النص المفهرس

صفحات 181-200

لا يمكنُ إثباتُ ((الواجب الموسّع» إلَّ إذا أثبتْنَا لَهُ بدلاً، وذلكَ؛ [لـ (١)] أنّهُ لا
معنى ((للواجب الموسّعِ)) إلَّ أن يقولَ السيّدُ لعبدِهِ: لا يجوزُ لكَ(٢) إخلاء
[أجزاءِ(٣)] هذا الوقتِ عن هذا الفعلِ، ولا يجبُ عليكَ إيقاعُهُ في جميعٍ هذه
الأجزاءِ، ولكَ أنْ تختارَ أيُّها شئتَ بدلاً عن الآخرِ.
ومعلومٌ أنَّه لو قالَ(٤) ذلكَ -: لما احْتِيجَ - معه - إلى إثباتِ بدلٍ آخرَ.
وأمَّا قولُهُ - ثالثاً -: ((إمّا(٥) أنْ يجبَ فعلُ العزم - في الوقت الثاني، أو لا
يجب)) !!.
قلنا: لِمْ لا يجوزُ أنْ يجبَ؟ [و(٦)] ذلك، لأنَّ ((العزمَ)) بدلٌ عن [الفعل (٧)
في] الوقتِ الأوَّل - فيفتقرُ إلى عزمٍ ثانٍ بدلاً عن الفعلِ في(٨) الوقتِ الثاني.
واعلمٍ: أنَّ هذا [الجوابَ(٩)] ضعيفٌ؛ لأنّا بَيِّنَا(١٠): أنَّ الأمرَ لا يقتضِي
الفعلّ إلَّ مرّةً واحدةً؛ وإذا كانَ كذلكَ -: وجبَ أن يكونَ الإِتيانُ ((بالعزمِ»
الواحدِ كافياً.
فظهرَ بما ذكرناهُ(١) -: أنَّ القولَ ((بالواجب الموسّعِ)) حقٌّ، وأنّهُ لا حاجةَ في
إثباتِهِ إلى إثباتِ بدلٍ - هَوَ (العزمُ)) والله أعلمُ.
في حكمِ الواجبِ (١٢) الموسّعِ (١٣) في جميعِ العمرِ، [وذلكَ (١٤)]:
فرعٌ:
(١) هذه الزيادة من ص.
(٣) سقطت من آ، وصحفت في ح إلى: ((آخر)).
(٤) لفظ غير ص، ح: ((قبل)).
(٥) في ن: ((فأما)).
(٦) لم ترد الواو في ن، ي، ل، آ.
(٨) في آ زيادة: ((ذلك)).
(١٠) في آ: ((سلمنا)).
(١١) في ح، آ، ن: ((ذكرنا)).
(١٢) آخر الورقة (٩٢) من أ.
(١٣) آخر الورقة (١٣٧) من ن.
(٢) زيد في ح لفظ: ((أصلاً)).
(٧) سقطت الزيادة من ح.
(٩) هذه الزيادة من ح.
(١٤) لم ترد الزيادة في ي .
- ١٨١ -

كالمنذورات، وقضاءِ العباداتِ الفائتةِ، وتأخيرِ الحجُ من(١) سنةٍ إلى سنةٍ -
فنقول:
إنْ جوَّزنا له التأخير - أبداً - وحكمنا بأنّه لا يعصي(٢) إذا مات -: لم يتحقّقْ
معنى ((الوجوب)» أصلاً.
وإنْ قلنا: إنّه يتضيَّق التكليفُ عليهِ - عند الانتهاءِ إلى زمانٍ معيّنٍ، من غيرٍ
أنْ يوجدَ على تعيين ذلكَ الزمانِ دليلٌ - فهو(٣): تكليفُ ما لا يطاقُ؛ فإنّه إذا قيلَ
له: إنْ كانَ في علَمَ اللهِ - تعالى - أنّك تموتُ - قبل الفعل - فأنتَ - في الحالِ
عاصٍ بالتأخير ..
وإنْ كانَ في علمِهِ(٤): أنّكَ لا تموتُ - قبل الفعل -: فلك التأخير؛ - فهو
يقول: وما يُدريني ماذا(٥) في علم الله - تعالى -؟ وما فتواكُمْ في حقِّ الجاهل ؟.
فلا بدَّ(٦) من الجزمِ بالتحليل أو التحريم (٧) -: فلم يبقَ إلا أنْ نقولَ: يجوزُ لهُ
التأخيرُ بشرطِ أنْ يغلبَ على ظنَّه أنَّهُ يبقى - بعد ذلك - سواء بقيَ، أولم يبقَ.
فأمّا إذا غلبَ على ظنّه: أنّه لا يبقَى - بعد ذلكَ -: عصى بالتأخير سواءٌ
ماتَ(٨)، أو لم يمتْ؛؟ لأنّه مأخوذٌ(٩) بموجب ظنِّهِ.
ولهذا قالَ أبو حنيفةَ - رضي الله عنهُ -: لا يجوزُ تأخيرُ الحِجُّ(١٠)؛ لأنَّ البقاءُ.
إلى سنةٍ لا يغلب على الظنِّ (١١).
(١) لفظ ح: ((عن)).
(٢) في ل: ((يقتضي) وهو تحريف.
(٣) لفظ ل: ((وهو)، وفي آ: ((فهذا))
(٤) في ن، ي: ((عمله)) وهو تصحيف، ولفظ آ، ح: ((علم الله)».
(٥) في ن: «مادام)) ..
(٦) في ن: ((أو لا يد)) .. وفي ح: ((ولا بد)).
(٧) لفظ ح: ((أو بالتحريم)).
(٩) في ي: «مؤخذ».
(٨) في ل زيادة: ((بالتأخير)).
(١٠) في ح زيادة: «والزكاة)).
(١١) لفظ ي: «ظنه». وراجع الهداية (٩٦/١)، وحاشية الشلبي على تبيين الدقائق.
(٢٥١/١)، والشرح الكبير (١٧٤/٣)، والأشراف (٢١٧/١). وقد وافقه أصحابه في:
الزكاة، وخالفه محمد في الحج .
- ١٨٢ -

وأما تأخيرُ الصوم ، والزكاة إلى [شهر (١) أْ] شهرين -: فجائز؛ لأنه لا یغلبُ
على الظنِّ الموتُ إلى هذهِ المدَّةِ.
والشافعيُّ - رضي الله عنهُ -: يَرى البقاءَ إلى السّنة الثانية غالباً على الظنِّ -
في حقِّ الشاب الصحيح ، دون الشيخ ، والمريض (٢).
والمُعَزَّرُ(٣) إذَا غلبَ عَلى ظنِّه السلامَةُ - فهلكَ: ضَّمِنَ، لا [لـ(٤)] أنّه أَثِمَ،
لكن [لأنّه (٥)] أخطأ في ظنُّه، والمخطىءُ ضامنٌ، غير آثم (٦). والله أعلم.
(١) سقطت الزيادة من ح، وفي ص: ((شهرو).
(٢) الحج عند الشافعي واجب على التراخي وبه قال محمد بن الحسن - من أصحاب
أبي حنيفة -. انظر المجموع (١٠٣/٧) والهداية (٩٦/١)، أما الزكاة فهي - عند الشافعيِّ -
واجبةٌ على الفور كذا ذكره النووي. قال: الزكاة عندنا يجب إخراجها على الفور، فإن وجبت
وتمكن من إخراجها، لم يجز تأخيرها. وإن لم يتمكن فله التأخير إلى التمكن، فإن أخر - بعد
التمكن - عصى وصار ضامناً، فلو تلف المال كله بعد ذلك لزمته الزكاة سواء تلف بعد مطالبة
الساعي أو الفقراء أم قبل ذلك وهذا لا خلاف فيه وإن تلف المال بعد الحول وقبل التمكن
فلا إثم ولا ضمان عليه بلا خلاف. المجموع: (٢٣١/٧) وراجع (٣٧٤ -٣٧٥) منه .
(٣) في ح: ((والمعذور)).
(٤) سقطت اللام من ص.
(٥) سقطت الزيادة من ل.
(٦) قد تبين مما ذكره الإمام المصنّف أن: الواجب المؤقّتَ ينقسمُ باعتبارٍ وقته إلى
قسمين: مضيَّقٍ - وهو: الذي لا يتّسع وقته لغيره كالصوم؛ وموسّع - وهو: الذي يتّسع وقته له
ولغيره كالصلوات الخمس .
فالمضيَّق لا خلاف أن وقته وقت أدائه.
والموسَّع قد اختلف في وقت أدائه .
فذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أنّه جميع الوقت جوازاً ففي أي جزء منه أوقع
فقد أوقع في وقت أدائه وذلك لقول جبريل: ((الوقت ما بين هذين الوقتين)) ووقت الجواز من
أول الوقت إلى أن يبقى من الوقت ما يسع الواجب وخرج بذلك وقت الضرورة. وهو أن يبقى
من الوقت ما يسع تكبيرة وقد أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو عقل المجنون أو طهرت الحائض،
فإن الباقي من الوقت وقت أداء بالنسبة لهؤلاء بالاتفاق .
- ١٨٣ -
=

= ثم إن أصحاب هذا المذهب قد اختلفوا في وجوب العزم ممن يريد التأخير عن أول
الوقت على الفعل فیما بعد داخل الوقت. فذهب الجمهور منهم إلى أنه لا یجب. إذ لا دليل
على وجوبه.
وذهب القاضي وغيره: إلى وجوبه ليتميز به الواجب الموسع من المندوب في جواز
الترك. وأجيب بحصول التمييز بينهما بغير العزم. وهو أن تأخير الواجب عن جميع الوقت يؤثم
بخلاف المندوب .
وذهب فريق إلى أن وقت أدائه مضيق. وهؤلاء قد اختلفوا في وقته المضيق. فالبعض
ذهب إلى أنه أول الوقت. لوجوب الفعل بدخول الوقت فإن أخر عنه فقضاء ولو فعل في الوقت
المحدد شرعاً .
وهل يأثم عندهم بالتأخير عن أوله؟ نقل الشافعي عن بعضهم أنه يأثم. ونقل القاضي
الإجماع عن نفي الإثم: ومقتضاه أن هؤلاء لا يقولون بالتأثيم أيضاً. وعلى هذا فالقضاء يسند
مد الأداء .
وذهب البعض إلى أن وقت الأداء هو آخر الوقت المحدد. وذلك لانتفاء الوجوب قيله
حيث لا تأثيم بالتأخير عن أول الوقت إجماعاً على ما نقله القاضي. وعلى ذلك يكون فعل
الواجب في أول الوقت أو وسطه تعجيلاً مسقطاً له: كتعجيل الزكاة قبل وجوبها.
وذهبت الحنفية إلى أن وقت أدائه هو الجزء الذي وقع فيه الفعل سواء كان الأول أو الوسط
أو الآخر. فإن لم يفعل المكلف الواجب فوقت أدائه هو الجزء الأخير لتعينه للفعل فيه حيث
لم يقع فيما قبله.
وذهب الكرخي من الحنفية إلى ما ذهبوا إليه غير أنه قال: إن المفعول في الأول أو الوسط
لا يقع واجباً إلا إن بقي من أدركه الوقت بصفة التكليف إلى آخره. لأن الجزء الأخير هو الذي
يتبين به الوجوب. فإن لم يبق كذلك: كان المفعول في الأول أو الوسط مندوباً.
وإنما يؤمر بالفعل أول الوقت لأن الأصل بقاؤه بصفة التكليف فهذه سنة مذاهب في وقت
أداء الواجب الموسّع.
حكم من أخّر مع ظن الموت أو مع ظن السلامة :
من أخّر الواجب الموسع عن أول الوقت، أو وسطه وهو يظن أنه سيموت عقب ما يسعه
منه قبل فعله: عصى بهذا التأخير اتفاقاً؛ لظنه فوات الواجب عليه بذلك.
فإن تخلّف ظنه وعاش وفعله في الوقت - فقال الجمهور: إن فعله حينئذ أداء لأنه في
الوقت المقدر له شرعاً. وقال القاضيان أبو بكر والحسين: إنه قضاء لأنه بعد الوقت الذي =
- ١٨٤ -
٩٥."

المسألةُ الثالثةُ:
في الواجب على سبيل الكفاية :
الأمرُ إذا تناولَ جماعةٌ : - : فإمّا أنْ يتناوَلَهم - على سبيلِ الجمع أولا على
سبيل الجمع؛ فإن تناولهم - على سبيلِ الجمع -: فقد يكونُ فعلُ بعضِهم
شرطاً في فعل البعض : كصلاة الجمعةِ، وقد لا يكونُ كذلكَ [كما (١)] في قولِهِ
تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾(٢) أمَّا إذَا(٣) تناولَ الجميعَ - : فذلكَ(٤) من فروضِ
= تضيّق عليه بظنّه، وإن بان خطؤه. والحق مع الجمهور إذ لا عبرة بالظنّ البَيِّن خطؤه.
ومن أخّر مع ظنّ السلامة من الموت إلى آخر الوقت ومات فيه - قبل الفعل - فالصحيح
أنه لا يعصي؛ لأن التأخير جائز له عملاً بظنه والقوات بالموت ليس باختياره. وقيل: يعصي
لأن جواز التأخير مشروط بسلامة العاقبة. والجواب أن الشرط السلامة ولو ظناً. وذلك متحقق
فیما نحن فيه .
حكم تأخير ما وقته العمر:
ومن أخّر ما وقته العمر: كالحج بعد أن أمكنه فعله مع ظن السلامة من الموت إلى مُضِيّ
وقت يمكنه فعله فيه ثم مات قبل الفعل فإنه يعصي على الصحيح. إذ لو لم يعص لم يتحقق
وجوبه في حقه.
وقيل: لا يعصي لجواز التأخير له. والجواب: أن هذا تأخير له عن وقته حيث إن وقته
ينتهي بالموت. والتأخير عن الوقت غير جائز.
وعصيانه في الحج في آخر أعوام الإمكان لجواز التأخير إليه، وقيل: من أولها لاستقرار
الوجوب حينئذ. وقيل: غير مستند إلى عام بعينه .
راجع: الكاشف (٢ /٤٢ - ب- ٥١ - ب): وشرحي الإِسنوي وابن السبكيّ على المنهاج
(٤٩/١ -٥٠) ط التوفيق، وجمع الجوامع بشرح الجلال (١٨٧/١-١٩٢)، وسلم الوصول
(١١٥/١-١٢٠) ط السلفية، وبغية المحتاج للمرصفي (٩٩- ١٠٥) ومذكرة لم تطبع لشيخنا
مصطفى عبد الخالق .
(١) سقطت الزيادة من ص.
(٢) الآية (٤٣) من سورة (البقرة)).
(٣) كذا في ص، ولفظ غيرها: ((أن)).
(٤) لفظ ن، آ، ص، ح: ((فذاك)).
- ١٨٥ -

الكفاياتِ؛ وذلك إذا كانَ الغرضُ من ذلكَ الشيءٍ حاصلاً بفعلِ البعضِ:
كالجهادِ - الّذي الغرضُ منهُ حراسةُ المسلمينَ (١)، وإذلالُ العدوِّ -: فمتى حصلَ
ذلكَ بالبعضِ : لم يلزم الباقين.
واعلم: أنَّ التكليفَ فيهِ موقوفٌ على حصولِ الظنِّ الغالب(٢).
فإنْ غلب على ظنِّ جماعةٍ أنَّ غيرَهَا يقومُ بذلكَ(٣): سقطَ [عنها (٤)].
وإنْ غلب على ظنِّهم: أنَّ غيرَهُمْ لا يقومُ [بِهِ(٥)] -: وجبَ عليهمْ.
وإنْ غلبَ (٦) على ظنُّ كلِّ طائفةٍ (٧): أنَّ غيرَهم لا يقومُ بِهِ -: [وجبَ على
كلِّ طائفةِ القیامُ بِهِ.
. وإنْ غلب على ظنِّ كلِّ طائفةٍ أنَّ غيرَهُم يقومُ بهِ (٨)]: سقطَ (٩) الفرضُ عن
كلِّ واحدةٍ - من تلك الطوائفِ - وإنْ كانَ يلزم منه -: أنْ [١١٧)] يقومَ بِهِ أُحدٌ؛
لأنَّ تحصيلَ العلمِ بأنَّ غيري(١١) هل فعلٌ [هذا الفعلَ(١٢)] أم لا، غيرُ ممكِنٍ،
إنّما الممكنُ تحصيلُ الظَرِّ(١٣). والله أعلم.
(١) في غير ص، آ: ((المسلم)).
. (٣) في ن، ي: ((به)) ؛
(٥) سقطت الزيادة من ي.
(٧) في آ زيادة (منهم).
(٩) لفظ ل: ((يسقط)).
(١١) في ح: ((غيرها).
(٢) لفظ ن: ((العاطب)) وهو تصحيف.
(٤) لم ترد الزيادة في ص، ولفظ ح: ((عنهم))
(٦) في آ: ((وإن كان قد غلب)).
(٨) ما بين المعقوفتين ساقط من آ.
(١٠) سقطت الزيادة من ن، أ.
(١٢) لم ترد الزيادة في ح.
(١٣) الفرض هو الفعل المطلوب طلباً جازماً ثم إنه نوعان: فرض عين وفرض كفاية ففرض
العين ((مهم منظور بالذات إلى فاعله)) حيث قصد حصوله من كل عين من أعيان المكلفين
كفرض الظهر. أو من عين مخصوصة كالنبي ـ # ـ فيما فرض عليه دون أمته.
وفرض الكفاية ((مهم يقصد حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله)) أي يقصد حصوله
في الجملة فلا ينظر إلى فاعله إلا بالتبع للفعل. ضرورة أنه لا يحصل الفعل بدون فاعل.
وهو نوعان دينيّ كصلاة الجنازة والأمر بالمعروف. ودنيويُّ كالحرف والصنائع، والتعريف
المذکور متناول لهما.
- ١٨٦ -

وقد ذهب الجمهور: إلى أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية. وذلك لشدة اعتناء
=
الشارع به بقصد حصوله من كل مكلف في الأغلب دون فرض الكفاية.
وذهب الأستاذ أبو إسحاق وإمام الحرمين وأبوه إلى العكس. وذلك لأن فرض الكفاية.
يصان بقيام البعض به جميع المكلفين عن الإِثم المترتّب على تركهم جميعاً له وذلك لأن
قيام البعض كان في خروجهم عن عهدة التكليف به بخلاف فرض العين فإنه إنما يصان
بالقيام به عن الإِثم القائم به فقط .
وقد اختلف الأصوليون فيمن يجب عليه فرض الكفاية على مذهبين:
الأول: أنه يجب على البعض. وقد اختاره الإِمام الرازي، وقد استدلّ هذا الفريق على
ذلك بأنه لو كان واجباً على الكل لما اكتفي بحصوله من البعض لكن التالي باطل. واستدل
البعض عليه أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدِعُونَ إلى الخَيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ
ويَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية (١٠٤) من سورة آل عمران. فإن «من» في قوله ((منكم)) للتبعيض.
المذهب الثاني : أنه يجب على الكل ويسقط بفعل البعض .. وعليه الجمهور. وقد
استدلوا على وجوبه على الكل: بأنه لو وجب على البعض فقط لما أثم الكل بتركه. لكن
التالي باطل. وأجيب بأن إثم الجميع بتركه إنما هو لتفويتهم ما قصد حصوله من جهتهم في
الجملة. لا للوجوب عليهم.
ثم إن أصحاب المذهب الأول قد اختلفوا في هذا البعض الذي وجب عليه الفرض على
ثلاثة مذاهب .
الأول: أنه بعض مبهم. إذ لا دليل على أنه معين. وعليه فمن قام به سقط الفرض
بفعله .
الثاني: أنه بعض معين عند الله تعالى. يسقط الفرض بفعله إذا صادف أنه الذي فعله
ويسقط بفعل غيره أيضاً كما يسقط الدين عن الشخص بأداء غيره عنه .
الثالث: أنه من قام به. وذلك لسقوطه بفعله فصارت المذاهب في الواجب الكفائي
أربعة . ..
ثم إن مداره من حيث التعلق والسقوط على الظن؛ فعلى قول البعض: إذا ظن المكلف
أن غيره لم يفعل الفرض وجب عليه. وإذا ظن أن غيره فعل أو شك في ذلك فلا يجب عليه.
وعلى قول الكل إذا ظن المكلف أن غيره لم يفعل الفرض أو شك في ذلك: وجب عليه .
وإذا ظن أن غيره فعل لم يجب عليه. فنتيجة الخلاف بين المذهبين إنما تكون في حالة
الشك؛ وذلك لأن الشك يرجع فيه إلى الأصل. والأصل على قول البعض عدم التكليف . =
- ١٨٧ -

= والأصل على قول الكل التكليف.
ثم إن الأصوليين قد اختلفوا فيما إذا شرع المكلف في فرض الكفاية هل يتعين عليه .
الإِتمام - أي: يصير الإِتمام فرض عين عليه على مذهبين:
الأول: وهو الأصح أنه يتعين عليه الإِتمام: قياساً على فرض العين: إذا شرع فيه بجامع
الفرضية في کل.
الثاني: أنه لا يتعين عليه الإتمام. والفرق بينه وبين فرض العين: أن المقصود منه .
حصوله في الجملة فلا يتعين حصوله ممن شرع فيه .
ومحل الخلاف فيما عدا الاستمرار في صف القتال، كصلاة الجنازة.
أما الاستمرار المذكور فلا خلاف في أنه يتعين لما في الانصراف عن الصف من كسر
قلوب جند المسلمين.
وإنما لم يجب الاستمرار في تعلم العلم لمن آنس الرشد فيه من نفسه على الأصح:
لأن كل مسألة مطلوبة برأسها منقطعة عن غيرها.
سنة الكفاية :.
قد علمت أن السّنّة هي الفعل المطلوب طلباً غير جازم.
وهي نوعان: سنةٍ عين. وسنة كفاية. والفرق بينهما كالفرق بين فرض العين وفرض
الكفاية .
ومثال سنة الكفاية: ابتداء السلام وتشميت العاطس والتسمية للأكل من جهة جماعة في
الثلاث .
وقد قال الأستاذ أبو إسحاق ومن معه: إنها أفضل من سنة العين لسقوط الطلب عن الكل
بقيام البعض. والجمهور على أن سنة العين أفضل لما علمت فيما سبق.
ثم إنهم اختلفوا فيمن هي مطلوبة منه فعند الجمهور هي مطلوبة من الكل، وقيل: إنها
مطلوبة من بعض منهم وهو المختار وقيل: إنها مطلوبة من بعض معين عند الله تعالى يسقط
الطلب بفعله وبفعل غيره. وقيل: إنها مطلوبة من البعض الذي يقوم بها.
واختلفوا أيضاً في حكم إتمامها بعد الشروع فيها فقيل: إنّه يكون سنة عين وهو الأصح.
وقيل: لا، بل هو سنة كفاية كابتداء الشّروع. راجع: الكاشف (٥١/٢ - ب - ٥٣ - ب)
وسلم الوصول لشرح الإسنوي (١٨٥/١-١٩٧) ط السلفية، وجمع الجوامع بشرح الجلال
(١٨٢/١-١٨٧)، والمنهاج بشرحي الإسنوي والسيكي (٦٥/١-٦٦) ط التوفيق، وبغية
المحتاج للمرصفي (١٠٥- ١٠٩)، ومذكرة خطية لشيخنا مصطفى عبد الخالق.
- ١٨٨ -

النظرُ (١) الثاني (٢)
في أحكام الوجوب .
[وفيه(٣) مسائل : ]
المسألةُ(٤) الأولى:
الأمر بالشيءٍ أمرٌ بِما لا يتمُّ الشيءُ إلّ به - بشرْطين:
أحدُهما: أن يكونَّ الأمرُ مطلقاً.
والآخرُ: أن يكونَ الشرطُ مقدوراً للمكلّفِ.
وقالت الواقفيّةُ: إنْ كانتْ مقدِّمة المأمورِ بهِ - سبباً له: كانَ إيجابُ المسبّب
إيجاباً للسبب؛ لأنَّ عندَ حصولٍ (٥) السبب - يجبُ المسبَّبُ (٦): فيمتنعُ أنْ(٧)
يُوجَبَ المسبّبُ - عند اتِّفاقِ وجودِ السبب.
أمّا إذا كانت المقدِّمةُ شرطاً - فحينئذٍ: لا يكونُ المشروطُ واجبَ الحصولِ
- عند حصول الشرطِ -: فها هنا لا يكونُ الأمرُ بالمشروط أمراً بالشرط :
كالصلاة مع الوضوء.
لنا: أنَّ الأمر اقتضى إيجاب الفعلِ على كلٍّ حالٍ، ولا يستقرّ وجوبُهُ
على هذا الوجهِ إلَّ ومقدُّمتُهُ واجبةٌ.
إِنَّما قلنا: إنَّ الأمرَ اقتضى إيجابَ (٨) الفعلِ على كلُّ حالٍ؛ لأنّه لا فرقَ
(١) لفظ ح: ((البحث)).
(٣) هذه زيادة مناسبة من آ.
(٢) آخر الورقة (٩٩) من ل.
(٤) لفظ ن، ي، ل، ص: ((مسئلة)).
(٥) في ح: ((حضور).
(٦) آخر الورقة (٩٣) من ح.
(٧) آخر الورقة (١٣٨) من ن.
(٨) لفظ ح: ((وجوب)).
- ١٨٩ -

بين قوله: ((أوجبتُ عليكَ الفعلَ - في هذا الوقتِ))، وبينَ قولِهِ(١): ((لا ينبغي أن
يخرجَ هذا الوقتُ إلا وقدْ (٢) أتيتَ بذلكَ الفعلِ)) - في كونِ كلُّ واحدٍ - من هذين
اللّفظين - دليلاً (٣) على الإِيجاب(٤)، على كلٌّ حالٍ.
وإنّما قلنا: إنَّ إيجابَ الفعلَ - على كلِّ حالٍ - يقتضي إيجابَ مقدِّمتِهِ(٥)؛
لأنّه لو لمْ يقتضِ ذلكَ -: لكانَ مكلّفاً - حال عدم المقدَّمةِ؛ وذلكَ تكليفُ ما
لا يُطاقُ.
فإنْ قيلَ: لِمَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: إنّه أمرٌ بالفعلِ - بشرطِ حصولٍ (٦)
المقدِّمةِ؟ - غايةُ ما في الباب أنْ يقالَ: هذا(٧) مخالفةٌ للظاهر (٨)؛ لأنَّ اللّفظَ
- يقتضي إيجابَ الفعلِ - على كلِّ حال -: فتخصيصُ الإِيجاب بزمانِ حصولٍ
الشرطِ خلافُ(٩) الظاهر، [لكنّا نقولُ: كما أنَّ تخصيصَ الإِيجَابِ بزمانٍ
حصولِ الشرطِ خلافُ الظاهرُ (١)]: فكذا(١١) إيجابُ المقدّمةِ - مع أنَّ الظاهرَ لا
يقتضِي (١٢) وجوبها - خلافُ الظاهر، وليسَ تحمّل إحدى المخالفتَيْن [بـ(١٣)]
أولی من تحمُّل الأخری -: (١٤)فعلیکم الترجیح(١٠).
[و (١٦)] الجوابُ: قولُهُ: ((لِمَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: [إِنَّ(١٧)] هذَ ا(١٨) الأمر
[أمرُ(١٩)] بالفعلِ بشرطِ حصولٍ (٢٠) المقدّمةِ))؟.
(١) في ص: ((قولنا)) ..
(٣) في ل: ((دالا)).
(٥) لفظ ص: ((مقدمة)).
(٧) في غير ص: «هذه)).
(٩) لفظ ل: ((ترك)).
(١١) في ح: ((فكذلك)).
(١٣) لم ترد الباء في ح، ي.
(١٥) في ن، ي: ((بالترجيح)).
(١٧) لم تزد الزيادة في ح، ص.
(١٩) سقطت الزيادة من ص.
(٢) في ص: ((وأنت قد)).
(٤) في ن زيادة: ((لا)).
(٦) لفظ ي: ((حضور)).
(٨) لفظ ن، ص، ح، آ: «الظاهر)).
(١٠) ما بين المعقوفتين ساقط من ن، ي
(١٠) آخر الورقة (٩٣) من آ.
(١٤) لفظ ح: ((الآخر)).
(١٦) هذه الزيادة من ل.
(١٨) عبارة ح: ((الالتزام أمر)).
(٢٠) في ن، ي، ح: ((حضور)).
- ١٩٠ -

قلنا: [هذّا(١)] يبطُلُ بأمر المولَى غلامَهُ بأنْ يسقيّهُ الماءَ إذا كانَ الماءُ على
مسافةٍ [منهُ(٢)]؛ لأنّه (٣) إنْ كان كلّفه سقيَ الماءِ - بشرطِ أنْ يكونَ قد قَطَّع(٤)
المسافةَ -: وجبَ إذا قعدَ في مكانِهِ، ولَمْ يقْطَع [المسافة (٥)] - أنْ لا يتوجّهَ عليهِ
الأمرُ بالسقي .
وإنْ كانَ مكلّفاً(٦) بالسقي - معَ عدمِ قطعِ المسافةِ -: فهذا تكليف(٧) ما
لا يطاقُ فكلُّ ما هوَ جوابُ الخصم (٨) -: فهو جوابنا ها هنا.
[قولُهُ(٩)]: ((لَيسَ(١٠) تحمُّلُ إحدَى المخالفتين - أولى من تحمُّلِ الثانيةِ)).
قلنا: مخالفةُ الظاهرِ [هي(١١)] إثباتُ ما ينَفيهِ اللّفظُ، أو نفيُّ ما يُثبتُهُ
[اللّفظُ(١٢)].
فأمّا إثباتُ ما لا يتعرَّضُ(١٣) اللّفظُ (١٤) [له - لا بنفيٍ، ولا إثباتٍ -: فليسَ
مخالفةً للظاهر؛ والمقدِّمةُ لا يتعرَّضُ اللّفظُ لها لا بنفيٍ ولا إثباتٍ] (١٥). فلم (١)
يكنْ إيجابُها لدليلٍ منفصلٍ(١٧) - مخالفةٌ للظاهرِ.
وليس كذلك - إذا خصّصْنا وجوبَ الفعلِ بحالٍ وجودِ المقدِّمة، دونَ حالٍ
(١) لم ترد الزيادة في ح.
(٣) في ص: ((لأن)).
(٥) سقطت الزيادة من آ.
(٧) لفظ آ: ((بما)).
(٩) سقطت الزيادة من ن.
(١١) لم ترد الزيادة في أ.
(١٣) آخر الورقة (٦٣) من ي.
(٢) هذه الزيادة من ص، ع.
(٤) عبارة ح: ((قد حضر الماء)).
(٦) في ل، ي، آ: ((تكليفا)).
(٨) لفظ ص: ((الخصم)).
. (١٠) في ن: ((وليس)).
(١٢) لم ترد الزيادة في ح.
(١٤) في ص: ((له اللفظ)).
(١٥) ما بين المعقوفتين سقط جملة من ل. ولم ترد كلمة ((لا)) من قوله: ((لا بنفني)) في
آ، وقوله ((بإثبات)) في ص، آ: ((إثبات))، وقوله: ((لها)) في ح: ((له))، ولم ترد في بي، وعبارة
«بتفي ولا إثبات» في ي، ح: ((لا بنفي ولا بإثبات)).
(١٦) لفظ ص: ((ولم)).
(١٧) في ل زيادة ((لا بإثبات، ولا نفي)).
- ١٩١ -

عدمِهَا؛ لأنَّ ذلك يخالفُ (١) ما يقتضيه اللّفظُ - من وجوب الفعل على كلَّ
حالٍ.
فروع:
الأوَّل :
اعلَمْ: أَنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّ - معه - ضربان:
أحدهما: كالوصلةِ، والطريقِ المتقدِّم على العبادةِ(٢).
والآخر: ليس كذلك.
والأول(٣) ضربان:
أحدهما [ما (٤)] يجبُ بحصولِهِ (٥) حصولُ ما هوَ طريقٌ إليهِ.
والآخرُ لا يجبُ ذلكَ فيهِ .
أَمَّا الأوَّلُ -: فكما إذا أمرَ(٦) الله - تعالى - بإيلام زيدٍ -: فإنّه لا طريقَ إليهِ
إلَّ الضربُ(٧)؛ فهو(٨) يستلزمُ(٩) الألمَ في البدنِ الصحيح.
وَ [أمّا (١)] الثاني - فضربان :
أحدُهما(١١): يحتاجُ الواجبُ إليهِ - شرعاً.
والآخرُ: يحتاجُ(١٢) إليه - عقلاً.
أمّا الأوَّلُ -: [فذ(١٢)] كحاجةِ الصلاةِ إلى تقديم (١٤) الطهارة.
(١) لفظ ن، ص: ((مخالف)).
(٣٦) في بي: ((أما الأول))، وفي ح: ((فالأول)).
(٥) في ح: «لحصوله)».
(٧) في ص: ((بالضرب)».
(٢) في آ: ((العادة)) وهو تصحيف.
(٤) سقطت الزيادة من ص.
(٦) لفظ ص: ((أمرنا» ...
(٨) في ص، ح: ((وهو).
(٩) عبارة ن، آ، ك، ص، ح: ((مستلزم للألم)).
(١٠) سقطت الزيادة من ص.
(١١) في ص زيادةٌ: ((مما»، والأنسب حذفها.
. (١٢) عبارة أ: ((إليه يحتاج)).
(١٣) سقطت الفاء من ح.
(١٤) في ن، ي، ل، ا: ((تقدم)).
- ١٩٢ -

وأمّا الثانِي -: فكالقدرةٍ، والآلةِ (١) وقطع المسافةِ إلى أقربِ الأماكنِ.
وهذا على قسمين :
منه (٢): ما يصحُّ من المكلّفِ تحصيلُهُ: كقطعِ المسافةِ، وإحضارٍ بعضٍ
الآلات.
ومنه : ما لا يصحُّ منه: كالقدرةِ.
وأمّا الّذي لا یکونُ کالوصلةِ - فضربان:
أحدُهما: أنْ يصيرَ(٣) فعلهُ [لازماً(٤)]؛ لأنَّ(٥) المأمورَ بِهِ اشتبهَ بِهِ -
[وهو (٦)]: كما إذَا تركَ الإِنسانُ صلاةً من الصلواتِ الخمسِ لا يعرفُها(٧)
- بعينها -: فيلزمُّهُ فعلُ الخمس (٨)؛ لأنّه لا يمكنُ (٩) مع الالتباسِ أنْ يحصلَ
لُهُ يقينُ(١٠) الإِتيانِ بالصلاةِ المنسيَّةِ إلَّ بفعلِ الكلِّ.
وثانيهما (١١): أنْ لا يتمكّنَ من استيفاء(١٢) العبادةِ إلَّ بـ [فعل (١٣)][شيءٍ(١٤)]
آخرَ؛ لأجلِ ما بينهما من التقارب - نحو ستر جميع الفخذِ: فإِنَّه لا يمكنُ إلاّ
معَ ستِرِ(١٥) [بعضٍ(١٦)] الركبةِ، وغسلِ كلِّ الوجهِ -: لا يمكنُ إلَّ معَ غسلٍ جزء
من الرأسِ .
وأمّا الترك - فهوَ: أنْ يتعذّرَ عليهِ تركُ الشيءٍ [إلّا (١٧)] عندَ ترك غيرِهِ وذلكَ
إذا كانَ الشيءُ ملتبساً بغيرِهِ - وهو ضربان:
أحدهما: أن يكونَ قد تغيَّر(١٨) - في نفسه.
(١) آخر الورقة (١٣٩) من ن. (٢) لفظ ح: ((أحدهما). (٣) في ص: ((يجب)).
(٥) في ص: ((لأجل أن)).
(٤) سقطت الزيادة من ح.
(٧) لفظ ن: ((تعرف)».
(٦) لم ترد الزيادة في ص.
(٨) لفظ ص: ((الخمسة)).
(١٠) في غير ص: ((تيقن)).
(٩) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((يتمكن)).
(١١) لفظ ي: ((وثانيها)).
(١٢) آخر الورقة (١٠٠) من ل. (١٣) لم ترد الزيادة في ص. (١٤) لم ترد الزيادة في ح.
(١٥) لفظ ص: ((يستره.
(١٦) سقطت الزيادة من ح.
(١٧) سقطت الزيادة من ن، ي، ل، آ.
(١٨) لفظ ص: ((تعين)) وهو تحريف.
- ١٩٣ -

والآخر: أنْ لا يكون قد تغيَّر - في نفسه .
فالأوّل: نحو اختلاطِ النجاسةِ بالماءِ الطاهر؛ وللفقهاءِ فيه اختلافاتٌ غيرُ
لائقةٍ(١) بأصول الفقه.
وأمّا الّذِي لا يتغيّر - مع الالتباس -: فإنّه يشتملُ على مسائل:
منها: أنْ يشتبهَ الإِناءُ النجسُ، بالإِناءِ الطاهرِ، والفقهاءُ اختلفوا في جوازٍ
التحرّي(٢) فیه (٣).
ومنها: أن يُوقِعَ الإِنسانُ الطلاقَ على امرأةٍ (٤) من نسائِه [بعينِهَا(٥)]، ثُمِّ(٦)
يذهبُ عليهِ عِينُها.
والأقوى: تحريمُ الكلِّ: تغليباً للحرمة على الحلِّ(٧).
(١) قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا وقعت نجاسة في الماء تنجس مطلقاً، إلا إذا كان
بحراً أو ما في حكمه. انظر: مختصر الطحاوي ص(١٩). وذهب مالك: إلى أنه طاهر، ما
لم يتغير أحد أوصافه، انظر: الاشراف (٤٣/١). وبه قال الشافعي في القديم. وهو إحدى
الروايتين عن أحمد، وذهب الشافعي - رضي الله عنه - في الجديد: إلى أن ما دون القلتين
ينجس مطلقاً، وما كان قلتين فصاعداً فإنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه. انظر: مغني
المحتاج (٢١/١) وما بعدها - وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد. انظر: مغني ابن قدامة
(٢٤/١ -٢٥).
(٢) فذهب أبو حنيفة: إلى أنه إن كان الأكثر - هو الطاهر: تحرَّى، وإلا: فلا. انظر:
مختصر الطحاوي (١٧). وقال الشافعي: يتحرى على الإطلاق، إذا كان الاشتباه بين طاهر
ومتنجس، أما إذا كان الاشتباه بين طاهر ونجس العين: كالبول، فلا يتحرى على الصحيح.
انظر: مغني المحتاج (٢٦/١-٢٧). وقال أحمد: لا يتحرى، بل يتيمم على الصحيح.
انظر: المقنع (٢١/١)، والمغني (١ /٥٠) واختلف أصحاب مالك. راجع: الإفصاح (٩)،
والإِشراف (٤٤/١).
(٣) آخر الورقة (٩٤) من ح.
(٤) في آ: ((المرأة)).
(٥) لم ترد الزيادة في ح.
(٦) في ن، ل، آ: أبدلت. ((ثم)) بالواو.
(٧) وهو قول الشافعيِّ - رضي الله عنه - فانظر: المغني (٣٠٤/٣) وقال أبو حنيفة -
- ١٩٤ -

الفرعُ الثاني :
قالَ قومٌ: إذا اختلطتْ منكوحةٌ بأجنبيّةٍ - : وجبَ الكفُّ عنهما؛ لكنَّ
الحرامَ هي الأجنبيّةُ، والمنكوحةُ حلالٌ.
وهذا(١) باطلٌ؛ لأنَّ المرادَ من الحلِّ رفعُ الحرج ، والجمعُ بَيْنَه وبينَ
التحريم متناقض.
فالحقُّ - أنّهما حرامانِ، لكنَّ الحرمةَ - في إحداهما (٢) بعلّةٍ كونها أجنبيّةً،
و[في(٣)] الأخرى بعلّةِ الاشتباهِ [بالأجنبيّةِ (٤)].
أمّا إذا قال لزوجتيهِ: ((إحداكما(٥) طالقٌ)) -: فيحتمل أن يقالَ بحلِّ وطِهِمًا؛
لأنَّ الطلاقَ شيءٌ متعيّنٌ - فلا يحصلُ إلَّ في محلّ متعيِّنٍ، فقبلَ التعيينِ لا
يكونُ الطلاقُ نازلاً في واحدةٍ منهما، فيكون(٩) الموجودُ - قبل التعيين - لَيْسَ
الطلاقَ، بل أمراً لهُ صلاحيّةُ التأثير في الطلاقِ - عند اتّصال البيانِ(٧) بهِ.
وإذا ثبتَ - أنَّ قبلَ التعيين لم (٨) يوجد الطلاقُ، وكانَ(١) الحلُّ موجوداً -:
وجب( !! ) القولُ ببقائه: فيحلُّ وطؤهما معاً(١١).
ومنهم من قالَ: حرُمتَا - جميعاً - إلى وقت البيان؛ تغليباً لجانبِ الحرمةِ.
= وبعض أصحاب الشَّافعيِّ: لا يُمنَعُ من وطئِهِنَّ، فإن وطىءٌ واحدةٌ: انصرف الطلاقُ إلى
غيرها .
وقال مالك: يطلقن كلهن. انظر: شرح الدردير (٣٦٦/١).
وقال أحمد: يحال بينه وبينهن حتى يقرع بينهن، فأيتهن خرجت عليها القرعة: كانت
هي المحرمة. وبين أصحابه خلاف كبير. راجعه في المغني (٤٣١/٨)، وانظر: الإِفصاح
(٣٠٠).
(١) في ي زيادة: ((قول)).
(٢) لفظ ص: ((أحدهما)).
(٤) لم ترد الزيادة في ن.
(٦) في آ، ن، ص، ل: ((ويكون)).
(٨) في ح: ((ليس)).
(٩) في ح، ل، ى: ((فكان)).
(١٠) في آ، ص، ح: ((فرجب)).
(٣) لم ترد الزيادة في ل.
(٥) في ن: ((احداهما)).
(٧) في ص: ((التأثير))، وهو تحريف.
(١١) في ص: ((جميعاً)).
- ١٩٥ -

فإنْ قلتَ: [لمّا(١)] وجبَ [عليه(٢) ] التعيينُ - والله - تعالى - يعلمُ ماسيعِيِّنُهُ -:.
فتكونُ هي المحرَّمةَ(٣)، والمطلّقةَ - بعينها - في علم (٤) [اللّهِ تعالى(٥)] وإنّما هو.
مشتبه علینا ..
قلتُ: الله - تعالى - يعلمُ الأشياءُ على ما هي عليهِ (١)، فلا يعلم غير
المتعيِّن متعيِّناً؛ لأنَّ ذلكَ جهلٌ، وهوَ (٧) - في حقِّ اللّهِ تعالَى محالٌ - بل يعلمُهُ
غيرَ متعَيِّنٍ(٨) في الحالِ، ويعلمُ أنّهُ - في المستقبلِ - سيتعيَّنُ (٩).
الفرعُ الثالثُ:
اختلفُوا في الواجبِ الّذِي لا يتقدّرُ بقدرٍ معيّنٍ: كمسح الرأس ، والطمأنينةِ
في الركوع إذا زادَا(١٠) على قدرِ الزيادةِ، هل تُوصَفُ الزيادةُ بالوجوب؟ والحقُّ:
لا ؛ لأنَّ الواجبَ - هو: الذي لا يجوزُ تركُهُ، وهذِهِ الزيادةُ يجوزُ تركُهَاَ: فلا تكونُ
واجبةٌ(١)(١٢) ..
(١) سقطت الزيادة من آ، ن، ل، ي.
(٣) في ي: ((الحرمة)) وهو تحريف.
(٥) سقطت من آ . :
(٧) كذا في ص، ح، وفي ن، آ، ل، ي: ((والجهل)).
(٨) في ن: ((معين)) .:
(٢) لم ترد الزيادة في ح.
(٤) آخر الورقة (٩٤) من آ.
(٦) في ح: ((عليها)).
(٩) قال - في مغني المحتاج - (٣٠٥/٣): ولو قالَ لزوجتيه: إحداكما طالق، وقصد
معينة: طلقت؛ وإلا فإحداهما ويلزمه البيان في الحالة الأولى، والتعيين في الثانية. وفي
مختصر الطحاوي (١٩٩ - ٢٠٠) ومن قال لزوجتيه: إحداكما طالق ثلاثاً، ولم ينو واحدة منهما.
بعينها فقد وقع الطلاق على إحداهما بغير عينها، ويؤخذ أن يوقعه: على إحداهما بعينها،.
فتكون هي المطلقة وتبقى الأخرى زوجة له على حالها. وفي مغني ابن قدامة (٤٢٨/٨):
قال أحمد: يقرع بينهما. وفي شرح الدردير (٣٦٦/١) قال مالك: طلقتا معاً.
(١٠) عبارة ح: ((والسجود إذا زادوا على قدره)).
(١١) آخر الورقة (١٤٠) من ن.
(١٢) هذه المسألة هي المسألة المعروفة بمسألة ((مقدمة الواجب)). وملخص ما ذكره
الإمام المصنف والأصوليُّون فيها: أن الفعل الذي لا يتم (أي لا يوجد) الواجب إلا به، إما=
- ١٩٦ -

- أن يكون جزءاً له: كالركوع للصلاة، أو سباً له: كالصيغة للعتق، أو شرطاً له: كالطهارة
للصلاة.
وقد اتفقوا على أن إيجاب الواجب يوجب ((جزء٥).
وأما (السبب)) و(الشرط)) فإمّا أن يكونا مقدورين للمكلّف كالمثالين المتقدمين. وإما أن
يكونا غير مقدورين له: كتعلّق إرادته تعالى وقدرته بإيجاد الواجب، وكحضور العدد في
الجمعة فإنه غير مقدور لآحاد المكلّفین.
فغير المقدور قد اتفقوا على أن إيجاب الواجب لا يوجبه.
وأما المقدور فإما أن يكون إيجاب الواجب مقيّداً بحصوله كما إذا قال الشارع إن توضأت
فصل. وإن ملكت النصاب فزك. وإما أن يكون غير مقيد بحصوله كأن يقول: ((صل)) و((زك)).
ويقال للسبب أو الشرط في الحالة الأولى إنّه («مقدمة وجوب)) كما أنه «مقدمة وجود» حيث
توقف كل من وجود الواجب ووجوبه على حصوله. ويقال للواجب حينئذ: إنه واجبٌ مقّد - :
أي وجوبه مقيد بحصول ((السبب)) أو (( الشرط)) ..
وقد اتفقوا على أن كلًّا من ((السبب)) و((الشرط)) في هذه الحالة لا يجب بوجوب الواجب،
بل الواجب نفسه لا يجب إلا بعد حصول السبب أو الشرط.
ويقال للسبب أو الشرط - في الحالة الثانية -: إنّه ((مقدّمة وجود)) فقط. ويقال للواجب
حينئذ: إنه ((واجب مطلق)، أي: وجوبه غير مقيد بحصول ((السبب أو الشرط)). ومقدمة الوجود
فقط هي محل النزاع بين الأصوليين: في أنها هل تجب بوجوب الواجب بقطع النظر عن كونها
واجبة بوجوب آخر مستقل. مثلاً قول الشارع: ((صل))، هل يوجب الوضوء بقطع النظر عن
آية: ﴿يَا أَيُّها الّذين آمنوا إِذَا قُمْتُم إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلوا﴾ الآية (٦) من سورة المائدة.
وفي ذلك أربعة مذاهب:
المذهب الأول:
أنها تجب بوجوب الواجب - مطلقاً - سواء أكانت سباً شرعياً كالمثال المتقدم، أم عقلياً
كالنظر للعلم عند الإمام الرازيّ، أم عاديّاً كحزِّ الرقبة للقتل. أم كانت شرطاً شرعياً كالمثال
المتقدّم أم عقليّاً كتركُ ضدِّ الواجب أم عادياً كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه.
وهذا المذهب - هو المختار؛ ودليله: هو أنّه لو لم يجنب السبب أو الشرط - لجاز ترك
الواجب المتوقّف عليه، لكن التالي باطل.
المذهب الثاني:
أنّه لا تجبُ بوجوب الواجب - مطلقاً؛ لأنَّ الدالُّ على وجوب الواجب ساكت عنه.
-- -
- ١٩٧ -

= والجواب أنه إن أريد بالسكوت أنه لا يدل على وجوبها مطابقة فمسلَّمٌ. ولكننا لم ندع
الدلالة المطابقيّة بل الدلالة الالتزاميّة. وإنْ أُريد أنّه لا يدلُّ - مطلقاً - فممنوع.
المذهب الثالث :-
أنّها تجب إن كانت سبباً - مطلقاً - ولا تجب إن كانت شرطاً - مطلقاً - لأن السبب لاستناد.
المسبب إليه أشد ارتباطاً به من الشرط بالمشروط.
والجواب: أن الواجب يتوقف وجوده على وجود كل من السبب والشرط؛ وذلك كافٍ في
تحقّق الدلالة الالتزاميّة. وأما توقف عدمه على عدم السبب الذي امتازبه السبب عن الشرط
- فلا دخل له في هذه الدلالة.
المذهب الرابع :
وهو مذهب إمام الحرمين وابن الحاجب: أنّها إن كانت شرطاً شرعياً وجبت بوجوب
الواجب. وإن کانت شرطاً عقلياً أو عادیاً لم تجب بوجوبه وذلك لأن الواجب لا وجود له بدون:
شرطة العقليّ أو العاديِّ فلا يقصده الشارع بالطلب بخلاف الشرط الشرعي فإن الواجب
يمكن عقلًا وجوده بدونه ولولا اعتبار الشارع له لوجد بدونه فلذلك تعيّن أن يقصده الشارع
بالطلب عند إيجاب الواجب .
والجواب: أنه لا يشترط في المدلول الالتزاميِّ القصد.
وقد سكت إمام الحرمين عن ((السبب)). والظاهر أنه مثل الشرط في هذا التفصيل فإن
كان سبباً شرعياً وجب عنده وإلا فلا. واعتراض ابن السبكيّ على إمام الحرمين بأن السبب
مطلقاً أولى بالوجوب من الشرط الشرعيّ ممنوع. لأن السبب العقليّ أو العاديّ كالشرط
العقليِّ أو العاديّ في أن كلا لا يمكن وجود الواجب بدونه فلا يقصده الشارع بالطلب. على
ما قاله إمام الحرمين.
نعم قال بعضهم: القصد بطلب المسيّبات الأسباب لأنّها التي في وسع المكلف. وعلى
هذا فالسبب العقلي أو العادي يكون أيضاً مقصوداً كالسبب الشرعي فلا يجري فيه دليل إمام.
الحرمين - المفرِّق بين الشرعي وبين العقليِّ والعاديّ ..
وراجع: المعتمد (٢٠٢/١-٢٠٦)، والكثير مما ذكره المصنف أورده بلفظه
والمستصفى (٧١/١-٧٢)، والكاشف (٥٣/٢ - ب - ٦٢ - آ)، والنفائس (٦٧/٧٢ - ب
- ٧٢ - ب)، ومنهاج البيضاوي بشرحي ابن السبكي والاسنوي (١ /٦٧-٧٦)، وشرح
مختصر ابن الحاجب (٢٢٤/١ -٢٤٨)، وشرح الجلال على الجمع (١٩٢/١-١٩٧).
- ١٩٨ -

المسألة الثانية:
في أنَّ الأمرَ بالشيءِ نهيٌّ عن ضدِّهِ(١).
· اعلم(٢): أنّا لا نريدُ بهذا: أنَّ صيغةَ الأمرِ(٣) - هي صيغةُ النهيِ ، بل
المرادُ: أنَّ الأمرَ بالشيءٍ دالٌّ على المنعِ من نقيضِهِ، بطريقِ الالتزامِ (٤).
وقال جمهورُ المعتزلةِ وكثيرٌ - من أصحابنا -: إنّه ليسَ كَذلكَ.
لنا: أنَّ ما دلَّ على وجوبِ(٥) الشيءٍ - دلَّ على وجوبٍ ما هوَ من
ضروراتِهِ -: إذا كانَ مقدوراً للمكلّفِ - على ما تقدم بيانه في المسألة الأولى -
والطلبُ (٦) الجازمُ من ضروراتِهِ المنعُ من الإخلالِ بهِ؛ فاللّفظُ(٧) الدال على
الطلبِ الجازمِ : وجبَ أنْ يكونَ دالاً على المنعِ من الإخلال بهِ، بطريقٍ
الالتزام .
ويمكنُ أن يعبّر [عنه(٨)] بعبارة أخرى - فيقال: إمّا أنْ يمكنَ أنْ يوجدَ - مع
الطلب الجازم - الإِذنُ بالإِخلال ، أو لا يمكنَ.
فإنْ كانَ الأوَّل: كانَ جازماً بطلبِ الفعلِ، ويكونُ(٩) قد أذِنَ في التركِ؛
وذلك متناقض .
وإنْ كانَ الثانيَ - فحالَ وجودٍ هذا الطلب - كانَ الإِذنُ في التركِ ممتنعاً،
ولا معنى(١) لقولِنَا: الأمرُ بالشيءٍ نهيُّ عن ضدَّه إلَّ هذَا.
. فإنْ قيلَ: لا نسلُمُ أنَّ الطلبَ الجازمَ - من ضروراتِهِ المنعُ من الإِخلالِ ؛
وبیانُهُ من وجهين :
(١) وعبر البيضاوي بقوله: ((وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه)) فراجع: ومنهاجه
بشرجي ابن السبكي والاسنوي (١ /٧٦ - ٨٠) وانظر جملة أقوال العلماء في هذه المسألة في
الكاشف (٦٢/٢-٦٥-١).
(٢) في آ، ن: ((واعلم)).
(٣) في ص زيادة: ((هل)).
(٥) في ص: ((الوجوب)).
.(٧) في غيرح، ص: ((واللفظ)).
(٩) في ح: (وقد یکون».
(٤) في ص: ((الاستلزام)).
(٦) لفظ ن: ((والطالب)) وهو تحريف.
(٨) لم ترد الزيادة في ن.
(١٠) عبارة ح: ((نعني بقولنا)).
- ١٩٩ -
١

الأوَّل: أنَّ الأمرَ بالمحالِ جائزٌ -: فلا(١) استبعادٌ [في(٢)] أنْ يأمَرَ جزماً
بالوجود، و[بـ(٣)] العدمِ معاً.
·الثاني(٤): أنَّ الأمِرَ بالشيءٍ قد يكونُ غافلاً عن ضدِّه، والنهيُ(٥) عن الشيء
مشروطٌ بالشعورِ بهِ، فالأمرُ بالشيءٍ (٦) حال غفلتِهِ عن ضدِّ ذلك الشيءٍ .:
يمتنعُ (٧) أن يكونَ(٨) ناهياً عن ذلكَ الضدِّ، فضلاً عن أنْ يقالَ: هذا الأمرُ نفسُ
ذلك النھي .
[و(٩)] الجوابُ: قوله: ((الأمر بالمحالٍ جائزٌ)).
قلنا: هبْ أنّه جائزٌ؛ ولكن لا تتقرّرُ(١) ماهيَّةُ ((الإِيجاب)) في الفعل (١١) - إلَّ
عند تصوُّرِ المنع من تركِهِ: فكان(١٢) اللّفظُ الدالُّ على الإيجاب - دالاً على
المنعِ من الإخلال به ضمناً.
قوله: ((قد يأمرُ بالشيءٍ - حال غفلته عن ضدّه١٣)».
قلنا: لا نسلّمُ أنّه يصحُّ منه إيجابُ الشيءِ - عند الغفلة عن الإخلال به؛
وذلك لأنَّ((الوجوبَ (١٤) ماهيّةٌ مركّبةٌ من قيدين(١٥):
أحدُهُما: المنعُ من التركِ، فالمتصوَّرُ للإِيجابِ متصوّرٌ للمنعِ من التركِ:
فيكونُ متصوِّراً للتركِ لا محالةً .
وأمّا ((الضدُّ) الَّذِي - هو المعنَى الوجوديُّ المنافِي - [فـ (١٦)] قد يكونُ مغفولاً
(١) في غير ص: (ولا)).
(٣) لم ترد في ن، ي، ل، آ.
(٥) آخر الورقة (١٠١) من ل.
(٧) لفظ ح: (ممتنع)).
(٩) لم ترد الواو في ص.
(١١) في ن، ي: (العقل)) وهو تحريف.
(٢) سقطت الزيادة من ح.
(٤) في ح، ل زيادة: ((وهو).
(٦) لفظ آ: ((والأمر)).
(٨) في آ زيادة: ((ذلك)).
(١٠) في ح: ((يتصور)»، وهو تصحيف.
(١٢) في ص: ((وكان)).
(١٣) كذا في آ: ولفظ ن، ي، ل، ص، ح: «أضداده».
(١٤) لفظ ل: ((الواجب)) وكان الأنسب التعبير بـ ((الإيجاب)).
(١٥) لفظ ح: ((أمرين)) وكلاهما صحيح.
(١٦) سقطت الفاء من ص، وإثباتها واجب: لأنها في جواب ((أما)).
- ٢٠٠ -