النص المفهرس
صفحات 41-60
الا أَيُّهَا اللَّيلُ الطَّويلُ أَلا انجلي (١)
الرابع عشر(٢): ((الاحتقارُ»، كقولهِ: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُم مُلقونَ﴾(٢).
الخامس عشر(٤): ((التكوينُ))، كقوله: ﴿كُنْ فَيَكونُ﴾(٥).
إذا عرفت هذا - فتقولُ:
اتَّفقوا على أنَّ صيغةَ ((الْ)) ليستْ حقيقةً في [جميعٍ (٦)] [هذه(٧)]
الوجوهِ؛ لأنَّ خصوصيةً ((التـخير))، و((التعجيز))، و((التسوية))، غيرُ مستفادةٍ (٨)
مِنْ [مجرَّدٍ(٩)] هذهِ الصيغةِ، بل إنّما تُفهمُ(١) تَلَكَ من القرائن.
إنّمْنَا الَّذي وقعَ الخلافُ فيه أمورٌ خمسةٌ: ((الوجوب))، و((الندبُ))،
و((الإِباحةُ))، و«التنزيهُ)»، و«التحريمُ)).
فمن الناس : من جَعلَ هذهِ الصيغةَ مشتركةٌ بينَ هذهِ الخمسةِ .
[ومنهم: مَنْ جَعَلَها مشتركةٌ بينَ الوجوبِ، والندبِ، والإِباحةِ(١)].
ومنهم: منْ جعلَها حقيقةٌ لأقلِّ المراتب .. وهو: ((الإِباحة)).
والحقُّ : أنّها نيستْ حقيقةً في هذهِ الأمورِ.
(١) هذا صدر بيت لامرىء القيس، عجزه: ((بصبح وما الإِصباحُ منك بأمثلٍ)) وهو البيت
السادس عشر من معلقته الشهيرة التي اهتم بشرحها كثير من المتقدمين: كالأنباري
والزوزني، والتبريزي، وبعض المحدثين: كالسيد مصطفى الغلاييني في كتابه - ((رجال
المعلقات العشر)). وهو موجود في ديوانه ص (١٨) ت أبي الفضل. ط. المعارف سنة
(١٩٦٩).
(٢) في غیرح، ل: (ید)).
(٤) في غيرح، ل: ((يه)).
(٦) سقطت هذه الزيادة من ح.
(٨) لفظ أ، ى: ((مستفاد)).
(٣) الآية (٤٣) من سورة ((الشّعراء)).
(٥) الآية (٨٢) من سورة ((يس)).
(٧) لم ترد هذه الزيادة في ل.
(٩) سقطت هذه الزيادة من آ.
(١٠) لفظ آ، ح: ((يفهم)).،
(١١) ما بين المعقوفتين ساقط كله من ن، ولم ترد كلمة ((مشتركة)) في ل.
- ٤١ -
لَنا: أنّا نُدركُ التفرقة - في اللُّغاتِ كلِّها - بِينَ قوله: [افعَلْ(١)] و[بِينَ(٢)]
قولهِ: ((إنْ شئتَ فافعلْ، وإنْ شئتَ لا تفعَلْ)). حتّى [إذا(٣)] قدَّرنا انتفاء القرائن
كلِّها، وقدَّرنَا هذهِ الصيغةَ منقولةً على سبيلِ الحكاية عن ميِّتٍ أو غائبٍ(٤)، لا
فِي فعلٍ معيّنٍ حتى يُتوهّمَ فيه قرينةٌ دالّةٌ، بَلْ في الفعل - مطلقاً -: سبقَ إلى
فهمِنا اختلافُ معاني هذهِ الصيغِ ، وعلمنا - قطعاً - أنّها ليستْ(٥) أساميَ(٦)
مترادفةً علی [معنى(٧)] واحدٍ.
كَمَا (٨) نُذْرِكُ التفرقةَ (٩) بينَ قولِهِم: ((قامَ زيدٌ، ويقومُ زيدٌ(١٠)، [في (١١)] أنَّ
الأوَّلَ للماضي، والثاني للمستقبل. وإن كانَ قد يعبّرُ(١٢) عن المناضِي (١٣)
بالمستقبل ، وبالعكس (١٤)؛ لقرائن تدلُّ عليه ..
فكذلك مَيّزوا الأمرَ عن النهي (١٥)، فقالوا: ((الأمرُ))(١٦): أَنْ تقولَ(١٧): ((افْعَلْ))
و((النهيُ (١٨) أن تقولَ: ((لا تَفْعَلْ)): فهذا [أمر١٩ٌ)] معلومٌ بالضرورةِ من اللُّغَاتِ لا
يشكِّكُنا فيهِ (١٠)(٢) إطلاقُهُ مع قرينةٍ(٢٢): على (الإِباحة)) أو (٢٣)(التهديدِ)).
فإِنْ قِيلَ: تَدَّعِي الفرقَ بينَ ((افْعَلْ)) و(لا تَفْعَلْ)) - في حقٍّ مِنْ يَعتقَدُ كِونَ
اللّفظِ موضوعاً للكلِّ(٢٢) حقيقةً، أو في حقٍّ من لا يعتقدُ ذلكَ؟ !.
(١) سقطت الزیادة من ن، ی، ل.
(٢) سقطت الزيادة من ن.
(٣) سقطت الزيادة من ن، ل، وزيد في آ - قبلها -: ((أنا)).
. (٤) عبارة ن، ى، ل: ((أو عن غائب)).
(٥) في ح زيادة: ((من)).
(٧) سقطت هذه الزيادة من ص.
(٩) لفظ ص: ((تفرقة)).
(١١) سقطت الزيادة من ح.
(١٣) كذا في ص.
(١٥) آخر الورقة (٦٦) من ح.
(١٧) في ح، آ: ((يقول)).
(١٩) سقطت هذه الزيادة من ((ن)).
(٢١) آخر الورقة (٦٥) من آ.
(٢٣) في ح: ((والتهديد)).
(٦) لفظ ص: ((أسما).
(٨) في ن، ی: ((وكما)).
(١٠) في ص: ((عمرو)).
(١٢) لفظ ل: ((يعتبر)).
(١٤) في آ: ((أو بالعكس)).
(١٦) لفظ ص: (للأمر) ..
(١٨) لفظ ص: ((والمنهي)).
(٢٠) أبدلت في ح بلفظ ((فيتم)).
(٢٢) في آزيادة: ((تدل)).
(٢٤) في ص: (((كل)).
- ٤٢ -
[الأوَّلُ ممنوعٌ، والثاني (١) مُسلّمٌ].
بيانُهُ: أنَّ كلٍّ من اعتقدَ كونَ هذهِ اللّفظةَ موضوعةً لهذِهِ المعانِي - فإنَّه
يُحصُلُ في ذهنِهِ الاستواءُ(٢) .
أمّا مَنْ لا يعتقدُ ذلكَ - فإنَّهُ [لَ (٣)] يحصلُ - عنده - الرجحانُ.
سلّمنا الرجحانَ؛ لكنْ: لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ ذلكَ للعرفِ (٤) الطارىءٍ، لا
في أصل الوضعِ ، كما في الألفاظِ(٥) [العرفيّة (١)]؟ !.
سلّمنا أنَّ ما ذكرتَهُ(٧) يدلُّ على قولِكَ، لكنّهُ معارَضٌ بما يدلُّ على نقيضِهِ (٨)
- وهُو: أنَّ الصيغةَ [قد(٩)] جاءتْ بمعنى التهديدِ، والإِباحةِ: والأصلُ في
الكلام الحقيقةُ.
[و(١٠)] الجوابُ(١١) عن الأوَّلِ: أَنّهُ مُكابرةٌ؛ فإنّا نعلمُ (١٢) - عندَ انتفاءٍ كلِّ
القرائن بأسرِهَا [أنّه (١٣)] يكونُ فهمُ الطلب من لفظِ ((افْعَلْ)) راجحاً على فهمٍ
التهدیدِ والإِباحةِ .
وعن الثاني: أنَّ الأصلَ عدمُ التغييرِ(١٤).
وعن الثالث: أنّكَ [قدْ(١٥)] عرفتَ أنَّ المجازَ أولَى من الاشتراكِ، ووجهُ
المجازِ(١٦): أنَّ هذِهِ الأمورَ الخمسةُ - أعني: ((الوجوبَ، والندبَ، والإِباحةً،
(١) كذا في ن، ل، وفي ص، ح: ((الأول ع، والثاني م))، وفي ي: ((الأول ع، م))،
وفي آ: وع، م)).
(٢) آخر الورقة (٦٩) من ل.
(٣) سقطت هذه الزيادة من ص، ح، وإثباتها هو المناسب للمعنى.
(٤) في ى: ((في العرف)).
(٥) في آ: ((الأسماء)).
(٧) لفظ ص: ((ذكرتم))، ولفظ ح: ((ذكرتموه)). (٨) لفظ ى: ((النقيضة)).
(٩) هذه الزيادة من ص.
(١١) آخر الورقة (٤٤) من ى.
(١٣) هذه الزيادة من ص.
(١٥) هذه الزيادة من ص.
(٦) سقطت الزيادة من ح.
(١٠) لم ترد الواو في غير ص، ح.
(١٢) في غير ص زيادة: ((أن)).
(١٤) لفظ ى: ((التعيين))، وهو تصحيف.
(١٦) لفظ ل: ((الاشتراك))، وهو تحريف.
- ٤٣ -
والتنزية، والتحريم)» - أضدادٌ؛ وإطلاقُ اسمِ الضدّ على الضدِّ أحدُ وجوهِ
المجازِ. والله أعلم.
المسألةُ الثانيةُ: الحقُّ - عندَنَا: أنَّ لفظةَ ((افْعَلْ)) حقيقةٌ في الترجيحِ (١)
المانعِ من النقيض - وهوَ قولُ أكثر الفقهاءِ والمتكلِّمين(٢).
وقال أبو هاشم (٣): إنّه يفيدُ الَندبَ (٤).
ومنهمْ من قالَ: بالوقفِ، وهم فرقٌ ثلاثٌ(٥):
الفرقةُ(٦) الأولى: [الّذِينَ(٧)] يقولون: إنّهُ حقيقةً في القدرِ المشتركِ بِينِ
الوجوب والندب - وهو: ترجيحُ الفعلِ على التركِ.
ثم: الوجوبُ يمتازُ عن الندبِ: بامتناعِ التركِ، والندبُ، يمتازُ عن
الوجوب بجوازِ التركِ، وليسَ في الصيغةِ إشعارٌ بهذين القيدين.
ويليقُ بمذهب هؤلاءٍ أن يقولُوا: [إنّه (٨)] يجبُ حملُهُ عَلَى الندب؛ لأنَّ
اللّفظَ يفيدُ رجحانَ الفعلِ على التركِ، وليس فيهِ ما يدلُّ على المنعِ من التركِ،
وقَدْ كانَ جوازُ التركِ معلوماً بحكم الاستصحاب، وإذا كانَ كذلكَ: كانَ جوازٌ
(١) آخر الورقة (٩٨) من ن.
(٢) في ل زيادة :: ((والمسلمين)). وتعبير أبي الحسين في المعتمد (٥٦/١): ((وعند
جمهور الناس ... )).
(٣) لفظ ل: ((هشام)).
(٤) والذي نقله أبو الحسين عنه في المعتمد (٥٧/١ -٥٨) أنّه قال: إنها تقتضي
الإرادة، فإذا قال القائل لغيره: ((افعل)) أفاد ذلك أنّه مريد منه الفعل. فإن كان القائل لغيره
(افْعَلْ)) حكيماً: وجب كون الفعل على صفة زائدة على حسنه يستحق لأجلها المدح، إذا
کان المقول له في دار التكليف. وجاز أن یکون واجباً، وجاز أن لا یکون واجباً، بل یکون
ندياً. فإذا لم تدل الدلالة على وجوب الفعل: وجب نفيه، والاقتصار على المتحقق، وهو
كون الفعل ندباً يستحق فاعله المدح.
وانظر: الكاشف (١ /٢٥٨ -ب).
(٥) كذا ن، ى، ل، آ. وفي ص، ح: ((ثلاثة)).
(٦) كذا في آ، واستبدلت في ن، ى، ل، ح بلفظ ((إحداها))، وفي ص ((أحدها)).
(٧) لم ترد الزيادة في آ.
(٨) هذه الزيادة من ص، ح.
- ٤٤ -
التركِ بحكمِ الاستصحاب، ورجحانُ الفعلِ بدلالةِ اللّفظِ. ولا معنى للندب
إلاّ ذلك(١) ..
· الفرقةُ(٢) الثانيةُ: الّذِينَ قالُوا: إنَّ صيغةَ ((أَفْعَلْ)) موضوعةٌ للوجوب والندب،
على سبيلِ الاشتراكِ اللفظيِّ - وهو: قولُ المرتَضَى(٣) من الشيعةِ.
الفرقةُ(٤) الثالثةُ: الّذِينَ قالُوا: إنّها حقيقةٌ إمّا في الوجوبِ فقط، أو فِي
الندب فقطْ، أو فيهما - معاً(٥) بالاشتراكِ؛ لكنّا لا ندري: ما هوَ الحقُّ من هذِهِ
الأقسام الثلاثة : فلا جرمَ توقفنًا في الكلِّ - وهوَ: قولُ الغزاليِّ [منّا(٩)].
لَنَا وجوهُ :
[الدليلُ (٧)] الأوَّلُ: التمسُّكُ بقولِهِ تعالَى لِإِبليسَ: ﴿مَامَنْعَكَ أَلَّ تَسْجُدَ إِذْ
أَمَرْتُكَ ﴾(٨) وليسَ المرادُ منهُ الاستفهامَ بالاتِّفاقِ، بل الذمَّ، فإنّه لا عذرَ لَهُ في
الإِخلالِ بالسجودِ - بعدَ ورودِ الأمرِ [به(٩)] - هَذَا [هو(١٠)] المفهومُ من قولٍ
السيِّد لعبدِهِ: ((ما منعكَ من دخولِ الدارِ إذْ أمرْتُكَ؟)) إذا لم يكنْ مستفهماً(١)،
(١) لفظ آ: ((ذاك)).
(٢) كذا في آ، وفي النسخ الأخرى: ((وثأنّها).
(٣) هو: أبو القاسم أو أبو طالب، علي بن الطاهر - ذي المناقب - أبي أحمد،
الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد
الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. رضي الله عنهم. كان إماماً
في علم الكلام والآداب والأدب والشعر، وله تصانيف كثيرة. توفي في بغداد سنة (٤٣٦) هـ.
راجع: الوفيات (٤٧٨/١)، وتاريخ دول الإسلام (١٩٩/١)، والعبر (١٨٦/٣)، والمنتظم
(١٢٠/٨)، قال: وكان يميل إلى الاعتزال. ونقل جملة من أقواله، ومرآة الجنان (٥٥/٣)،
والشذرات (٢٥٦/٣)، والبداية (٥٣/١٢)، والنجوم (٣٩/٥).
(٤) كذا في آ، وفي ن، ى، ل، ص، ح: ((وثالثها).
(٥) آخر الورقة (٢٧) من ص.
(٦) هذه الزيادة من ص. وراجع: المستصفى (٤٢٣/١) لمعرفة قول الإمام الغزالي.
(٨) الآية (١٢) من سورة ((الأعراف)).
(٧) هذه الزيادة من ص، ح.
(٩) لم ترد الزيادة في ح.
(١٠) لم ترد الزيادة في ح.
(١١) كذا في غيراً، وفيها: ((إذا لم يرد منه استفهام)).
- ٤٥ -
م
ولو لم يكن الأمرُ أُدالاً(١)] على الوجوب - لما ذمّهُ (٢) الله - تعالى - على التركِ،
ولكانَ لإِبليسَ أنْ يقول: إنّكَ ما ألزمتَّنِي السجودَ.
فإنْ قلتَ: لَعِلَّ الأمرَ في تلكَ اللُّغةِ كانَ يفيدُ(٣) الوجوبَ - فَلِمْ قُلْتُمْ(٤). إنّهُ
في هذِهِ اللُّغَةِ للوجوب (٥)؟ !.
قلْنَا(٦): الظاهرُ يقتضِي ترتيبَ الذمُّ على مخالفةِ الأمرِ، فتخصيصُهُ بأمرٍ
خاصٍّ خلافُ الظاهرِ(٧) ..
[الدليلُ(٨)] الثاني: التمسُّكُ بقولِهِ تعالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارَكَعُوا لَّ
يَرْكَعُونَ﴾(٩) ذمّهم على أنّهُمْ تركُو( ١٠) فعلَ ما قيلَ لهم: افْعَلُوهُ، ولو كانَ الأمرُ يفيدُ
الندبَ - لما حسُنَّ هذا الكلامُ. كما إذا١١) قيلَ لهم: الأولَى أنْ تفعلوهُ، ويجوزُ
لكم تركُهُ؛ فإنّه ليسَ لنَا أنْ نذمّهم(١٢) على ترکِهِ(١٢).
(١) سقطت هذه الزيادة من ن، ى، ل، ص، وكذلك من ح، كما أبدلت لفظة ((على)
- بعدها - بـ ((اللام)).
(٢) لفظ آ: ((ذم)).
(٣) كذا في ص، ح، ى، آ، وعبارة ل: (مفيد للوجوب))، وعبارة ص: ((كان لا يفيد
الوجوب)»، وهو تحريف.
(٤) في غير ص: ((قلت)).
. (٥) في ل: ((على الوجوب))، وعبارة ى: يفيد الوجوب))، وفي آ: ((لا للوجوب)، وهو
تحريف .
(٦) لفظ غير ص: ((قلت)).
(٧) لمعرفة وجه الاستدلال بهذا الدليل - بشكل أوسع، وللاطلاع على أقوال العلماء
في كلمة ((لا)» في الآية، هل هي صلة زائدة، أوهي كلمة مفيدة، ولمعرفة أقوالهم في المراد
بـ ((المنع)) راجع: التفسير الكبير (١٨٤/٤) ط الخيرية .
(٨) سقطت هذه الزيادة من ص.
(١) الآية (٤٨) من سورة ((المرسلات)).
(١٠) عبارة آ: ((على ترك فعل قيل لهم)).
(١١) كذا في آ، وعبارة غيرها: ((لو قال)).
(١٢) في آ، ح: ((يذم))، وعبارة ن: ((ليس له أن يلومهم))، وعبارة ل: ((ليس يجوز له أن
یذمهم)).
(١٣) عبارة ل: ((على أنهم تركوا)) وزاد بعدها: ((فعل قيل لهم افعلوا)).
- ٤٦ -
فإِنْ قلتَ: إنّما ذمّهم لا لأنّهم تركُوا المأمورَ بهِ، بَلْ لأنّهُمْ لم يعتقدُوا حقيقةً
الأمر.
والدليلُ عليهِ: قولُهُ تعالَى: ﴿وَبْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾(١).
وأيضاً: فصيغةُ ((افْعَلْ)) قد تفيدُ الوجوبَ - عندَ اقترانِ بعض القرائن بها؛
فلعلَهُ - تعالى - إنّما ذمّهم؛ لأنّه كانَ قد وُجِدَتْ(٢) قرينةُ دالةٌ على الوجوبِ.
والجوابُ عن الأوَّلِ: أنَّ المكذِّبينَ في قولِهِ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾(٣)،
إمّا أنْ يكونُوا هُمُ الّذِينَ تَرَكُوا الركوعَ لَمّا قِيلَ [لهم(٤)]: ((اركعوا)»، أو غيرَهُم.
فإنْ كانَ الأوَّلَ: جازَ أنْ يستحقُّوا(٥) الذمَّ بتركِ الركوع ، والويلَ بسببٍ
التكذيب؛ فإنَّ - عندنا - الكافرَ كما يستحقُّ العقابَ(٦) بتركِ الإِيمانِ، يستحقُّ
الذمَّ والعقابَ (٧) - أيضاً - بتركِ (٨) العباداتِ.
وإنْ كانَ الثاني: لَمْ يَكُنْ (٩) إثباتُ الويلِ (١٠) [الإِنسانٍ(١١١] بسببِ التكذيب
- منافياً ثبوتَ الذمِّ لإِنسانٍ آخرَ بسبب تركِ المأمور بهِ .
وعن الثاني: أنَّهُ تعالى(١٢) إِنّمَا ذَمَّهُم لمجرَّدٍ(١٢) أنّهم تركُوا الركوعَ (١٤) لَمَّا قِيلَ
لهمْ: ((اركَعُوا)) فدلَّ على أنَّ منشً(١) الذم هذا القدرُ، لا القرينةُ (١٩).
[الدليلُ(١٧)] الثالثُ: لَوْلَمْ يكن الأمرُ ملزماً للفعلِ - لَمَا كانَ إلزامُ الأمرِ(١٨)
(١) الآية (٤٧) وآيات أخر من سورة ((المرسلات)).
(٢) لفظ آ: ((وجد)).
(٣) الآية (٤٧) من سورة (المرسلات)).
(٤) سقطت الزيادة من ص.
(٦) في غير ص: ((العذاب)).
(٨) عبارة آ: ((بسبب العبادات أيضاً.
(١٠) آخر الورقة (٩٩) من ن.
(٥) لفظ ص: ((يستحق)).
(٧) في غير آ: ((والعذاب)).
(٩) آخر الورقة (٦٦) من آ.
(١١) سقطت هذه الزيادة من ص
(١٢) کذا في ص، ح، وفي غیرهما: «أن الله تعالی) (١٣) لفظ ص: «بمجرد)).
. (١٤) آخر الورقة (٦٧) من ح.
(١٥) آخر الورقة (٧٠) من ل.
: (١٦) راجع: التفسير الكبير (٣٢١/٨) ط الخيرية للإطلاع على المزيد من كلام الإمام
المصنف عن هذا الدليل.
(١٧) لم ترد هذه الزيادة في ص.
(١٨) لفظ آ: ((الفعل)).
- ٤٧ -
سبباً للزومِ المأمورِ بهِ، لكنّهُ سببٌ للزومِ المأمورِ بهِ: فوجبَ أنْ يكونَ [الأمر(١)]
ملزماً(٢) للفعل .
بيانُ الشرطيّةِ: أنَّ بتقدير أنْ لا يكونَ الأمرُ ملزماً للفعل - كانَ إلزامُ الأمرِ
إلزاماً لشيءٍ، وذلك الشيءُ لا يُوجِبُ فعلَ المأمورِ بهِ: فوجبَ أنْ لا يكونَّ هذا
القدرُ سبباً للزوم المأمور(٣) بهِ .
[و(٤)] بيانُ أنَّ إلزامَ الأمرِ(٥) سببٌ للزومِ المأمورِ به، قولُهُ تعالى: ﴿وَمَا كانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُه أَمْزَأَ أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيْرَةُ مِنْ أَمرِهِمْ﴾(٦).
والقضاءُ [هو(٧)]: ((الإِلزامُ))؛ فقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللهُ ورسولُهُ أُمْرأْ﴾
معناه: إذا ألزمَ الله ورسولُهُ أمراً - فإنّهُ لا خيرةَ للمؤمنين (٨) في المأمور به .
[ويجبُ - هاهنا - حملُ لفظِ الأمرِ على المأمورِ بهِ، إذْ لَوْ أَجْرِيناهُ على
ظاهرِهِ - لصارَ المعنَى أَنَّهُ لا خيرةً للمؤمنينَ في صفةِ اللهِ - تعالى - وذلكَ كلامٌ
غیرُ مفیدٍ.
وإذا تعذّرَ حمِلُهُ على نفس الأمر: وجبَ حملُهُ على المأمورِ بِهِ، فيصيرُ
التقديرُ: أنَّ الله - تعالى - إذا أَزْمَ المَكلّفَ أمراً - فإنّه لا خيرةً لهُ في المأمورِ
بهِ(٩)].
وإذا انتفت الخيرةُ - بَقِيَ: إمّا الحظرُ، وإمّا (١) الوجوبُ، والحظُرُ منتفٍ(١١)
بالإِجماع : فتعيّن الوجوبُ.
(١) لم ترد الزيادة في ن، ل.
(٢) لفظ آ: «ملزوم).
(٣) كذا في ص، ح، وهو المناسب، وفي غيرهما: ((الأمر به)).
(٤) هذه الزيادة من ح.
(٥) في آ زيادة: ((به)).
(٧) هذه الزيادة من ل.
(٦) الآية (٣٦) من سورة ((الأحزاب)).
(٨) لفظ ل: ((للمؤمن)).
(٩) ما بين المعقوقتين ساقط كله من آ، وقوله: ((لفظ)) في ن، ل: ((اللفظ)» وسقطت لفظة.
(الأمر) - بعدها - من ص، وقوله: ((للمؤمنين)) أبدلت في ص، ح بـ ((المكلف))، وسقطت:
. كلمة ((التقدير)) من ص.
(١٠) في غیری: (أو)).
(١١) في غير ل: ((منقي)).
-٤٨ -
فإنْ قِيلَ: القضاءُ هَوَ: الإِلزامُ. والأمر قد يردُ(١) بمعنى شيء، فقولُهُ: ﴿ إِذَا
قَضَى الله ورسولُهُ أَمْراً﴾ - أي: [إذا ألزمَ الله ورسولُهُ(٢)] شيئاً.
ونحنُ نعترفُ بأنَّ الله - تعالى - إذَا الزَمَنَا شيئاً - فإنّهُ يكونُ (٣) واجباً علينا،
[وَ(٤)] لكنْ لِمَ قلتَ: إنّهُ بمجرَّدٍ (٥) أنْ يأمُرَنًا بالشيءٍ - فقدْ ألزَمَنَا؟! فإنَّ ذلكَ عينُ
المتنازَع (٦) [فيه (٧)] !!.
والجواب: قد بَيّنًا أنَّ لفظَ الأمر حقيقةٌ في القُولِ المخصوصِ ، وليسَ (٨.
حقيقةً في الشيءِ: دفعاً للاشتراكِ. ولا ضرورةَ - هاهنا - في صرفِهِ عنْ
ظاهِرِهِ (٩).
. إذا ثبتَ هذا - فقولُهُ: ﴿إِذَا قَضَى الله ورسولُهُ أَمْرأَ﴾ معناهُ: إذا ألزمَ الله أمراً،
وإلزامُ الأمرِ هو: توجيهُهُ على المكلّفِ [شاءَ أمْ أَبَّى(١٠)].
وإلزامُ الأمرِ غيرُ(١١) إلزام المأمورِ بِهِ؛ فإنَّ القاضيّ إذا قضى بإباحةِ شيءٍ
١ - فقد ثبتَ [إلزامُّ الحكم، ولوْ لَمْ يثبت(١١٢]، المحكومُ به فكذا هاهُنَا: إلزامُ
الأمر عبارةٌ: عن توجيهِهِ على المكلّفِ، والقطعُ بوقوع ذلك الأمر.
ثمّ، الأمرُ(١٣) إنْ لَمْ يقتضِ الوجوبَ (١٤) لم يكنْ إلزامُ الأمرِ إلزاماً للمأمورِ بِهِ،
وإنْ(١) كانَ مقتضياً [للوجوب(١٦)] - فهوَ الّذي قلناهُ (١٧).
(١) لفظ ص: ((ورد)).
(٣) في آ زيادة: ((ذلك)).
(٥) في ح: ((أن مجرد)).
(٧) لم ترد الزيادة في ل، ى.
(٩) لفظ ح: ((الظاهر)).
(٢) ساقط من ن.
(٤) لم ترد الواو في ص.
(٦) عبارة ى: ((غير متنازع)).
(٨) في ن، ى، ل: ((فليس)).
(١٠) ساقط من ن.
(١١) في ص، ل: ((عين))، وهو تصحيف.
(١٢) ما بين المعقوفتين سقط كله من ح، ولفظ ((لو) لم يرد في غير ص.
(١٣) عبارة ن: ((ثم الأمر لم)) بحذف حرف الشرط، وعبارة آ: ((ثم إن لم يحذف لفظ
الأمر».
(١٤) في ن: ((فلم)).
(١٥) لفظ ل: ((فإن)).
(١٦) سقطت الزيادة من ص، ح.
(١٧) راجع: التفسير الكبير (٥٧٦/٦) لمعرفة ما قاله الإمام المصنف في تفسير آية هذا =
- ٤٩ -
[الدليلُ(١)] الرابع: تاركُ ما أمرَ الله أو رسولُهُ بهِ مخالفٌ لذلك الأمر،
ومخالفُ ذلكَ الأمر مستحقٌّ(٢) للعقاب: فتاركُ ما أمرَ الله أو رسولُهُ بِهِ مستحَقٌّ
للعقاب(٣)، ولا معنَى لقولِنَا(٤): الأمرُ لَلوجوب، إلَّ ذلكَ.
. [وَ(٥)] إنّما قلنا: إنَّ تاركَ ما أمرَ الله أَوْ(٦) رَسولُهُ بهِ مخالفٌ لذلكَ الأمر؛ لأنَّ
موافقةً الأمر عبارةُ: عن الإتيانِ بمقتضاهُ، والمخالفةُ ضدُّ الموافقةِ: فَكانتْ
مخالفةُ الأمر عبارةً: عن الإِخلالِ بمتقضاهُ - فثبت: أنَّ تَاركَ ما أمرَ اللّه أو
رسولُهُ بهِ مخالفٌ لذلكَ الأَمر.
وإنّما قلنا: [إنَّ(٧)] مخَالفَ [ذلك(٨)] الأمر يستحقُّ (٩) العقابَ (١٠)؛ لقولِهِ
تعالى: ﴿فَلْيُحذّرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عذابٌ
أَلِيمٌ﴾ (١١)، أمرَ مخالفَ هذا الأمر بالحذرِ عن العذابِ و[الأمرُ(١٢) بـ] الحذرِ عن
العذاب إنّما يكونُ بعدَ قيام المقتضي لنزولِ العذاب: فدلَّ على أنَّ مخالفَ
أمر اللّهِ أو أمرِ رسولِهِ - قد(١٣) وُجِدَ - في حقه - ما يقتضي نزولَ العذابِ [به (١٤)].
فإنْ قِيلَ: لا نسَلَّمُ أنَّ تاركَ المأمورِ [بِ(١٥)] مخالفٌ للأمر.
قولُهُ: ((موافقةُ الأمرِ عبارةٌ: عن الإِتيانِ بمقتضاهُ)).
= الدليل. ط الخيرية .
(١) سقطت الزيادة من ص.
(٢) كذا في ص، ح، وهو الموافق لعبارة التفسير الكبير (٢٩٧/٦)، عبارة ن، ى، ل،
آ: ((يستحق العقاب)).
.(٣) راجع: الفقرة السابقة.
(٤) في ن، آ زيادة: ((أن)).
(٥) لم ترد الزيادة في ص، ح.
(٦) في ن، ى، ل: ((ورسوله)).
(٧) لم ترد هذه الزيادة في ل، ن.
(٨) هذه الزيادة من ص.
(٩) آخر الورقة (١٠٠) من ن.
(١٠) عبارة ص، ح: ((مستحق للعقاب)).
(١١) الآية (٦٣) من سورة (النور)). وراجع: التفسير الكبير (٢٩٧/٦ - ٢٩٨)، فإن
الإمام المصنف قد قرر هذا الدليل فيه بألفاظ ((المحصول)) ذاتها.
(١٢) سقط ما بين المعقوفتين من آ.
(١٣) لفظ ح: ((فقط)).
(١٤) هذه الزيادة من ص.
(١٥) لم ترد هذه الزيادة في ن.
- ٥٠ -
قلنا: لا نسلِّمُ أنَّ موافقةً(١) [الأمر] عبارةٌ عن الإتيانِ بمقتضاهُ، وما (٢) الدليلُ
علیه؟ ..
[ ثمَّ(٣)]: إنّا نفسِّرُ ((موافقةً الأمر)) [بـ(٤)] تفسيرين آخرين.
أحدهما: أنَّ موافقةً الأمر ((عبارةٌ: عن الإِتيانِ بما يقتضيِهِ الأمرُ على الوجهِ
الذي يقتضيه الأمرُ؛ فإنَّ الأمرَ لو اقتضاهُ على سبيلِ الندبِ، وأنتَ (٥) تأتِي بهِ
على [سبيل (٦)] الوجوب: كانَ هذا مخالفةً للأمر.
وثانيهما: أنَّ (موافقةَ الأمر» عبارةٌ: عن الاعترافِ بكونِ ذلكَ الأمر حقّاً
واجبَ القبولِ ، ومخالفَتْهُ [عبارة(٧)]: عن إنكارٍ كونِهِ(٨) حقّاً واجبَ القبولِ.
سلّمنا: أنَّ ما ذكرتُمْ (٩) يدلُّ على أنَّ مخالفةً الأمر عبارةً: عن تركِ مقتضاهُ،
لكن - ها هنا(١٠) - ما يدلُّ على أنّه ليسَ كذلكٌ.
فإنّه لو كانَ تركُ المأمورِ بِهِ [عبارةٌ عنْ (١١)] مخالفةِ الأمر (١٢) - لكانَ تركُ
((المندوب)) مخالفةً لأمرِ اللهِ - تعالى - وذلكَ باطلٌ؛ لأنَّ وصفَ الإِنسان بأنّهُ
مخالفٌ لأمرِ اللهِ - تعالى - اسمُ ذَمِّ: فلا يجوزُ(١٣) إطلاقُهُ على تارك المندوب.
سلمناً: أنَّ تاركَ المندوبِ مخالفٌ للأمرِ، فلِمَ قلتَ: إنَّ مخالفَ الأمر
مستحقٌّ للعقاب (١٤)؟.
أمَّا قولُهُ تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾(١٠) [الآية] (١٦).
(١) في آ: ((الموافقة))، ولم ترد لفظة ((الأمر فيها)).
(٢) كذا في ص، وهو الصحيح، ولفظ غيرها: ((وأما))، وهو تحريف.
(٣) سقطت الزيادة من آ.
(٤) لم ترد الباء في ن، ی، ل.
(٥) عبارة آ: ((وأن يأتي به))، وهو تصرف من الناسخ .
(٧) لم ترد الزيادة في ح.
(٦) سقطت هذه الزيادة من ن، آ، ل.
(٩) في غير ص: ((ذكرته)).
(٨) عبارة ص: ((الإنكار لكونه)).
(١١) هذه الزيادة من ح.
(١٠) في آ: «معنا).
(١٣) آخر الورقة (٧١) من ل.
(١٢) لفظ ن: ((الأمر)).
(١٤) كذا في ص، ح، وعبارة ن، ى، ل، آ: ((يستحق العقاب)).
(١٥) الآية (٦٣) من سورة (النور).
(١٦) هذه الزيادة من ن، ى، ح.
- ٥١ -
قلنا: (١) لا نسلِّمُ أنَّ هذِهِ الآيةَ دالَةٌ على أمرٍ منْ يكونُ مخالفاً للأمر:
بالحذرِ، بلْ هيّ دالّةٌ على (٢) الأمرِ بالحذرِ عن مخالفٍ (٣) الأمرِ (٤). فَلِمَ لا يجوزُ
أنْ تكونَ كذلك؟ .
سلّمنا ذلك، ولكنّها دالّةٌ على أنَّ المخالفَ عن الأمر: يلزمهُ(٥) الحذرُ ....
فلِمَّ قلتَ: إِنَّ مخالفَ الأمر يلزمُهُ الحذرُ؟ .
فإنْ قلتَ (٦): لفظُ (عَنْ)) صَلةٌ زائدةٌ.
قلت: الأصلُ فيّ الكلامِ [الاعتبارُ(٧)] لا سيَّما في كلام اللّهِ - تعالى -: (٨)
فلا يكونُ زائداً.
سلّمنا(١) دلالةَ الآية: على أنَّ مخالفَ الأمرِ مأمورٌ بالحذرِ عن العذاب(٢٠)
فِلِمْ قلتَ: يجب عليهِ(١٩) الحذرُ [عن العذاب (١٢)]؟.
أقصى ما في الياب [أنّه(١٣)]: وردَ الأمرُ بهِ، لكنْ لِمَّ قلتَ: إنَّ الأمرُ
للوجوب؟ فإن ذلك أول المسألةِ !!.
فإنَّ قلتَ: هَبْ أَنَّهُ لا يدلُّ على وجوب الحذرِ، لكنْ لا بدّ وأن يدلَّ على
حسنِ الحذرِ، وحسنُ الحذرِ: إنّما يكونُ بعدَ قِيَامِ المقتضِي لنزول.
العذاب(١٤) !!.
قلَتُ(١٥): لا نسلِّمُ أنَّ حسنَ الحذرِ مشروط بقيامِ ما يقتضي نزولّ (١٦)
(١) آخر الورقة (٦٧) من آ.
(٢) في ن، آ زيادة: ((أن)).
(٣) لفظ ن، ل: ((مخالفة)).
(٤) آخر الورقة (٦٨) من ح.
(٥) لفظ آ: ((تلزم)).
(٦) لفظ آ: ((قيل)).
(٧) سقطت هذه الزيادة من ن، ل، ص، وفي ح - بدلها - ((الحقيقة)) والمناسب ما
ذكرنا.
(٨) كذا في آ، وهو الملائم لما قبله، وفي النسخ الأخرى: ((أن لا)).
(٩) في ن، آ زیادة ((أن)).
(١٠) لفظ ص، ح: ((العذاب)).
(١٢) ساقط من ص.
(١١) في آ: (الحذر عليه)).
(١٣) لم ترد هذه الزيادة في آ، وكلمة ((ورد)) جاءت بلفظ: ((ورود)).
(١٥) لفظ ى: ((قلنا)).
(١٤) لفظ آ: ((العقاب)).
(١٦) عبارة ى: ((المقتضي لنزول العذاب)).
- ٥٢-
العذاب، بل الحذرُ يحسُنُ. عندَ (١) احتمالٍ نزول العذاب.
وعندنا: مجرّدُ الاحتمالِ قائمٌ؛ لأنَّ هذه المسألة اجتهاديَّةٌ، لا قطعيّةٌ سلّمْنَا
دلالةَ الآيةِ على قيام (٢) ما يقتضي نزولَ العذابِ، لكنْ لا فِي كلِّ أمرٍ، بلْ في
أمرٍ واحدٍ؛ لأن قولَهُ: ﴿عن أمرِهِ﴾ لا يفيدُ إلاّ أَمَراً واحداً.
وعندنا: أنَّ أمراً واحداً يفيذً الوجوبٌ، فلمّ قلت: إنَّ كلَّ أمرٍ (٣) كذلك؟ !.
[سلّمنّا أنَّ كلَّ أمرٍ كذلكَ(٤)]، لكنَّ الضميرَ في قولهِ: ﴿عَنْ أمرِهِ﴾،
يُحْتَمِلُ (٥) عودُهُ إلى اللهِ - تعالى -، وعودُهُ إلى رسولِهِ: فالآيةُ لا تدلُّ (٦) علَى أنَّ
الأمرَ للوجوب إلا في حقِّ أحدِهِمًا، فَلِمَ قلتَ: إنّه في حقِّ الآخرِ كذلكَ؟.
والجواب: قولُهُ: (لِم قلتَ: إنَّ موافقةَ الأمرِ عبارةً: عن الإِتيانِ
بمقتضاهُ)»؟.
قلنا: الدليلُ عليهِ: أنَّ العبدَ إذا امتثلَ أمرَ السيِّد حسُنَ أنْ يقالَ: هذا العبدُ
موافقٌ لِلسيّد، [وَ(٧)] يجري على وفقِ أمرِهِ(٨): ولَوْ لَمْ يمِنَّثِلْ أمرَهُ، يقالُ: إنّه ما
وافقَهُ، بل خالفَهُ؛ وحُسْنُ هذا الإِطلاق - من أهلِ اللّغةِ .. معلومٌ بالضرورةِ .
فثبتَ أنَّ(موافقةَ الأمر)» عبارةٌ: عن الإِتيانِ بمقتضاهُ.
قولُهُ: ((الموافقةُ عبارةً: عن [الإِتيانِ(٩) بِمَا] يقتضيهِ الأمرُ - على الوجهِ الّذي
يقتضيهِ [الأمرُ(١٠)])).
قلنا: لَمَّا(١) سلّمْتُمْ أنَّ موافقةَ الأمر لا تحصُلُ(١٢) إلَّ عندَ الإِتيانِ بمقتّضي
الأمر - فنقولُ: لا شكّ أنَّ مقتَضَى الأمر هو الفعلُ؛ [لأنَّ قولَهُ ((افْعَلْ)) لا يدلُّ
(١) في ص: ((باحتمال)) ..
(٣) آخر الورقة (١٠١) من ن.
(٥) لفظ ن: ((محتمل)).
(٢) لفظ ص، ح: ((وجود)).
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ح.
(٦) عبارة ص: ((فالآية لا تدل إلا على أن الأمر للوجوب في حق أحدهما)).
(٨) في ص زيادة: ((وقوله)).
(٧) لم ترد الواو في ن.
(٩) في آ وضع بدلا مما بين القوسين كلمة: ((عما)).
(١٠) لم ترد هذه الزيادة في ن.
(١٢) لفظ ل: ((يحصل)).
(١١) عبارة ن، ى، ل: ((قلت لم)).
- ٥٣ -
إلَّ على اقتضاء الفعل ، فإذا لمْ يوجَد الفعلُ: لمْ يوجد مقتضَى الأمرِ، وإذا لَمْ
يُوجدْ مقتضى الأمر(١)] لمْ تُوجَد(٢) الموافقةُ، وإذا لم توجدْ(٣) موافقةُ الأمر:
حصلتْ مخالفتُهُ؛ لأَنّهُ ليسَ بينَ الموافقةِ والمخالفةِ واسطةٌ .
قولُهُ: ((الموافقةُ عبارةً: عن اعتقادِ كونِ ذلكَ الأمرِ حقاً واجبَ القبولِ)).
قلنا: هذا لا يكونُ موافقةً للأمر، بلْ موافقةً للدليلَ (٤) الدالٌّ على أن ذلك.
الأمرَ حقٌّ ؛ فإنَّ موافقةَ الشيءِ عبارةٌ: عمّا يستلزمُ تقريرَ مقتضاهُ، فإذا دلَّ الدليلُ
على حقّةٍ(٥) الأمر، : كانَ الاعترافُ بحقِّيَّتِهِ(٦) مستلزماً تقريرَ [مقتضى(٧)] ذلك
الدليل .
أمّا الأمرُ - فَلَمَّا اقتضى دخولَ [ذلكَ(٨)] الفعل في الوجودِ - كانتْ موافقتُهُ.
عبارةً: عمّا تقرَّر(٩) دخولُهُ في الوجودِ، وإدخالُهُ(١٠) في الوجودِ يقرِّرُ(١١).
[دخولَهُ(١٢)] في الوجودِ [فكانتْ(١٣)] موافقةُ الأمر [عبارةٌ: عن فعل مقتضاه.
قوله: «لَوْ كانتْ مخالفةُ الأمر(١٤)] عبارة: عن ترك المأمور به - لكنّا إذا تركنا
المندوبَ فقد خالفنَا الأمرَ)).
قلنا: هذا الإِلزامُ (١٥) إنّما يصحُّ: لو كانَ المندوبُ مأموراً بِهِ؛ وإنّما يكونُ
المندوبُ مأموراً بهِ - لو ثبتَ أنَّ الأمرَ ليسَ للوجوبِ؛ وهذا عينُ المتنازع
[فيهِ( ١٠)].
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من آ.
(٢) لفظ ح: ((یوجد)» ..
(٣) لفظ ح: ((يوجد)).
(٤) في ل: ((الدليل)).
(٥) لفظ ح: ((حقيقة))، وهو تصحيف.
(٦) عبارة ل: ((بحقية الفعل)»، وهو تصرف من الناسخ .
.(٧) سقطت الزيادة من آ.
(٨) هذه الزيادة من ی.
(٩) لفظ ح: ((يقرر)).
(١٠) لفظ ن، أ: ((فادخاله)).
(١١) في ن: ((تقرير)).
(١٢) سقطت هذه الزيادة من ن ...
(١٣) سقطت هذه الزيادة من ن، ووضع بدلها: ((و).
(١٤) ما بين المعقوفتين ساقط من آ.
(١٥) لفظ أ: ((اللازم)).
(١٦) لم ترد هذه الزيادة في آ، ص، ح.
- ٥٤ -
قولهُ: ((لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ قولُهُ تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفونَ عنْ
أمرِهِ﴾ (١) أمرأ بالحذرِ عن المخالفِ (٢)، لا أمراً (٣) للمخالفِ بالحذرِ))؟.
قلنا: الدليلُ عليهِ وجوهُ:
أحدُهَا: أنَّ النحويّيْنَ اتَّقُوا على أنَّ تعلُّقَ الفعلِ بفاعِلِه أقوى من تعلُّقِهِ
بمفعوله؛ فلو جعلناهُ أمراً للمخالفِ بالحذرِ - [لـ(٤)] كُنَّا قد أسندنا الفعلَ إلى
الفاعلِ ، ولو جعلناهُ أمراً بالحذرِ عن المخالفِ [لـ(٥)] كُنّا قد أسندنَا الفعلَ إلى
المفعولِ (٦) فيكونُ الأوَّلُ أولى .
وثانيها: لو جعلناهُ أمراً بالحذرِ عن المخالفِ - لم يتعيّن المأمورُ [ به(٧)]
فإنْ قلتَ: (٨) المأمورُ [بهِ (٩)] - هو ما تقدَّمَ، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يَتْسَلَّلُونَ
مِنْكُمْ لِوَاذاً﴾(١٠).
قلت: المتسلِّلونَ منهم لواذاً - هم: الّذينَ خالفُوا، فلو أُمُرُوا بالحذرِ عن
المخالفِ - لكانُوا قد أُمُرُوا بالحذرِ عن أنفسِهِم: وهو لا يجوز.
وثالثُهَا: أنّا(١) لو جعلناهُ أمراً بالحذّرِ عن المخالفِ(١٢)، لصار (١٣) التقديرُ:
((فليحذرِ المتسلِّلُونَ لواذً(١٤) عن الّذينَ يخالفونَ أمرَهُ)؛ وحينئذٍ: يبقى قوله: ﴿أَنْ
تُصيبَهُمْ فِتنةٌ أَوْ يُصِيبَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(١٥) ضائعاً؛ لأنَّ الحذرَ ليسَ فعلًا يتعدّى
إلى مفعولينِ.
(١) الآية (٦٣) من سورة ((النّور)).
(٢) لفظ ل: ((المخالفة)).
(٣) في غير ص، ح: ((أمر)).
(٤) لم ترد اللام في ل، ص، ع.
(٦) في ن، ى، ل، آ: (مفعوله)).
(٨) آخر الورقة (٧٢) من ل.
(١٠) الآية (٦٣) من سورة ((النّور).
(١٢) لفظ ل: ((المخالفة)).
(١٤) آخر الورقة (١٠٢) من ن.
(٥) لم ترد اللام في غيراً.
(٧) سقطت هذه الزيادة من ح.
(٩) سقطت الزيادة من ص، ح.
(١١) في ص: ((ولأنا)).
(١٣) في ح: ((لكان)).
(١٥) الآية (٦٣) من سورة ((النّور).
- ٥٥ -
قوله: ((الآيةُ دالّةٌ على وجوب الحذرِ عمّن(١) خالفَ عن الأمرِ، لا عمّن
خالفَ (٢) الأمرَ)).
قلنا: قال النحاةُ (٣): كلمةُ (عَنْ) [للبعدِ و(٤)] المجاوزةِ؛ يقالُ: ((جلسَ عنْ
يمينِهِ)) - أي: متراخياً عن بدنِهِ(٥) في المكانِ الّذي بحيالٍ يمينِهِ، فلما كانت.
مخالفةُ [أمر (٦)] الله - تعالى - بعداً عن أمرِ اللهِ - تعالى -: لا جرمَ ذكرُهُ [بلفظ(٧)].
((عَنْ)).
قولُهُ: ((لِمَ قلتْ (٨): إنَّ قولَهُ(٩) تعالى: {فَلْيَحْذَرُ(١)]: يدلُّ على وجوب
الحذرِ عن العذابِ(١١)»؟.
قلنا: لا ندَّعِي وجوبَ الحذرِ [عن العقابِ (١٢)]، [و(١٣)] لكنّه لا أقلَّ مِنْ أنْ
يدلُّ على جوازِ الحذرِ، وجوازُ الحذرِ عن الشيءِ مشروطٌ بوجودٍ ما يقتضي
وقوعَه؛ لأنَّهُ لَوْلَمْ يُوجَد المقتضِي لوقوعِهِ - لكانَ (١٤) الحذر عنهُ حذراً عمّا لَمْ(١)
يُوجَدْ، [ولم يُوجَد(١٩)] المقتضي لوقوعِهِ. وذلكَ سفهُ وعبثٌ: فلا(١٧) يجوزُ ورودُ
الأمرِ بِهِ.
(١) عبارة ص: ((على من يخالف))، وعبارة ح: ((عن من يخالف).
(٢) لفظ ح: ((يخالف)).
(٣) في ص، ح: ((النحويون)). وراجع أقوالهم في مغني اللبيب (١٢٩/١)، وجواهر
الأدب (١٦٤) - وقال: هي حقيقة في ((المجاوزة)) مجاز في غيرها.
(٤) كذا في ص، ح، وعبارة ى: ((المجاوزة والبعد)) وعبارة ن، ل: ((للمجاوزة
والتعدي)»، ولم ترد الزيادة في آ.
(٥) كذا في ص، ح، ولفظ غيرهما: ((يديه)). ويمكن أن تكون في نحو هذا المثال اسماً
- بمعنى: ((جانب)). انظر جواهر الأدب ص (١٦٣).
(٦) سقطت الزيادة من ص.
(٨) آخر الورقة (٦٩) من ح.
(١٠) سقطت من ی، ).
(١٢) هذه الزيادة من ص.
(١٤) آخر الورقة (٤٦) من ى.
(١٦) سقطت هذه العبارة من ن.
(٧) لم ترد هذه الزيادة في آ، ح، ى.
(٩) في ح: ((قول الله).
(١١) في ل، ى، آ، ح: ((العقاب)).
(١٣) لم ترد ((الواو) في ص.
(١٥) لفظ ن: ((لا)).
(١٧) كذا في ص، وفي غيرها: ((ولا)).
- ٠٥٦
قوله: ((دلّت الآيةُ على أنَّ مخالفَ أمر(١) اللهِ يستحقُّ(٢) العقابَ، أو علَى
أنَّ مخالفَ كلِّ أمرٍ يستحقُّ (٣) العقابَ؟.
قلنا: [دلّتْ(٤)] على الثاني لوجوهٍ:
الأوّل(٥): أنّه يجوزُ استثناءُ كلِّ واحدٍ من أنواع المخالفاتِ(٦) - نحوُ أنْ
يقولَ: ((فليحذرِ الّذينَ يخالفونَ عن أمرِهِ إلاّ مخالفةً [الأمر(٧)] الفلانيِّ،
والاستثناءُ يُخرِجُ من الكلام ما لولاهُ - لدخلَ {فِيهِ] (٨) وذلك يفيد (٩) العموم.
الثاني: أنّه تعالى رتّبَ استحقاقَ العقابِ على مخالفةِ الأمرِ، وترتيبُ
الحكم على الوصفِ مشعرٌ بالعِلّةِ.
الثالث: [أنّه(١٠)] لَمَا ثبتَ أنَّ مخالفَ الأمر في بعض الصورِ يستحقُّ (١)
العقابَ - فنقول: إنّما استحقَّ(١٢) العقابَ؛ لأنَّ مخالفة الأمر تقتضِي عدم المبالاةِ
بالأمر؛ وذلكَ يناسبُهُ(١٣) الزجرُ؛ {و(١٤)] هذا المعنى قائمٌ في كلُّ المخالفاتِ:
فوجبَ ترثُّبُ (١٥) العقاب على الكلِّ.
قولُهُ: ((هَبْ أنَّ أمرَ اللهِ، أو أمرَ رسولِهِ للوجوب - فلِمَ قلتُمْ ١٧ :: إنَّ [أَمَرَ(١٧)]
الآخر كذلِكَ؟ .
قلنا: لأنَّهُ(١٨) لا قائلَ بالفرقِ(١٩).
(١) في ص، ح: ((الأمر)).
(٢) عبارة ص، ل، ن: ((مستحق للعقاب)).
(٣) عبارة ى: ((أن كل مخالف أمر مستحق للعقاب))، وهو تصرف من الناسخ.
(٤) هذه الزيادة من ص.
(٥) لفظ آ: ((أحدها)).
(٦) لفظ ل: ((المخالف)).
(٧) سقطت الزيادة من ص.
(٩) عبارة ن: ((ذلك في العموم)).
(١٢) في ل، آ، ص: ((يستحق)).
(١١) لفظ ن: ((مستحق)).
(١٣) في ی، ص، ل: ((يناسب)).
(١٥) في غير ص، ح: ((ترتيب)).
(١٨) في ل، ن: ((لأن)).
(١٧) سقطت هذه الزيادة من غير ل.
(٨) هذه الزيادة من أ.
(١٠) لم ترد هذه الزيادة في غير ص.
(١٤) سقطت الواو من ن.
(١٦) لفظ آ، ص: ((قلت)).
(١٩) قلت: هذا الدليل تمسك به أبو الحسين في المعتمد (٦٨/١ - ٧١). وارتضاه وقد
هذّبه الإِمام المصنف، وقرره بالشكل الذي رأيت، ورتب الأسئلة والأجوبة المتعلقة به.
- ٥٧ -
:
الدليل الخامس: تاركُ المأمورِ بهِ عاصٍ، وكلُّ عاصٍ (١)(٢) يستحقُّ
العقابَ: فتاركُ المأمورِ [به(٣)] يستحقُّ العقابَ؛ ولا معنى للوجوب إلا ذلك.
بيانُ الأوَّلِ: قوله(٤) تعالى: ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرَأْ﴾(٥)، ﴿أَفْعَصَيْتَ
أَمْرِي﴾ (٦)، ﴿لَا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمْرَهُمْ﴾(٧).
بيان الثاني: قوله (٨) تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّه ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حِدُودَهُ، يُدخِلْهُ
ناراً خالِداً فِيهَا﴾(٩).
فإنْ قِيلَ (١٠): لا نسلِّمُ أنَّ تاركِ المأمورِ [بِهِ(١)] عاصٍ، وبيانُهُ من وجوهِ:
الأوَّل: قوله تعالى: ﴿لَا يَعصُونَ اللَّه مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾(١٢)، فلو
كانَ العصيانُ عبارةً: عن تركِ المأمورِ بِهِ - لكانَ [معنَى(١٣)] قولِهِ: ﴿لَا يَعْصُونَ
اللّه ما أُمَرَهُمْ﴾ أنّهم يفعلون ما يؤمرون(١٤) به. فكان قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرونَ ﴾
تكراراً(١٥)
الثاني: أجمعَ المسلمونَ على أنَّ الأمرَ قد يكونُ أمر إيجابٍ(١٦)، وقد يكونُ
[ أمر( ١٧)] استحبابٍ(١٨)، وتاركُ المندوب غيرُ عاصٍ، وإلاّ - لاستحقَّ (١٩) النارَ؛ لما
ذكرتُموهُ(٢٠): فعلمنا أنَّ المعصيةَ ليستْ عبارةُ عن تركِ المأمورِ [بهِ(٢١)].
(١) عبارة ى: ((والعاصي يستحق).
(٢) آخر الورقة (٢٨) من ص.
(٤) لفظ ن: ((بقوله))، وفي ح: ((لقوله)).
(٦) الآية (٩٣) من سورة ((طه)).
(٨) في ن: ((بقوله)):
(١٠) لفظ ل، ن: ((قلت)).
(١٢) الآية (٦) من سورة ((التحريم)).
(١٤) كذا في ح، ولفظ ن، ى، ل، آ: «ما أمروا، وفي ص: ((ما أمرهم)).
(١٥) كذا في ص، ج، ولفظ غيرهما: ((تكرير)).
(١٦) لفظ ل: ((ندب).
(١٨) لفظ ل: ((إيجاب)).
(٢٠) لفظ ح: ((سلمتموه)).
(٣) لم ترد الزيادة في ص.
(٥) الآية (٦٩) من سورة ((الكهف)) ..
(٧) الآية (٦) من سورة ((التجريم)).
(٩) الآية (١٤) من سورة (النساء)).
(١١) لم ترد هذه الزيادة في ص.
(١٣) سقطت هذه الزيادة من غير ص.
(١٧) سقطت هذه الزيادة من ن .
(١٩) في آ، ن زيادة «التارك)).
(٢١) لم ترد هذه الزيادة في ص.
- ٥٨ -
سلّمنا أنَّ المعصيةَ عبارةٌ عن تركِ المأمورِ بِهِ، لكنْ(١): إذا كانَ الأمرُ (٢) أمرٌ
إيجاب أو مطلقاً؟ .
[الأول: مسلّمٌ، والثاني: ممنوعٌ (٣)].
بيانُهُ: أنَّ(٤) قولَهُ تعالى: ﴿لَ يَعْصُونَ اللّه ما أُمَرَهُمْ﴾، حكايةُ حالٍ؛
فيكفي في تحقيقها(٥) تنزيلُها على صورةٍ واحدةٍ. فلعلَّ ذلكَ الأمرَ كانَ أمرَ (٦)
إيجابٍ: فَلا جرمَ كانَ تركُهُ معصيةً .
سلّمنا أنَّ تاركَ المأمور بهِ عاصٍ [مطلقاً(٧)] - فَلِمَ قلتَ: [إنَّ(٨)] العاصِيَ،
يستحقُّ العقابَ، والآيةُ المذكورةُ مختصّةٌ بالكفّارِ، لقرينةِ الخلودِ؟ .
[و(١)] الجوابُ: [قد(١٠)] بيّنا: أنَّ تاركَ المأمورِ [بهِ(١)] عاصٍ .
قولُهُ: ((لو كانَ كذلكَ - [لـ(١٢)] - كانَ قولُهُ -: ﴿وَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ -
تكراراً))(١٣).
:
قلنا: لا نسلِّمُ، بلْ معنى الآيةِ - والله أعلم -: ﴿لَا يَعصُونَ اللَّهِ ما
أَمَرَهُمْ ﴾ [ بهِ(١٤)] في الماضِي، ﴿ وَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ به في المستقبل.
قولُهُ: ((الأمرُ قد يكونُ أمر استحباب)».
قلنا: لا نسلّمُ كونَ ((المستحبِّ)» مأمُوراً به حقيقةً، بلْ مجازاً؛ لأنَّ
(١) في ى: ((ولكن)).
(٢) آخر الورقة (١٠٣) من ن .
(٣) كذا في ل، وفي غيرها: ((م، ع)).
(٤) كذا في ص، وهو المناسب، وفي غيرها: ((أنه))، وهو تصحيف.
(٥) لفظ ح: ((تحققها)).
(٦) عبارة ن: ((كان إيجابا)) من غير لفظة (أمر) وعبارة ل: ((أمر إيجاب)) بحذف لفظ
«کان)) .
(٧) سقطت هذه الزيادة من ن.
(٩) لم ترد الواو في ل، ح، آ.
(١١) لم ترد الزيادة في ح.
(١٣) لفظ آ: ((تكرير)).
(٨) هذه الزيادة من آ.
(١٠) هذه الزيادة من ل.
(١٢) سقطت من ن.
(١٤) هذه الزيادة من ص.
- ٥٩ -
الاستحباب لازمٌ للوجوب (١)، وإطلاقُ اسمِ السببِ على المسبّب جائزٌ.
فإنْ قلتَ: ليسَ الحكمُ بـ [كونِ(٢)] هذهِ الصيغةِ للوجوب - محافظةً على
عمومٍ قولهِ: ﴿وَمَنْ يَعصِ اللّه ورسُولُهُ﴾ (٣) (٤) أولى من القول بأنَّ المستحبُّ
مأمورٌ بِهِ: محافظةٌ على صَيغِ الأوامرِ الواردةِ في المندوباتِ .
قلتُ: أَبَلْ(٥)] ما ذكرناهُ أولى؛ للاحتياطِ(٦)، ولأنّا لو حملناهُ على
الوجوب. [لَ (٧)]-كانَ أصلُ الترجيحِ داخلاً فيهِ؛ فيكونُ لازماً للمسمَّى :
فيجوزُ جعَلُهُ مجازاً في أصل الترجيح .
أمَّا لو جعلنَهُ لأصلِ الترجيح - لم يكن الوجوبُ لازماً [له(٨)]: فلا(٩) يمكن
جعلُهُ مجازاً عن الوجوب: فكانَ الأوَّلُ أولى .
قولُهُ: «هذهِ الآيُ حکایةُ حالٍ)).
قلنا: الله - تعالى - رتّبَ اسمَ المعصيةِ على مخالفةِ الأمرِ - فيكونُ المقتضِي
لاستحقاقِ [هذا الاسم (١٠)] هذا المعنى: فيعُمُّ الاسمُ لعمومٍ ما يقتضي(١١).
استحقاقه .
قولُهُ: ((الآيةُ مختصَّةٌ بالكفارِ بقرينةِ الخلودِ)).
قلنا الخلودُ - هوَ: المكثُ الطويلُ(١٢) [٧(١٣)] الدائمُ. واللّه أعلّمُ.
واعلم: أنَّ(١٤) هذا الدليلَ قد يُقرَّرُ(١٥) على(١٤) وجهٍ آخر - فيقالُ :.
إنّما قلنا: إنَّ تاركَ المأمورِ بهِ عاصٍ؛ لأنَّ بناءً لفظةِ العصيانِ على
(١) كذا في ص، ح، وفي غيرهما: ((الوجوب)). (٢) لم ترد هذه الزيادة في غير ل.
(٤) آخر الورقة (٧٣) من ل.
(٣) الآية (١٤) من سورة ((النّساء)).
(٥) سقطت هذه الزيادة من ص.
(٧) لم ترد الزيادة في ص.
(٩) لفظ ص: ((فلم)).
(١١) لفظ ص: ((يقتضيه)).
(١٢) راجع: الاشتقاق (٥٦)، (١٦٢)، والمصباح (٢٧٣/١) ..
(١٣) سقطت هذه الزيادة من ص.
(١٥) لفظ أ: ((تقرر)).
(٦) في آ: ((بالاحتياط)).
(٨) سقطت هذه الزيادة من ص.
(١٠) ساقط من ن.
(١٤) آخر الورقة (٦٩) من آ.
(١٦) أبدلت في ل بـ «من)).
- ٦٠ -