (٦)(٧) التكليفُ [ به(٨)]
أيضاً تكليفاً بما لا يطاقُ.
فثبتَ: أنَّ ما ذكر تموهُ(٩) - يدلُّ على أنَّ التكاليفَ(١٠) - بأسرها - تكليف ما
لا (١١) یطاقُ؛
وإنَّ أحداً من العقلاءِ لم يقلْ بذلكَ -: فإنَّ بعضَ الناس أحالَهُ - عقلًا،
وبعضَهم جوَّهُ(١٢). ولم يقلْ(١٣) أحدٌ بأنّه يمتنعُ ورودُ التكليفِ إلَّ بما لا يطاقُ.
فما هو نتيجةُ هذَا الدليلِ لا تقولونَ بهِ(١٤)، وما تقولونَ بِهِ(١٠) لا ينتجُهُ هذَا
الدليلُ: فيكون ساقطاً.
(١) لفظ ح: ((ذكرتم))، وفي ص: ((ذكرت)).
(٢) في غیرح، ص: «ولکنه)».
(٣) لفظ ص: ((ألا)).
(٤) في ص: ((ما)).
(٥) لم ترد في ن، ل.
(٦) في ح: ((ويكون)).
(٧) آخر الورقة (٦٦) من ي.
(٨) لم تزد الزيادة في ن، ي، ل.
(٩) في ص، ح: ((ذكرته)). " .
(١٠) آخر الورقة (١٤٥) من ن.
(١١) لفظ آ: ((بماه.
(١٢) في ن، ل، أ: ((جوزوه).
(١٣) في ل: ((ولو نقل)) وهو تحريف.
(١٤) كذا في ح، ص، ل، وفي ن، ي، آ: ((لا يقولون به، وما يقولون به)).
(١٥) لفظ ح: ((ليس)).
- ٢١٩ -

سلّمِنَا أنَّ ما ذكرتموهُ(١) يدلّ على قولكم(٢)، ولكنّه معارضٌ(٣) بالنص،
والمعقولِ .
أمّا النصّ - فقوله تعالى: ﴿لا يُكلِّفُ الله نفساً إلَّ وُسْعَهَا﴾(٤)، ﴿وَمَا جَعَلَ
عليكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(٥)، وأيُّ حرجٍ فوقَ التكليفِ بما لا يُطاق؟(٦).
وأمّا المعقولُ - فمنْ ثلاثةِ أُوجهٍ (٧):
الأوَّل(٨): أنَّ فِي المشاهَدِ(٩) [أنَّ(١١٠] من كلَّفَ (١١) الأعمى نقْطَ
المصاحفِ، والزّمِنَ الطيران في الهواءِ -: عُدَّ سفيهاً - تعالى الله عن(١٢) ذلكَ عُلوّاً
كبيراً .
الثاني: المحالُ غيرُ متصوَّرٍ، وكلُّ ما لا يكونُ متصوَّراً لا يكونُ مأموراً بهِ .
إنّما قلنا: إنّهُ غيرُ مُتصوَّرٍ؛ لأنَّ كلَّ متصوَّرٍ متميٌِّ، [وكلَّ متميّزٍ(١٣)] ثابتٌ:
فما لا يكونُ ثابتاً لا يكونُ متصوَّراً.
بيانُ الثانِي : أنَّ الذي لا يكونُ متصوَّراً لا يكونُ في العقلِ إليهِ (١٤) إشارةٌ،
[(١٥)] المأمورُ بِهِ يكونُ في العقلِ إليه إشارةٌ، والجمعُ - بينهما - متناقِضٌ.
الثالث: إذا جَوَّرْتُم الأمرَ بالمحالِ - فِلِمَ لا تجوّزونَ أمَرَ ((الجماداتِ))،
وبعثةً الرسلِ [إليها (١٦)]، وإنزالَ الكتب عليها؟.
(١) في ص، آ: ((ذكرته))، ولفظ ح: ((ذكرتم)).
(٢) في ص، آ: ((قولك)).
(٤) الآية (٢٨٦) من سورة البقرة.
(٦) عبارة ل، ن: ((وجوه ثلاثة)).
(٨) في غير ص، ل: ((أحدها)).
١٠) لم ترد الزيادة في ص.
(٣) لفظ ن، ي، ل، آ: ((يعارض)).
(٥) الآية (٧٨) من سورة الحج .
(٧) آخر الورقة (٣٨) من ص.
(٩) فيما عدال، ن: ((الشاهد)).
(١١) آخر الورقة (٩٨) من آ.
(١٢) عبارة ص: ((وتعالى الله عنه))، وفي ل، ن نحوما أثيتنا مع إبدال ((كبيراً)) بـ ((كثيراً)).
(١٣) ساقط من ن ..
(١٤) في ي: ((إشارة إليه)).
(١٥) سقطت الواو من ن.
(١٦) سقطت الزيادة من ص.
- ٢٢٠ -