النص المفهرس
صفحات 1561-1580
جواب آخر وهو أنه لو كان الظن(١) هو الأمارة لوجب إذا كانت أمارات المجتهدين متكافئة، فظن بعضهم أن بعضهم أولى من بعض أن يكون خطأ، كمن ظن أن الثور سُبُع، والحدأة باز، والحمار بغل. وقد علمنا أن أهل العلم فريقان في هذه المسائل(٢) فيعتقد فريق قوة أمارة التحليل. والآخر قوة أمارة التحريم فيجب أن يكون الكل على خطأ(٣)، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على خطأً(٤). وجواب [آخر] وهو أنه لو كانت الأمارة هي الظن، وأنه لا طريق له لوجب أن يشاركهم العامة في ذلك؛ لأن العامي يظن كما يظن العالم. ألا ترى أن العامة لما شاركت أهل العلم في العقليات في طريق الظن وجب عليهم أن يعلموا منه ما يعلم أهل العلم، ويجب عليهم التقليد(٥)، لم يصح ما قالوه. وجواب آخر وهو: أن الظن يتبع وجود الشىء في الأكثر الأغلب، كما نقول في الغيم الأسود يغلب على الظن وجود المطر معه. وكذلك التنفق (٦) في عُرْض الحائط يغلب على الظن وقوعه. (١) في الأصل: (الطرد)، والتصويب من شرح اللَّمع (١٠٦١/١). (٢) يعني : المسائل الاجتهادية. (٣) أي: على قول المعترض، وهو باطل؛ لأن الأمَّة لا تجتمع على خطأ. (٤) انظر : شرح اللُّمع، الموضع السابق. (٥) أي : يجب عليهم التقليد في المسائل الاجتهادية. انظر: التمهيد (٣٣٧/٤) وشرح اللُّمع (١٠٦٠/٢). (٦) النَّفَق بفتحتين: (سَرَب في الأرض يكون له مخرج من موضع آخر). انظر : المصباح المنير (٩٥٦/٢) مادة (نفق). ١٥٦١ وكذلك إذا كان لرجل عادة في الجلوس بالغداة للتدريس، أو في يوم من الأسبوع لمجلس النظر، واستمرت عادته على ذلك [٢٤٢/أ] في الأغلب الأكثر غلب على ظن كل من عرف ذلك منه في وقته. وكذلك إذا كانت عادة الإِنسان تَفْرقة صدقاته في شهر رمضان، وكثر ذلك من فعله واتصل، غلب على ظن كل من عرف ذلك أنه يفعل ذلك إذا أهلّ(١) شهر رمضان. وكذلك إذا كانت عادة الرجل أنه إذا أعطى ابنه أعطى ابنته، ثم ثبت بخبر الصادق أنه أعطى ابنه، غلب على ظن السامع أنه أعطى بنته. وإذا كان الظن يتبع وجود الشىء في الأغلب، تميز الحق من الباطل من طريق العلم وطريق الظن. وعلى قولهم: الأمارات متكافئة(٢). فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرت، وأن الأمارة في الاجتهاد في ترتيب الأدلة لوجب أن يعلم أو يظن مخالفك إذا نظر (٣) [و] اجتهد فيما نظرت فيه. قيل : ويجب إذا نظر مخالفك في مسائل الكلام أن يعلم مثل ما تذكر علمته أو ظننتَه. فإن قيل : لم ينظر فيما نظرت فيه، ولا رتب الدليل على ما رتبته عليه. قيل : وكذلك مخالفنا لم يرتب الدليل على وجهه ولم يضعه في حقه. (١) بالبناء للمفعول جائز. وبالبناء للفاعل جائز عند بعضهم. انظر: مختار الصحاح ص (٧٢٣) والمصباح المنير (٩٩٠/٢) مادة: (هلل). (٢) فليزم عليه أن الجميع حق، وهو ممنوع. انظر: شرح اللُّمع (١٠٧١/٢) والتبصرة ص (٥٠٨). (٣) في الأصل : (نظرت). ١٥٦٢ : وجواب آخر وهو: أنه قد ينظر في دليل وفيما نظرت فيه على ممر الأيام في مجالس النظر والتدريس والقراءة من كتابك، أو سمعه من لفظك فلم يصح قولك: ((إنه لم ينظر فيما نظرت فيه)). فإن قيل : تسبق إلى اعتقاده الشبهة فيمنعه ذلك، ويسوغ العلم بالدليل ومعرفة الطريق الصحيح. قيل : وكذلك مخالفنا في هذه المسائل، فلا فرق بينهما. وأيضاً: لو كان كل مجتهد مصيباً لكانت المناظرة بين أهل العلم خطأ وهوساً؛ لأن كل واحدٍ منهم عند صاحبه على حق، فلم يكن لمناظرتهم معنى، وكان بمنزلة مناظرة المتفقين فيما اتفقا فيه. فلما وجدنا أهل العلم في كل عصرٍ يتناظرون، ويحتج بعضهم على بعض دلّ على أن ليس كل مجتهد مصيباً. فإن قيل: إنما يتناظرون حتى يغلب على ظنِّ مخالفة ما (١) أدى إليه اجتهاده، فرجع إلى قوله. قيل : لا فائدة في رجوعه من حق. وكونه على ما هو فيه وانتقاله إلى ظن آخر سواء، بل في ذلك محمل الكلفة والعبث(٢) والتنازع والتخاصم، وليس هذا من عمل العقلاء. فإن قيل: إنما حسُنت المناظرة في طلب الأشبَه. قيل : عندك لم يُكلَّف طلب، فلا فائدة في المناظرة فيما لم يُكلَّف طلبُه. وأيضاً: فإنه لا خلاف [٢٤٢/ب] أن المجتهد في الحادثة كلِّف الاجتهاد (١) (ما) مكررة في الأصل. (٢) في الأصل : (البعث). ١٥٦٣ ( العدة فى أصول الفقه - ٩٩ ) في حكمها ليُميز الجائز من غير الجائز والصحيح من الفاسد. فلو كان الصواب في الجهتين لم يحتج إلى ذلك، فعلمنا أن هناك جائزاً(١) وغير جائز وصحيحاً وفاسداً (٢). فإن قيل : إنما يجتهد ليطلب النص أو الإجماع. قيل : إذا كان هناك نص أو إجماع سقط الاجتهاد. وأيضاً فإنه لا يخلو: إما أن يكون كُلِّف الاجتهاد لطلب الحكم، أو لأن فرضه الاجتهاد. ولا يجوز أن يقال: كُلِّف الاجتهاد. لأن فَرْضه الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد لا يراد لنفسه، وإنما يراد لغيره؛ لأن الانسان لا يكلف الاجتهاد ليصير مجتهداً. فثبت أن الاجتهاد لطلب الحكم. وإذا ثبت أن هناك حكماً مطلوباً (٣) صح قولنا، وبطل قولهم: إن فرضه الاجتهاد فقط، وليس هناك حكم مطلوب. ولا يصح قول من قال بالأشبه: إنه كلف الاجتهاد لإصابة الأشبه لما بينًّا، وهو: أنه لم يكلف طلب الأشبه، ولا إصابته، فلا معنى للاجتهاد في طلبه. فإن قيل : إنه كُلِّف الاجتهاد ليغلب على ظنه أن الحكم بهذا أولى من غيره. قيل : من كُلِّف طلب شىء يحتاج أن يكون ما كلفه(٤) موجوداً حال الطلب، فلا يكلف طلب شىء ربما حدث بعد الطلب، وربما لم يحدث. (١) في الأصل: (جائز)، وحقه النصب؛ لأنه اسم (أنّ). (٢) الأصل : (صحيح وفاسد) وحقه النصب عطفاً على اسم (أن) إلا على تقدير، والأصل عدمه. (٣) في الأصل : (حكم مطلوب) وحقهما النصب، اسم (أنّ) وصفة له. (٤) في الأصل : (كلف)، وسيذكره المؤلف بعد سطرين كما أثبتناه. ١٥٦٤ ! ألا ترى أن من كُلِّف طلب عبد آبق أو جمل شارد فإنه يصح؛ لأن ما كلفه موجود. وما يذهبون إليه من غلبة الظن أمر يحدث بعد الطلب، فلا يصح أن يكون الأمر بالاجتهاد لأجله. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينِةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةٌ عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ)(١). فأخبر أن القطع والترك جميعاً من الله، وأحدهما ضد الآخر. والجواب: أن هذه الآية وردت على سبب، وهو: أن رسول الله عَ ليه لما قطع نخل بني النضير وحرقها، قالت بنو النضير لرسول الله عَ له: إنك كنت تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بالك تقطع نخلنا وتحرقها؟! فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبرهم أن ما قطَع أو ترَك فبأمر الله تعالى(٢). وهذا يدل على أن الأمر في ذلك كان على التخيير في القطع والترك، فيجري مجرى التخيير في الكفارات، والحق في كل واحد منها. واحتج بقول النبي عَلّم: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وهذا عام في حال الانفراد والاختلاف. والجواب : أنا نحملُه على أن كل [٢٤٣/أ] واحد حجة حال الانفراد، ويكون القصد به أن قول الواحد حجة. واحتج : بأن الصحابة اختلفوا ولم ينكر بعضُهم على بعض، بل أقره عليه، (١) آية (٥) من سورة الحشر. (٢) ذكر هذا السبب ابن كثير في تفسيره (٣٣٣/٤) معزواً إلى يزيد بن رومان وقتادة ومقاتل أنهم قالوا ذلك. ١٥٦٥ وسوَّغ للعامي أن يستفتيَه ويعملَ بقوله. من ذلك: اختلافهم في الجد، هل يقاسم؟(١). وفي المُشَرَّكة(٢)، وغير ذلك. وقال عكرمة: (بعثني ابن عباس إلى زيد بن ثابت ليسأله عن زوج وأبوين فقال: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي للأب. قال : فأتيت ابن عباس فأخبرته بذلك، فقال ابن عباس: عُدْ إليه فقل له : للجد(٣) في كتاب الله تعالى ثلث ما بقي؟! فمن أعطى ثلث جميع المال أخطاً؟! قال: فأتيته، فقلت له. فقال لم يخطىء، ولكنه شىء رأيناه وشىء رآه)(٤). (١) مضى كثير من الآثار في اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في الجد. (٢) سيأتي قريباً تخريج أثر عن عمر - رضي الله عنه - في المشركة، وفي المواضع المشار إليها توجد الآثار التي تحكي خلاف الصحابة في هذه المسألة. (٣) في الأصل : (الجد). (٤) هذا الأثر أخرجه الدارمي في سننه في كتاب الفرائض، باب : في زوج وأبوين وامرأة وأبوين (٢٥٠/٢) ولفظه: (عن عكرمة قال : أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت : أتجد في كتاب الله للأم ثلث ما بقي؟! فقال زيد : أنت رجل تقول برأيك، وأنا رجل أقول برأيي). وأخرجه البيهقي في سننه في كتاب الفرائض، باب فرض الأم (٢٢٨/٦). وأخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه، في باب : ذكر ما روي عن الصحابة والتابعين في الحكم بالاجتهاد وطريق القياس (٢٠٢/١). وأخرجه ابن حزم في كتابه المحلَّى في كتاب المواريث، مسألة رقم (١٧١٦) (٣٢٨/١٠). وذكره ابن عبد البرِّ في كتابه جامع بيان العلم وفضله، باب : اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص (٧٢/٢). ١٥٦٦ : أ وقيل لعمر بن الخطاب في المُشَرَّكَة (١): لم تُشرِّك عام أول، وشَرَّكْت العام؟ فقال: (ذاك على ما فرضناه، وهذه على ما فرضنا)(٢). ولأن بعضهم ولَّى بعضاً مع اختلافهم في الأحكام. فروي عن أبي بكر أنه ولى زيد بن ثابت القضاء، وكان يخالفه في الجد وغيره. وولى عمر أبَّي بن كعب وشريحاً القضاء، وكانا يخالفانه. وكذلك ولى علي شريحاً وابن عباس. والجواب عن قولهم: («إنه لم يخطِّئء بعضهم بعضاً» غلط؛ لما روينا عن علي في قصة المرأة التي أَجْهَضَت ذا بطنِها: (إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأًا). وقول ابن عباس : ألا يتقي(٣) الله زيد. وجواب آخر وهو: أنه لم يخطِّىء بعضهم بعضاً؛ لأن الخاطىء فيه معذور، له على قصد الصواب أجر، وقد ورد الشرع بذلك. جواب آخر وهو: أنه إنما لم ينكر بعضهم على بعض لوجهين: أحدهما: أن الشرع منع من ذلك، وهو أنه ليس على هذه الأحكام (١) ضابط المشركة: (أن يوجد في المسألة زوج، وذات سدس من أم أو جدة وإخوة لأم اثنان فأكثر، وأخ شقيق فأكثر، سواءً أكانوا ذكوراً أم ذكوراً وإناثاً). (٢) هذا الأثر عن عمر - رضي الله عنه - أخرجه عنه الدارقطني في سننه في كتاب الفرائض (٨٨/٤/ رقم ٦٦) وأخرجه عنه البيهقي في سننه في كتاب الفرائض، باب : المشركة (٢٥٥/٦). وأخرجه سعيد بن منصور في سننه في كتاب الفرائض، باب : قول عمر في الجد (٦٧/١) رقم الحديث (٦٢) وليس فيه أنه قال ذلك في مسألة معينة، وإنما اختلف قضاؤه في مسألة فَرَضِيَّة فقال : (تلك على ما فرضنا، وهذه على ما فرضنا). وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في أول كتاب الفرائض (٢٤٩/١٠) رقم (١٩٠٠٥) في مسألة المشركة، ولفظه قريب من لفظ البيهقي. وراجع: التلخيص الحبير (٨٦/٣). (٣) في الأصل: (ألا لايتقي) بزيادة (لا). ١٥٦٧ أدلة مقطوع (١) عليها، وإنما طريقها غالب الظن. والثاني : أن الإِنكار في ذلك ربما أفضى إلى الفتنة والفساد والاختلاف. وقولهم: ((إن بعضهم ولَّى بعضاً))، فلا يلزم: [أولاً]: لأنه يبطل بكل عصر بعد الصحابة، فإنهم فعلوا هذا، ومنهم من يذهب إلى أن الحق في واحد من القولين. الثاني : أنه وإن كان على خلاف مذهبه، فإنه لا يعلم أنه يبقى على اعتقاده إلى حين الحكم لجواز أن يغلب على ظنه حين الحكم في الحادثة على موافقة(٢). الثالث : أنه وإن كان مخالفاً له، فإنه لا يقطع على خطئه، بل يُجَوِّز على نفسه الخطأ والصواب لصاحبه، فلهذا استخلفه ورضي بحكمه. واحتج: بأنه لو كان الحق في واحد من القولين، وقد نصب الله تعالى عليه دليلاً، وجعل إليه(٣) طريقاً، وكلف المجتهدين [٢٤٣/ب] إصابته، لوجب أن يكون المصيب عالماً به قاطعاً(٤) بخطأ من خالفه. ويكون المخالف آئماً فاسقاً، ويمنع من العمل بما أدى اجتهاده إليه، ووجب نقص حكمه إذا حكم به، وأن لا يسوغ للعامي أن يقلِّد من شاء من المجتهدين، ويكون بمنزلة من خالف الإجماع والنص ودليل مسائل الأصول من الصفات (١) في الأصل: (مقطوعاً) وحقه الرفع صفة لأدلة. (٢) يريد بهذا : أن المُؤَلَّى يكون مخالفاً في المسألة لمن ولاَّه حين التولية، لكن المولِّي لا يعلم استمرار من ولاه على هذه المخالفة، لجواز أن يتغير رأيه عندما يحكم في الحادثة فيحكم فيها على وفق رأي من ولاًه. (٣) في الأصل : (إلينا). (٤) في الأصل : (قطعاً). ١٥٦٨ 1 : i والقدر والإِمامة ونصب إمامين ونصب إمام من غير قريش، وما أشبه ذلك. ولما أجمعوا على أن المصيب غير عالم به فلا قاطع بخطأ من خالفه، ولا إثم عليه فيه، ولا ينقض حكمه إذا حكم به، ويُخَيَّر العامي في تقليد من شاء، دلَّ على أن كل مجتهد مصيب. والجواب: أَنَّا إنما لم نعلم إصابته للحق، ونقطع بخطأ من خالفنا؛ لأن الدليل على الأحكام غير مقطوع عليه، وإنما هو بأن [يكون] مقطوعاً (١) عليه، كنص القرآن ونص السنة المتواترة والإجماع. وبأن يكون غلبة الظن بخبر الواحد والقياس وشهادة الأصول فما (٢) كان دليله مقطوعاً عليه: علمنا إصابته، وقطعنا بخطأ من خالفنا، ونقضنا حكمه، وحكمنا بإثمه، ولم نُخَيِّر العامي في تقليده. وما كان غلبة ظن: لم نقطع بإصابة الحق وخطأ من خالفنا؛ لأن دليله غير مقطوع عليه. فإن قيل : فكان يجب أن ينصب عليه دليلاً مقطوعاً عليه ليتوصل به إلى الحق، كما نصب على مسائل الأصول. قيل : لا يجب هذا كما لم يجب في حكم الحاكم بشهادة شاهدين، فإنه يحكم به، وإن لم يقطع على صدقهما. وكالقِبلة، كُلِّف الاجتهاد في طلبها، وإن لم يكن دليلاً قاطعاً عليها. وقد قيل : إن الله تعالى دلنا على الحكم بدلالة قاطعة، وإن لم يدلنا على علة الحكم في الأصل؛ لأنه كلَّفنا العمل على أوْلى العلل وأقواها، وقد جعل لنا طريقاً نقطع معه. (١) في الأصل : (مقطوع). (٢) في الأصل: (فيما). ١٥٦٩ فإن إحدى العلتين أوْلى أن يتعلق الحكم بها وأنها موجودة في الأصل والفرع، وأنه يلزمنا العمل بها في الفرع. والطريق إلى ذلك هو وجوه الترجيح، وهي محصورة، فإذا وجدها أو أكثرها أو أقواها تختص إحدى العلتين، قطعنا على أنها أولى بأن تكون علة الحكم في الأصل من غيرها. كما أنَّا إذا رأينا أمارات الغَيْم الرطب، في بعض الغيوم، نحو كونه في الشتاء، وكونه كثيفاً قطعنا على أنه أولى أن يكون مطراً. وأمَّا التأثيم والتفسيق: فلا يجوز عليه ما ذكرنا، وهو أنَّا لا نقطع على خطئه، ولأن الشرع ورد بالعفو عن ذلك [٢٤٤/أ]، كما ورد بالعفو عن الخاطىء والناسي والمكره. يدل عليه قول الله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ) إلى قوله : (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) ولم يؤثم داود. وكذلك قال النبي - عليه السلام - : (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) فلم يؤثمه، بل جعل له الأجر مع الخطأ. وأمّا منعه من العمل بما أدى اجتهاده إليه فلا يمنع منه؛ لأن فرضه أن يحكم باجتهاده وبما يصح عنده، فلا يصح منعه منه. ولكن نقول إذا تزوج بغير ولي: ((إنه نكاح فاسد)). وإذا اشترى النبيذ ((إنه شراء فاسد)). وإذا شرب النبيذ: ((إنه شَرِب حراماً))، وما أشبه ذلك من طريق غلبة الظن والظاهر. وأما إذا حكم باجتهاده فإننا لا ننقض حكمه لما بينًا، وهو: أن الدليل غير مقطوع عليه، فلا يجوز نقضُه. (١) انظر: المغني لابن قدامة (١٦٣/٣) طبعة هجر. ١٥٧٠ ١ وقد قيل : إن في نقض الحكم فساداً؛ لأنه يكون ذريعة إلى تسليط الحكّام بعضُهم على بعض، فلا يشاء حاكم يكون في قلبه من حاكم شىء إلا وتعقب حكمه بنقض، فلا يستقر حكم، ولا يصح لأحد ملك، وفي ذلك فساد عظيم. وقد قيل : لا يمتنع أن يمنع من الحكم، وإذا حكم لم ينقض. كما منع من البيع عند النداء، والسَّوْم على سَوْم أخيه، والصلاة في الدار المغصوبة، ومع هذا فلا يبطل العقد(١) و الصلاة (٢). والجواب الصحيح على أصولنا: ما ذكرناه أولاً، وأنه غير مقطوع عليه. وأما تسويغ العامي تقليد من يشاء من المجتهدين فلعمري انه كذلك. وهو ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية الحسين بن بشَّار المخرمي وقد سأله عن مسألة من الطلاق فقال: ((إن فعل حنث. فقال له: يا أبا عبد الله إن أفتاني إنسان، يعني: لا يحنث؟ فقال له: تعرف حلقة المدنيين بالرّصافة؟ قال له: فإن أفتوني يحل؟ قال نعم))(٣). وهذا يدل على أنه لا يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتيين؛ لأنه أرشده إلى حلقة المدنيين، ولم يأمره بالاجتهاد في ذلك. (١) انظر مسألة البيع عند النداء من يوم الجمعة: المغني لابن قدامة (١٦٣/٣) طبعة هجر. وانظر مسألة السَّوْم على سوْم أخيه : المغني (٣٠٦/٦) فإنه قسمها إلى أربعة أقسام، وبيَّن حكم كل قسم. (٢) انظر مسألة الصلاة في الدار المغصوبة: المغني (٤٧٦/٢) ومعروف أن للحنابلة روايتين في هذه المسألة. (٣) قد سبق توثيق هذه الرواية في مسألة : للعامي أن يقلِّد من شاء من المجتهدين. ١٥٧١ ويدل أيضاً على أن العامي إذا سأل عالِمِيْن، فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإِباحة أنه يجوز له أن يأخذ بقول من أفتاه بالإِباحة. وكذلك نقل ابن القاسم الحنبلي(١) أنه قال لأحمد - رحمه الله -: ربما اشتدَّ علينا الأمر من جهتك فمن نسأل؟ فقال: ((سلوا عبد الوهاب))(٢). وكذلك نقل الحسن بن محمد بن الحارث عن أحمد - رحمه الله - أنه سئل عن مسألةٍ فقال: ((سل إسحاق بن راهويه))(٣). [٢٤٤/ب]. وكذلك نقل أحمد بن محمد البُرائي (٤) عن أحمد أنه سئل عن مسألة فقال : ((سل غيرنا، سل العلماء، سل أباثور)). (١) هو : أحمد بن القاسم الحنبلي، وقد سبقت ترجمته. (٢) هو : عبد الوهاب بن عبد الحكم بن نافع أبو الحسن الورَّاق. كان صالحاً ورعاً زاهداً ثقة. صحب الإِمام أحمد وسمع منه. توفي سنة (٢٥١هـ) على الراجح. له ترجمة في: تاريخ بغداد (٢٥/١١) وتذكرة الحفاظ (٥٢٦/٢) وتقريب التهذيب (٥٢٨/١) وتهذيب التهذيب (٤٤٨/٦) وطبقات الحفاظ ص (٢٢٩) وطبقات الحنابلة (٢٠٩/١). والكلام الذي نقله ابن القاسم عن الإِمام أحمد موجود في تذكرة الحفاظ في ترجمة عبد الوهاب. (٣) لم أجد هذه الرواية بهذا النص، وإنما وجدت في تاريخ بغداد - (٣٤٩/٦) بسند الحافظ الخطيب البغدادي إلى أبي بكر الأثرم قال : (قلتُ : لأبي عبد الله أحمد بن حنبل : إسحاق أبو يعقوب - أعني ابن راهويه - ترى الإِنسان أن يقصد إليه فيتعلم منه الفقه، فإنه رجل مُمكَّن؟ فقال: ما أفْهَمَه! هو كيِّس). (٤) في الأصل : (البراتي) بالمثناة الفوقية. وهو : أحمد بن محمد بن خالد بن يزيد بن غزوان أبو العباس البُرَاثي. سمع الإِمام أحمد - رحمه الله - ونقل عنه بعض المسائل. مات سنة (٣٠٠ هـ) وقيل سنة (٣٠٢هـ). ١٥٧٢ = : ١ وكأن المعنى في ذلك أنه لا سبيل له إلى معرفة الحق والوقوف على طريقه. وكل واحد من المجتهدين يفتيه بما أدى اجتهاده إليه، فيؤدي ذلك إلى حيرته، فجعل له أن يقلِّد أوثقهما في نفسه. ويخالف المجتهد؛ لأنه يمكن موافقته على طريق الحق ومناظرته فيه. واحتج: بأنه لو أداه اجتهاد[هُ] في وقت إلى جواز النكاح بلا ولِي فقضى به، ثم أداه اجتهاده في وقت آخر إلى خلافه لزمه أن يقضي بذلك، فلو كان الثاني خطأ ما لزمه الحكم به. والجواب : أنه(١) حينما أداه اجتهاده إلى الحكم بجوازه كان يعتقد أن ضده خطأ، وإنما صار صواباً في وقت آخر، فما (٢) اجتمع الجواز وضده في وقت واحد. واحتج: بأن اختلاف الفقهاء في مسائل الحوادث كاختلاف القُرّاء في الحروف، ثم ثبت أن كل من قرأ بحرف فهو مصيب، كذلك في الأحكام. والجواب: أن اختلاف القُرَّاء لا يفضي إلى مناقضة. ألا ترى أن كل من خالف في قراءة جاز له أن يقرأ بحرف غيره، فلهذا كان الكل صواباً، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه اختلاف في أحكام، ومن ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب أفضى إلى المناقضة. ألا ترى أنه لا يجوز أن يأخذ بالقولين معاً، فبانَ الفرق بينهما. = له ترجمة في: طبقات الحنابلة (٦٤/١). والكلام الذي نقله عن الإِمام أحمد هنا موجود في تاريخ بغداد (٦٦/٦) في ترجمة أبي ثور، وقد نقله بسنده إلى أحمد بن محمد البُرائي. (١) في الأصل : (أن). (٢) في الأصل : (كما). ١٥٧٣ فصل [الدلالة على أن ذلك غير مقطوع به] والدلالة على أن ذلك غير مقطوع عليه(١) أنه لو كان مقطوعاً عليه لم يلزمه أن يجتهد دفعة ثانية في تلك الحادثة، ولا يجتهد في صلاة ثانية في الجهة. ولمَّا أجمعنا على أنه يحدث اجتهاداً علمنا أنه غير مقطوع عليه. وليس لأحد أن يمتنع من هذا ويقول: إنه لا يلزمه أن يجتهد ثانياً؛ لأن هذا مخالف الإِجماع السابق، ولأنه لو كان مقطوعاً عليه لوجب أن ينقض بحكم الحاكم إذا خالفه، كما ينقض بمخالفة النص. وليس لهم أن يقولوا : إنما لم ينقض؛ لأنه يكون ذريعة إلى تسليط الحكام بعضهم على بعض؛ لأن هذا لا يمتنع، كما لم يمتنع عند مخالفة النص والإجماع. فإن قيل : أحد الحكمين يتميز عن الآخر بالتأثير الموجب للعلة وبكثرة الأصول. قيل : فيجب أن يؤثر في نقض الحكم [٢٤٥/أ] وإسقاط الاجتهاد دفعة ثانية، كما كان ذلك في المنصوص عليه. فإن قيل : قد وجدنا أن الحكم يتعلق بالعلة الشرعية كتعلقه بالعلة العقلية، فإنه ما دام عصيراً هو مباح، فإذا حدثت الشِّدة حُرم، فإذا زالت أبيح، فإذا عادت حُرم، فدل على أنها موجبة، كما أن الحركة لمَّا كانت دلالة على كون المتحرك متحركاً [كانت موجبة]. (١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٣٣٩/٤). ١٥٧٤ قيل : وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها لا يدل على أنها معلومة، كالنبيذ والاجتهاد في طلب القبلة، فإن ثبوت الحق يحصل لوجود [الشدة في] النبيذ ويعدم بعدمها، وليس شهادتهم مقطوعاً عليها، وكذلك الاجتهاد في القبلة غير مقطوع على إصابته. فصل [الدلالة على أن هناك حكماً مطلوباً] والدلالة على أن هناك حكماً مطلوباً(١) خلاف(٢) من قال : ليس هناك شىء سوى ما يغلب على ظنه: ما تقدم من الدلائل على أن الحق في واحد من القولين، فلولا أن هناك حكماً مطلوباً(٣) لم يكن الحق في أحدهما. وأيضاً: لما كان مأموراً بالاجتهاد وجب أن يكون هناك حكم مطلوب، كالاجتهاد في طلب النص، والاجتهاد في طلب القبلة، والاجتهاد في عدالة الشهود. فإن قيل : القبلة يجوز ترك التوجه إليها مع العلم بها في الخوف وفي السفر، ولا يجوز مثل ذلك في أحكام الحوادث، مثل الطلاق والعتق والنكاح. قيل : حال الخوف والسفر هو غير مأمور بالتوجه إلى القبلة، وإنما جاز تركها مع العلم للضرورة، ولا ضرورة بنا إلى ترك النص في غيرها من الأحکام. (١) في الأصل : (حكم مطلوب)، وحقه النصب كما هو معروف. (٢) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٣٤٤/٤) والتبصرة ص (٤٩٨). (٣) في الأصل : (حكم مطلوب). ١٥٧٥ i فإن كان هناك ضرورة جاز، كاستباحة طعام الغير للضرورة. فإن قيل : القبلة عين متوصل إليها، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأن المطلوب ليس بعين. قيل : في حال الغيبة لا يتوصل إليها، ويجري حكمها مجرى سائر الأحكام. وأيضاً: قد بينًا أن المجتهد كُلِّف الاجتهاد، والاجتهاد لا يراد لنفسه، وإنما يراد لغيره. ولأن الاجتهاد في طلب ماليس بشىء ليحققه : لا يصح. ألا ترى أنه لا يصح أن يقول المجتهدُ: في غالب ظنٍ هو مصيب للظن، وإنما يقول [في] غالب ظنٍ: إنه مصيب الحقيقة. فعلم أن هناك مطلوباً(١) غير الظن. يبين هذا: أن الظن لابد أن يتعلق بمظنون ثابت على الحقيقة. فصل [إذا ثبت أن هناك حكماً مطلوباً فإنه قد كلف إصابته] وإذا ثبت أن هناك حكماً مطلوباً(٢) [٢٤٥/ب] فإنه قد كلف إصابته(٣) خلاف من قال: هناك أشبه مطلوب، لكن لم يكلف إصابته. والدلالة عليه: ما تقدم من الدلائل على أن الحق في واحدٍ، وأن أحد المجتهدين مخطىء. (١) في الأصل : (مطلوب) وحقه النصب اسم (أن). (٢) في الأصل : (حكم مطلوب). (٣) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٣٤٤/٤) والتبصرة ص(٤٩٨) وشرح اللُّمع (١٠٥٠/٢). ١٥٧٦ وإذا ثبت خطؤه علمنا أن هناك معنى قد كُلِّف إصابته، فأخطأه. فإن كان ذلك المعنى الحكم على ما نقوله نحن فيجب طلبه. وإن كان الأشبه(١) بالحادثة فيجب أيضاً طلبه. ولأن الأشبه لا يُراد لنفسه، وإنما يُراد لغيره، وهو إثبات الحكم الحادث، فعلم أن هناك حكماً مطلوباً(٢). فإن قيل : لا يمتنع أن يكون هناك مطلوب ولم يكلف إصابته، كالقبلة والفَقْر ويوم عَرَفَة. قيل : هناك كُلِّف الإِصابة، ولكن سقطت الإِعادة لدلائل شرعية، ذكرناها في مواضعها، وهو: أن جهات القبلة تثبت بالاجتهاد. فإذا اجتهد ثم أخطأ، فلو أمرناه بالإِعادة لنقضنا اجتهاد [٥] أولاً باجتهاد[٥] آخر، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. وكذلك الفقر ثبت بالاجتهاد والغنى أيضاً، فلو قلنا: يعيدُ نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد. وعَرَفَة لا نأمن أن يُخطِىء في القضاء كما أخطأ في الأداء. وغير ذلك مما يذكر [في] مواضعه. يبين صحة هذا: أن في الشرع مواضع إذا أخطأها أعاد. مثل : أن يصلي ثم يتبين أن الوقت لم يدخل. أو توضأ بماء يظنه طاهراً فبان نجساً. وغير ذلك. (١) انظر اختلاف الأصولين في تفسير ((الأشبه)) في المراجع السابقة، والمعتمد (٩٨٢/٢). (٢) في الأصل : (حكم مطلوب). ١٥٧٧ لأنه لم يدل الدليل على سقوط الإِعادة، فثبت أن القبلة وعرفة والفقر كُلِّف إصابته، وإنما سقطت إصابته لدليل. مسألة قد كان يجوز لنبينا - عليه السلام - الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع عقلاً وشرعاً(١). وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة (٢) هذا فيما كتب به إلى أبي إسحاق بن شاقْلاً في جوابات مسائل، وقال: الدليل على أن سنته وأوامره قد كانت(٣) بغير وحي وأنها كانت بآرائه واختياره: أنه قد عوتب على بعضها، ولو أُمِر بها لما عوتب عليها. من ذلك: حكمه في أسارى بدر، وأخذ الفدية، فقيل له: (مَا كَانَ لِنَّبِيٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ أُسْرَى حَتَّى يُتْخِنَ فِى الْأَرْضِ) (٤). ومنه : إذنه في غزوة تبوك للمخلفين بالعذر حتى تخلَّف من لا عذر له، حتى قيل له: (عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أُذِنْتَ لَهُمْ)(٥). (١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٣٧٣/٤) وروضة الناظر (٤٠٩/٢) والبُلْبُل ص(١٧٥) والمسوَّدة ص(٥٠٧) وشرح الكوكب (٤٧٤/٤). (٢) هو : عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان أبو عبد الله العكبري الحنبلي، المعروف بابن بطة. سمع جماعة من شيوخ المذهب، منهم أبو عبدالله بن حامد وأبو حفص العكبري. كان محدثاً فقيهاً. له مؤلفات كثيرة، منها: الإِبانة الكبرى، والإِبانة الصغرى، والسنن، والمناسك. ولد سنة (٣٠٤هـ) وتوفي سنة (٣٨٧هـ). له ترجمة في: شذرات الذهب (١٢٢/٣) وطبقات الحنابلة (١٤٤/٢). (٣) في الأصل: (كان). (٤) آية (٦٧) من سورة الأنفال. (٥) اية (٤٣) من سورة التوبة. ١٥٧٨ ومنه: قوله: (وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرٍ)(١). فلو كان وحياً لم يشاورهم فيه(٢) وقد أوما أحمد - رحمه الله - إلى صحة ما قاله [٢٤٦/أ) أبو عبد الله بن بطة في رواية الميموني لما قيل له : ((ها هنا قوم يقولون: ما كان في القرآن أخذنا به، [قال](٣): ففي القرآن تحريم لحوم الأهلية؟! والنبي عَ له يقول: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)(٤) وما علمهم بما أوتي)). (١) آية (١٥٩) من سورة آل عمران. (٢) في الأصل: (لم يشاورونه) والتصويب من طبقات الحنابلة (١٦٤/٢) والمسوَّدة ص(٥٠٨). وكلام أبي عبد الله بن بطة هنا موجود بنصه في المصدرين السابقين. (٣) الزيادة من المسوّدة. (٤) هذا الحديث رواه المقدام بن معد يكرب رضي - الله عنه ــ مرفوعاً. أخرجه عنه أبوداود في كتاب السنة، باب في لزوم السنة (١٠/٥) رقم الحديث (٤٦٠٤). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - (٣٨/٥) (رقم ٣٦٦٤) وقال فيه : (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه). وأخرجه عنه ابن ماجة في المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (٦/١) رقم (١٢). وأخرجه عنه الدارمي في باب السنة قاضية على كتاب الله (١١٧/١) رقم (٥٩٢). وأخرجه عنه الإِمام أحمد في مسنده (١٣١/٤). وأخرجه ابن حبان في كتابه موارد الظمآن، باب اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ص (٥٥) رقم (٩٧). وأخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه، باب الكلام في الأصل الثاني من أصول الفقه، وهو السنة (٨٩/١). ويلاحظ : أن حديث أبي داود أتم، وقد ورد فيه اللفظ الذي ذكره المؤلف. ١٥٧٩ ( العدة فى أصول الفقه - ١٠٠ ) وذكر أبو حفص(١) في الجزء السابع من البيوع في باب التَّسْعير: حدثنا بإسناده عن أبي فضلة(٢) قال: أصاب الناس على عهد رسول الله عَ له سَنَة. فقالوا: يا رسول الله سَعِّر لنا. فقال: (لا يسألني الله عن سُنَة أحدثتها فيكم (٣) لم يأمر الله تعالى بها)(٤). قال أبو حفص: هذا دليل على أن كلٍ سُنَّة سَنَّها النبي عَ لَّه لأمته فبأمر الله تعالى، بقوله : (لا يسألني الله عن سُنّة أحدثتها). واعلم أنه لا يحدث سنة إلا بأمر الله (٥)، وبهذا نطق القرآن، فقال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحَى)(٦). والأول أصح، وبه قال أصحاب أبي حنيفة، فيما حكاه الجرجاني والسرخسي(٧). (١) هو أبو حفص العكبري كما في المسوَّدة ص (٥٠٨) وهو : عمر بن محمد بن رجاء، وقد سبقت ترجمته. (٢) هكذا في الأصل، وفي طبقات الحنابلة (١٦٣/٢): (ابن بطة). (٣) في الأصل (فيما) والتصويب من المسؤَّدة ص (٥٠٨) ومن طبقات الحنابلة الموضع السابق. (٤) لم أجد هذا الحديث في مرجع معتمد، وإنما رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ذكره في كتاب المسوَّدة الموضع السابق، ولم يعلق عليه بشىء. كما رأيت ابن أبي يعلى ذكر في طبقاته في الموضع السابق في ترجمة أبي حفص العكبري : أن أبا حفص يرى أن كل سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته فبأمر الله، واحتج على ذلك بما رواه بإسناده عن ابن بطة قال: (أصاب الناس .. ) الحديث. (٥) هذا هو رأي أبي حفص العكبري كما سبق بيانه نقلاً عن طبقات الحنابلة. (٦) آية (٣ - ٤) من سورة النجم. (٧) وهو كذلك، إلا أنهم يرون أنه ينتظر أولاً الوحي، فإذا مضت مدة الانتظار ولم ١٥٨٠ i