النص المفهرس

صفحات 21-40

المحالِ مع العلم بكوبِهِ محالاً، فلِمَ لا تجوزْ(١) إرادتُهُ مع العلمِ (٢) بكونه
محالاً؟ .
والجوابُ(٣): قوله: ((الأمرُ بالشيءٍ: عبارةٌ عن الإخبارِ(٤) [عنْ] إرادةِ عقاب
تارکه)».
قلتُ: لو كانَ كذلكَ - لتطَرَّقَ التصديقُ والتكذيبُ إلى قوله: ((آمِنُوا))؛ لأنَّ
الخبرَ من شأنِهِ (٥) قبولُ ذلكَ؛ ولأنَّ سقوطَ العقاب جائزٌ؛ أمّا عندنا: فبالعفو،
وأمّا عندهم(٦): ففي الصغائرِ قبلَ التوبةِ، وفي الكبائرِ بعدَهَا. ولو تحقّقَ الخَبرُ
عنْ وقوعِ العقابِ (٧): لمّا جازّ ذلكَ.
قولُهُ: ((لِم عَلَتْ: إِنَّ إرادةَ المحال ممتنعةٌ))؟ !.
قلنا: هذا متّفقٌ عليهِ بينَنَا وبينَكُم.
وأيضاً: فلأنَّ الإِرادةَ صفةٌ من شأنِهَا ترجيحُ أحدٍ طرفَي الجائزِ على الآخرِ،
وذلكَ في المال (٨) مجالٌ، والعلمُ بهِ ضروريُّ.
وثانيها(١ :: أنَّ الرجلَ قد يقولُ لغيرِهِ: (([إِنِّي(١)] أريدُ منكَ هذا الفعلَ،
[لكنّني(١١)] لا "ُركَ بِهِ» ولو كانَ الأمرُ هو الإِرادة: لكانَ قولُه: («أريدُ منكَ
الفعلَ، ولا آمُركَ به)) - جارياً مجرَى أن يقال: ((أريدُ منكَ(١٢) الفعلَ، ولا أريدُهُ(١٣)
منكَ؛ وقوله: آمرُكَ بهذا الفعلِ، [ولا آمُرُكَ بِهِ(١٤])) ومعلومٌ أنَّ ذلكَ صریحُ
(٢) آخر الورقة (٩٣) من ن.
(١) لفظ ح: ((يجوز).
(٣) في ص زيادة كلمة (عن)).
(٤) عبارة ص: ((أخبار أراد به عقاب تاركه)) ولفظ ((تاركه)) في غير ص: ((تركه)).
(٦) لفظ ن، ى، ل، آ، ح: ((عندكم).
(٥) آخر الورقة (٦٢) من آ.
(٧) صحفت في ل إلى: ((الخطاب)).
(٨) لفظ ل: ((الحال))، وهو تحريف.
(٩) أي: ثاني الوجهين اللذين استدلّ المصنّفُ بهما على أنَّ ماهية الطلب غير الإِرادة.
(١١) سقطت الزيادة من آ.
(١٠) لم ترد الزيادة في ی . .
(١٢) عبارة ص: ((الفعل منك)).
(١٤) ساقط من أ.
(١٣) عبارة ى: ((ولا أريد منك الفعل)).
- ٢١ -

التناقض ، دونَ الأوَّلِ .
وثالثها: أن الحكيمَ (١) قَدْ يأمرُ عبدَهُ بشيءٍ (٢) في الشاهدِ، ولا يريدُ منهُ أنْ
يأتيَّ بالمأمُورِ بِهِ، لإظهارِ تمرُّدِهِ وسوء أدبِهِ .
فإنْ قلتَّ: ذلك(٣) لَيسَ بأمرٍ، وإنّما (٤) تصوَّرَ بصورته !!.
قلتُ(٥): التجربةُ إنّما تحصلُ بالأمر، فدلَّ على أنّه أمرً(١).
ورابعُهَا: أنَّه (٧) سيظهرُ - إن شاءَ الله تعالى - [في بابِ النسخ](٨)، أَنّهُ
يجوزُ نسخُ [ما وَجَبَ من الفعلِ(٩)] قبلَ مضيٍّ مدَّةِ الامتثالِ. فلو كانَ الأمرُ.
والنهيُّ عبارتينِ عن الإِرادةِ والكراهةِ: لزمَ أنْ يكونَ الله - تعالى - مريداً كارهاً.
للفعلِ الواحدِ، في الوقتِ الواحدِ، من الوجه الواحدِ؛ وذلكَ باطلٌ بالاتّفاقِ.
[و(١٠)] احتجَّ الخصمُ بوجهين:
الأوَّلُ: أنَّ صيغةُ ((افْعَلْ))(١) موضوعةٌ لطلب الفعل، وهذا الطلبُ: إمَّا.
الإِرادةُ، أو غيرُها؛ والثانِي باطلٌ؛ لأنَّ الطلبَ الَّذِي يغايرُ(١) الإِرادةَ: لو صحّ
القولُ به - لكانَ أمراً خفيّاً لا يطّلعُ عليهِ إلا الأذكياءُ، لكنَّ العقلاءَ - من أهل
اللُّغةِ » وضعُوا (١٣) هذِهِ اللفظةَ للطلب الّذي يعرفُهُ(١٤) كلُّ واحدٍ (١)، وما ذاكَ إلَّ
الإِرادة. فعلمنا أنَّ هذِهِ الصيغةَ موضوعةٌ للإِرادةِ.
الثاني: أنَّ إرادةً المأمورِ بهِ لَوْ لَمْ تكنْ معتبرةً في الأمرِ - لصحّ الأمر
بالماضي ، والواجب، والممتنعِ: قياساً على الخبر، فإنَّ إرادةَ المخبر عنهُ - لمّا
(١) آخر الورقة (٦٣) من ح.
(٣) لفظ ن، ى، ل، ح: ((ذاك)).
(٥) لفظ ص: ((قلنا).
(٧) عبارة ح: ((أنا سنظهر)).
(٩) ساقط من آ.
(١١) لفظ ص: ((الفعل))، وهو تصحيف.
(١٣) آخر الورقة (٤٢) من ی.
(١٥) لفظ ح: ((وأحمد)).
(٢) في ص: ((بالشيء)).
(٤) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((أن)».
(٦) في ل: «أمره)).
(٨) ساقط من ص.
(١٠) هذه الزيادة من ص، ح.
(١٢) لفظ ص: «تغايره)).
(١٤) لفظ ن: ((یدرکه)).
- ٢٢ -

لم تكنْ معتبرةً في الخبر: صحَّ تعلُّق الخبر بكلِّ هذه الأشياءِ.
والجوابُ (١) عن الأوَّلِ: لا نسلِّمُ أنَّ الطلبَ النفسانِيَّ الّذي يغايرُ(٢) الإِرادةَ
غيرُ معلومٍ للعقلاء؛ فإنّهِمْ قدْ يأمرونَ بالشيءٍ، ولا يريدونَهُ: كالسيِّدِ الّذي يأمرُ
عبدَهُ بشيءٍ ولا يريدُهُ، ليمهِّد (٣) عذرَهُ عندَ السلطانِ .
وعن الثاني: أنّهُ لا بدَّ من ((الجامعِ))، وعلى أنَّ القائلَ بتكليفِ مالا يطاقُ
يُجوّزُهُ. والله أعلمُ.
المسأَلَةُ الثانيةُ: أنَّ هذا الطلبَ (٤) معنىٍّ يقتضِي ترجيحَ جانبِ الفعل على
جانب التركِ (٥)، أو جانبَ التركِ على جانب الفعل (٦).
وعلى التقديرين: فالترجيحُ قد يكونُ مانعاً من الطرفِ الآخرِ: كما في
((الوجوب والحظر))، وقد (٧) لا يكونُ: كما في ((الندب والكراهة)).
والتفاوتُ (٨) بين أصلِ الترجيحِ وبينَ(٩) الترجيح (١) المانعِ من النقيض،
تفاوتٌ بالعمومِ والخصوص .
وأيضاً: فهنا(١) لفظُ دالٌّ على أصلِ الترجيح، ولفظً دال على الترجيحِ
المانعِ من النقيضِ .
[وعلى التقديرين: فالمعتبرُ إمّا اللّفظُ الدالُّ عليهِ - كيفَ كانَ اللّفظُ، وإمّا
اللّفظةُ العربيّةُ.
(١) آخر الورقة (٦٦) من ل.
(٢) لفظ آ، ل: ((تغايره)).
(٣) لفظ آ: ((لتمهيد))، وفي ص، ح: ((ليتمهد)). (٤) المراد به: الطلب النفساني.
(٦) وذلك إذا تعلق بعدمه .
(٥) أي إذا تعلق بوجوده.
(٧) كذا في جميع الأصول، وحرفُ ((قد)) مختصٍّ بالفعلِ المتصرّف الخبريّ المثبت
المجرّد من جازم وناصب وحرف تنفيس، وهي معه كالجزء فلا تفصل منه بشيء اللّهم إلا
بالقسم. فلعل النسّاخ أضافوها سهواً أو تساهلاً. انظر: مغني اللبيب (١٣٦/١) مع حاشية
الأمير ط. الأزهرية (١٣١٧).
(٨) لفظ ل، ى: ((فالتفاوت)).
(٩) آخر الورقة(٩٤) من ن .
(١١) لفظ ح، آ: ((فهاهنا)).
(١٠) عبارة ح: ((وبين لفظ دال على الترجيح)).
- ٢٣ -

فها هنا أقسامٌ ستةً :
أحدُها: أصل الترجيح، وثانيها: الترجيحُ المانعُ من النقيض(١)].
وثالثُها ورابعُها: مطلقُ اللّفظِ الدالِّ على الأوَّلِ أو الثاني(٢).
وخامسُها وسادسُها: اللّفظةُ العربيّةُ الدالّةُ على الأوَّلِ أو (٣) الثاني.
ثم أنت بالخيارِ في إطلاق لفظٍ ((الأمر)) على أيُّها شئتَ، أو عليها بأسرِهَا،
أو على طائفةٍ منها - بحسب الاشتراكِ .
فهذا حظّ البحثِ العقليِّ (٤).
[و(٥)] أمّا البحثُ اللُّغويُّ - فهو أنْ نقولَ:
جعلُ الأمر اسماً للصيغةِ الدالّةِ على الترجيحِ - أولى من جعلِهِ (٦) اسماً
النفس الترجيح (٧)؛ ويدلُّ عليهِ(٨) وجوهُ:
أحدُها (١): أنَّ أهلَّ اللُّغةِ قالُوا: الأمرُ من الضربِ: ((اضْرِبْ))، ومنَ النصرِ:
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، وقوله: ((وأما اللّفظة العربية)) في ل، ى، ص، ح:
(((أو اللفظة العربية))، ولفظ ((أحدها)) أبدلت في ن بلفظ ((في))، ولفظ ((وثانيهما)) في ص:
((والثاني)).
(٢) في آ: ((والثاني)).
(٣) في ى: ((والثاني)).
(٤) يريد الإِمام المصنف أنَّ العقل يجوِّز إطلاق لفظ الأمر على أي قسم من الأقسام
السنة أو على جملة منها، ولا مانع من ذلك عقلاً أصلاً.
(٥) هذه الزيادة من ل.
(٦) كذا في ل، وهو الأنسب، ولفظ غيرها: ((جعلها)).
(٧) في كون الأمر اسماً للصيغة الدالة على الطلب، أو اسماً للمعنى القائم بالنفس
خلاف بين العلماء. وقد اختار المصنف جعل لفظ ((الأمر)) اسماً للصيغة الدالة على الترجيح.
دون معناه المدلول عليه بالصيغة، والأقوال في هذه المسألة ثلاثة، نقلها الأبياري في شرح
البرهان - الأول: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى. والثاني : أنه حقيقة في اللفظ مجاز في
المعنى. والثالث: عكسه. وهذا عند الأشاعرة. أما المعتزلة ومن وافقهم - فلا يرون الكلام.
إلّ اللفظ، إذ لا يقولون بكلام النفس. راجع: الكاشف (٢٥١/١-آ).
(٨) في ن: ((على ذلك)).
(٩) لفظ ص: ((الأول)).
- ٢٤ -

(انْصُرْ))، جعلوا نفسَ الصيغةِ أمراً.
وثانيها: لو قالَ: ((إنْ أمرتُ فلاناً فعبدِي حرِّ»، ثمَّ أشارَ بما يُفهَمُ منهُ مدلولُ
هذه الصيغةِ - فإنّه لا يعتِقُ(١)، ولو كانَ حقيقةُ الأمرِ (٢) ما ذكرتُمْ: لزمَ
العتقُ(٣) ... ولا يعارضُ هذا الحكمُ (٤) بما إذا خرسَ وأشارَ: [فإنّهُ(٥)] يعتِقُ،
لأنّا نمنعُ(٢) هذِهِ المسألةً.
وثالثُها: أنّا لو جعلناهُ حقيقةً في الصيغةِ - كان مجازاً في المدلول: تسميةٌ
للمدلولِ باسمِ الدليل ، ولو جعلناهُ حقيقةٌ في المدلول (٧) - كان مجازاً في
الدليل: تسميةً للدليل باسم المدلول ؛ والأوَّلُ أولَى؛ لأنّه يلزمُ من فهمِ الدليلِ
فهمُ المدلولِ ، أمّا (٨) لا يلزمُ من فهمِ المدلولِ فهمُ الدليلِ، بل فهمُ دليلٍ.
معيّنٍ.
ورابعُهَا: أنَّ الإِنسانَ الّذِي قامَ بقلبِهِ ذلكَ المعنَى ولم ينطقْ بشيءٍ، لا
يقالُ: إنّهُ أُمَرَ - ألبتّة - بشيءٍ (٩).
وإذا (١) قيلَ (١١): أمرَ فلانٌ بكذا - تبادَر ١، الذَّهنُ إلى اللّفظِ دونَ [مافِي(١١]
(١) كذا في ن، وهو الصواب، وفي ل، ى، آ، ص، ح: ((لا يحنث)).
(٢) في آزيادة: ((على)).
(٣) لفظ ص: ((الحكم)).
(٤) آخر الورقة (٢٦) من ص.
(٥) هذه الزيادة من ل، ى.
(٦) عبارة ص: ((فإنا نمنع من هذه المسألة)). ومراده: أننا نمنع حكم هذه المسألة في
حق الأخرس، ونقول: إنه لا يعتق أيضاً. انظر الكاشف (٢٥١/١ -ب).
(٧) في آعكس ما ذكر فجعل لفظ ((الدليل)) بدل ((المدلول)) و((المدلول)) بدل (الدليل)).
(٨) كذا في جميع الأصول، وكان الأولى التعبير بـ ((ولا يلزم))، و(أمّا)) - هنا - بمعنى
(لكن)، أو لعل الأصل: ((كما)).
(٩) كذا في ن، ى، ل، آ. وعبارة ص: ((يقال له: لم يأمر بشيء ألبتة))، وعبارة ح نحوها
غير أنه استبدل ((له)) بلفظ: ((أنه)).
(١٠) في ل، ى: ((فإذا)).
(١١) لفظ ح: ((نقل)).
(١٣) سقطت الزيادة من ص.
(١٢) لفظ ص: ((يتبادر)).
- ٢٥ -

القلب؛ وذلك يدلُّ: على أنَّ لَفظَ الأمرِ اسمٌ للصيغةِ، [لا للمدلول (١)].
احتجَّ المخالفُ بالآيةِ، والأثر (٢)، والشعر، والمعقولِ .
أمّا الآيةُ - فقولُهُ تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ
وَاللهُ يَعلَمُ (٣) إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يشهَدُ إِنَّ المُنافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾(٤).
الله (٥) - تعالى - كذَّبَهم في شهادتِهِم، ومعلومٌ أنّهم كانُوا صادقينَ في النطقِ
اللُّسانيِّ فلا بدَّ من إثباتِ كلامٍ [في(٦)] النفسِ، ليكونَ الكذبُ عائداً (٧) إليهِ.
[و (٨)] أمّا الأثرُ - فقولُ عمر بن الخطّابِ - رضي الله عنه -: ((زَوَّرْتُ في نفسي
كلاماً، فسَبَقِي إليهِ أبو بَكْرٍ (٩))(١٠).
(١) هذه الزيادة من ص.
(٢) لفظ ن، ل، آ: ((الخبر).
(٤) الآية (١) من سورة ((المنافقون)).
(٥) كذا في جميع الأصول، وكان الأنسب التعبير بـ ((فالله)).
(٦) لم ترد الزيادة في ن، آ.
(٧) لفظ ص: ((عاديا))، وهو تصحيف.
(٩) آخر الورقة (٦٤) من خ.
:
(٨) هذه الزيادة من آ، ح.
(١٠) قد قاله يوم السقيفة. وذكره ابن الأثير في النهاية (١٣٤/٢) بلفظ: ((كنت زوَّرْتُ في
نفسي مقالة)، أي: هيأت وأصلحت. ووالتزويره: إصلاح الشيء. ويقال: «كلام مزوَّره أي:
محَّن:
وقد ورد في اللسان (٤٢٥/٥) ط بولاق، بلفظ: ((ما زورت كلاماً يوم سقيفة بني
ساعدة» .
قال في اللسان - بعد أن ذكر تفسير ابن الأثير المتقدم -: قال نصر بن سيار :.
أبلغ أميرَ المؤمنينَ رسالةٌ تزوَرْتُها من محكماتِ الرسائل
ثم قال في ص (٤٢٦): و(التزوير)): تزيين الكذب، والتزوير: إصلاح الشيء. وسمع
ابن الأعرابي یقول: كل إصلاح من خير أو شر فهو تزوير. ومنه شاهد الزور: يزور كلاماً، وقد
ذكر الزبيدي في التاج (٣٤٧/٣) اللفظ الأول الوارد في اللسان، وانظر الكامل (٢٢٢/٢)
ط. المنيريّة،وسيرة ابن هشام (٦٥٩/٢) ط. الحلبي تجد فیھا حدیث السقيفة کاملاً وفیه أثر
سیدنا عمر رضي الله عنه - هذا.
- ٢٦ -
(٣) آخر الورقة (٦٣) من آ.

وأمَّ الشِّعْرُ - فقولُ الأخطل (١):
جُعِلَ اللَّسانُ على القُؤادِ دَليلا(٢)
إِنَّ الكلامَ لَفِي الْفُؤادِ وإِنَّمَا .
وأمَّا المعقولُ(٣) - فهوَ: أَنَّ هذهِ الألفاظَ مفرداتٌ(٤)، فلْو سُمِّيتْ كلاماً -
لكانت(٥) إنّما سُمِّيَتْ بذلكَ لكونِهَا(٦) معرِّفاتٍ للمعنى النفسانيُّ - فكان يجبُ
تسميةُ الكتابةِ، والإِشارةِ كلاماً. وأنّهُ باطلٌ.
والجوابُ عن الأوَّل: أنَّ الشهادةَ هِيَ : الإِخبارُ عن الشيءِ مع العلمِ بهِ.
فلما لم يكونُوا عالمينَ بِهِ: فلا جرمَ (٧) كَذَّبَهُم الله - تعالى - في ادِّعَائِهِمْ (٨) كونَهُمْ
شاهدين .
وعن الثَّاني: [أنَّ(٩)] قولَهُ: ((زَوَّرْتُ فِي نَفسِي كلاماً)) - أي: خَمّرتُهُ(١٠)، كما
يقالُ: قدَّرْتُ(١١) في نفسِي داراً وبناءً:١٢).
(١) هو: غياث بن غوث التغلبيُّ، ويكنى أبا مالك. راجع: الشعر والشعراء (٤٨٣/١)
والموشح للمرزبانىّ (١٣٢)، ومقدمة ديوانه لأنطوان صالحاني ط. اليسوعية بيروت.
(٢) لا وجود للبيت في ديوانه، كما لا وجود له في تكملة الديوان. وقد ورد البيت منسوباً
إليه بهذا اللفظ في شرح شذور الذهب (٢٨)، وتفسير الإمام المصنف (١ /١٥) ط بولاق.
وورد البيت من غير ما عزو له في تفسير النيسابوري (٢٧/١)، والرسالة العذراء (٢٤٨)،
وشرح المفصل (٢١/١)، والمصباح المنير (٧٤١/٢).
وجاء معزواً إليه كذلك فى الموشَّى (٨) غير أنه فيه (من الفؤاد) بدلا من (لفي الفؤاد)
وجاء بالرواية هذه من غير ما عزوله في البيان والتبيين (٢١٨/١).
(٣) لفظ ص: ((العقل)).
(٤) كذا في ن، ى، ل، وهو الصواب، ولفظ آ، ص، ح: ((معرفات)).
(٥) لفظ ل: (((كان))، ولفظ ن: ((لما»، وهو تحريف.
(٦) لفظ ص: ((لكونه)».
(٧) في غيرآً: ((لا جرم)).
(٨) كذا في ص، ولفظ ما عداها: «ادعاء)».
(٩) هذه الزيادة من ح.
(١٠) كذا في جميع الأصول، و«خمّر الرجلُ شهادتهُ)؛ بمعنى كتمها. على ما في المصباح
مادة ((خمّر))، وفي الكاشف: ((خمّنْتُه))، والأنسب ما أثبتنا (٢٤٨/١).
(١١) كذا في ل، ى، ص، ح، وفي ن، ا: ((قد زورت))، وهو سهو من الناسخين.
(١٢) لفظ ص: ((وبناها)).
- ٢٧ -

وعن الثالث: أنّ لا نسلِّم كونَ الشعر عربيّاً محضاً، ولو سلّمناهُ (١) فمعناهُ:
أنَّ المقصودَ من الكلامِ ما حصلَ(٢) في القلبِ.
وعن الرابع: أنَّه قيَاسُ في اللُّغَةِ: فلا يقبَلَ.
فرعٌ: الأمرُ: اسمُ لمطلقِ اللّفظِ الدالَّ على [مطلق(٣)] الطلب، أو اللفظِ
العربيّ الدالِّ على [مطلق(٤)] الطلبِ (٥)؟ .
والحق: هو الأوَّلُ؛ لأنَّ الفارسيَّ إذا طلبَ من عبدِهِ (٦) شيئاً بلغتِهِ - فإنَّ
العربيَّ يسمِّيه أمراً؛ ولو حلفَ لا يأمرُ فأمرَ بالفارسيّةِ: يحنثُ في يمينِهِ(٧).
وأمّا أنّه اسمٌ لمطلقِ اللّفظِ [الدالِّ(٨)] على [مطلقِ(٩)] الطلبِ، أو المطلَقِ
اللّفظِ الدالِّ على الطلبِ المانعِ من النقيضِ؟.
فالحقُّ - هو: الثاني: وذلكَ(١٠) إنّما يظهرُ ببيانٍ أَنَّ الأمرَ للوجوبِ.
: المسألةُ الثالثةُ: دلالةُ الصيغة المخصوصةِ على ماهيّةِ الطلبِ - يكفِي (١١) في
تحقَّقِها الوضعُ، من غيرِ حاجةٍ إلى إرادةٍ أخرى؛ وهو قولُ الكعبيِّ(١٢).
لَنا وَجهان: أحدُهُمَا(١٣): أنَّ هذِهِ الصيغةَ لفظةٌ وُضِعَتْ لمعنى + فلا تفتقرُ
(١) آخر الورقة (٩٥) من ن.
(٣) لم ترد هذه الزيادة في غير ص.
(٥) آخر الورقة (٦٧) من ل.
(٦) لفظ ن، آ، ص، ح: ((غيره)) والأنسب ما أثبتنا.
(٧) في ح: ((لیمینه)).
(٨) سقطت هذه الزيادة من ل.
(٩) سقطت الزيادة من آ، ى.
(١١) لفظ آ: ((يكتفى)).
(٢) لفظ ن، ى، ل، آ: ((يحصل)).
(٤) لم ترد هذه الزيادة في غير ص.
(١٠) عبارة آ: ((وإنما يظهر ذلك)).
(١٢) في النقل عن الكعبي نظر: ذلك لأنه يشترط إرادتين، إحداهما تتعلق بوجود اللفظ،
والثانية تتعلق بالامتثال. وأما أبو علي وأبو هاشم فإنهما يشترطان ثلاث إرادات، إرادة إيجاد
الصيغة. وهذه متفق على اعتبارها - وإرادة صرف اللفظ عن غير جهة الأمر إلى جهته. وإرادة
الامتثال. وأما الإِمام المصنف فعنده أن الوضع - وحده - يكفي في دلالة الصيغة على
مدلولها، كما هو مذهب سائر الأشاعرة فراجع: الكاشف (٢٥٣/١ - ب - ٢٥٤ - أ).
:
(١٣) راجع: المعتمد لمعرفة تفاصيل أقوال أئمة المعتزلة في هذه المسألة =
- ٢٨ -

في إفادَتِها لِمَا هِيَ(١) موضوعةٌ لهُ إلى الإِرادة: كسائر الألفاظِ، مثل دلالةِ (٢)
السبعِ والحمارِ على البهيمةِ المخصوصةِ، فإنّه لا حاجةً فيها إلى الإرادة.
وثانيهما(٣): أنَّ الطلبَ النفسانيَّ أمرٌ باطْنٌ(٤) - فلا بدَّ من الاستدلال
عليهِ (٥) بأمرٍ ظاهرٍ، والإِرادةُ أمرٌ باطنً مفتقرةٌ إلى المعَّفِ(٦): كافتقار الطلب
إليهِ، فلو توقّفَتْ دلالةُ الصيغة على الطلب - على تلك الإِرادة(٧) - لَما أمكنَ
الاستدلالُ (٨) بالصيغةِ على ذلكَ (١) الطلب ألبَّةَ.
احتجَّ المخالفُ: بأنّا نميِّزُ بينَ ما إذا كانت الصيغةُ طلباً، وبينَ ما إِذا كانتْ
تهديداً، ولا مميّزَ إلَّ الإِرادةُ.
والجوابُ: أنّها حقيقةٌ في الطلبِ، مجازٌ في التهديدِ .
فكما أنَّ الأصلَ في كلِّ الألفاظِ إجراؤها على حقائِقِها إلَّ عندَ قيام دلالةٍ
صارفةٍ: فكذا ها هنا.
المسألةُ الرابعةُ: ذهبَ أبو عليَّ وأبو هاشمٍ: [إلى ١٠)] أنَّ إرادةَ المأمور بهِ
تؤثّرُ في صيرورةٍ صيغةِ ((افْعَلْ)) أمراً.
وهذا خطأً من وجهين :
الأوَّلُ: أنَّ الآمريّةَ(١١) لو كانتْ صفةٌ للصيغةِ - لكانتْ [إمّا أنْ (١٢)] تكونَ
حاصلةٌ لمجموع (١٣) الحروفِ؛ وهو محالٌ؛ لأنَّه لا وجود لذلكَ المجموع .
= (٤٩/١ - ٥٦).
(١) كذا في ص، ح، وعبارة ن، ى، ل، آ: ((لما وضعت)).
(٢) لفظ ح: ((إرادة)).
(٣) لفظ ن: ((وثانيها)).
(٤) في ص: ((باطل))، وهو تحريف.
(٥) لفظ ن: ((عليها)) وهو تصحيف.
(٦) في ن، أ: ((العرف)»، وهو تحريف.
(٧) لفظ آ: ((الإفادة)) وهو تصحيف.
(٨) لفظ آ: (الاستقلال))، وهو تحريف.
(٩) كذا في ص، وعبارة غيرها: ((البتة على ذلك الطلب)).
(١٠) سقطت الزيادة من ل.
(١١) عبارة ص، ح: ((لو كانت الأمرية صفة)).
(١٢) سقطت الزيادة من ن، ی، ل.
(١٣) لفظ ى: ((بمجموع)).
- ٢٩ -

وإمّا لآحادها(١): فيلزمُ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ من الحروفِ - التي ائتلفتْ(٢)
صيغةُ الأمر منها، [أمراً(٣)] على الاستقلال؛ وهو محال.
الثاني: أنَّ صيغةَ (افعَلْ)) دالّةٌ بالوضعِ على (٤) معنىٍّ (٥)، وذلك المعنى هو
إرادةُ(٦) المأمورِ، فإذَا(٧) كانت الإِرادةُ نفسَ المدلول: وجبَ أنْ لا تفيدَ (٨)
الصيغةُ الدالّةُ عليها صفةٌ: قياساً على سائرِ المسمّياتِ والأسماءِ(٩).
المسألةُ الخامسةُ: قال جمهورُ المعتزلةِ: الْآَمِرُ يجبُ أن يكونَ( ١٠) أعلى رتبةً !
من المأمورِ حتّى يُسمّى الطلبُ أمراً.
وقال أبو الحسين [البصريُّ(١١)]: المعتبرُ هو الاستعلاءُ، لا العلوُّ(١٢).
وقال أصحابنا: لا يُعتبرُ (١٣) العلوُّ، ولا الاستعلاءُ ..
(١) لفظ ن، آ: ((الآحاد)).
(٢) كذا في ص، ح، وهو الصواب ولفظ ن، ى، ل، آ: ((انتقلت)).
(٣) سقطت الزيادة من ح ..
(٤) آخر الورقة (٤٣) من ی.
(٥) كذا في ص، ح، ولفظ غيرهما: ((المعنى)). (٦) في غير ص، ح: ((إرادته)).
(٨) لفظ ح: ((يفيد)).
(٧) في غير ص: ((وإذا)).
(٩) هذه المسألة نوع من المسألة التالية، ووجه التفريع ظاهر. وقد ضعف الأصفهاني
دليل المصنف فيها - قال: لأن الأمر صفة ذهنية والدليل المذكور إنما ينفي كونها خارجة،
والخصم لا يدعیه. فراجع الكاشف (٢٥٥/١ -ب).
(١٠) عبارة ص: ((يجب أن يكون الأمر أعلى من المأمور)).
(١١) لم ترد هذه الزيادة في ص، ح.
(١٢) الاستعلاء: هيئة تلحق الأمر - أي العبارة -: كرفع الصوت، وإظهار الترفع. والعلو
هیئة للآمر: کالسلطان مع رعیته، والأب مع ابنه. انظر النفائس (١/ ٢٩٠ -ب) هذا وقد قال
أبو الحسين في المعتمد (٤٩/١) - بعد أن ذكر اشتراطه للاستعلاء: ((وهو أولى من ذکر علو.
الرتبة، لأن من قال لغيره ((فعل)) - على سبيل التضرع إليه والتذلل، لا يقال إنه یأمره، وإن
كان أعلى رتبة من المقول له - ومن قال لغيره: ((افعل)) - على سبيل الاستعلاء عليه، لا على
سبيل التذلل له، يقال إنه آمر له، وإن كان أدنى رتبة منه. ولهذا يصفون من هذه سبيله بالجهل
والحمق: من حيث أمر من هو أعلى رتبة منه)).
(١٣) في ص، ح زيادة: ((لا)).
- ٣٠ -

لنا: قولُهُ تعالى - حكايةً عنْ فرعونَ [أنّه قالَ لقومِه](١) -: ﴿فَمَاذَا
تَأْمُرُون﴾(٢) مَعَ أَنَّه كانَ أعلى رتبةٌ منهم، وقال عمروبن العاصِ (٣) لمعاويةً(٤):
أُمَرْتُكَ أَمراً حازِماً [فَعَصِيتَنِي(٥)]
[وكانَ مِنَ التوفيقِ قَتلُ ابنِ هاشِمٍ (٦)]
وقال دريدُ (٧) بن الصِّمّةِ لنظرائِهِ، ولمن هُمْ(٨) فوقَّهُ:
(١) ما بين المعقوفتين لم يرد في ن.
(٢) الآية (٣٥) من سورة ((الشعراء)).
. (٣): هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد القرشيّ السهمىّ. صحابيّ
جليل، أسلم قبل الفتح وهو ممن عرفوا بحسن الرأي والدهاء، افتتح مصر وولي إمارتها - زمن
أمير المؤمنين عمربن الخطاب - رضي الله عنهما - توفي سنة (٤٣هـ) راجع: الإصابة
(٢/٣-٣).
(٤) هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف
القرشي الخليفة الأموي توفي سنة (٦٠هـ) - رضي الله عنه - راجع: الإصابة
(٤١٢/٣-٤١٤).
١
(٥) سقطت الزيادة من ن.
(٦) هذا الشطر لم يرد في غير ص، ح، والشطر الأول من البيت هو شطر بيت
((الحصين أو الحضين - بالضاد - بن المنذر الرقاشي:
أمرتك أمراً حازماً فعصيتني
فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
وقد ورد البيت معزواً إليه في شرح الحماسة للمرزوقي (٨١٤/٢)، وحماسة البحتري
(٢٧٤)، والوحشيات (٥٧) - مقطوعة - (٧١)، ومجموعة المعاني (٢٥). كما ورد البيت
معزواً للشاعر المذكور في معجم الشّعراء (١٩٢)، غير أنه فيه «مغلول الامارة)).
ويبدو أنَّ عمراً تمثّل به مضمناً الشطر الثاني ما ذكرنا بمناسبة خروج أحد من العلويين
على معاوية.
(٧) هو دريد بن الصمة، من جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، ويكنى بأبي فرة، قتل
مع من قتل من المشركين من هوازن وثقيف - يوم حنين. راجع: الشعر والشعراء (٧٩/٢).
(٨) لفظ ص: ((هو).
- ٣١ -

أمرتُهُم أَمرِي بُمُنْعَرَجِ اللُّوَى
فلم يَستبينوا (١) الرُّشِدَ إلَّ ضُحى الغَدِ(١)(٣)
وقال حباب (٤) بن المنذر يخاطب يزيد (٥) بن المهلب أمير خراسان
والعراق:
أَمَرْتُكَ أَمراً حازماً(٦) فَعَصِيتَنِي فَأَصبَحْتَ مسلوبَ الإِمارَةِ نادِما(٧)
فهذه الوجوهُ دالَّةٌ على أنَّ ((العلوِّ) غيرُ معتبرٍ.
وأمّا [أَنَّ(٨)] ((الاستعلاءَ)) غيرُ(١) معتبرٍ - فلأنّهُمْ يقولونَ: فلانٌ أمرَ فلاناً،
(١) كذا في ص، ح، ولفظ غيرهما: ((وهل يستبان))، وهو تصحيف.
(٢) هذا البيت من جيد شعر دريد، ومن أبيات مرثيته المشهورة لأخيه عبد الله. وقد ورد
معزواً إليه في الأصمعيات (١١٢)، والشعر والشعراء (٢ /٧٥٠)، والأغاني (٨/١٠)، وديوان
المعاني (١٢٢/١)، وشرح الحماسة للتبريزي (٣٠٦/٢) - الحماسية رقم (١٠)، شرح.
الحماسة المرزوقي (٨١٤/٢) - الحماسة رقم (٢٧١)، حماسة البحتري (١٠٨)، وزهر
الآداب (٢٦٥/٢)، وشرح المفضليات (٣٣)، وجمهرة أشعار العرب (٢٢٥)، وجمهرة
خطب العرب (٢١٣/١)، وفيهما (النصح)) بدل ((الرشد)).
۔۔۔
(٣) آخر الورقة (٩٦) من ن.
(٤) هو: الحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن
سلمة الأنصاري، الخزرجيّ صحابيٍّ، بدري، توفي في خلافة سيدنا عمر - رضي الله .
عنهما - راجع: الإصابة (٣٠٢/١)، ومع وروده في جميع الأصول فإننا نستبعد أن يكون
مخاطب ابن المهلب يهذا هو الحباب بن المنذر، بل هو يزيد بن الحصين بن المنذر الذي
نسب هذا البيت إلى أبيه - كما تقدم. فراجع: الوفيات (٢٦٨/٢)، أو هو الحصين نفسه،
كما في الوفيات (٢٦٩)، فلعله كذلك وصحفه النسّاخ إلى الحباب.
(٥) هو يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، توفي عن تسع وأربعين سنة في سنة
(١٠٢) هـ. راجع: الوفيات (٢٦٤/٢ -٢٧٦). وله ترجمة في معظم المراجع التاريخية.
(٦) في ن، ى، ح، آ: ((جازما)) وهو تصحيف.
(٧) راجع: هامش (٥) ص (٣٠) من هذا القسم من الكتاب.
(٨) سقطت الزيادة من ح
(٩) في ح: ((فعبر)).
-٣٢ -

على وجهِ الرفق(١) واللِّين.
نعم، إذا بالغَ في التواضعِ - يمتنعُ إطلاقُ الاسمِ عرفاً، وإنْ ثبتْ [ذلكَ (٢)]
. لغةً (٣) .
[وَ (٤)] احتجِّ المخالفُ على أنَّ العلوَّ معتبرٌ: بأنّه يُسْتَقْبَحُ - في العرفِ - أنْ
يقولَ القائلُ: ((أمرتُ الأميرَ أو نهيتُهُ))، ولا يستقبحونَ(٥)(٦) أن يقالَ: ((سألتُهُ أو
طلبتُ منهُ ولولا أنَّ الرتبةَ معتبرةٌ، وإلاّ لَمَا كَانَ كذلِكَ.
وأمَّا أبو الحسين - فقالَ: اعتبارُ الاستعلاءِ أولى من [اعتبارِ(٧)] العلوِّ؛ لأنَّ
مَنْ قالَ لغيرِهِ: ((افْعَلْ)) - على سبيلِ التضرُّع إليهِ - لا يقالُ: إنّه أمْرُهُ، وإنْ كانَ
: أعلَى رتبةٌ من المقولِ إليهِ.
ومن قالَ لغيرِهِ: ((افْعَلْ)) - على سبيلِ الاستعلاءِ، لا على سبيل التذلُّل
- يقالُ: إنّهُ أمرَهُ [وإنْ كانَ المقولُ لهُ أعلَى رتبةً (٨) منهُ]، ولهذا يصفونَ مَنْ هذاً
سبيلُهُ(٩) بالجهل والحمقِ؛ من حيثُ أمرَ مَنْ هُوَ أعلى رتبةً منهُ (١٠).
[واعلمْ: أنَّ ، دارَ هذا الكلامِ على صحّةِ الاستعلاءِ، وأصحابُنا يمنعونَ
مِنْهُ(١١)] والله أعلمُ.
(١) عبارة ن: ((اللين والرفق)).
(٣) آخر الورقة (٦٤) من أ.
(٥) لفظ ن: ((يستقبح)).
(٢) لم ترد هذه الزيادة في ل.
(٤) هذه الزيادة من آ.
(٦) آخر الورقة (٦٥) من ح.
(٧) سقطت الزيادة من ص، ح.
(٨) ما بين المعقوفتين ساقط من ن، ى، ل، آ، وعبارة ح: ((وإن كان أعلى رتبة من
المقول له))، وهو تصرف من الناسخ، وعبارة المعتمد: ((وإن كان أدمى رتبة منه)).
(٩) لفظ آ: ((شأنه)).
(١٠) راجع: المعتمد (٤٩/١).
(١١) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، ولفظة ((صحة)) أبدلت في غير ص بلفظ ((منع))،
:
ولفظ «الاستعلاء)» في ل، ى، ص: ((الاستعمال).
ولعل مراد المصنف: أن مدار الكلام على صحة اعتبار قيد (الاستعلاء)) أو ((العلوم
- ٣٣ -

المسألةُ السادسةُ: لفظُ (١) الأمر قَدْ يُقامُ مقامَ الخبرِ، وبالعكسِ:
أمّا أَّ(٢) الأمرَ [قدْ(٣)] يُقَامُ مقامَ الخبرِ - فكما في قوله - عليه الصلاةُ
والسلامُ : - ((إذا لَم تَسْتَحِ فاصنَعْ ما شئْتَ))(٤) معناه: ((صنعتُ(٥) ما شئتَ).
وأنّا(١٦) [أنَّ(٧) ] الخبرَ يقامُ مقَامَ الأمرِ - فكما (٨) في قولهِ تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ
يُرِضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾(٩)، ﴿والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَيَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةُ
قُرُوءِ﴾ (١٠)
= ومذهب الأشاعرة: المنع من اعتباره، لأن الخبر يسمى خبراً، سواء أكان صادراً عن أعلى أو .
أدنى: فكذلك الأمر. والله أعلم. هذا ولم يكتب الشارحان، القرافي والأصفهاني شيئاً عن
هذه المسألة.
(١) عبارة آ: ((لفظة الأمر قد تقام).
(٢) لفظ ن، ح، ل: ((أن)).
· (٣) هذه الزيادة من ص.
(٤) هو بعض حديث متداول أخرجه عن حذيفة بن اليمان أحمد في المسند، وأخرجه
عن ابن مسعود أحمد والبخاريُّ وأبو داود وابن ماجة - بلفظ: ((إن مما أدرك الناس من كلام
النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ماشئت)». على ما في الفتح الكبير (٤٢١/١) وقد ورد في
الكثير من كتب الأصول: في يب الأوامر عند الكلام على كون صيغة ((أفعل)، تستعمل بمعنى:
الخبر.
وقد رواه ابن عساكر في تاريخه - عن أبي مسعود البدري - بلفظ: ((آخر ما أدرك الناس
من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ماشئت)). على ما في الفتح الكبير (١٠/١).
وفي كشف الخفا (٤١/١)، و(٩٨) كلام عن هذا الحديث فيه المزيد من التخريج. ولكنه
وقع فيه بعض التصحيف. وانظره في ط. حلب (١٠٤/١).
وقد ورد الحديث أيضاً بلفظ: ((إذا لم تستحي - وهو لفظ آخر صحيح .. فاصنع ما
شئت)). قال في التمييز ص(١٥): في صحيح البخاري من حديث أبي مسعود البدري:
(٥) آخر الورقة (٦٨) من ل.
(٦) لفظ ل: ((فأما)».
(٨) في ص: ((كما)).
(١٠) الآية (٢٢٨) من سورة البقرة)
(٧) سقطت الزيادة من ح.
(٩) الآية (٢٣٣) من سورة (البقرة)).
- ٣٤ -

والسببُ في جوازِ هذا المجازِ: أنَّ الأمرَ يدلُّ على وجودِ الفعل ، كما أنَّ
الخبرَ يدلُّ عليه [أيضاً(١)]: فبينَهُما (٢) مشابهةُ من هذا الوجه: فصحَّ المجازُ.
وأيضاً: تجوزُ (٣) إقامةُ النهيِ مقامَ الخبرِ، وبالعكسِ :
أمَّا الأوَّلُ (٤) - فكقوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لا تُنْكَحُ اليتيمةُ حتَّى
تُستَأْمَر))(٥) معناه لا تنكحوها (٦) إلى غاية استثمارِهَا .
[وأمّا الثاني - فكقوله - وَه -: ((لا تُنْكِح المرأةُ المرأةَ ولا تُنكحُ المرأةُ
نفسَها))، وكما في قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾(٧)].
(١) لم ترد الزيادة في آ.
(٢) لفظ أ: ((وبينهما)).
(٣) لفظ آ: ((يجوز))، وفي ح: ((فيصح).
(٤) قال القرافي: كشفت عدة نسخ فوجدتها - هكذا: ((أما الأول))؛ واللائق أن يقول:
أما الثاني، فإن هذه المثل وردت في الأحاديث مرفوعة الأواخر، لا مجزومتها والرفع لا يكون
في النهي: فتكون هذه المثل مثلاً لإقامة الخبر مقام النهي، لا إقامة النهي مقام الخبر وقد
خاول القرافي أن يمثل لهذا القسم فذكر أمثلة فيها من النظر أكثر مما أخذ على مثال الإِمام
ولذلك لم يقتبسها الإِسنوي، كما هي عادته .
راجع: النفائس (٢٨٨/١-آ). وقال الإِسنوي - عن هذا القسم - وقد ذكره الإِمام في
المحصول، ومثل له، لكن بمثال فيه نظر. راجع: شرحه على المنهاج (١٣/٢) وبحاشيته :
(الإِبهاج)( ط التوفيق. وعلى هذا فيكون هذا مثالاً للخبر القائم مقام النهي. وقال البدخشي
ومجيء الخبر بمعنى الأمر والنهي مما لا دخل له في بيان مدلولات الأمر، لكنه ذكره لانجرار
الكلام إليه. انظر: سلم الوصول (٢٥٠/٢).
(٥) قد ورد في صدر حديث أخرجه عن أبي هريرة البخاري وأبو داود والنسائي، بلفظ:
: ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر)) وأخرجه عنه أيضاً الترمذي وابن ماجه بلفظ: ((لا تنكح الثيب
حتى تستأمر .. ((على ما في الفتح الكبير (٣٤١/٣). وانظر منتقى الأخبار
(٥٠٧/٢ -٥٠٨).
(٦) لفظ: ((لا تنكحوا)).
(٧) ما بين المعقوفتين سقط كله من ن. وأما الحديث: فقد أخرجه ابن ماجه والدارقطني
من طريق أبي هريرة - بلفظ: ((لا تزوج .. ولا تزوج .. )) مع زيادة: «فإن الزانية هي التي تزوج
نفسها)) على ما في منتقى الأخبار (٢ /٥٠٦). وقد ذكره صاحب الفتح الكبير (٣٢٢/٣) بهذا =
- ٣٥ -

[و(١)] وجهُ المجازِ: أنَّ النهيَ يدلُّ على عدمِ الفعلِ، كما أن [هذا (١)]
الخبرَ يدلُّ على عدمِهِ، فبينَهُمَا مشابهةٌ من هذا الوجهِ. والله أعلمُ.
= اللفظ مع هذه الزيادة، ومن طريق أبي هريرة. عن سنن ابن ماجه فقط. وأما الآية: فهي (٧٩)
من سورة ((الواقعة)).
(١) لم ترد الزيادة في ح.
(٢) هذه الزيادة من ح، ص.
- ٣٦ -

ث
القسم الاول
في المباحث اللفظية(١)
وفيه مسائلُ
(١) كذا في ص، ح، وعبارة ن، ى، ل، أ: (مباحث اللفظ)

المسألةُ(١) الأولى: قالَ الأصوليُّونَ: صيغةُ ((افْعَلْ)) مستعملةٌ في خمسةً
عشرَ وجهاً:
. [الأوَّلُ(٢)]: ((الإِيجاب(٣))، كقولهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾(٤).
الثاني(٥): ((الندبُ (٦)» كقولهِ تعالى: ﴿فَكَاتِبوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾(٧)،
﴿وَأَحْسِنُوا﴾(٨).
ويقربُ منهُ ((التأديبُ))، كقوله عليه الصلاةُ والسلامُ (٩):
((كُلْ مِمَّا يَليكَ)(١٠)؛ فإنَّ الأدبّ مندوبٌ إليه - وإنْ كانَ قد جعلَهُ [بعضُهُمْ(١١)]
قسماً مغايراً للمندوب .
الثالثُ (١٢): ((الإِرشادُ))، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينَ﴾(١٣)،
﴿فَاكْتُبُوْهُ ﴾(١٣)، والفرقُ بينَ الندب والإِرشادِ: أنَّ الندبَ(١٤) لثواب الآخرةِ،
والإِرشادَ لمنافعِ الدنيا، فإنَّه لا يَنقصُ الثوابُ بتركِ الاستشهادِ(١٥) [في
المدايناتِ](١٦)، ولا يزيدُ بفعلِهِ .
(١) سقطت الزيادة من ص.
(٢) سقطت الزيادة من ن.
(٣) لفظ ن: ((للإِيجاب)).
(٤) الآية (٤٣) من سورة (البقرة)).
(٥) في ن، ى، آ، ص: ((ب)):
(٦) في ى: ((والندب)).
(٧) الآية (٣٣) من سورة ((النّور).
(٨) الآية (١٩٥) من سورة (البقرة)).
(٩) في ص، زيادة: ((لابن عباس رضي الله عنهما)، ولعلها زيادة من الناسخين.
(١٠) هو آخر حديث معروف أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه، عن عمر بن أبي
سلمة، بلفظ: ((يا غلام سَمِّ اللّه وكُل بيمينك، وكل مما يليك)). على ما في الفتح الكبير:
(٤٠٠/٣).
وقد استشهد به الكثيرون من الأصولين على أن صيغة ((افعل)» ترد للتأديب. وانظر سببه
في التعريف بأسباب ورود الحديث الشريف: (٧١/٢-٧٢).
(١١) سقطت الزيادة من آ. ولعل المصنف يعني بهذا البعض الإمام الغزالي. فراجع:
المستصفى (٤١٧/١). ولعل الحجة الغزالي جعله قسماً خاصاً: لأنه أخص من الندب.
(١٢) كذا في ل، ح، وفي غيرهما: (ج)). (١٣) الآية (٢٨٢) من سورة (البقرة)).
(١٥) لفظ ص: ((الأشهاد)).
(١٤) لفظ ى: ((المندوب)).
.(١٦) ساقط من ن.
- ٣٩ -

الرابع(١): ((الإِباحةُ)) كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾(٢).
الخامس(٣): ((التهديدُ))، [كقوله(٤) تعالى]: ﴿اَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾(٥)،
﴿وَاسْتَغْزِرْ مَنِ اسْتَطَعْتْ مِنْهُم بِصوتِكَ﴾(١).
ويقربُ منهُ: ((الإِنذارُ»، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمْتَّعُوا﴾(٧)، وإن كانُوا(٨) قد
جعلوهُ قسماً آخر.
السادس (٤): ((الامتنانُ))، ﴿فَكُلُوا مِمَّا رِزَقَكُمُ اللُّ﴾(١٠) ..
السابعُ(١١): ((الإِكرامُ))، ﴿ادْخُلُوهَا (١٢) بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾(١٢)
الثامن(١٤): ((التسخيرُ)) [كقوله(١٥)]: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾(١٦).
التاسعُ(١٧): [((التعجيزُ)(١٨)]: ﴿فَأَتُّوا بِسُورَةٍ﴾(١٩).
العاشر (٢٠): ((الإِهانةُ))، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ (٢١).
الحادي عشر(٢٢): ((التسويةُ))، ﴿فَاصْبِرُوا أَوَ لا تَصْبِرُوا﴾ (١٢).
الثاني عشر (٢٤): (الدعاءُ))، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ (١٥).
الثالث عشر (٢٦): [التمنِّي (٢٧)]، كقوله:
(١) في ن، ى، آ، ص: ((د)).
(٢) الآية (٢٤) من سورة ((الحاقة)).
(٤) لم ترد الزيادة في ((ن)).
(٦) الآية (٦٤) من سورة ((الإسراء)).
(٨) لفظ ص: ((كان)).
(١٠) الآية (١١٤) من سورة ((النحل)).
(١٢) آخر الورقة (١٧) من ن.
(١٤) في غیرح، ل: ((ح).
(١٦) الآية (٦٥) من سورة البقرة.
(١٨) سقطت الزيادة من ح.
(٢٠) في غيرح، ل: ((ى)).
(٢٢) في غیرح، ل: «یه)).
(٢٤) في غيرح، ل: ((يب !.
(٢٦) في غيرح، ل: ايح)).
(٣) في ن، ى، أ: ص: ((هـ).
(٥) الآية (٤٠) من سورة ((فصلت)).
(٧) الآية (٣٠) من سورة ((إبراهيم)).
(٩) في ن، ی، آ، ص: ((و).
(١١) في غیرح، ل: (ز)).
(١٣) الآية (٤٦) من سورة ((الحجر)).
(١٥) سقطت الزيادة من ح، ل.
(١٧) في غيرح، ل: ((ط)).
(١٩) الآية (٢٣) من سورة (البقرة)).
.. (٢١) الآية (٤٩) من سورة (الدخان)).
(٢٣) الآية (١٦) من سورة ((الطور)).
(٢٥) الآية (١٥١) من سورة ((الأعراف)).
(٢٧) سقطت الزيادة من ح.
- ٤٠ -