النص المفهرس
صفحات 121-140
= ١ - إن الإمام المصنف والأمديَّ وابنَ الحاجب وآخرين جعلوا هذين القسمين من أقسام الفعل - الذى هو متعلَّق الحكم . وجعلهما أصحاب الحاصل والتحصيل والمنهاج وجمع الجوامع من أقسام الحكم . فراجع: سلم الوصول (١٢٩/١). ٢ - المعنى اللغوي: جاء في المصباح ((رُخْصَة)) وزان غرفة، وتضم الخاء للاتباع، ومثله ((ظلمة)) و(( قربة)) و((جمعة)). والرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير، يقال: رّص الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا إذا يسّره وسهّله. انظر: (١ /٣٤٣). والعزيمة: فعلها ((عزم)) من باب ضرب - يقال: عزم عزيمة وعزمًا اجتهد وجدَّ في أمره، وعزيمة الله فريضته التي افترضها. والجمع عزائم. فانظر (٦٢٤/٢). ٣ - جعل الإمام المصنف العزيمة في مقابلة الرخصة يُشْعِرُ بأنَّ العزيمة تُطْلَقُ على ما عدا الحرام من متعلّق الأحكام الخمسة ، وخالفه البيضاويُّ وصاحب جمع الجوامع ، ومن وافقهما واعتبروها شاملة للأحكام الخمسة . وقد أول صاحب سلم الوصول ما قاله الإِمام - فقال: لو حملنا ما قاله الإمام الرازيُّ - من أنَّ مورد القسمة هو الجائز -: على الجائز بالمعنى الأعم - الصادق بالإذن في الفعل مع المنع من الترك، وبالإذن في الترك مع المنع من الفعل ، والإذن في الفعل أو الترك أو فيهما مع عدم المنع: كانَ قوله غيرَ مناف لقول من قال : إنَّ العزيمة شاملة للأحكام الخمسة ، ويكون هذا محملا حسناً. فراجع : (١٢٥/١ - ١٢٦). ٤ - خطَّأَ القرافيّ الإِمامَ، ونسبه إلى الغلط في تفسيره المذكور للرخصة، وأورد عليه ايرادات كثيرة . فانظر نفائسه (٦٦/١ - ٦٧ - آ). وقد بنى تغليطه هذا على وهم أنَّ الإِمام جعل المَقْسِمَ في هذا التقسيم الحِكمَ. فانظر شرح الأسنوي (١ / ١٣٠) ط السلفية. ٥ - والعزيمة تشمل الأحكام الخمسة ، وتطلق على أربعة أنواع : أولها : الحكم الذي لم يتغيّر : كوجوب الصلوات الخمس . وثانيها : الحكم الذي تغيَّر إلى ما هو أصعب منه : كحرمة الاصطياد بالإِحرام بعد إباحته قبله . وثالثها: الحكم الّذي تغير إلى سهولة لغير عذر كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية مثلا، لمن لم يُحدِثْ ، بعد حرمته . والحلُّ هنا بمعنى خلاف الأولى. ورابعها : الحكم الذي تغيَّر إلى سهولة لعذر مع عدم قيام السبب للحكم الأصليّ : كإباحة ترك ثبات الواحد من المسلمين مثلا للعشرة من الكفار بعد حرمته. وسببها : قلةً المسلمين. ولم تبق حال الإباحة لكثرتهم حينئذ. وعذرها مشقة الثبات المذكور لما كثروا . راجع: شرح الجلال على الجمع (١٢٣/١). ٦ - والرخصة إما أن تكون وجوبًا أو ندبًا أو إباحة أو خلاف الأولى . فالأول: نحو وجوب أكل الميتة للمضطر. والحكم الأصلّ: الحرمة، وسببها خبث الميتة . وهو لا يزال قائمًا عند الاضطرار الذي هو العذر . ووجوب أكلها حينئذ أسهل من حرمته ، لأنَّه وإنْ كان مثل الحرمة في الإِلزام ، لكن فيه بقاء النفس ، وفي الحرمة تلفها، وبقاء النفس موافق للغرض : فكان أسهل. - ١٢١ - : وقيل : إنّ الوجوب المذكور عزيمة لصعوبته من حيث إنَّه وجوب وقد علمت ما فيه وقيل: إنَّ الحكم للمضطر. = إباحة الأكل، لا وجوبه فيكون رخصة بلا شبهة، والمعتمد الأول. والثاني: كندب القصر للمسافر سفراً يبلغ ثلاثة أيام فصاعدًا ، وإلا كان الإتمام أولى: خروجًا من خلاف أبي حنيفة بالقول بوجوبه. والحكم الأصلىُّ حرمة القصر . وسببه دخول وقت الصلاة ، وهو قائم في السفر . والعذر : مشقة السفر . والثالث : كإباحة السلم الذي هو بيع غائب موصوف في الذمّة . وحكمه الأصلي : الحرمة ، وسببه : الغرر ، وهو قائم . والعذر : الحاجة إلى ثمن الغلات قبل إدراكها . والرابع: كمخالفة الأولى في فطر المسافرين في رمضان. وحكمه الأصلّ: الحرمة. وسببه : شهود الشهر - وهو قائم - والعذر : مشقة السفر. فانظر : المرجع السابق. ٧ - أورد القرافي على تعريفي المصنف للعزيمة والرخصة أربعة اشكالات لا نطيل بذكرها فراجعها في نفائسه (٦٦/١ - ب - ٦٧). وقد اعتبر الشارح الأصفهانيُّ كل ما أورده نحو القرافيّ من قبيل المشاحَّة في الاصطلاح فلا تقبل . فانظر : الكاشف (١ / ٣٠ - ب). ٨ - هناك فروع فقهية كثيرة، للعلماء أقوال مختلفة في إدراج كل منها تحت أيٍّ من القسمين، وهذا الاختلاف ناجم عن اطلاق اسم العزيمة أو الرخصة على الفرع المختلف فيه هل هو من قبيل الحقيقة أو المجاز ؟ فكلّ يطلق منهما ما يعتبره الأقرب لاصطلاحه . - ١٢٢ - الفصل السابع في [أن (١) ] حسن الأشياء وقبحها لا يثبت إلا بالشرع ((الحسن(٢))) و((القبح)) قد يُعْنَى بهما: كون الشيء ((ملائماً)) للطبع أو (٣) ((منافرا))، وبهذا التفسير لا نزاع في كونهما عقليّين. وقد يراد بهما (٤): كون الشيء ((صفة كمال)) أو ((صفة نقص)) - كقولنا : العلم حسن ، والجهل قبيح؛ ولا نزاع - أيضًا - في كونهما عقليّينِ، بهذا التفسير (٥) . وإنَّما النِّزاع في كون الفعل مُتَعَلَّق الذمّ عاجلا وعقابه (٦) آجلا (٧)؛ فعندنا: أنَّ. (٢) في آ: ((والحسن)). (٣) في آ، ي: ((ومنافرا ). (١) سقطت الزيادة من : ص . (٤) في ص ، آ، ي ، ن ، ل ( به )). (٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ومن الناس من أثبت قسمًا ثالثًا للحسن والقبح، وادَّعى الاتفاق عليه وهو كون الفعل صفة كمال ، أو صفة نقص ، وهذا القسم لم يذكره عامة المتقدمين المتكلمين في هذه المسألة، ولكن ذكره بعض المتأخرين كالرازي ، وأخذه عن الفلاسفة)). راجع: رسالته (( الاحتجاج بالقدر)) ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (١٠٤/٢). وقد نقل الأصفهانيّ عن إمام الحرمين أنَّه اختار ما يقرب من اختيار المصنف - حيث قال: ((لسنا ننكر أنَّ العقول تقتضي من أربابها اجتناب المهالك ، وانتداب المنافع الممكنة على تفاصيل فيها ، وجحد هذا خروج عن المعقول، ولكن الكلام .. الخ)). وحرَّر موضع النزاع كما ذكره المصنف. فراجع: الكاشف (٣٢/١ - أ). قلت : وهل يتصور من العقل حمل صاحبه على اجتناب المهالك ، والاقبال على المنافع ، من غير أن يدرك فيها صفة نقص ، أو صفة كال ! فكيف يكون هذا قسماً ابتدعه الفخر وعبارة إمام الحرمين - وهو سابق له - ظاهرة في افادته! على أنَّ المنقول عن الفلاسفة أنَّهم يقولون: ((بأن لا حسن ولا قبح في الأفعال الإنسانيَّة عقلا)) . وهذا نقله الإمام المصنف عنهم في المطالب: فراجع المرجع السابق . (٦) في ن: ((والعقاب)). (٧) يعني : وفي كون الفعل متعلّق المدح عاجلا، والثواب آجلا أيضًا، هل تثبت بالشرع أو بالعقل. وقد = - ١٢٣ - ذلك لا يثبت إلا بالشرع . وعند المعتزلة: ليس ذلك إلَّ [لـ (١)] كون الفعل واقعًا على وجه مخصوص، لأجله يستحقُّ فاعله (٢) الذَّ . قالوا: وذلك الوجه قد يستقلُّ العقل بإدراكه ، وقد لا يستقلّ . . أما الذي يستقلّ - فقد يعلمه (٣) - العقل ((ضرورة)): كالعلم بحسن الصدق. النافع وقبح الكذب الضارِّ. وقد يعلمه ((نظرًا)): كالعلم بحسن الصدق الضارّ ، وقبح الكذب النافع . والذي لا يستقلُّ العقل بمعرفته : فكحسن صوم آخر يوم من رمضان ، وقبح [ صوم (٤) ] اليوم الَّذي بعده، فإِنَّ العقل لا طريق (٥) له إلى العلم بذلك، لكنَّ الشَّرع لما ورده [ به(٦)])): علمنا أنَّه لولا اختصاص كل واحد منهما بما لأجله حسن وقبح ، وإلَّا لامتنع ورود الشرع به (٧). لنا : أنَّ دخول هذه القبائح في الوجود، إمّا أن يكون على سبيل ((الاضطرار)) أو على سبيل ((الاتِّفاق)). وعلى* التقديرين: [فالقول: ((القبح العقلي)) باطل. بيان الأول: أنَّ فاعل القبيح إمّا أنْ يكون متمكِّنًا من الترك ، أو لا يكون . فإن لم = اقتصر على ذكر العقاب لأنه أظهر في تحقّق معنى التكليف كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ الآية (١٥) من سورة الإسراء. أي: ولا مثيبين. (١) لم ترد في ي . (٢) عبارة ي: «الذم فاعله)). (٣) كذا في غير آ، وعبارتها: (( نعلمه بالعقل)). (٤) سقطت من آ. (٥) عبارة آ: (( فإن ذلك لا طريق للعقل إلى العلم به)). (٦) سقطت من ي . (٧) راجع: المعتمد (٨٨٨/٢)، وتأمل جيّدًا ما قاله أبو الحسين في المسألة فإنك ستجد اختلافًا ظاهرًا بين أقواله وأقوال المتقدِّمين من المعتزلة فيها، وراجع: المواقف بشرح السيد ص (٥٣٠). (٥) آخر الورقة (٨) من آ .. - ١٢٤ - يتمكّن من الترك، فقد ثبت ((الاضطرار)). وإن تمكّن من الترك، فإمّا أن يتوقف رجحان الفاعليَّة على التاركيَّة على مرجِّح، أو لا يتوقف ، فإن توقَّفَ : فذلك المرجح (١)]، إمّا أن يكونَ من العبدِ، أو من غيره، [ أو: لا منه ولا من غيره (٢)]. أما القسم الأول - وهو: أن يكونَ من العبد - ف[ هو (٣) ] محال؛ لأن الكلام فيه كما في الأول : فيلزم التسلسل . وأما القسم الثاني : - وهو أن يكون من غير العبد - فنقول : عند حصول ذلك المرجّح ، إما أن يجب وقوع الأثر ، أو لا يجب . فإنْ وجب - فقد ثبت ((الاضطرار))، لأنّ قبل وجود هذا المرجِّح كان (٤) الفعلُ ممتنع الوقوع ، وعند وجوده صار واجب الوقوع ، وليس وقوع هذا المرجح بالعبد - أَلْبَثَّةَ - : فلم يكن للعبد تمكّن في شيء من الأحوال من الفعل والترك ولا معنى (( الاضطرار)) إلَّا ذلك. وإن لم يجب : فعند حصول هذا المرجّح لا يمتنع وجود الفعل تارة وعدمه أخرى ، فترجّحُ جانب الوجود على جانب العدم، أما أنْ يتوقّفَ على انضمام مرجِّح إليه ، أو لا يتوقّف ، فإن توقّف: لم يكن الحاصل قبل ذلك مرجِّحًا تامًا ، و[ كنا (٥)] قد فرضناه مرجِّحًا تامًا ، هذا خلف . وأيضاً: فالكلام في هذه الضميضة كما في الأول: فيلزم التسلسل[وهو محال(٦)] وأمَّا إن لم يتوقَّف على انضمام قيد إليه ، فمع ذلك المرجِّح تارة يوجد الأثر ، وتارة لا يوجد ، ولم يكن رجحان [ جانب (٧)] الوجود على [جانب (٨)] العدم موقوفًا على ١ (١) ما بين المعقوفتين سقط من: آ وأثبت بخط مغاير على الهامش. (٢) كذا في: ح ، ن، ص ، ل . وسقطت من آ، وفي ي كتبت على الهامش. (٣) لم ترد الزيادة في آ. (٤) كذا في: ي، ص، ل، ن، ح، وعبارة آ: « الفعل كان)). (٥) آخر الورقة (١٢) من : ن . (٥) كذا في ح، ص، وفي آ، ي: ((وانا))، ولم ترد في ن ، ل . (٦) لم ترد الزيادة في : ن . (٧) لم ترد في : ي . (٨) لم ترد في : آ. - ١٢٥ - قصد من جهته ، ولا على ترجيح ألبَّةَ ، وإلّا لعاد إلى القسم الأول وقد أبطلناه . فحينئذ يكون [ دخول الفعل في الوجود ((اتفاقيًّا)) لا ((اختياريًّا)). فقد ثبت ((الاتفاق)). وأما القسم الثالث - وهو : أن يكون حصول ذلك المرجح لا من العبد ولا من غيره ] (١) - فحينئذ: يكون واقعًا لا لموتّر، فيكون [ حصوله (٢)] ((اتفاقيًّا)) [ لا اختیاریًا ](٣). وأمّا لو قلنا : إنَّ المتمكِّن من الفعل متمكِّنٌ من الترك ، لكن لا يتوقّف رجحان الفاعليَّة على التاركيّة على مرجِّح - فعلى هذا التقدير: يكون رجحان الفاعليَّة على* التاركيّة ((اتفاقيًّا)) - أيضًا - لأَنَّ تلك القادريَّة لمّا كانت نسبتها إلى الأمرين على السويَّة ثم (٤) حصلت الفاعليَّة في أحد الوقتين دون (٥) التاركيّة من غير مرجِّح الْبَتَّة: كان رجحان الفاعليَّة [ منه](٦) على التاركيَّة ((اتفاقيًّا)). فإن قلت : لِمَ لا يجوز أنْ يقالَ: القادر يرجِّح الفاعليَّة على التاركِيَّة من غير مرجِّح؟ قلت: هل لقولك ((يرجّح)) مفهوم زائد على كونه (٧) قادرًا [ أوليس له مفهوم زائد عليه (٨)]!؟. فإن كان ذلك مفهومًا زائداً على كونه قادرًا ، كان ذلك قولا بأن رجحان الفاعليّة على التاركيّة لا يمكن إلا عند انضمام قيد آخر إلى القادرَّة ، فيصير هذا هو (٩): القسم الأوّل الذي تكلمنا فيه . (١) ما بين المعقوفتين سقط من متن ن، وأثبت على هامشها بخط الناسخ نفسه، وسقطت لفظة ((حصول)) من ي ، وقوله : « غیه » في ل ، ن، ص ، ح (( غير العبد )). (٢) لم ترد في : ن ، ي . . (٣) لم ترد في : ن، ح ، ص . واثباتها أنسب للسياق . (٥) آخر الورقة (٩) من : ل . (٥) في ل: ((على))، وهو تحريف: (٤) في ص ، ح زيادة: ((انه)). (٧) لفظ آ: ((القادرية)). (٦) هذه الزيادة من آ. (٨) ساقط من آ. (٩) في ص زيادة ( معنى). - ١٢٦ - وإن لم يكن ذلك مفهومًا زائدًا لم يبق لقولكم: ((القادر يرجِّح أحد (١) مقدوريه على الآخر من غير مرجِّح)) إلا أنّ صفة القادرَّة مستمرة * في الأزمان كلها . ثم إنَّه يوجد الأثر في بعض تلك الأزمنة دون بعض « من غير أن يكون ذلك القادر قد رَجَّحه، أو (٢) قصد إيقاعه. ولا معنى ((للاثِّفاق)) إلا ذلك - : فثبت بهذا البرهان القاطع: أنَّ دخول هذه القبائح في الوجود، إمّا أنْ يكون (٣) على سبيل ((الاضطرار))، أو على سبيل ((الاتّفاق)). وإذا ثبت ذلك: امتنع القول بـ((القبح العقليِّ)) بالاتفاق . وأما عند الخصم : فلأنَّه لا يجوز ورود التكليف بذلك ، فضلا عن أن يقال: إنَّ أما على قولنا ، فظاهر . حسنه معلوم بضرورة العقل . فثبت بما ذكرنا : أن القول بـ((القبح العقلي)) باطل (٤). أمّا الخصم ، فقد ادَّعى العلم الضروريَّ بقبح الظلم والكذب والجهل ، وبحسن الانصاف والصدق والعلم . (١) في ي زيادة : ( مفهومیه )). (٥) آخر الورقة (٦) من ي . (٢) لفظ ح: (( و )). (٥) آخر الورقة (٨) من: ح . (٣) في ي : « تکون )». (٤) لفظ ص ((محال باطل)) هذا: والمصنف - رحمه الله - شديد الاهتمام بهذا الدليل كثير التكرار له في تفسيره وكتبه الكلامية، لأنّه يرى أن المعتزلة لا يمكنهم التخلص عنه إلا بالتزام وقوع الممكن لا عن مرجّح، فينسد باب اثبات الصانع ، أو التزام أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فتسقط قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين. فراجع: المعالم بهامش المحصل ص (٧٣)، والمحصل (١٤١)، والتفسير الكبير في مواضع عدة منها: (١٨٥/١، و٢٤/٣، و٥ /٤٧٨). ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن أورد هذا الدليل قال وهو ينتقده : وهؤلاء - أي الأشاعرة - إذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم لم يجيبوهم إلا بجواب المعتزلة وهم دائمًا إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر يحتجون عليهم بهذه الحجّة الّتي احتجت بها الفلاسفة. فإن كانت هذه الحجّة صحيحة: بطل احتجاجهم على المعتزلة ، وإن كانت باطلة : بطل جوابهم للفلاسفة . فانظر كتابه موافقة صحيح المنقول (٢٠٤/١) قلت: ولكن شيخ الإسلام - رحمه الله - لم يكد يتجاوز صفحة واحدة بعد هذا القول إلا واحتجَّ بهذه الحجّة على القدريّة المعتزلة والشيعة في مسألة خلق الأعمال ، ولكنه قرره بشكل مغاير، فانظر نفس المصدر (٣٠٦) وراجع المواقف (٥٣١). - ١٢٧ - ثم قالوا : هذا العلم غير مستفاد من الشّرع لأنَّ البراهمة (١) - مع إنكارهم الشرائع - عالمون بهذه الأشياء . . ثم زعموا بعد ذلك: أنَّ المقتضِيَ لقبح الظلم مثلا هو كونه ظلمًا ، لأنّا - عند العلم(٢) بكونه ظلمًا - نعلم قبحة، وإنْ لم نعلم شيئًا آخر ، وعند الغفلة عن كونه ظلمًا ، لا نعلم قيحه وإن علمنا سائر الأشياء . فثبت أن المقتضِيَ [ لقبحه (٣) ] ليس إلّا هذا الوجه. ومنهم من حاول الاستدلال بأمور (٤) : أحدها : أنَّ الفعل الذي حُكم فيه بالوجوب مثلاً يختصُّ بما لأجله استجق ثبوت ذلك الحکم ، وإلّا كان تخصيصه بالوجوب دون سائر الأحكام ، ودون سائر الأفعال ترجيحاً لأحد طرفي الجائز على الآخر لا لمرجّح .. ۔۔۔ وثانيها: [ أنَّه(٥)] لو لم يكن الحسن والقبح إلّا (٦) بالشرع: لحسن (٧) من الله - تعالى - كل شيء، ولو حسن منه كل شىء - لحسن منه إظهار المعجزة على (١) البراهمة نسبة إلى هنديّ يدعى: ((برهم ((، وهم طوائف ثلاثٌ: فطائفة تقول بقدم العالم ، وتُعترف بمدبّر له قديم، إلا أنَّها تعتقد أنَّ الإِنسان غير مكلَّف بسوى المعرفة. وطائفة تقول بحدوث العالم ، وتعترف بوجود صانع حكيم ، ولكنّها تنكر الرسل والكتب السماويَّة وترى أن لا واسطة بين الله - تعالى - وخلقه غير العقل. وطائفة ثالثة تقول بحدوث العالم ووجود الخالق ، ولكنّها تؤمن بأن مدبّرات العالم: الأفلاك السبعة (( البروج الاثنا عشر). راجع : الحور العين (١٤٣ - ١٤٤). قلت : ولا تزال هذه النحلة الباطلة قائمة في الهند يعتنقها الكثيرون من أبنائها . (٢) لفظ آ: ( علمنا)). (٣) سقطت من آ، وفي ي: ((بقبحه)). (٤) لفظ آ: ( بوجوه). (٥) لم ترد في : ي . (٦) لفظ ح: (( من الشرع)). (٧) في ي (( نحن)). - ١٢٨ - يد الكاذب، ولو « حسن منه ذلك (١): لما أمكننا أن نميِّز بَين النَّبيِّ (٢) والمتنبِّى. وذلك يُفْضِي إلى بطلان الشرائع . وثالثها : لو حسن من الله - تعالى - كل شيء : لما قبح منه الكذب ، وعلى هذا [ فـ (٣) ] ـلا يبقى اعتماد على وعده ووعيده . فإن قلت : الكلام الأزليُّ يستحيل أن يكون كذبًا . قلت : هب أنَّ الأمر كذلك ، لكن : لِمَ لا يجوز أنْ تكون هذه الكلمات التي نسمعها (٤) مخالفة لما عليه الشيء في نفسه ؟ وحينئذ يعود الإِشكال. ورابعها: أنَّ العاقل إذا قيل له: ((إنْ صدقت أعطيناك دينارًا، وإنْ كذبت أعطيناك [ أيضًا (٥) ] دينارًا))، واستوى [ عنده (٦) ] الصدق والكذب في جميع الأمور إلَّا في كونه صدقًا وكذبًا، فإنَّا نعلم بالضرورة أنَّ العاقل يختار الصدق . ولولا أن الصدق لكونه صدقًا حسن - : وإلا لما كان كذلك . وخامسها : أنَّ الحسن والقبح لو لم يكونا معلومين قبل الشرع : لاستحال أن يعلما (٧) عند ورود الشرع [ بهما (٨)]، لأنَّهما إذا لم يكونا معلومين قبل ذلك (٩): فعند ورود الشرع بهما يكون واردًا (١٠ )بما لا يعقله السامع ولا يتصوَّره؛ وذلك محال: فوجب أن يكونا معلومين قبل [ ورود (١١)] الشرع. (*) آخر الورقة (٩) من : أ . (١) لم ترد في ي . (٢) في ٦ زيادة: « بين )). (٣) هذه الزيادة من آ. (٤) في ص زيادة : (( تكون ). (٥) لم ترد في : ي ، ح . (٦) لم ترد في غير آ. (٧) كذا في: ي، ل، ص، ح، وعبارة ن: ((نعلمهما)»، وفي ا أبدل (( عند)» بـ (( بعد )) وهو تصحيف. (٨) لم ترد في : ص . (٩) عبارة آ: ((قبل ورود الشرع)). (١٠) لفظ ي: (( ورودا )). (١١) لم ترد في غير ص ، ي . - ١٢٩ - والجواب عن دعوى الضرورة : أنَّها مسلَّمة، [ و(١) ] لكن لا في محل النزاع؛ فإنّ كل ما كان ملائماً للطبع حكموا بحسنه ، وما كان منافرا للطبع حكموا بقبحه . فهذا القدر مسلّم . فإن ادَّعيتم أمرًا زائدًا عليه : فلابدَّ من إفادة تصُّره. ثم (٢) إقامة الدلالة على التصديق به ، فإنَّ كل ذلك غير مساعَدٍ عليه فضلا عن ادِّعاء العلم الضروريِّ فيه . فإنْ قلت : الظلم ملائم لطبع الظالم - ومع ذلك فإنَّه يجد [ في (٣) ] صريح. العقل قبحه . ولأنَّ من خاطب الجماد بالأمر والنَّهي، فإنَّه لا ينفر طبعه (٤) عنه : مع. أنَّ قبحه معلوم بالضرورة، ولأنّ من أنشأ قصيدة » غَرَاءَ في شتم الملائكة والأنبياء ، وكتبها بخط حسن ، وقرأها بصوت طيّب حزين - فإنَّه يميل الطبع إليه وينفر العقل عنه(١) . فعلمنا أنَّ نفرة العقل مغايرة لنفرة الطبع . قلت : الجواب عن الأول : أنَّ الظالم لا يميل طبعه إلى الظلم؛ لأنَّه لو حكم بحسنه : لما قدر على دفع الظلم عن نفسه ، فالتُفرة عن الظلم متمكِّنة في طبع الظالم والمظلوم ، إلاَّ أنَّه إنَّما رغب (٦) فيه لعارض (٧) يختصُّ به - وهو: أخذ المال منه؛ والحكم بحسن الإِحسان إنَّما كان: [ لأنَّ الحكم بحبسنه قد يُفضي إلى وقوعه وهو ملائم لطبع « كل أحد (٨) (١) هذه الزيادة من آ. (٢) في ي زيادة: ((إنّ))، وهى زيادة مخلة من الناسخ إذ لا خبر لها . (٣) لم ترد في : ي . (٤) عبارة ص: (( عنه طبعه )). (٥) آخر الورقة (١٠) من : ل . (٥) في ل : عليه وهو تحريف . (٦) لفظ ي: ((شرعت)) وهو تصحيف . (٧) في: ي، ح، ص: (( لمعارض))، وهو تصحيف . (٨) في ص : (( واحد )). (٥) آخر الورقة (١٤) من : ن . 1 - ١٣٠ - والحكم » بقبح الكذب - إنَّما كان: لكونه على خلاف مصلحة العالم ](١) ويحسن الصدق : لكونه على وفق مصلحة العالم ، ويحسن إنقاذ الغريق (٢): لأنه يتضمَّن حسن الذكر ، وإنْ (٣) لم يوجد ذلك، فلأنَّ من شاهد شخصًا من أبناء جنسه في الألم : تألّم (٤) قلبه ، فإنقاذه منه يستلزم دفع الألم عن القلب . وذلك مما يميل إليه (٥) الطبع (٥) . وأما مخاطبة الجماد ، فلا نُسلِّم أنَّ استقباحها(٦) يجري مجرى استقباح الظلم ، والقدر الذي فيه من الاستقباح ، إنَّما كان: لاتَّفاق أهل العلم (٧) على أنَّ الإِنسان لا يجب أن يشتغل(٨) إلا بما يفيده فائدة إمّا عاجلة(٩)، وإمّا آجلة. وأما القصيدة المشتملة على الشتم، فإنَّما تُسْتَقْبَحُ(١٠): لإِفضائها إلى مقابلة أرباب الفضائل بالشتم والاستخفاف ، وهو على مضادَّة مصلحة العالم . فظهر أن المرجع في هذه (١١) الأشياء إلى ملائمة الطبع ومنافرته (١٢). ونحن قد ساعدنا(١٣): على أنَّ الحسن والقبح بهذا المعنى معلوم بالعقل؛ والنزاع في غيره. سلَّمنا تَحَقُّقَ (١٤) الحسن والقبح، لكن: لا نُسلِّم أن المقتضَى لقبح (٥) اخر الورقة (١٠) من: ح . (١) ما بين المعقوفتين سقط من متن: آ، وأثبت على هامشها . (٢) في آ: ((الغرقى )). (٣) في آ، ص: ((فإن )). (٤) في ي: (( بألم ). (٥) لفظ آ، ص، ل، ن: ((الطبع إليه )). (٦) لفظ ل : استفتاحها ، وهو تصحيف . (٧) لفظ ي : (( العالم ). (٨) في ي: صحفت إلى (( يستعمل )). (٩) هذا لفظ آ، وهو الأنسب، وفي غيرها: (( أو )). (١٠) لفظ ح: ((يستقبح)). (١١) هذا لفظ ص، وفي غيرها: ((بهذه ). (١٢) في ص ، ل : ( ومنافرتها)). (١٣) أى: وافقنا، وفي ي: ((تساعدنا)) أي اتفقنا، أو توافقنا. (١٤) لفظ ل: ((تحقيق)). - ١٣١ - الظلم - هو: كونه ظلمًا، وَلِمَ لا يجوز أنْ يكونَ المقتضى لقبحه أمرًا آخر ؟. قوله: ((العلم بالقبح دائر مع العلم بكونه ظلمًا: وجودًا وعدما)). قلنا: لِمَ قلتَ: إِنَّ ((الدورانَ العقليّ)) (١) دليل العلَيَّةِ؟ عليه؟. وما (٢) الدليل عليه!؟. ثم (٣) إِنَّه منقوضٍ بالمضافَيْن(٤) فإنَّ العلم بكل واحد من المضافَيْن دائر مع العلم بالآخر وجودا وعدما (٥)، مع أنهً يمتنع كون أحدهما (٦) علَّة للآخر . وتمام تقرير هذا السؤال سيأتي - ان شاء الله - في كتاب القياس . سلمنا أنَّ [الدليلُ] (٧) الذي ذكرتموه يقتضي: أن يكونَ قبح الظلم لكونه ظلمًا، لكنّ - معنا : - ما يدل على فساده، وهو: أنَّ المفهوم من الظلم : إضرار غير مستَحقٌّ، وكونه (٨) غير مستحقٌّ قيد عدميّ، والقيد العدميُّ لا يصلح(٩) أن (١٠): (١). الدوران لغة: الطواف حول الشيء. واصطلاحاً، ترتّبُ الشيء على الشيء الّذي له صلوح العلّة، كترتّب الإسهال على شرب السقمونيا. والشيء الأول يسمى دائراً ، والثاني مدارا - وهو على ثلاثة أقسام: الأول : أن يكون المدارُ مدارًا للدائر وجودًا لا عدمًا: كشرب السقمونيا للإسهال. والثاني : أن يكون المدار مدارًا للدائر عدمًا، لا وجودًا : كالحياة للعلم. والثالث: أن يكون المدار مدارًا للدائر وجودًا وعدمًا، كالزنا الصادر عن المحصن لوجوب الرجم ، فإنه كلما وجد : وجب الرجم. راجع: تعريفات الجرجاني (٧٣). الجزء الرابع (ص ١٩٩) من هذا الكتاب. (٢) في ي: « وأما)» وهو تحريف . (٣) لفظ ص: ((فإنه )). (٤) في ل، ح: ((المضافات)). والإضافة هي: النسبة العارضة للشيء بالقياس إلى نسبة أخرى: كالأبوة والبُنُوَّةِ. راجع: تعريفات الجرجاني ص (١٨)، والمرصد الخامس من المواقف ص (٣٤٦). (٥) آخر الورقة (٦) من ص . (٥) كذا في : أ، ح، ي، وفي النسخ الأخرى: ( أو )). (٦) كذا في : ن، ولفظ ل: ((واحد منهما ))، وفي: ح، ص، آ، ي: « كل واحد)). (٧) لم ترد في غير : ح . (٨) في غير ح: (( فكونه)). (٩) لفظ ص (( يصح )). (١٠) كذا في آ، وفيما عداها: ((لأن)). - ١٣٢ - يكون علَّة للحكم « الثابت، ولا أنْ يكون جزءًا للعلة (١)، إذْ لو جازَ استناد الأمر الثبوتيِّ إلى الأمر العدميِّ: لجازِ(٢) استناد [ خلق](٣) العالم إلى مؤقّر عدميٍّ - وحينئذ : ينسدُ (٤) علينا باب معرفة كون الله - تعالى - موجدا(٥)؛ لأَنَّ(٦) العدم نفي محض : فيستحيل أن يكون مؤثّرًا . فإنْ قلت (٧): لِمَ لا يجوز أنْ يكون العدم شرطًا لتأثير العلّة في المعلول؟. قلتُ : لأنَّه إذا فُقِدَ هذا العدم ، لم تكن العلَّة مؤثِّرة في المعلول ، وعند وجوده (٨) تصير مؤثرة فيه . فكون العلَّةِ بحيث تستلزم(٩) المعلول وتستعقبه (١٠) - أمر حدث مع حدوث هذا العدم ، وليس له سبب آخر سواه : فوجب تعليله [ به ]؛ (١١) فيعود الأمر (١٢) إلى « تعليل الأمر الثبوتيِّ بالأمر العدميِّ، وهو محال . * * * [ وأمَّا ](١٣) الجواب عما احتجُّوا به أولا - (٥) آخر الورقة (١٠) من : أ . (١) كذا في: ح، وفي آ: ((من العلة)).، وفي ل، ص، ي، ن (( العلة)). . (٢) لفظ ص: (( جاز )). (٣) لم ترد في غير: ح . (٤) لفظ ل : ((يفسد )). (٥) كذا في : ي، ل، آ. وهو الصحيح، وفي النسخ الأخرى: «موجودًا ». (٦) في ح، ص، آ: ((ولأن)) والمناسب ما أثبتناه. (٧) في آ: (( قيل)). (٨) كذا في : آ، وفيما عداها: (( حصوله)) .. (٩) لفظ ح: (( يستلزم)). (١٠) في ح: ((ويستعقبه))، وفي ل: (( ومستعقبه). (١١) لم ترد في ي . (١٢) عبارة ص: ((تعليل الأمر)). (٢) آخر الورقة (٧) من : ي . (١٣) كذا في: ي، آ، وفي: ح، ل: «فأماه، وفى ص: «أما» ولم ترد في: ن. -١٣٣ - [ فهو ](١) : أنَّ رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر، ان افتقر إلى المرجّح: توقّف رجحان فاعليَّة العبد على تارِكِيَّتِهِ على مرجِّح غير صادر من جهته ، وإلّا: وقع التسلسل ، ويكون رجحان الفاعليَّة على التاركيَّةِ - عند [ حصول ](٢) ذلك [المرجِّح](٢) - واجبًا »، وإلا: لزم الرجحان لا لمرجِّح. وإذا كان كذلك: لزم ((الجبر))، ويلزم(٤) من لزوم الجبر القطع ببطلان ((القبح العقليِّ)). وان لم يفتقر الرجحان إلى المرجِّح أصلا - فقد اندفعت [ هذه ](٥) الشبهة بالكليّة . والجواب عما احتجُوا به ثانيًا : أنَّ « الاستدلال بالمعجزة(٦) على الصدق مبنيّ على مقامين ، أحدهما: أن الله - تعالى - إنَّما خلق ذلك المعجز لأجل التصديق . والثانى: أن كل [ من ](٧) صدّقه الله - تعالى - [ فهو ](٨) صادق ، والقول بالحسن والقبح ، إنَّما ينفع في المقام الثاني ، لا في المقام الأول . فَلِمَ قلتُم : إنَّ الله - تعالى - ما خلق هذا الفعل إلا لغرض: التصديق!؟ !. وتحقيقه: أنْ لو توقّف الرجحان على المرجِّح: لزم ((الجبر))، وإذا لزم ((الجبر)): (١) زيادة ضرورية لربط جواب أما، واعتاد الأقدمون حذفه لمعرفته من السياق. (٢) سقطت من : ي ، ن .: (٣) سقطت من : ي ، ن . (٥) آخر الورقة (١٥) من : ن . (٤) في ي ، ص : (( فیلزم )). (٥) لم ترد في : ي . (*) آخر الورقة (١١) من : ل . (٦) لفظ ي: (( المعجز )). (٧) لم ترد في : ل . (٨) لم ترد في : ي . - ١٣٤ - لزم بطلان (١) ((القبح العقليّ)). ولو لم يتوقّف على المرجّح: [ لـ (٢) ]-جاز أن يقال: إن الله - تعالى - خلق ذلك المعجز لا لغرض أصلا . ثم : إنْ كان ذلك لِغَرَضِ - فَلِمَ قلتُم (٣) : إنَّه لا غرض سوى التصديق ؟. فإن قلت: القولُ بـ ((القبح العقليّ)) يمنع من خلق المعجز(٤) على يد الكاذب مطلقًا؛ لأَنَّ خلقه عند الدعوى يُؤْهِمُ (٥) [ أنَّ](٦) المقصودَ منه: التصديقُ . فلو كان المدَّعي كاذبًا - لكانَ ذلك « إنْهامًا لتصديق(٢) الكاذب، وإنَّه قبيح(٨) ، والله - تعالى - لا يفعل القبيح . قلتُ : لِمَ قلتَ : إِنَّ الفعل الَّذي يوهم (٩) القبيح - ولم يكن موجبًا له - قبيح ؟ وذلك (١٠): لأنَّ المكلَّف لَمَّا علم أنَّ خلق المعجز - عند الدعوى يحتمل(١١) أن يكون للتصديق، و [يحتمل ](١٢) أنْ يكون لغيره ، فلو حمله على التصديق قطعًا [ !](١٣) -كان التقصير من المكلف؛ حيث قطع لا في موضع القطع، وهذا : كإنزال المتشابهات [في القرآن (١٤)] - فإنّه يوهم القبيح، ولكنَّه لَمَّا احتمل سائر الوجوه لم يقبح شيء منها من - الله - تعالى . فثبت : أنَّ الإلزام الذي أوردوه علينا في إحدى المقدّمتين وارد(١٥) عليهم في المقدّمة (١) كذا في: ص، وعبارة ح: ((بطل القول بالقبح)) وفي ي، آ، ن: ((بطل القبح))، وكذلك في هامش ل. (٢) لم ترد في غير آً . (٣) لفظ ص، آ: ((قلت)). (٥) لفظ ي: ((توهم)). (٥) آخر الورقة (١١) من: ح . .(٤) في ص، ل، ن: ((المعجزة)). (٦) سقطت من: ي. (٧) لفظ آ: ((بالتصديق ). (٩) لفظ ي: ((توهم ٥ وزاد بعدها: ((الفعل)). (٨) في ن : (( قبح )). (١٠) هذا شروع في تعليل لكلام مقدر - هو: ((أن ذلك ليس بقبيح )). (١١) لفظ ي ((محتمل )). (١٢) هذه الزيادة من أ. (١٤) لم ترد في ص . (١٣) هذه الزيادة من ص . (١٥) كذا في : آ، ي، وفيما عداهما: (( لازم )). - ١٣٥ - الأخرى ، وكل (١) ما يجعلونه (٢) جوابًا عنه في تقرير احدى المقدِّمتين - فهو جوابنا في تقرير المقدّمة الأخرى . والجواب عَمّا ذكروه ثالثًا : أنَّه وارد عليهم أيضاً، لأنَّ الكذب قد يكون حسنًا ، وذلك في صورتين : إحداهما (٣): أنَّ الكافر إذا قصد قتل النبيِّ فاختفى (٤) النبيُّ في دار إنسان. فجاء الكافر ، وسأل صاحب الدار عن ذلك النبيِّ ، وعلم صاحب الدار أنَّه لو أخبره عن مكان النبيِّ [ أو سكت (٥)] أو اشتغل بالتعريض- لقتله قطعًا، فها هنا : الصدقُ قبيح ، والكذب حسن . ثانيتهما (٦): [ و] أنَّ من توعّد غيره ظلمًا، وقال: ((إنِّي سأقتلك غدًا)) فلا شك أنَّه متى لم يفعل [ ذلك (٧)]، صار هذا (٨) الخبر كذبًا، فلو كان الكذب قبيحًا - لكان ترك هذه الأشياء مستلزمًا للقبيح، ومستلزم القبيح قبيح ، فيجب أن يكون ترك هذه الأشياء قبيحًا - : فيكون فعلها حسنًا لا محالة: وذلك (٩) باطل بالاتّفاق . (١) كذا في: ي ، ن ، آ، ص ، وفي: ح، ل ،: (( فكل)). (٢) لفظ ص: ((يجعلوه)). (٣) في ي: (( أحدهما)). (٤) لفظ ي : ((واختبي)). (٥) سقطت من : ي . (٦) في ل: « وئالیهما )). (٧) لم ترد في : ح ، ي ، ن ، ل . (٨) كذا في: ن، آ، وفيما عداهما: (( ذلك)). (٩) لفظ ي: ((وهو )). - ١٣٦ - فإِنْ قلتَ: الجواب عن الصورة الأولى من وجهين : الأول: [أَنَّ](١) لا نسلِّم أَنَّه يحسن الكذب هناك (٢)، ويقبح الصدق، فإِنَّ(٣) الواجب أن يأتي [ فيه ](٤) بالمعاريض، ((وإنَّ (٥) في الْمَعاريض لَمَنْذُوحَةٌ عن الْكَذِبِ ))(٦) . سلَّمنا أنَّه يحسن ذلك، ولكن »: كونه كذبًا يقتضي القبح، والحكم (٧) قد يتخلَّف عن المقتضى لمانع ، إلّا أنَّ الأصل حصول الحكم عند حصول العلّة؛ وهذا هو : الجواب [أيضًا (٨) ] عن الصورة الثانية. قلتُ : الجواب عن الأول : أنَّ الخبر (٩) إنَّما يصير من باب المعاريض بإضمار (١٠) أمر وراء » ما دلَّ الظاهر - عليه - : إِمَّا بزيادة أو نقصان، أو تقييد مطلق، أو تخصيص عام - مع أنَّه لا يُنَبِّهُ السامعَ على أنَّه نوى(١١) ذلك؛ لأنَّه لو نَبَّهَهُ عليه لما حصل المقصود. وإذا جَوَّرْتُمْ حسن ذلك لأجل مصحلة تقتضي ذلك - لم يمكنكم إجراء خطاب الله - تعالى - على ظاهره، إلَّ إذا عرفتم أنَّه لم يوجد هناك مصلحة [ أخرى](١٢) تقتضي صرفها عن ظواهرها، وذلك لا سبيل إليه إلَّا [ بـ (١٣)] أنْ يقال: لا يُعْرَفُ هذا المعارضُ؛ لكنّ عدم العلم بالشيءٍ لا يدلُّ على عدم الشيء. (١) لم ترد في : آ . (٢) لفظ أ: (( ههنا )). (٣) لفظ خ، ص: (( بل )). (٤) لم ترد في : ل . (٥) في ح، ص: ( فإن ». (٦) اقتباس من حديث سيأتى تخريجه . (٧) في آ: ((والقبح))، وهو تصرف من الناسخ. (٨) لم ترد في: ص. (٩) لفظ ي: ((الجير ))، وهو تحريف. (٥) آخر الورقة (١١) من : أ. (١٢) لم ترد في : ل، ص . (*) آخر الورقة (١٦) من : ن . -. (١٠) لفظ آ، ي: «بانضمام )). (١١) صحفت في: آ إلى: « يؤدي)). (١٣) لم ترد في ا، ي . - ١٣٧ - وعن الثاني : أنَّ تخلُفَ الأثر العقليِّ عن الموتِّر العقليِّ - محال ، وإلّا كان عدم المانع جزءًا من. العلَّة؛ وهو محال. ثم: إن (١) سلمنا [٥](٢)، لكنّ الإِلزام عائد عليكم؛ لأنّكم لمَّا جوَّرْتُم - في الجملة - (٢) تخلُّف الحکم عن المؤثر لمانع - : جاز في كل خير كاذب (٤) أن لا يكون قبيحًا لأجل (٥) أنَّه وجد مانع يمنع(٦) من قبحه ، وحينئذ: لا. يحصل القطع بكونه [قبيحًا] (٧)، بل غاية ما في الباب : أن يحصل الظن بقبحه [ فقط ] (٨). والجواب عما ذكروه رابعًا : أنَّه إنَّما ترجَّح (٩) الصدق على الكذب في تلك الصورة؛ لما أنّ أهل العلم (١٠). [ قد (١١) ] أنَّفقوا على قبح الكذب، وحسن الصدق؛ لِمَا أَنَّ نظام(١٢) العالم لا يحصل إلَّا بذلك. والإنسان لَمَّا نشأ على هذا الاعتقاد واستمر » عليه : لا جرم ترجَّح الصدق عنده على الكذب . فإِنْ قلتَ : أَنَا أفرض نفسي خالية عن الإِلْفِ [ والعادة(١٣ ) والمذهب والاعتقاد ، ثم أعرض على نفسي - عند هذا الفرض - هذه القضيَّة، فأجدها (١٤) جازمة بترجيح الصدق على الكذب . (١) كذا في: آ، ص ، ح ، ل ، وفي ي، ن: ( وإن )». (٢) لم ترد في ن ، وفي جميع النسخ لم يذكر جواب إن ، للعلم به. (٣) كذا في ي، ح، ص، ولعله الصواب، وفي ل، ن، آ: (( العلة)). (٤) لفظ ح: ((كذب)) ونحوها في ن مع اسقاط كلمة: (( خبر )). (٥) في آ، ن: (( لأنه )). (٦) لفظ آ: (( منع)). (٧) في ل: ((صدقاً)). (٨) لم ترد في : ن ، آ، ي ، ل . (٩) كذا في : آ ، وفي بقية النسخ : ( يرجع ). (١١) لم ترد: في غير آ. (١٠) في آ، ص، ل، ح: ((العالم)). (٥) آخر الورقة (١٢) من : ل . (١٢) في ن، ل زيادة: (( أهل )). (١٤) في ي : ((وأجدها)». (١٣) لم ترد في : ص . - ١٣٨ - قلت : هب أنَّك فرضت نفسك خالية عن هذه العوارض ، لكنَّ فرض الخُلُوِّ عن العوارض لا يوجب حصول الخُلُوِّ عن العوارض، بل (١) لو [ أني خلقت](٢) خاليًا عن العوارض - ففي ذلك الوقت لا أدري : هل كنت أحكم بهذا الحكم ، أم لا ؟. والجواب عما ذكروه خامسًا : أنَّ - عندنا - الموقوفَ على الشرع ليس [ هو (٣)] تصوُّر الحسن والقبح »، فإِنِّي قبل الشرع أتصوَّر ماهيَّة(٤) ترتّب العقاب والذمَّ على الفعل ، وعدم هذا الترتّب ، فتصوّر الحسن والقبح لا يتوقَّف على الشرع، [ و (٥)] إنَّما الموقوف على الشرع هو التصديق به ، فأين أحدهما [ من (٦)] الآخر؟. والله أعلم. * * وقد جرت عادة أصحابنا(٧) أن يتكلموا بعد هذه المسألة في مسألتين أخريين (٨): إحداهما : أنَّ شكر المنعم لا يجب عقلا . والثانية: أَنَّه لا حكم قبل [ ورود (٩)] الشّرع . واعلم أنَّا متى بيّنًا فساد القول بالحسن والقبح العقليّين - فقد صحَّ مذهبنا في هاتين المسألتين لا محالة (١٠). (١) لفظ ح، ص: (( بلى )). ... (٢) عبارة ل: ((أنا خلقنا))، وفي ص نحوها مع زيادة: ((أولا)) وسقطت من: ي . (٣) لم ترد في : ح ، ص . (*) آخر الورقة (١١) من: ح . (٤) في آ، ي، ن زيادة: ((الترتب)). (٥) هذه الزيادة من ح . (٨) سقطت من غير ص . (٧) في غير ي زيادة : (( في )). (٨) لفظ ل، آ: ((أخرتين ))، وهو تصحيف . (٩) لم ترد في : ي ، ص . (١٠) أي: ((على التنزل )). - ١٣٩ - لكنَّ الأصحاب سلَّموا (١) القول بالحسن والقبح « العقليّين(٢)، ثم (٢) بَيِّنُوا: ◌َّـ [ به(٤)] بعد تسليم هذين الأَصْلَيْنِ(٥) - لا يصح قول المعتزلة في هاتين المسألتين(٦). (٥) آخر الورقة (١٧) من : ن . (١) في: آ « تسلموا ؛ وهو تصحيف . (٢) في ل: ((العقليان))، وهو تصحيف . (٣) لفظ آ، ي: (( وبينوا )). (٤) لم ترد في ل ، آ، ي، ص. (٥) كذا في ي، آ. وفي غيرهما: « هذا الأصل)). هذا وقد قال الشارح الأصفهاني: إن في هذا الكلام نظراً، وبيانه: أنه إن كان الحكم في هاتين المسألتين لازمناً لهذه القاعدة لزوماً قطعياً، لا يتصور إقامة الدليل السالم عن المعارض القطعي على عدم الحكم في هاتين المسألتين بعد تسليم تلك القاعدة أصلا، وذلك لأنّه قد سلم الملزوم القطعيُّ لوجوب شكر المنعم عقلًا، ولأن الأشياء لها حكم قبل الشرع بالعقل ، ومتى كان الملزوم القطعي واقعًا، إمّا حقيقة، أو بحكم التسليم : استحال تخلف اللازم عنه فلا يقبل المعارضة . ومتى كان اللازم ظنيًّا، وكان وقوع الملزوم ظنيًا: كان الدليل المذكور قابلا للمعارضة. لكن متى سلمت لهم قاعدة الحسن والقبح العقليِّين: لزم ثبوت الحكم في هاتين المسألتين على وفق مذهبهم فلا يمكنًا إقامة الدليل على عدم الحكم في هاتين المسألتين على وفق مذهبنا بعد تسليم تلك القاعدة : فالصواب أن لا تسلم لهم القاعدة أصلا . فراجع : الكاشف (١ / ٤٠ - آ). ونحوه ما قاله القرافي، وعقب عليه بقوله: هذا من أفحش التناقض. فراجع: نفائسه (٧٨/١ - آ). ولكنه عاد يحاول الإجابة عما أورد بيان أن المسلم غير المتنازع فيه . فانظر: نفس المرجع (٧٨ - ب). قلت: وكأن الإمام قد قام بذهنه ما اعترض عليه الشارحان فقدَّم للمسألتين بقوله: ((وقد جرت عادة أصحابنا .. )) الخ ، كما أن البحث في هاتين المسألتين جار على التنزّل، والقصد: التوصُّل بطريق إيطال هذين الفرعين اللازمين للقاعدة تأكيد إبطال ملزومهما وهو القاعدة . فكأنه أبطلت القاعدة - وهي الأصل - ثم أكد. إبطالها بإبطال الفروع اللازمة لها تفصيلا . وهذا لا غبار عليه . (٦) حاول المصنف - رحمه الله - أن يسرد جميع أدلة المعتزلة سواء منهم الذين قالوا: بأنَّ الحسن والقبح في الأفعال ذاتيَّان - كما هو قول متقدميهم، أو الذين قالوا بالوجوه الاعتبارية - كما هو قول أبي علي وابنه والقاضي عبد الجبار ونحوهم . وكذلك حاول الإجابة عنها كلّها، ولقد أورد القرافي على ما ذكر المصنف ، تسعة عشر سؤالا منها ما هو له ، ومنها ما هو لغيره ومعظم هذه الأسئلة عائدة على عبارات المصنف كقوله: ((الأول: على قوله : إنّما النزاع في = - ١٤٠ -